قوله : فَأَمَّا الذين شَقُواْ الجمهورُ على فتح الشين ؛ لأنَّهُ من " شَقى " فعلٌ قاصر وقرأ الحسن(١) بضمها فاستعمله متعدِّياً، فيقال : شقاهُ الله، كما يقالُ : أشقاء الله وقوله : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ في هذه الجملة احتمالان :
أحدهما : أنَّها مستأنفةٌ، كأنَّ سائلاً سأل حين أخبر أنَّهُم في النَّار : ماذا يكون لهم ؟ فقيل : لهم كذا.
والثاني : أنها منصوبةُ المحلِّ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنَّهُ الضميرُ في الجرِّ والمجرور وهي " فَفِي النَّار ".
الثاني : أنها حالٌ من " النَّار " و " الزَّفير " بمنزلة ابتداء صوت الحمار، و " الشّهيق " آخره قال رؤبة :[ الرجز ]
حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلاً أوْ شَهَقْ *** حتَّى يُقالَ نَاهِقٌ وما نَهَقْ(٢)
وقال ابن فارس : الزَّفيرُ ضد الشَّهيق ؛ لأنَّ الشَّهيق ردُّ النَّفَس والزَّفير : إخراجُ النَّفس من شدَّة الحزنِ مأخوذة من الزَّفْرِ وهو الحِمْل على الظَّهْرِ، لشدَّته.
وقال الزمخشري نحوه ؛ وأنشد للشَّمَّاخِ :[ الطويل ]
بَعِيدٌ مَدَى التَّطْريبِ أوَّلْ صوْتِهِ *** زفيرٌ ويتلوهُ شهيقٌ مُحَشْرِجُ(٣)
وقيل الشَّهيقُ : النَّفس الممتدُّ، مأخوذٌ من قولهم :" جبلٌ شاهقٌ أي : عالٍ ".
وقال اللَّيْثُ : الزَّفير : أن يملأ الرَّجُلُ صدرهُ حال كونه في الغمِّ الشَّديد من النَّفس ويخرجهُ، والشَّهيق أن يخرج ذلك النَّفس، وهو قريبٌ من قولهم : تنفَّس الصعداء.
قال ابن الخطيب(٤) : إنَّ الإنسان إذا عظم غمه انحصر روح قلبه في داخل القلب، فتقوى الحرارةُ وتعظم، وعند ذلك يحتاجُ الإنسان إلى النفس القوي لأجل أن يستدخل هواء بارداً حتى يقوى على تريوح تلك الحرارة، فلهذا السَّبب يعظم في ذلك الوقتِ استدخال الهواء في داخل الصَّدْرِ، وحينئذٍ يرتفع صدره، ولمَّا كانت الحرارةُ الغريزيةُ، ولاروح الجوانيُّ محصُوراً في داخل القلبِ ؛ استولت البرودةُ على الأعضاءِ الخارجة ؛ فرُبَّما عجزت آلات النفس عن دفع ذلك الهوى فيبقى ذلك الهواء الكثير منحصراً في الصدر.
فعلى قول الأطباء : الزَّفير : هو استدخالُ الهواءِ الكثير لترويح الحرارة الحاصلة في القلب بسبب انحصار الروح فيه، والشَّهيق : هو إخراج ذلك الهواء عند مجاهدة الطَّبيعة في إخراجه، وكلُّ من هاتين الحالتين تدل على كرب شديد.
وقال أبُو العالية والربيع بن أنس : الزَّفير في الحلق، والشَّهيق في الصدر(٥) وقيل : الزَّفيرُ للحمار والشهيق للبغل. وقال ابن عباس : الزَّفيرُ الصوت الشديد، والشَّهيق الصوت الضعيف(٦) وقال الضحاك ومقاتلٌ : الزَّفير أول صوت الحمار والشهيق آخره، إذا ردَّهُ في صدره(٧) وقال الحسنُ : الزَّفيرُ لهيبُ جهنّم يرفعهم بقوته حتى إذا وصلُوا إلى أعلى جهنم، وطمعوا في أن يخرجوا منها ضربتهُم الملائكة بمقامع من حديد وردوهم إلى الدرك الأسفل من جهنَّم، وهو قوله تعالى :
كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا [ السجدة : ٢٠ ] فارتفاعهم في النَّار هو الزَّفير، وانحطاطهم مرة أخرى هو الشهيق(٨).
وقال أبو مسلم : الزَّفيرُ ما يجتمع في الصَّدْرِ من النَّفس عند البكاء الشَّديد فيقطع النفس، والشهيقُ هو الصَّوت الذي يظهرُ عند اشتداد الكرب، وربما تبعه الغشية، وربما حصل عقيبه الموت. وروي عن ابن عبَّاس في قوله : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ أي : ندامةً ونفساً عالياً وبكاء لا ينقطع وحزناً لا يندفع.
٢ ينظر: ديوانه (١٠٦) برواية:
حشرج في الصدر سحيلا ***...
وروح المعاني ١٢/١٤١ واللسان (حشرج) والبحر المحيط ٥/٢٥٢ والدر المصون ٤/١٣٢..
٣ البيت في ديوانه برواية:
بعيد مدى التطريب أول نهاقه *** سحيل وأخراه حي المحشرج
ينظر: ديوانه (٨٨) وروح المعاني ١٢/١٢٦ والبحر المحيط ٥/٢٥٢ والكشاف ٢/٤٣٠ والدر المصون ٤/١٣٢..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ١٧/٥٠..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/١١٤) عن أبي العالية وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٤٠٢)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/١١٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٦٣٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ والبيهقي في "البعث والنشور"..
٧ أخرجه الطبري (٧/١١٤) عن قتادة بمعناه.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٢/٤٠٢) عن الضحاك ومقاتل..
٨ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٨/٥٠) عن الحسن..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود