ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

ثم يختتم الحق- سبحانه- سورة هود بقوله الكريم :
ولله غيب(١) السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ( ١٢٣ ) :
أي : أن ما جاء من ذكر حكيم هو أمر غائب عنكم، يخبركم به الله -سبحانه- من خلال ما ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد شاء الحق -سبحانه- أن يحفظ هذا الذكر الحكيم، ثقة منه -سبحانه- أنه إذا أخبرنا في القرآن بخبر لم يجيء أوانه، فنلفهم أنه قد أخبر بما له من أزلية علم بالكون وما يجري فيه، وبما له من قدرة مطلقة تتحكم فيما يؤول إليه أمر المختار من الكائنات-مؤمنهم وكافرهم- فإذا حدثنا القرآن بشيء مما يغيب عن الإنسان، فلنعلم أنه إخبار بصدق مطلق.
وهناك الكثير مما يغيب عن الإنسان، وهناك حجاب بين وسائل إدراك الإنسان وبين بعض المدركات، ومرة يكون الحجاب حجاب زمن، فإذا أخبر الله -تعالى- عن أمر لم نشهده من قديم قد أوغل(٢) في الزمن، ولم يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب ولم يسمعه من معلم(٣) ؛ فهذا كشف لحجاب الماضي.
ولذلك فبعض سور القرآن الكريم يسميها العلماء " ماكنات القرآن " مثل قوله الحق : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم(٤) أيهم يكفل(٥) مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ( ٤٤ ) آل عمران ]. وغير ذلك من الآيات(٦) التي تبدأ بقوله الحق :{ ما كنت .
وقد كان هناك أناس في ذلك الماضي يدركون ما صار غيبا عن الرسول ومن معه ؛ لكن الحق –سبحانه- أظهر هذا الغيب للرسول الذي لم يجلس إلى معلم بشهادة أعدائه، وكذلك كشف الحق -سبحانه- لرسوله حجاب الزمان وحجاب المكان.
ومن ينكشف له حجاب الزمان وحجاب المكان : إنما ينكشف له حجاب المستقبل أيضا، والذي كشف هذا هو الحق -سبحانه- الذي قدر مجيء هذا العالم، وما سوف يحدث فيه إلى أن تقوم الساعة.
وقد طمر(٧) الحق -سبحانه- في القرآن أمورا لو كشف عنها في زمن بعثة الرسول ؛ لكان الحديث عنها فوق مستوى العقول والإدراك ؛ وتحدث -سبحانه- عن وقائع مستقبلية بالنسبة للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لم يكن أحد يتوقعها.
وكانت هناك معركة بين أرقى حضارتين معاصرتين للإسلام ؛ حضارة فارس وحضارة الروم، وكانت الحضارتان تتنازعان السيطرة وتوسيع مناطق النفوذ، وهزمت فارس- التي لا تؤمن بإله- امبراطورية الروم التي تعتنق المسيحية، ولا تؤمن برسالة محمد الخاتمة.
لذلك حزن رسول(٨) الله صلى الله عليه وسلم لهزيمة الذين يؤمنون بإله في السماء ؛ فيسرِّى الله(٩) -سبحانه- الأمر على رسوله، وينزل الحق -سبحانه- قرآنا يتلى على مر العصور وكل الأزمان ؛ يحمل نبوة انتصار الروم بعد هزيمتهم من الفرس.
ويقول سبحانه : ألم ( ١ ) غلبت الروم ( ٢ ) في أدنى(١٠) في الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ( ٣ ) في بضع سنين(١١) لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ( ٤ ) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ( ٥ ) [ الروم ] :
هكذا تأتي النبوءة في القرآن تحمل التحديد لميعاد نصر الروم في بضع سنين، و " لبضع " يقصد به من ثلاثة لتسع سنوات.
وإن قيل : تلك نبوءة محمد، نقول : ما علم محمد بأخبار المعسكرين ولا بأسرار السياسة الداخلية لهما ؟
وقد جاء نصر الروم كما حدد القرآن، وكان هذا هتكا للحجب، حجاب الزمان، وحجاب المكان، وحجاب الناس، وأوحى به الحق سبحانه عالم الغيب المطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم.
والغيب المطلق هو الذي لا يعرفه إلا الحق –تبارك وتعالى- وليس له مقدمات، ويكشفه الله لمن يرتضيه مصداقا لقوله-سبحانه عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ( ٢٦ ) إلا من ارتضى من رسول.. ( ٢٧ ) [ الجن ] : وهذا الغيب(١٢) المطلق يختلف عن الغيب المقيد الذي له مقدمات ؛ مع أن يأخذ بها الإنسان ويرتبها حتى يصل إلى اكتشاف سر من أسرار الكون.
والحق -سبحانه- هو القائل : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء... ( ٢٥٥ ) [ البقرة ] :
وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ومطمورة فيه ؛ وجعل الله -تعالى- لكل مستور منها ميلادا، فالبخار واستخدامه في الحركات كان له ميلاد ؛ والكهرباء كان لها ميلاد ؛ واكتشاف الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلاد، وكل مكتشف ومخترع له ميلاد، وتتوالى مواليد الغيب مستقبلا، وفي ميلادها إيمان اليقين بمن أخفاه وأظهره، وهو الله الحكيم.
وقد يأتي هذا الميلاد بكشف وبحث ؛ وقد يظهره الله بدون بحث ؛ أو يظهره صدفة ؛ مثلما أظهر قانون الطفو النابع من قاعدة " أرشميدس " ومثلما أظهر الحق – سبحانه- قانون الجاذبية صدفة ؛ أي : أنه سبب من الأسباب جعل عبدا من عباده يبحث في شيء، فيظهر له شيء لم يكن يبحث عنه ؛ ولذلك نسب الحق –سبحانه- الإحاطة له –سبحانه.
وهنا يقول الحق –سبحانه : ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله... ( ١٢٣ ) [ هود ] : ولم يقل : " إليه يرجع الأمر كله "، لأنه سبحانه ضبط كل مخلوق على قدر.
ولله المثل الأعلى : كما تضبط أنت المنبه على ميقات معين، وكما يضبط المقاتل القنبلة لتنفجر في توقيت معين، والكون كله مرتب على هذا الترتيب.
والله- سبحانه- القائل : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( ٨٢ ) [ يس ] : فكل شيء إنما يرجع إلى الله في التوقيت الذي شاءه الله.
أو : أن الأمر هو كل ما يتعلق بكائن حي ؛ لأن الحق –سبحانه- قد خلق في الكون أشياء وترك ملكيتها له- سبحانه- والحق -سبحانه- لا ينتفع بها، أما الإنسان فينتفع بها، وإن كان لا يقربها ولا يملكها، مثل : الشمس التي ترسل أشعتها، ويستفيد الإنسان بضوئها(١٣) وحرارته، وهي لا تدخل في ملكية الإنسان ؛ لأنها من أساسيات الحياة ؛ لذلك لم يجعل الإنسان الذي خصه الله بخاصية الاختيار حق ملكيتها أو الاقتراب منها ؛ حتى لا يعبث بها.
وكذلك كل أساسيات الحياة جعلها الحق –سبحانه- في سلطته وحده، ولم يأمن أحدا من خلقه عليها، مثل الأرض بعناصرها، وكذلك الماء والهواء حتى لا يعبث أحد بأنفاس الهواء لأحد آخر.
شاء الحق سبحانه أن يجعل الأساسيات في يده دون أن يملكها لأحد ؛ رحمة منه بنا، ذلك أنه- سبحانه- علم أن الإنسان بما تعتريه من أغيار قد يسيء استخدام تلك الأساسيات.
وسخر الله هذه الأساسيات لخدمة كل المخلوقات(١٤)، وسخر بعض المخلوقات ليسوسها الإنسان، وبعض المخلوقات الآخر لم يستطع الإنسان تسخيره، وحتى قوة الإنسان نفسه ؛ شاء الحق- سبحانه- أن يجعلها أغيارا ؛ فالقوي يسير إلى الضعف(١٥) ؛ والفقير قد يصبح غنيا.
وهكذا يثبت لنا أن كل ما نملك موهوب(١٦) لنا من الله -تعالى- وليس هنا ما هو ذاتي فينا، وما نملكه اليوم لا يخرج عن الملكية الموقوتة، فإذا جاء يوم القيامة ؛ رجع كل ما نملك لله- سبحانه وتعالى.
ولذلك يقول الحق –سبحانه : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( ١٦ ) [ غافر ].
ولذلك أيضا تشهد الجوارح على الإنسان، لأنها تخرج عن التسخير الذي كانت عليه في الدنيا(١٧).
وإذا كان الحق-سبحانه- يقول هنا : ولله غيب السماوات والأرض.. ( ١٢٣ ) [ هود ]، فهو -سبحانه- يقول في آية أخرى : له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت(١٨) الثرى ( ٦ ) [ طه ] : وكان الحق -سبحانه- ينبه البشر منذ نزول القرآن إلى أهمية ما تحت الثرى من كنوز يمتن الله -تعالى- بها على عباده أنه يملكها.
ونحن نعيش الآن باستخراج المكنوز الذي تحت الثرى.
وحين يقول الحق –سبحانه هنا- في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها- : وإليه يرجع الأمر كله.. ( ١٢٣ ) [ هود ] : ففي ذلك تنبيه لكل إنسان، ليعمل مستهدفا النجاة حين لا يكون لنفسه على نفسه سبيل يوم القيامة.
وليعلم كل إنسان أن كل ما يستمتع به هو من فيوضات الحق الأعلى الذي أعطى الإنسان قدرته من باطن قوته -سبحانه- وأعطاه غنى من باطن غناه -سبحانه- وأعطاه حكمة من باطن حكمته –سبحانه وأعطاه قبضا(١٩)- وبسطا من باطن قدرته -سبحانه- الفيوضات للحق –سبحانه وتعالى.
وحين يشاء فهو يسلب كل الفيوضات ويعود الأمر إليه، لأن الأمر كله له سبحانه.
فإن حدثت في القرآن بأمر تغيب عنك مقدماته ؛ فاعلم أن الذي أنزل هذا الكتاب لا يعزب(٢٠) عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم على ثقة أن الحق -سبحانه- حين أمره أن يتوعد أعداء الدين فهو يطمئنه أن المرجع في كل الأمور إليه –سبحانه.
واطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه أن أعداء الدين إن لم يجازوا في الدنيا، فغدا ترجع الأمور كلها إلى الله، وإن كان الحق قد ملكهم أشياء ؛ فسيسلبهم هذه الملكية في الآخرة، وإن كان قد أعطاهم الخيار(٢١) في الدنيا ؛ خيار أن يؤمنوا ويطيعوا، أو أن يكفروا ويعصو(٢٢) ؛ فهذا الاختيار سيزول عنهم في الآخرة، وكل مالك لملك يصير ملكه بعده إلى الله.
ومادام الأمر كذلك فلنعبد الله وحده –سبحانه- لأنه صاحب الأمر فيما مضى ؛ وله الأمر الآن ؛ وله الأمر فيما يأتي.
وهو -سبحانه- الذي شاء، فجعل للإنسان ثلاثة أزمان : زمان سبق وجود آدم ؛ وزمان من بعد آدم إلى وجود أي منا ؛ ثم زمان مستقبل إلى ما لانهاية ؛ وبذلك يكون لكل منا زمان ماض ؛ وزمان حاضر وزمان مستقبل، وكل منا يدور في فلك الأحداث(٢٣).
ومن المنطقي بعد أن تستمتع بوجودك في الحياة ؛ وتنضج عقليا أن تتساءل عن ماضيك، وتاريخ الجنس البشري.
وأنت –في هذه الحالة- تكون رهنا بثقة المحدث : هل يقول الصدق أم يقول الكذب ؟ خصوصا إذا كان الحديث عن تاريخ ما قبل آدم، ولا بد أن تقول لنفسك : لا يمكن أن يحدثني عن ذلك إلا من خلقني(٢٤).
وساعة يبلغك رسوله الله صلى الله عليه وسلم عن بداية الخلق قائلا :( كان الله، ولم يكن شيء غيره )(٢٥).
ومعنى ذلك أن الصادق الوحيد الذي يمكن أن نقبل منه كلاما عما فات قبل آدم هو الله –سبحانه وتعالى.
وإن سألت : لماذا وجدت في زمني هذا، ولم أوجد في زمن آخر ؟ هنا ستقول لنفسك إن كنت مؤمنا : " إن مشيئة وإرادة من أوجدني هي التي رجحت وجودي في هذا الزمان عن أي زمن آخر ".
ولا بد أن تسأل نفسك : وما المطلوب مني ؟
وستجد أن المطلوب منك هو حركة الحياة ؛ لأن تلك الحركة هي الفاصل بين الحياة والموت، والحق يقول : هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها(٢٦).. ( ٦١ ) [ هود : فقد أعطاك الحق -سبحانه- العقل لتفكر، وأعطاك الطاقة لتفعل، وسخر لك الكون بالمطمور فيه من الرزق ؛ لتستخرجه وتتعيش منه.
وهكذا يتضح لك أن كل شيء يحتاج منك أن تتحرك، وأنت في حركتك تحتاج لطاقة تأخذها من الأعلى منك وتعطي للأدنى منك ؛ لذلك أنت تأخذ طاقة من الأعلى منك، وتعطي للأدنى منك.
وأنت تعلم أن قمة المطلوب منك أن تصلي بين يدي الله خمس مرات كل يوم ؛ لتشحن طاقتك وتخرج للحياة بعد أن تجدد ولاءك لمن خلقك وخلق الأكوان كلها، وإن أحسنت الوقوف بين يدي الله سيأتي مستقبلك مبنيا على هذا الإحسان.
والحق -سبحانه- يعطينا مثلا لهاتين الحركتين، فيقول : يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. ( ٩ ) [ الجمعة ].
هذه حركة يأخذ فيها الإنسان طاقة من الأعلى، فالسعي إلى ذكر الله وترك البيع من أجل ذ

١ -غاب الشيء يغيب غيبا: استتر عن العين أو علم الإنسان في المعنوي، والغيب: مصدر، ويسمى به ما غاب واستتر، قال تعالى: الذين يؤمنون بالغيب..(٣) [البقرة] والغيب: هو ما غاب عن العيون كالجنة والنار والملائكة والجن، وجمعه: غيوب. قال تعالى: إنك أنت علام الغيوب (١٠٩){[المائدة]. [القاموس القويم: ٢/ ٦٤].
٢ - وغل في الشيء وغولا: دخل فيه، ووغل: ذهب وأبعد، وتوغل في الأرض: ذهب فأبعد فيها وكذلك أوغل في العلم. [لسان العرب –مادة: وغل]..
٣ - وفي ذلك يقول الله تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (٤٨) [العنكبوت] قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ فنزلت هذه الآية، قال النحاس: دليلا على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك [انظر: تفسير القرطبي – ٧/ ٥٢٤١]..

٤ - الأقلام: جمع قلم، وهو السهم أو خشبة تشبهه يكتب عليه رمز يدل على مقدار يعطي لمن يخرجه باسمه، وكانوا يستعملونه في القرعة، ومن استعماله في القرعة قوله: إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم..(٤٤) [آل عمران]، فالأقلام هنا سهام الاقتراع، وقد أجريت القرعة ففاز سهم زكريا فكفل مريم.[القاموس القويم: ٢/ ١٣٢]..
٥ - كفله يكفله كفلا وكفالة: آواه ورعاه ورباه، وأكفله اليتيم، وكفله اليتيم: أسند إليه كفالته ورعايته، كقوله: وكفلها زكريا..(٣٧) [آل عمران] جعله كافلا لها، وقال تعالى: فقال أكفلينها وعزني في الخطاب (٢٣) [ص] أي: قال: اجعلني كافلا لها راعيا شئونها، مالكا. [القاموس القويم: ٢/١٦٧]..
٦ - هي تسع آيات في القرآن الكريم، منها آية آل عمران التي ذكرها الشيخ هنا، ومنها:
-تلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا...(٤٩) [هود].
-تلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (١٠٢) [يوسف].
-وما كنت بجانب الغربي إذ قضيانا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين (٤٤) [القصص].
-ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكن كنا مرسلين (٤٥) [القصص].
-وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (٤٦) [القصص].
-وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (٨٦) [القصص].
- وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (٤٨){[العنكبوت].
-{ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا..(٥٢)
[الشورى]..

٧ - طمر الشيء: خبأه، والمطمورة حفيرة تحت الأرض أو مكان تحت الأرض قد هيء خفيا يطمر فيها الطعام والمال، أي يخبأ [لسان العرب-مادة: طمر]..
٨ - إن في حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على هزيمة الروم، وهم أهل كتاب لدليلا على أن الإسلام هو جماع الأديان السماوية، وأن الأديان جميعا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الجسد بالسهر والحمى- الحديث إن إحساس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهزيمة وحزنه عليها لدليل على رحابة الإسلام وعالميته مصداقا لقوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..(١٣) [الشورى]..
٩ - يسرو: يكشف عن فؤاده الأم ويزيله. وسرى عنه: أي: كشف عنه الخوف، وقد تكرر ذكر هذه اللقطة في الحديث، وخاصة في ذكر نزول الوحي عليه، وكلها بمعنى الكشف والإزالة [لسان العرب- مادة: سرو]..
١٠ - أدنى الأرض: أقربها، قال ابن عطية: إن كانت الوقعة بأذرعات- بين بلاد العرب والشام- فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة، وإن كانت الوقعة بالجزيرة- موضع بين العراق والشام- فهي أدنى الأرض بالقياس إلى أرض كسرى.
وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم، [نقله القرطبي في تفسيره [٧/٥٢٦٠]]..

١١ - البضع: هو ما بين الثلاث إلى التسع، أخرج الترمذي في سننه [٣١٩٤] عن نيار بن مكرم لأسلمي قال: لما نزلت: الم (١) غلبت الروم (٢) في أدنى وهم من بعد غلبهم سيغلبون (٣) في بضع سنين..(٤) [الروم] فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله تعالى: ويومئذ يفرح المؤمنون (٤) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (٥) [الروم] فكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان يبعث، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة: الم (١) غلبت الروم (٢) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (٣) في بضع سنين..(٤) [الروم] قال ناس من قريش لأبي بكر؛ فذلك بيننا وبينكم زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارسا في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل؟ البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال: فسموا بينهم ست سنين قال: فمضت الست سنين قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين؛ لأن الله تعالى قال: في بضع سنين، قال: ، وأسلم عند ذلك ناس كثير، قال الترمذي هذا حديث صحيح حسن غريب..
١٢ - الغيب: مصدر ويسمى به ما غاب واستتر، قال الحق: الذين يؤمنون بالغيب..(٣) [البقرة] والغيب: هو ما غاب عن العيون كالجنة والنار والملائكة والجن، وجمعه غيوب، قال تعالى: وإنك أنت علام الغيوب (١٠٩) [المائدة] [القاموس القويم جـ ٢/ ٦٤]..
١٣ - وصف الله تعالى الشمس في قرآنه، فقال: هو الذي جعل الشمس ضياء..(٥) [يونس] وقال عنها: .. وجعل الشمس سراجا (١٦) [نوح] والسراج: المصباح يعطي ضوءا ويبعث حرارة..
١٤ - يقول تعالى: الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمر رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (٣٢) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (٣٣) [إبراهيم] وقد جمعت هاتان الآيتان أساسيات الكون التي تحدث عنها فضيلة الشيخ الشعراوي: السماوات –الأرض- الماء- الثمرات - الفلك- البحر- الأنهار- الشمس- القمر- الليل- النهار..
١٥ - وفي ذلك يقول الحق سبحانه: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (٥٤) [الروم]..
١٦ - يقول الله تعالى: أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (٧١) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (٧٢) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (٧٣) [يس]..
١٧ - وذلك في قوله تعالى: ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (١٩) حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (٢٠) وقلوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (٢١) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصارهم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (٢٢) [فصلت].
١٨ - الثرى: التراب الندي أو التراب مطلقا، قال تعالى: وما تحت الثرى (٦) [طه] أي: ما تحت جميع طبقات الأرض [القاموس القويم: ١/١٠٧]..
١٩ - يستعمل القبض كناية عن ضيق العيش، والبسط كناية عن سعته، كقوله تعالى: والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون (٢٤٥) [البقرة] أي: يضيق الرزق ويوسعه على من يشاء [القاموس القويم: ٢/ ٩٦] بتصرف، وبسط اليد: يكنى به عن الكرم والسخاء أو عن الإسراف وكثرة إنفاق المال، ويقول تعالى عن نفسه: بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء..(٦٤) [المائدة] كناية عن الكرم والسخاء [القاموس القويم ١/٦٦]..
٢٠ - عزب الأمر يعزب: بعد وغاب وصعب مطلبه، قال تعالى: وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (٦١) [يونس]، أي: لا يغيب ولا يبعد عنه أي شيء، فهو يعلم الصغير والكبير من الأمور والأشياءـ [القاموس القويم ٢/١٨]..
٢١ - الخيار: اسم من الاختيار، وخيرته بين الشيئين أي: فوضت إليه الخيار، وتخير الشيء، اختاره، والاختيار: الاصطفاء وكذلك التخير، [لسان العرب- مادة: خير] بتصرف..
٢٢ - وقد جاء هذا في آيات كثيرة، منها:
-قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..(٢٩) [الكهف].
-إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (٣) [الإنسان].
ومبدأ الإسلام العام أنه: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..(٢٥٦) [البقرة].

٢٣ - الحدث من أحداث الدهر: النازلة، وحدثان الدهر وحوادثه، نوبه ومصائبه [اللسان-مادة حدث]..
٢٤ - وفي هذا يقول الحق سبحانه: ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم...(٥١) [الكهف]، وقال تعالى عن خلق الملائكة: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (١٩) [الزخرف]..
٢٥ - أخرجه أحمد في مسنده [٤/٤٣١]، والبخاري في صحيحه [٣١٩١] من حديث عمران بن حصين وتمامه: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض"..
٢٦ - استعمره في المكان: جعله يعمره، قال ابن منظور في [اللسان: مادة: عمر] "استعمركم فيها، أي: أذن لكم في عمارتها واستخراج قومكم منها، وجعلكم عمارها"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير