* قوله تعالى : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء :
٧٠٣- هو استثناء مفرغ، لتوسطه بين الفعل والمفعول، لأن معنى " نقول " : نقدر. و " أن " معناها " ما " النافية.
وتقدير الكلام : " ما نقدر إلا أن بعض آلهتنا إذا سببته اعتراك بسوء "، " فأن " وما بعدها في تأويل المصدر مفعول ب " نقدر "، والمستثنى منه على هذا التقدير أفراد المفاعيل.
ومعنى الكلام : " لا سلامتك من الآلهة ولا غفلتهم عنك ولا غير ذلك من الأمور التي يمكن تقديرها بل إصابتك فقط، ويقال عر، يعر، اعترى، يعترى إذا ألم بالشيء ". ( الاستغناء : ٢٠٥ )
* قوله تعالى : ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها :
٧٠٤- هو استثناء مفرغ لتوسطه بين المبتدأ وخبره.
وفيه من الأسئلة : أن " من " هل زائدة أو مفيدة للعموم، ولولاها لم يثبت العموم ؟ ولم خصص الدواب دون بقية المخلوقات العاقلة وغير العاقلة ؟ ولم خصص الناصية ؟ وما المستثنى منه ؟
والجواب :
أن لفظ الدابة ليس من الألفاظ الموضوعة للاستعمال في النفي، لأن الألفاظ الموضوعة للاستعمال في النفي ذكرها اللغويون في نحو عشرين صورة، ليست هذه منها. قال الزمخشري في قوله تعالى : ما لكم من إله غيره ١ : لو حذفت " من " لم يبق العموم. فهذه الألفاظ لا تفيد العموم إلا إذا دخلت عليها " من ". فتكون " من " هاهنا ليست زائدة مؤكدة للعموم، بل منشئة له. وأصلها أن تكون مبتدأ مرفوعا، تقديره : " ما دابة إلا يأخذ ربي بناصيتها ". فدخلت " من " على المبتدإ، فهو مخفوض في اللفظ مرفوع في المعنى.
وأما وجه تخصيص الدابة، فلأنه موضوع في اللغة لمطلق ما دب على الأرض، فهو يشمل نوع الإنسان وجنسه الذي هو الخطاب بينه وبين هود عليه السلام، فيناسب ألا يبعد عنهم بعدا شديدا إلى مطلق الوجود أو مطلق العاقل فيضعف الوعيد. والاقتصار عليهم بخصوصهم أيضا ليس فيه إشارة إلى عموم الاقتدار، فكانت هذه الرتبة المتوسطة جامعة بين عموم الاقتدار وقوة الوعيد، فكانت أبلغ وأتم.
وأما الناصية فلأنها الموضع الذي عادة الفرس يقاد به، وكذلك كل أسير إذا أخذ يمسك بناصيته، حتى عادة العرب تجز بناصية الأسير إذا أطلقته لتدل بذلك على أنها قدرت عليه وأطلقته، لأنها موضع الأخذ. ثم لما كثر ذلك في الاستعمال صار الأخذ بالناصية يعبر به عن مطلق القهر والاستيلاء، وإن لم يحصل مس باليد، وهو المراد هاهنا.
وأما المستثنى منه فهو أحوال الدواب، أي : " لا توجد دابة في حالة هي الإهمال ولا في حالة هي أنها المستولية، بل لا يوجد إلا في هذه الحالة، وهي استيلاء الله تعالى عليها، وانقيادها له في أقصى غاية الانقياد، فلا يمكن أن توجد دابة إلا في هذه الحالة ". والمستثنى منه أحوال. ( نفسه : ٢٠٥ إلى ٢٠٧ )
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي