وَقَوله: يَوْم يَأْتِ وَقُرِئَ: " يَوْم يَأْتِي " بِالْيَاءِ. وَحكى الْخَلِيل وسيبويه أَن الْعَرَب تَقول: لَا أدر، أَي: لَا أَدْرِي. وَذكر الْفراء أَن الْعَرَب تجتزيء بالكسرة عَن الْيَاء بعْدهَا. وَقَوله: لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ فِي الْآيَة سُؤال مَعْرُوف وَهُوَ: أَن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي (مَوضِع) آخر: وَأَقْبل بَعضهم على بعض يتساءلون وَقَالَ هَاهُنَا: لَا تكلم نفس إِلَّا بِإِذْنِهِ فَكيف وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا؟
الْجَواب: قد ذكرنَا أَن فِي الْقِيَامَة مَوَاقِف؛ فَفِي موقف يَتَكَلَّمُونَ ويتساءلون، وَفِي مَوضِع يسكتون وَلَا يَتَكَلَّمُونَ، وَفِي موقف يخْتم على أَفْوَاههم وتتكلم جوارحهم، وَقيل غير هَذَا، وَقد بَينا.
وَقَوله: فَمنهمْ شقي وَسَعِيد الشقاوة: قُوَّة أَسبَاب الْبلَاء، والسعادة: قُوَّة أَسبَاب النِّعْمَة. وَمعنى الْآيَة هَاهُنَا عِنْد أهل السّنة: فَمنهمْ شقي سبقت لَهُ الشقاوة، وَمِنْهُم سعيد سبقت لَهُ السَّعَادَة.
وَفِي الْأَخْبَار المسندة: أَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف لما حَضرته الْوَفَاة أُغمي عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاق قَالَ: أَتَانِي ملكان فظان غليظان وجراني وَقَالا: تعال نحاكمك إِلَى الْعَزِيز الْأمين، قَالَ: فلقيهما ملك وَقَالَ: أَيْن تريدان بِهِ؟ قَالَا: نحاكمه إِلَى الْعَزِيز الْأمين، فَقَالَ لَهما: خليا عَنهُ، فَإِنَّهُ مِمَّن سبقت لَهُ السَّعَادَة فِي الذّكر الأول.
فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق (١٠٦)
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ فِي خبر ملك الْأَرْحَام: " إِنَّه إِذا كتب أَجله وَعَمله ورزقه يَقُول: يَا رب، أشقي أم سعيد؟ فَيَقُول الله تَعَالَى، وَيكْتب الْملك ". خرجه مُسلم.
وروى ابْن عمر عَن عمر - رَضِي الله عَنْهُمَا - " أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى: فَمنهمْ شقي وَسَعِيد قَالَ عمر: يَا رَسُول الله: فيمَ الْعَمَل؟ أنعمل فِي أَمر قد فرغ مِنْهُ وَجَرت بِهِ الأقلام، أَو فِي أَمر لم يفرغ مِنْهُ؟ فَقَالَ: بل فِي أَمر قد فرغ مِنْهُ وَجَرت بِهِ الأقلام يَا عمر، وَلَكِن كل ميسر لما خلق لَهُ ". أوردهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامعه.
وَقَالَ بَعضهم: إِن السَّعَادَة والشقاوة هَاهُنَا فِي الرزق والحرمان. وَقَالَ بَعضهم: الشقاوة: بِالْعَمَلِ السيء، والسعادة: بِالْعَمَلِ الْحسن. والمأثور الصَّحِيح هُوَ الأول.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم