ثم يبين لنا الحق سبحانه منازل من شقوا، ومنازل من سعدوا ؛ ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل، فيقول سبحانه :
فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق(١) ( ١٠٦ ) :
والذين حكموا على أنفسهم بالشقاء لخروجهم عن منهج الله ؛ يجمعهم الشقاء ؛ لكنهم يدخلون النار أفرادا وزمرا.
والحق سبحانه يقول : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا(٢).. ( ٧١ ) [ الزمر ].
وفي آية أخرى يقول سبحانه : كلما دخلت أمة لعنت(٣) أختها.. ( ٣٨ ) [ الأعراف ] :
وهكذا نفهم أن الكافرين –في الوصف الثابت- أشقياء، لكنهم لحظة دخول النار إنما يدخلونها أفرادا ؛ بل ويدخل معهم بعض من المسلمين العصاة، ويتلقى كل واحد منهم عقابه المناسب لما ارتكب من الذنوب والمعاصي ؛ ويعاني كل منهم من شقاء يتناسب مع آثامه ؛ وبذلك يجتمعون في الشقاء ويختلفون في نوع من شقاء يتناسب مع آثامه، وبذلك يجتمعون في الشقاء ويختلفون في نوع وكمية العذاب ؛ كل حسب ذنوبه، ولا يظلم ربه أحدا.
وجاء الحق سبحانه هنا بالفعل " شقوا " ليبين لنا أنهم هم الذين اختاروا الشقاء ؛ وأتوا به لأنفسهم ؛ لأن الحق سبحانه خلق عباده وترك لكل منهم حق الاختيار ؛ وأنزل لهم المنهج ؛ ليصونوا أنفسهم ؛ وأعان –من اختار الإيمان- على الطاعة.
ثم يذكر الحق سبحانه في نفس الآية موقف من أدخلوا على أنفسهم الشقاء، فيقول عنهم.
.. ففي النار لهم فيها زفير وشهيق ( ١٠٦ ) [ هود ] : ونحن نعلم أن الذي يتنفس في النار سيخرج الهواء من صدره ساخنا مثلما يأخذ الشهيق ساخنا.
٢ - الزمر: جمع زمرة، وهي الفوج والجماعة. قال تعالى: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا...(٧١) [الزمر]، وقال تعالى: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا...(٧٣) [الزمر]. [القاموس القويم: مادة [ز م ر] بتصرف..
٣ - اللعنة: السخط والإبعاد عن الرحمة، فاللعن: السب والدعاء بالطرد من رحمة الله. [القاموس القويم. مادة: لعن]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي