نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١٨:قوله تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين
المسألة الثانية والثلاثون : في اختلاف المجتهدين في المسائل الاجتهادية.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن الاختلاف كله مذموم، وأنه لا يسع البتة.
قال ابن حزم : قال قوم : هذا مما يسع فيه الاختلاف. وهذا باطل، والاختلاف لا يسع البتة، ولا يجوز، وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى ببيان الدين. فما صح في النصين أو أحدهما فهو الحق، ولا يزيده قوة أن تجمع عليه أهل الأرض ولا يوهنه ترك من تركه، فصح أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلا.
وقد غلط قوم فقالوا : الاختلاف رحمة. وهذا من أفسد قول يكون ؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا١، وهذا ما لا يقوله مسلم ؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط.
وقد ذم الله الاختلاف في غير ما موضع من كتابه، قال عز وجل : وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ٢ وقال تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ٣ وقال تعالى مفترضا للاتفاق، وموجبا رفض الاختلاف : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا الآية إلى قوله تعالى : كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ٤ وقال تعالى : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ٥
حدثنا عبد الله بن يوسف، نا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، نا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدوي، نا حماد بن زيد، ثنا أبو عمران الجوني، قال : كتب إلي عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال : هجرت٦ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فسمع أصواب رجلين اختلفا في آية. فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال :" إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب " ٧
فإن قال قائل : فإذ لا بد من مواقعة الاختلاف فكيف التخلص من هذا الذم الوارد في المختلفين ؟
قيل له، وبالله التوفيق : قد علمنا الله تعالى الطريق في ذلك، ولم يدعنا في لبس، وله الحمد، فقال تعالى : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فترق بكم عن سبيله ٨ وقال تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ٩ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ١٠
فإذا وردت الأقوال فاتبع كلام الله تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو بيان عما أمرنا الله تعالى به، وما أجمع عليه جميع المسلمين، فهذا هو صراط الله تعالى، وحبله الذي إذا تمسكت به أخرجك من الفرقة المذمومة، ومن الاختلاف المكروه، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر..
وبقيت سائر الأقوال المأخوذة من تقليد فلان وفلان، ومن القياس، ومن الاستحسان، وهي الاختلاف المذموم الذي لا يحل اتباعه. قال الله عز وجل : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ١١ فاستثنى تعالى من رحم من جملة المختلفين، وأخرج المرحومين من جملة المختلفين وعديدهم، ومن ظن أن قوله تعالى : ولذلك خلقهم أنه يعني : وللرحمة خلقهم، وأرادوا بذلك استباحة الاختلاف فهو غاية الفساد ببرهانين ضروريين :
أحدهما : أن الله تعالى استثنى من رحم فأخرجهم من جملة المختلفين، فلو أنه تعالى خلق المختلفين للرحمة لاستثنى المرحومين من أنفسهم، ولأخرجهم من جملة أنفسهم، وهذا باطل لا يجوز، ومحال في الكلام لا يفهم.
والبرهان الثاني : أن المختلفين موجودون، وكل موجود على حالة ما، فلا شك عند كل مسلم أنه تعالى إنما خلقه ليكون على تلك الحالة، وصح يقينا لا مرية فيه أنه الاختلاف هم عليه بالعيان خلقهم.
إلا أن يقول قائل : إن الضمير الذي في خلقهم وهو الهاء والميم راجع إلى من رحم فيكون المراد حينئذ استثناء المرحومين من جملة المختلفين، وأن أولئك الذين اعتصموا بحبل الله تعالى للرحمة، فهذا صحيح لا شك فيه، وذم الاختلاف وخروجه من الرحمة باق بحسبه. ١٢ اه
٢ البقرة (١٧٦)..
٣ البقرة (٢١٣)..
٤ آل عمران (١٠٢-١٠٣)..
٥ آل عمران (١٠٥)..
٦ التهجير: التبكير إلى الشيء والمبادرة إليه. انظر: النهاية ص (١٠٠٠)..
٧ رجال الإسناد:
عبد الله بن يوسف سبقت ترجمته.
أحمد بن فتح سبقت ترجمته.
عبد الوهاب بن عيسى سبقت ترجمته.
أحمد بن محمد سبقت ترجمته.
أحمد بن علي سبقت ترجمته.
مسلم بن الحجاج سبقت ترجمته.
فضيل بن حسين بن طلحة الجحدري، أبو كامل، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٣٧ هـ/ خت م د س) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٥٤٦١).
حماد بن زيد بن درهم، الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة (١٧٩ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (١٥٠٦).
عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي، البصري، أبو عمران الجوني، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة (١٢٨ هـ) وقيل بعدها / ع). انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٤٢٠٠).
عبد الله بن رباح الأنصاري، أبو خالد المدني، سكن البصرة، ثقة، من الثامنة، قتلته الأزارقة / م ٤) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٣٣٢٧).
عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، أبو محمد، أحد السابقين، المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليال الحرة على الأصح بالطائف على الراجح. انظر: الاستيعاب ٣/٩٥٦، والإصابة ٢/٣٥١، وتقريب التهذيب، ترجمة (٣٥٢٣).
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في: العلم، باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن (٦٧١٨)..
٨ الأنعام (١٥٣)..
٩ آل عمران (١٠٣)..
١٠ النساء (٥٩)..
١١ هود (١١٨-١١٩)..
١٢ الإحكام في أصول الأحكام، (المجلد ٢/٦١-٦٧). بتصرف..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري