فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين ( ١١٦ ) وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ( ١١٧ ) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ( ١١٨ ) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ( ١١٩ )
هذه الآيات الثلاث في بيان سنن الله العامة في إهلاك أولئك الأقوام الذين قص على رسوله قصصهم وأمثالهم جاءت بعدما تقدم من بيان عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وإنذار قومه صلى الله عليه وسلم بهم، وما يجب عليه وعلى من آمن وتاب معه من الاستقامة والصلاح، واجتناب أهل الظلم والفساد.
إلا من رحم ربك منهم فاتفقوا على حكم كتاب الله فيهم، وهو القطعي الدلالة منه الذي لا مجال للاختلاف فيه، وعليه مدار جمع الكلمة ووحدة الأمة، إذ الظني لا يكلفون الاتفاق على معناه ؛ لأنه موكول إلى الاجتهاد الذي لا يجب العمل به إلا على من ثبت عنده رجحانه، وتقدم تفصيل وحدة البشر، فاختلافهم، فبعثة النبيين، وإنزال الكتاب معهم للحكم بين الناس في الآية [ البقرة : ٢١٣ ]، وتفسيرها في الجزء الثاني من هذا التفسير.
ولذلك خلقهم أي ولذلك الذي دل عليه الكلام من مشيئته تعالى فيهم خلقهم مستعدين للاختلاف، والتفرق في علومهم ومعارفهم وآرائهم وشعورهم، وما تبع ذلك من إرادتهم واختيارهم في أعمالهم، ومن ذلك الدين والإيمان والطاعة والعصيان، وحكمته أن يكونوا مظهرا لأسرار خلقه المادية والمعنوية في الأجسام والأرواح وسننه في الأحياء، وتعلق قدرته ومشيئته بخلق جميع الممكنات، وبهذا كانوا خلفاء الأرض وعلم آدم الأسماء كلها [ البقرة : ٣١ ]. وقال الحسن وعطاء : خلقهم للاختلاف، وقال مجاهد وعكرمة : خلقهم للرحمة، وقال ابن عباس : خلقهم فريقين : فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم فيختلف، فذلك قوله : فمنهم شقي وسعيد [ هود : ١٠٥ ]، وهذا أصح مما قبله لأنه جامع للقولين.
وفي معناه قول مالك بن أنس وقد سأله أشهب عن الآية فقال : خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير اه. أي كان الاختلاف سبب دخول كل من الدارين، وفي الرواية عن ابن عباس تقديم المعلول على العلة، والمعقول المشروع عكسه، فالترتيب في الجزاء أن يقال : فريق اتفقوا في الدين، فجعلوا كتاب الله حكما بينهم فيما اختلفوا فيه، فاجتمعت كلمتهم، وكانوا أمة واحدة، فرحمهم الله بوقايتهم من شر الاختلاف وغوائله في الدنيا ومن عذاب الآخرة، وفريق اختلفوا فيه كما اختلفوا في مصالح الدنيا ومنافعها وسلطانها، فكان بأسهم بينهم شديدا، فذاقوا عقاب الاختلاف والشقاق في الدنيا وأعقبهم جزاءه في الآخرة، فكانوا محرومين من رحمته بظلمهم لأنفسهم لا بظلم منه لهم.
وتمت كلمة ربك التي قالها في غير المهتدين لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي من عالمي الإنس والجن الذين لا يهتدون بما أرسل به رسله وأنزل معهم كتبه لهداية المكلفين والحكم بين المختلفين، ففي سورة ألم السجدة ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم [ السجدة : ١٣ ]، فهذا فريق السعير، ومنه يعلم جزاء الفريق الآخر، والمقام يقتضي الإنذار.
تفسير المنار
رشيد رضا