ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭ

وَمَشِيئَتِهِ بِخَلْقِ جَمِيعِ الْمُمَكَّنَاتِ، وَبِهَذَا كَانُوا خُلَفَاءَ الْأَرْضِ - وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا - ٢: ٣١ وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: خَلَقَهُمْ لِلِاخْتِلَافِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: خَلَقَهُمْ لِلرَّحْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا يُرْحَمُ فَلَا يَخْتَلِفُ، وَفَرِيقًا لَا يُرْحَمُ فَيَخْتَلِفُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: - فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ - ١٠٥ وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَقَدْ سَأَلَهُ أَشْهَبُ عَنِ الْآيَةِ فَقَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. انْتَهَى. أَيْ كَانَ الِاخْتِلَافُ سَبَبَ دُخُولِ كُلٍّ مِنَ الدَّارَيْنِ، وَفِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَقْدِيمُ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَالْمَعْقُولُ الْمَشْرُوعُ عَكْسُهُ، فَالتَّرْتِيبُ فِي الْجَزَاءِ أَنْ يُقَالَ: فَرِيقٌ اتَّفَقُوا فِي الدِّينِ فَجَعَلُوا كِتَابَ اللهِ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ وَكَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً فَرَحِمَهُمُ اللهُ بِوِقَايَتِهِمْ مِنْ شَرِّ الِاخْتِلَافِ وَغَوَائِلِهِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَفَرِيقٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَمَنَافِعِهَا وَسُلْطَانِهَا، فَكَانَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدًا، فَذَاقُوا عِقَابَ الِاخْتِلَافِ وَالشِّقَاقِ فِي الدُّنْيَا، وَأَعْقَبَهُمْ جَزَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ فَكَانُوا مَحْرُومِينَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ لَا بِظُلْمٍ مِنْهُ لَهُمْ: - وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ - الَّتِي قَالَهَا فِي غَيْرِ الْمُهْتَدِينَ - لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ - أَيْ مِنْ عَالَمَيْ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ كُتُبَهُ لِهِدَايَةِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، فَفِي سُورَةِ الم السَّجْدَةِ: - وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ - ٣٢: ١٣ الْآيَةَ، فَهَذَا فَرِيقُ السَّعِيرِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ جَزَاءُ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، وَالْمَقَامُ يَقْتَضِي الْإِنْذَارَ.
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

صفحة رقم 161

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية