أي : أن الحق -سبحانه- قد خلق الخلق للرحمة والاختلاف.
وساعة نرى " اسم إشارة " أو " ضمير " عائدا على كلام متقدم، فنحن ننظر ماذا تقدم، والمتقدم هنا : ولا يزلون مختلفين ( ١١٨ ) إلا من رحم ربك.. ( ١١٩ ) [ هود ]، والحق –سبحانه وتعالى- حين تكلم عن خلق الإنسان قال : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( ٥٦ ) [ الذاريات ] : ومعنى العبادة١ هو طاعة الله -سبحانه- في " افعل " و " لا تفعل " وهذا هو المراد الشرعي من العبادة ؛ ولكن المرادات الاجتماعية تحكمت فيها خاصية الاختيار، فحدث الاختلاف، ونشأ هذا الاختلاف عن تعدد الأهواء.
فلو أن هوانا كان واحدا ؛ لما اختلفنا، ولكنا نختلف نتيجة لاختلاف الأهواء، فهذا هواه يميني ؛ وذاك هواه يساري ؛ وثالث هواه شيوعي ؛ ورابع هواه رأسمالي ؛ وخامس هواه وجودي، وكل واحد له هوى٢.
ولذلك قال الحق –سبحانه : ولو اتبع الحق أهواءهم٣ لفسدت السماوات والأرض.. ( ٧١ ) [ المؤمنون ] : ولم يكن العالم ليستقيم ؛ لو اتبع الله -سبحانه- أهواء البشر المختلفة، ولكن أحوال هذا العالم يمكن أن تستقيم ؛ إذا صدرت حركته الاختيارية عن هوى واحد ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )٤.
وفي حياتنا اليومية نلاحظ أن الأعمال التي تسير بها حركة الحياة وبدون أن ينزل تكليف فيها ؛ نجد فيها اختلافا لا محالة ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لو شاء لخلقنا كلنا عباقرة في كل مناحي الحياة ؛ أو يخلقنا كلنا شعراء أو أطباء أو فلاسفة.
ولو شاء -سبحانه- ذلك فمن سيقوم بالأعمال الأخرى ؟ فلو أننا كنا كلنا أطباء فمن يقوم بأعمال الزراعة وغيرها ؟ ولو كنا جميعا مهندسين ؛ فمن يقوم بأعمال التجارة وغيرها ؟
وقد شاء الحق -سبحانه- أن يجعل مواهبنا مختلفة ليرتبط العالم ببعضه ارتباط تكامل وضرورة ؛ لا ارتباط تفضل.
ولذلك يقول الحق –سبحانه : أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات٥ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا٦.. ( ٣٢ ) [ الزخرف ] : وهكذا نعرف أن رفع الدرجات لا يعني تلك النظرة الحمقاء الرعناء٧، والتي تدعى أن في ذلك التقسيم رفعة للغنى وتقليلا لشأن الفقير ؛ لأن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب ما يحسنه فيها ؛ ومرفوع عليه في جهة أخرى بسبب ما لا يحسنه ويحسنه غيره، وغيره مكمل له.
وهكذا يتبادل البشر ما يحققه اختلاف مواهبهم٨، واختلاف المواهب هي مقومات التلاحم.
ولذلك قلنا : إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع مجموع سمات ومواهب كل إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى ؛ وقيمة كل امرئ ما يحسنه.
وقد ترى صاحب السيارة الفارهة وهو يرجو عامل إصلاح السيارات الذي يرتدي ملابس رثة٩ ومتسخة ؛ ليصلح له سيارته ؛ فيقول له العامل : لا وقت عندي لإصلاح سيارتك ؛ فيلح صاحب السيارة الفارعة بالرجاء ؛ فيرضي العامل ويرق قلبه لحال هذا الرجال صاحب السيارة الفارهة ويذهب لإصلاحها.
لذلك أقول : إذا نظرت لمن هو دونك في أي مظهر من مظاهر الحياة ؛ فلا تغتر بما تفوقت وتميزت به عليه ؛ ولكن قل لنفسك : لا بد أن هذا الإنسان متفوق في مجال ما.
ونحن نعلم أن الله –سبحانه وتعالى- ليس له أبناء ليميز واحدا بكامل المواهب، ويترك آخر دون موهبة.
ولذلك يقول الحق -سبحانه- هنا : ولا يزالون مختلفين ( ١١٨ ) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم.. ( ١١٩ ) [ هود ] : وإن كان الاختلاف١٠ في المقدرات والمنهج ؛ فهذا ما يولد الكفر أو الإيمان، ولنا أن نعرف أن الكفر له رسالة ؛ بل هو لازم ليستشعر المؤمن حلاوة الإيمان. ولو لم يكن للكفر وظيفة لما خلقه الله.
وقد قلت قديما : إن الكفر يعاون الإيمان ؛ مثلما يعاون الألم العافية، فلولا الألم لما جئنا بالطبيب ليشخص الداء، ويصف الدواء الشافي بإذن الله.
ولذلك نقول : الألم رسول العافية.
والحق سبحانه يقول هنا : ولا يزلون مختلفين ( ١١٨ ) إلا من رحم ربك.. ( ١١٩ ) [ هود ] : وأنت إن دققت النظر في الاختلاف لوجدته عين الوفاق.
ومثال ذلك : اختلاف أبنائك فيما يحبونه من ألوان الطعام، فتجد ابنا يفضل صدر الدجاجة، وآخر يفضل الجزء الأسفل منها " الورك "، وتضحك أنت لهذا الاختلاف، لأنه اختلاف في ظاهر الأمر، ولكن باطنه وفاق، لو اتفقنا جميعا في الأمزجة لوجدنا التعاند والتعارض ؛ وهذا ما ينتشر بين أبناء المهنة الواحدة.
ولمن يسأل : هل الخلق للاختلاف أم الخلق للرحمة ؟
نقول : إن الخلق للاختلاف والرحمة معا، لأن الجهة منفكة.
ثم يقول –سبحانه- في نفس الآية : .. وتمت١١ كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنّة١٢ والناس أجمعين ( ١١٩ ) [ هود ] : والحق سبحانه قد علم أزلا بمن يختار الإيمان ومن يختار الكفر، وهذا من صفات العلم الأزلي لله- سبحانه وتعالى- ولذلك قال- سبحانه : وتمت كلمة ربك أي : علم -سبحانه- مَن مِن عباده سيختار أن يعمل في الدنيا عمل أهل النار، ومن سيختار أن يعمل عمل أهل الجنة ؛ لسبق علمه الأزلي بمرادات عباده واختياراتهم.
وسبق أن ضربنا مثلا –ولله المثل الأعلى- بعميد الكلية الذي يعلن للأساتذة ضرورة ترشيح المتفوقين في كل قسم ؛ لأن هناك جوائز في انتظارهم، فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين لمس فيهم النبوغ والإخلاص للعلم، ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته أن يضعوا امتحانات مفاجئة لمجموع الطلاب ؛ ويفاجأ العميد بتفوق الطلبة الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ والإخلاص للعلم ؛ وهنا يتحقق العميد من صدق تنبؤ الأساتذة الذين يعملون تحت قيادته.
ولكن قد تحدث مفاجأة : أن يتخلف واحد من هؤلاء الطلبة لمرض أصابه أو طارئ يطرأ عليه من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك ؛ وبهذا يختل تقدير أساتذة ؛ لكن تقدير الحق -سبحانه- منزه عن الخطأ، وما علمه أزلا فهو محقق لا محالة ؛ لذلك بين لنا أنه علم أزلي، ويتحدى الكافر به أن يغيره.
وكلنا يعرف أن الحق -سبحانه- أنزل قوله الكريم : تبت١٣ يدا أبي لهب وتب ( ١ ) [ المسد ] : وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلان الإيمان- ولو نفاقا.
وقول الحق : وتمت كلمة ربك تبين لنا أن الحق –سبحانه- إن قال شيئا فهو قد تم بالفعل ؛ فلا راد لمشيئته، أما نحن فعلينا أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول : إلا أن يشاء الله... ( ٢٤ ) [ الكهف ] : لأن الحق يقول لنا : ولا تقولن١٤ لشيء إني فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله.. ( ٢٤ ) [ الكهف ] : وفي هذا احترام لوضعنا البشري، وإيمان بغلبة القهر، ومعرفة لحقيقة أننا من الأغيار ؛ لأن كل حدث من الأحداث يتطلب فاعلا ؛ ومفعولا يقع عليه الفعل ؛ ومكانا ؛ وزمانا ؛ وسببا ؛ ولا أحد منا يملك أي واحد من تلك العناصر.
فإن قلت : إلا أن يشاء الله تكون قد عصمت نفسك من أن تكون كاذبا، أو تعد بما لا تستطيع، لكن إذا كان من يقول هو مالك كل شيء ولا قوة تخرجه عما قال، فهو وحده القادر على أن ينفذ ما يقول.
ولذلك قلنا : إن كل فعل ينسب إلى الله –تعالى- يتجرد عن الزمن ؛ فلا نقول : " فعل ماض " أو " فعل سيحدث في المستقبل " أو " فعل مضارع " ؛ لأن تلك الأمور إنما تقاس بها أفعال البشر، لكن أفعال الله –سبحانه- لا تقاس بنفس المقياس، فسبحانه حين يقرر أمرا فنحن نأخذه على أساس أنه قد وقع بالفعل.
والحق -سبحانه- يقول : أتى أمر الله١٥ فلا تستعجلوه١٦.. ( ١ ) [ النحل ].
وقوله سبحانه أتى بمعنى : تقرر الأمر ولو ينفذ -بعد- فلا تتعجلوه ؛ وهذا هو تحدي القيومية القاهرة، ولا توجد قوة قادرة على أن تمنع وقوع أمر شاءه الله –سبحانه وتعالى- فهو يحكم فيما يملك، ولا منازع له سبحانه.
وقوله الحق : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين.. ( ١١٩ ) [ هود ] : فسببه أن الإنس والجن هم الثقلان١٧ المكلفان.
٢ - يقول تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (٢٨) [الكهف].
٣ - هويه يهواه هوى: أحبه، وأكثر ما يستعمل في الباطل وفي الشهوات الضارة، قال تعالى: فلا تتبعوا الهوى..(١٣٥) [النساء] أي: ما تهواه أنفسكم وما تشتهيه فيضلكم ذلك عن الحق. وقال تعالى: ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا..(٧٧) [المائدة] [القاموس القويم: ٢/ ٣١٠، ٣١١]..
٤ - أخرجه ابن أبي عاصم في: كتاب "السنة" [١/١٢] من حديث عبد الله بن عمرو، وأورده ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم" [ص ٤٦٠] وضعفه..
٥ - الدرجة: المرقاة يرقي عليها الصاعد إلى أعلى، ويهبط عليها النازل من أعلى، وهي واحدة درجات السلم، تستعار للمنزلة والمكانة المعنوية في الفضل والجاه، وفي الأجر والثواب عند الله. قال تعالى: هم درجات عند الله... (١٦٣) [آل عمران] أي: أنهم منازل مختلفة في الفضل وفي الثواب كل بحسب عمله، قال تعالى: رفيع الدرجات ذو العرش..(١٥) [غافر] أي: أن الله عنده المنازل العالية ينزل فيها من يشاء من عباده المقربين، والله عال متعال فوق أعلى الدرجات علي القدر، جل شأنه [القاموس القويم: ١/٢٢٥]..
٦ - سخره يسخره: أذله وقهره وأخضعه، قال تعالى: ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..(٣٢) [الزخرف] وسخره بالتشديد: أخضعه وقهره لينفذ ما يريد منه بدون إرادة ولا اختيار من المسخر، ومنه قوله تعالى: والسحاب المسخر بين السماء والأرض..(١٦٤) [البقرة] [القاموس القويم: ١/ ٣٠٦]..
٧ - الرعونة: الحمق: والأرعن: الأهوج في منطقه [لسان العرب/ مادة: رعن]..
٨ - إن اختلاف المواهب هو للتكامل الإنساني نحو تيسير حركة الحياة، بخلاف اختلاف الأهواء ففيها فساد لحركة الحياة..
٩ - الرث: القديم البالي من كل شيء، وأرث الثوب: أخلق: [اللسان: مادة رثث]..
١٠ - إذا كان الاختلاف في المقدرات والمنهج، ينتج ذلك الشيء وضده.
١١ - تم الأمر يتم تما وتماما: كمل وتحقق وهو تام وتميم، ويكون حسيا ومعنويا، قال تعالى: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا..(١١٥) [الأنعام] أي: كملت وتحققت، وتم الشيء: كملت أجزاؤه، قال تعالى: فتم ميقات ربه أربعين ليلة..(١٤٢) [الأعراف] أي: كمل العدد المحدد لمناجاة موسى عليه السلام، وأتم الشيء: أكمله على أحسن وجه، قال تعالى: أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي..(٣) [المائدة] أي: على أكمل وجه، ليس فيها نقص [القاموس القويم: ١/ ١٠١، ١٠٢] بتصرف..
١٢ - الجنة- بكسر الجيم-: الجن، قال تعالى: الذي يوسوس في صدور الناس (٥) من الجنة والناس (٦) [الناس]. [القاموس القويم: ١/ ١٣٢]..
١٣ -تب يتب تبا وتبابا: خسر وهلك قال تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب (١) [المسد] دعاء عليه بالخسران أو بالهلاك- ودعا عليه أولا بأن تهلك يداه؛ لأنهما آلة البطش والإيذاء.
والتباب: الهلاك. قال تعالى: وما كيد فرعون إلا في تباب (٣٧) [غافر] وتببه تتبيبا: أهلكه، قال تعالى: وما زادوهم غير تتبيب (١٠١) [هود] أي: إهلاك وتخسير. [القاموس القويم: ١/ ٩٦]..
١٤ - ذكر ابن كثير في تفسيره (٣/٧١] عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية أن جماعة من قريش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أمور وذلك بعد مشورة اليهود: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هو؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبركم غدا عما سألتم عنه) ولم يقل: (إن شاء الله)، ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، فنزلت هذه الآية وهذه السورة [الكهف] فيها خبر ما سألوا عنه..
١٥ - أمر الله: عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله. [قاله القرطبي ٥/ ٣٧٨٩] وقال ابن كثير في تفسيره [٢/٥٦١]: (يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرا بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع لا محالة)..
١٦ - استعجل الأمر: طلبه عاجلا سريعا، قال تعالى: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم..(١١) [يونس] [القاموس القويم: ٢/٩]..
١٧ - الثقلان: الإنس والجن لأنهما كالحملين الثقيلين على ظهر الأرض. قال تعالى: سنفرغ لكم أيها الثقلان (٣١) [الرحمان]، وهو خبر المقصود منه التهديد والوعيد [القاموس القويم: ١/ ١٠٨]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي