٧١١- في هذه الآية من المسائل : من الذين شقوا ؟ هل يتدرج العصاة فيهم أم لا ؟ وما معنى الزفير والشهيق ؟ وهل هما مترادفان أو متباينان ؟ وما معنى الاستثناء في الآية ؟ وهل ذلك يأبى الخلود الدائم أم لا ؟ لأن السماوات والأرض لا يدومان، وذلك يقتضي ألا يدوم نعيم ولا عذاب، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة ؟ وما معنى المجذوذ ؟
والجواب : اختلف في : الذين شقوا ، فقيل، الكفار والعصاة الذين لا يخلدون، وقيل : الكفار الذين يخلدون فقط، وهو الصحيح.
والزفير : صوت شديد خاص بالمحزون والوجع.
والشهيق : يكون في صوت الباكي الذي يصيح خلال بكائه.
وقال ابن عباس : الزفير صوت حاد، والشهيق صوت ثقيل.
وقال ابن العالية : الزفير من الصدر، والشهيق من الحلق، وقيل بالعكس(١).
وقال قتادة : الزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره. فصياح أهل النار كذلك(٢).
وقيل : الزفير مأخوذ من الزفر، وهو الشدة، والشهيق مأخوذ من قولهم جبل شاهق.
وأما الاستثناء، فاختلف العلماء في السماوات والأرض، المذكورات في الآية : فقيل : سماوات الدنيا وأرضها.
وقيل : سماء الجنة وأرضها، وسماء النار وأرضها، فقيل : إن الله يبدل السماء والأرض يوم القيامة، ويجعل الأرض مكانا لجهنم والسماء مكانا للجنة، ويتأبد ذلك، فأخبرت الآية عن خلود الفريقين ببقائهما.
وعن ابن عباس : إن الله تعالى خلق السماء والأرض من نور العرش، ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة، فيحصل معنى التأبيد والخلود(٣).
فأما الاستثناء فباعتبار مبدأ خلقهما، فإن مقتضى الآية : أن مدة الخلود تنطبق على مدة الدوام، بحيث لا يبقى جزء إلا ومعه جزء من الآخر، لكن السماوات والأرض دائمة من أول خلق العالم إلى يوم القيامة، وليس مع هذا الدوام خلود ولا دخول، فهذا هو المستثنى، وهو استثناء متصل صحيح المعنى.
ويرد على هذين القولين ما في الحديث الصحيح : " إن الله تعالى يجعل أول فري أهل الجنة فرصة الأرض بزيادة كبد النون الذي عليه الأرض " (٤). والحكمة في ذلك إفهام أهل الجنة أن الأرض التي كانت محل التعب والنصب والموت قد ذهبت، وهاهي كلوتها، فلا يخطر بعد ذلك بالبال تنغيص بتوهم الرجوع إلى هذه الدار، ومفارقة ذلك النعيم المقيم العظيم، وأكل الأرض يأبى جعلها أرض النار أو الرجوع إلى العرش.
وقيل : بل الخطاب جاء على عادة العرب في التعبير بهذه العبارة عن الدوام المطلق، كقوله : " لا فعلته أبد الدهر " و " ما ناح الحمام " و " ما طرد الليل النهار " إلى غير ذلك من عباراتهم التي يقصدون بها الدوام المطلق(٥).
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يختار في هذه المسألة أن الخطاب يقع في لسان العرب بحسب الاعتقاد، وإن كان الواقع في نفس الأمر يخالفه، كقوله تعالى : والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (٦) أي في رأي العين والاعتقاد، وإلا فالقمر في نفسه لم يعد كالعرجون. وكذلك قوله تعالى : ... وجدها تغرب في عين حمئة (٧) أي الاعتقاد للرائي لها في ذلك الموضع كما يقول راكب البحر المالح : " الشمس تطلع من البحر وتغرب في البحر "، وهي لا تطلع من البحر ولا تغرب فيه.
ومن قوله تعالى : يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه (٨) أي في اعتقاد الناس في جاري العادة، وإلا فالعودة والبداءة على الله تعالى سواء، والعرب كانت تعتقد عدم البعث ودوام العالم لقوله :
وكل أخ يفارقه أخوه*** لعمرو أبيك إلا الفرقدان.
فخوطبوا بحسب اعتقادهم، وقيل لهم : " حال هؤلاء في دوام عذابهم ونعيمهم كما يعتقدونه في السماوات والأرض ".
وحكى ابن عطية في تفسيره : أن الاستثناء في الآية إنما هو على طريق الاستثناء الذي ندب إليه، كما قال تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين (٩) قال : لا يوصف هذا الاستثناء بأنه متصل ولا منقطع، لأنه ليس من باب الاستثناء.
وهذا لا يتجه لما تقدم من صحة الاستثناء، أن الإخراج واقع وحق بما تقدم من دوام السماء والأرض.
وقيل : " إلا " بمعنى الواو، أي " وما شاء ربك دوام السماء والأرض ".
وقيل : الاستثناء منقطع، تقديره : " إلا ما شاء ربك زائدا على ذلك، فلا يكون الحكم بعد إلا بنقيض ما حكم به قبلها، فيكون منقطعا من هذا الوجه، كقوله تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى (١٠).
وقيل : " إلا " بمعنى : سوى. وقيل : " سوى ما شاء ربك من أنواع العذاب غير المذكور لنا ". وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة، بل الاستثناء صحيح على بابه بمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول. هذا كله إذا قلنا : " سماوات الدنيا وأرضها ".
وإن قلنا : " سماوات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها " فهي تدوم لا إشكال في الدوام، وإنما يبقى الإشكال في الاستثناء، وهو صحيح بسبب أن مذهب أهل الحق : الجنة والنار مخلوقتان في دار الدنيا قبل يوم القيامة. وعلى هذا وجد دوام سمائهما وأرضهما، وليس معه خلود البتة من مبدإ خلقهما إلى حين صدق الخلود، وهو زمان عظيم، حسن الاستثناء باعتباره استثناء صحيحا متصلا لا إشكال فيه، وينبغي أن يعلم أن الخلود لا يتحقق بالدخول بل إنما يتحقق بالمكث الطويل. ولذلك قال العلماء في قوله تعالى : فادخلوها خالدين (١١) : إنها حال مقدرة مستقبلة غير مقارنة، فإن الدخول في أوله ليس معه خلود، ويكون مثل قول العرب : " على يده صقر صائدا به غدا " أي : مقدرا الصيد به.
ومعنى المجذوذ : المقطوع.
سؤال : لم قدم الكلام في الآية على الذين شقوا على الذين سعدوا. وعادت العرب تقديم الأفضل والأهم، كقولهم : أنشد النبي حسان بن ثابت، وقال الله تعالى : إياك نعبد وإياك نستعين (١٢) ولأن رتبة الشرف تقتضي التقديم ؟
والجواب : أن الكلام لما كان في سياق الوعيد والزجر كان الاهتمام واقعا بذكر الأشقياء، لأن بعذابهم يحصل الزبر لا بنعيم أهل السعادة. فمقصود الآية يقتضي تقديم أهل الشقاء وذكر أحوالهم قبل غيرهم. وهذه الآية في معناها واستثنائها من المهمات في الدين، فينبغي أن يعتنى بها. وقد اتضحت بفضل الله تعالى اتضاحا جليا كافيا. ( الاستغناء : ٣٢٩ إلى ٣٣٤ )
٢ - ن: جامع البيان للطبري: ٧/١١٤..
٣ - لم أعثر على هذه الرواية فيما اطلعت عليه من كتب التفسير بالمأثور..
٤ - أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقائق، الباب: ١٦. ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد، الباب: ٢٨. وأحمد في مسنده: ٣/١٢٠..
٥ - قابل بمثل ما أورده الطبري في تفسيره: ٧/١١٤..
٦ - سورة يس: ٣٩..
٧ - سورة الكهف: ٨٦..
٨ - سورة الروم: ٢٧..
٩ - سورة الفتح : ٢٧..
١٠ - سورة الدخان: ٥٦..
١١ - سورة الزمر: ٧٣..
١٢ - سورة الفاتحة: ٥..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي