قلت : الاستثناء من ضمير " يزالون ".
إلا من رَّحِمَ ربك ؛ إلا ناساً هداهم الله من فضله، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاؤوا به، وهم المؤمنون.
وقوله : ولذلك خلقهم ؛ إن كان الضمير للناس، فالإشارة إلى الاختلاف، واللام للعاقبة، أي : ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم، وإن كان الضمير يعود على " من "، فالإشارة إلى الرحمة، أي : إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه. وتمت كلمة ربك الأزلية على ما سبق له الشقاء، أي : نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء، أو هي قوله للملائكة : لأَملأَنِّ جهنم من الجَنَّة والناس أجمعين ؛ أي من أهل العصيان منهما، لا من جميعهما.
وأما قول من قال :[ ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم ]، فالمراد بالاختلاف : تغيير بعضهم على بعض، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب. فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم. وقوله عليه الصلاة والسلام :" خلاف أمتي رحمة ". المراد : الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ؛ ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار ؛ لأن من قلد عالماً لقي الله سالماً. والله تعالى أعلم. مَذاهبُ الناس على اختلاف ومذاهب القوم على ائتلاف
الإشارة : الاختلاف بين الناس حكم أزلي، لا محيدَ عنه. وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل. فقد اختلفت هذه الأمة في الأصول والفروع. أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة. وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير. فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهباً. ولا تجد علماً من علوم إلا وبين أهله اختلاف، إلا أهل التوحيد الخاص، وهم : المحققون من الصوفية، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان، وإن اختلفت طرقهم، وكيفية سيرهم. فهم متفقون في النهايات، التي هي معرفة الشهود والعيان، على طريق الذوق والوجدان، وفي ذلك يقول ابن البنا ـ رحمه الله ـ :
| مَذاهبُ الناس على اختلاف | ومذاهب القوم على ائتلاف |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي