ﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلام مخاطبا قومه :
ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا١ ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ( ٥٢ ) :
وهكذا نعلم أن الاستغفار هو إقرار بالتقصير وارتكاب الذنوب، فنقول : يا رب اغفر لنا.
وساعة تطلب المغفرة من الله تعالى، فهذا إعلان منك بالإيمان، واعتراف بأن تكليف الحق لك هو تكليف حق.
ومادام الإنسان قد طلب من الله تعالى أن يغفر له الذي فات من ذنوب، فعليه ألا يرتكب ذنوبا جديدة، وبعد التوبة على العبد أن يحرص على تجنب المعاصي.
وعلى الإنسان أن يتذكر أن ما به من نعمة فمن الله، وأن الكائنات المسخرة هي مسخرة بأمر الله تعالى، فلا تنسيك رتابة٢ الحياة عن مسببها الواهب لكل النعم.
والحق سبحانه وتعالى حين يرسل رسولا، فأول ما ينزل به الرسول إلى الأمة هو أن يصحح العقيدة في قمتها، ويدعوهم إلى الإيمان بإله واحد يتلقون عنه " افعل " و " لاتفعل ".
وهنا يكون الكلام من هود عليه السلام إلى قومه " قوم عاد "، والدعوة إلى الإيمان بإله واحد وعبادته، والأخذ بمنهجه لا يمكن أن يقتصر على الطقوس فقط من الشهادة بوحدانية الله تعالى، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.
ولكن عبادة الله تعالى هي أن تؤدي الشعائر والعبادات، وتتقن كل عمل في ضوء منهج الله، فلا تعزل الدين عن حركة الحياة.
والذين يخافون من دخول الإسلام في حركة الحياة، يريدون منا أن نقصر الدين على الطقوس، ونقول لهم : إن الإسلام حينما دخل في حركة الحياة غزا الدنيا كلها، وحارب حضارتين عريقتين ؛ حضارة الفرس في الشرق، وحضارة الرومان في الغرب.
وهؤلاء كانوا أمما لها حضارات قديمة وقوية، وثقافات وقوانين، مع ذلك جاء قوم من البدو الأميين ؛ يقود عقيدتهم رجل أمي٣ أرسله الله سبحانه وتعالى ؛ فيطيح بكل هؤلاء ؛ نظما وثقافات وارتقاءات بمستوى الحياة إلى مستوى طموح العقول.
يريد هؤلاء- إذن- أن يقوقعوا الإسلام في الأركان الخمسة فقط ؛ ليعزلوه عن حركة الحياة.
ونقول لهم : لا، لا يمكنكم أن تقصروا العبادات على الأركان الخمسة فقط ؛ لأن العبادة معناها أن يوجد عابد لمعبود حق، وأن يطيع العابد أوامر المعبود ؛ وتتمثل أوامر المعبود في " افعل " و " لاتفعل " ؛ وما لم يرد فيه " افعل " و " لاتفعل " ؛ فهو مباح ؛ إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله ؛ وبفعله أو عدم فعله لا يفسد الكون.
إذن : فالعبادة هي كل أمر صادر من الله تعالى ؛ فلا تعزلوها في الطقوس ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغنا ؛ وأوضح لنا أن أركان الإسلام الخمس هي التي بنى عليها الإسلام ؛ وليست هي كل الإسلام٤.
إذن : فالإسلام بناء يقوم على أركان ؛ لذلك لا يمكن أن نحصر الإسلام في أركانه فقط ؛ فالإسلام هو كل حركة في الحياة، ولا بد أن تنتظم حركات البشر تبعا لمنهج الله، لتنتظم الحياة كما انتظم الكون من حولنا.
فالعبادة تستوعب كل حركة في الحياة، وقد فهم البعض خطأ أن العبادة تنحصر في باب العبادات في تقسيم الفقهاء، وأغفلوا أن باب المعاملات هو من العبادة أيضا، واستقامة الناس في المعاملات تؤدي إلى انتظام حياة الناس : وفي الآية الكريم التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه : ويا قوم استغفروا ربكم... ( ٥٢ ) [ هود ] : والاستغفار٥ لا يكون إلا عن ذنوب سبقت ؛ وإذا كان هذا هو أول ما قاله هود عليه السلام لقومه ؛ إذن : فالاستغفار هنا عن الذنوب التي ارتكبوها مخالفة لمنهج الرسول الذي جاء من قبله، أو هي الذنوب التي ارتكبوها بالفطرة.
ثم يدعوهم بقوله : ثم توبوا إليه... ( ٥٢ ) [ هود ] : والتوبة تقتضي العزم على ألا تنشئوا ذنوبا جديدة.
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية :
يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم... ( ٥٢ ) [ هود ] :
ولقائل أن يقول : وما صلة الاستغفار بهذه المسألة الكونية ؟
ونقول : إن للكون مالكا لكل ما فيه ؛ جماده ونباته وحيوانه ؛ وهو سبحانه قادر، ولا يقدر كائن أن يعصي له أمرا ؛ وهو القادر أن يخرج الأشياء عن طبيعتها ؛ فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها ممطرة ؛ قد يأمرها الحق سبحانه فلا تمطر.
مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم :
فلما رأوه٦ عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم٧ به ريح فيها عذاب أليم ( ٢٤ ) [ الأحقاف ] : إذن : فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة ؛ وإنما رب الأسباب يملكها ؛ فإن شاء فعل ما يشاء.
وإذا ما عبدت الله تعالى العبادة التي تنتظم بها كل حركة في الحياة ؛ فأنت تُقبل على عمارة الأرض ؛ وتوفر لنفسك القوت٨ باستنباطه من الأسباب التي طمرها٩ الله سبحانه وتعالى في الأرض.
والقوت- كما نعلم- من جنس الأرض ؛ لذلك لا بد أن نزرع الأرض ؛ وتمد البذور جذورها الضارعة المسبحة الساجدة لله تعالى ؛ فيمطر الحق سبحانه السماء ؛ فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرب إليها عبر الأرض ؛ ونأخذ نحن أيضا حاجتنا من هذا الماء.
والسماء هي كل ما علاك فأظلك١٠ ؛ أما السماء العليا فهذا موضوع آخر، وكل الأشياء دونها.
وانظروا قول الحق سبحانه : من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ( ١٥ ) [ الحج ] : أي : من كان يظن أن الله تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو أي شيء ويربطه فيما علاه ويعلق نفسه فيه ؛ ولسوف يموت، وغيظه لن يرحل عنه.
ويرسل السماء عليكم مدرارا.. ( ٥٢ ) [ هود ] : والمدرار : هو الذي يدر بتتابع لا ضرر فيه ؛ لأن المطر قد يهطل بطغيان ضار، كما فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر.
إذن : المدرار هو المطر الذي يتوالى تواليا مصلحا لا مفسدا.
ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول حين ينزل المطر :( اللهم حوالينا ولا علينا )١١.
ومتى أرسل المطر مدرارا متتابعا مصلحا ؛ فالأرض تخضر ؛ وتعمر الدنيا ؛ ونزداد قوة إلى قوتنا.
أما من يتولى١٢ ؛ فهو يجرم في حق نفسه ؛ لأن إجرام العبد إنما يعود على نفسه ؛ فلا تظن أن إجرامي أي عبد بالمعصية يؤذي غيره١٣.
والحق سبحانه يقول : .. ولكن الناس أنفسهم يظلمون ( ٤٤ ) [ يونس ].

١ - مدرارا: صيغة مبالغة، أي: كثير غزير متتابع. وقال الله سبحانه: وأرسلنا السماء عليهم مدرارا..(٦) [الأنعام] أي تدر عليهم مطرا غزيرا. [القاموس القويم] وقد وردت كلمة (مدرارا) في القرآن الكريم ثلاث مرات: في الآيات السادسة من سورة الأنعام، وفي الآية الثانية والخمسين من سورة هود، وفي الآية الحادية عشرة من سورة نوح..
٢ - رتابة الحياة: أي: سيرها على نظام واحد، لا يتخلف، فيبدو لك أنه يسير بنفسه وبذاته وتنسى مسيره ومسببه. قال في اللسان [مادة: رتب]: "الراتب: الثابت الدائم، والرتب: الشيء المقيم الثابت"..
٣ - هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمية رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أكد عليه رب العزة في القرآن، فقال: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل..(١٥٧) [الأعراف].
الأمي نسبة إلى الأم، كأنه باق على حالته التي ولد عليها مفطورا بفطرة الله بالتلقي عنه إلهاما ووحيا، فما نطق عن هوى إن هو إلا وحي يوحى (٤) [النجم] وهذا الوصف من خصوصيات النبي، وهي تشريف له، لأنه إذا كان أميا وأنزل الله عليه الكتاب المعجز، فلا شك أنه من عند الله والأمية دليل على أن علمه من الله مباشرة، وليس من البشر، ولو لم يكن أميا لقيل أنه قرأ ونقل عن غيره، "من أقوال الشيخ الشعراي" م. س..

٤ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) أخرجه البخاري في صحيحه [٨] ومسلم في صحيحه [١٦]..
٥ - غفر الذنب يغفره- كضرب- غفرا وغفرانا ومغفرة. ستره وعفا عنه ولم يعاقب فاعله، قال تعالى: نغفر لكم خطاياكم...(٥٨) [البقرة] والغافر: اسم فاعل وغفور وغفار: صيغتان للمبالغة وكلها من أسماء الله الحسنى، وغفران مصدر، والمغفرة مصدر ميمي، واستغفر طلب الغفران لنفسه، قال تعالى: واستغفر لهم الرسول.. ٦٤ [النساء] طلب من الله أن يغفر لهم. [القاموس القويم باختصار].
٦ -أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم اعتقدوا أنه عارض مطر ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر. [تفسير ابن كثير ٤/١٦٠]..
٧ - وذلك أنهم قالوا لرسولهم هود عليه السلام: ... فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (٢٢) [الأحقاف]..
٨ - القوت: الطعام يحفظ على البدن حياته، وجمعه "أقوات" قال تعالى: وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام..(١٠) [فصلت] أي: أقوات جميع سكان الأرض من إنسان وحيوان وكل شيء حي إلى آخر الدهر. وأقات النبات أو الحيوان: أمده بقوته الذي يحفظ حياته. وأقات عليه: حفظه وحفظ بقاءه قال تعالى: .. وكان الله على كل شيء مقيتا (٨٥) [النساء] أي: غالبا مقتدرا، أو حافظا واقيا حياته. [القاموس القويم] بتصرف..
٩ -طمرها: دفنها وأودعها وخبأها في باطن الأرض. والمطمورة: حقيرة تحت الأرض أو مكان تحت الأرض قد هيء خفيا يطمر فيه الطعام والمال. أي: يخبأ. [لسان العرب- مادة: طمر]..
١٠ - قال الزجاج: السماء في اللغة: يقال لكل ما ارتفع وعلا: قد سما يسمو. وكل سقف فهو سماء. والسماء: كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت سماء. [اللسان: مادة سمو]..
١١ -أخرجه مسلم في صحيحه (٨٩٧)، والبخاري في صحيحة (٩٣٣)، فعن أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه- وما نرى في السماء قزعة- فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال؛ فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"..
١٢ - يتولى: يعرض. والتولي: الإعراض والإدبار. ومنه قوله تعالى: فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (٨٢) [آل عمران]..
١٣ -والحق سبحانه يقول: ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (١١١) [النساء] والإثم: الذنب، وعاقبته إنما تعود على نفسه..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير