ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

يقول الحق سبحانه بعد ذلك :
إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريئ مما تشركون ( ٥٤ ) :
و " إن " التي تفتتح بها الآية الكريمة أداة شرطية، وأداة " إن " الشرطية يأتي بعدها جملة شرط، وجواب شرط، فإن لم تكن كذلك فهي تكون بمعنى النفي ؛ مثل قول الحق سبحانه : إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. ( ٢ ) [ المجادلة ].
وهنا يقول الحق سبحانه : إن نقول إلا اعتراك١... ( ٥٤ ) [ هود ] : أي : " ما نقول إلا اعتراك ".
وهكذا نعلم أن كلمة " إن " هنا جاءت بمعنى النفي.
و " إلا " هي أداة استثناء، وقبلها فعل هو " نقول "، وإذا وجدت أداة استثناء، ولم يذكر المستثنى منه صراحة، فاعلم أنه واحد من ثلاثة : إما أن يكون مصدر الفعل، وإما أن يكون ظرف الفعل، وإما أن يكون حال الفعل٢.
وعلى ذلك فمعنى الآية الكريمة : وما نقول لك إلا أن آلهتنا أصابتك بسوء ؛ لأنك سفهتهم وأبطلت ألوهيتهم، وجئت بإله جديد من عندك، فأصابتك الآلهة بسوء- يراد به الجنون- فأخذت تخلط في الكلام الذي ليس له معنى.
ويرد عليهم هود عليه السلام بما جاء في نفس الآية : .. قال إني أشهد الله واشهدوا٣ أني بريء مما تشركون ( ٥٤ ) [ هود ]. وهو يشهد الله الذي يثق أنه أرسله، ويحمي ذاته، ويحمي عقله ؛ لأن عقل الرسول هو الذي يدير كيفية أداء البلاغ عن الله.
والحق سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرسل رسولا ولا يحميه.
وقد قال الكافرون عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أنه مجنون ؛ فأنزل الحق سبحانه وتعالى قوله الكريم : وما أنت بنعمة ربك بمجنون ( ٢ ) وإن لك لأجرا غير ممنون٤ ( ٣ ) وإنك لعلى خلق عظيم ( ٤ ) [ القلم ] : ونحن نعلم أن المجنون لا خلق له، وفي هذا بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قمة العقل ؛ لأنه في قمة الخلق الطيب.
وهنا يشهد هود عليه السلام قومه ويطالبهم أن يرجعوا إلى الفطرة السليمة، ويحكموا : أهو مجنون أم لا، ويشهدهم أيضا أنه بريء من تلك الآلهة التي يشركون بعبادتها من دون الله تعالى.

١ - عراه يعروه: ألم به أو غشيه وأصابه. قال تعالى: إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء..(٥٤) [هود] أي: أصابك. قال الفراء: كانوا كذبوه- يعني: هودا عليه السلام- ثم جعلوه مختلطا، وادعوا أن آلهتهم هي التي خبلته لعيبه إياها، قال الفراء: معناه: ما نقول إلا مسك بعض أصنامنا بجنون لسبك إياها. [لسان العرب، والقاموس القويم]..
٢ - يسمى النحاة هذا النوع من أساليب الاستثناء "الاستثناء المفرغ" وهو ما حذف منه المستثنى منه، والكلام غير موجب [أي: منفى] مثل: ما تكلم إلا واحد. ويقول تعالى: [إن نظن إلا ظنا..(٣٢)} [الجاثية] أي: ما نظن إلا ظنا عظيما. انظر تفصيل ذلك في النحو الوافي [٢/٣١٧-٣٣٧]..
٣ - طلبه للشهادة هنا ليس لأنهم أهل للشهادة، ولكن المعنى: وأشهدكم نهاية للتقرير، أي: لتعرفوا أنني بريء من عبادة الأصنام التي تعبدونها. انظر تفسير القرطبي [٤/٣٣٧٠]..
٤ - غير ممنون: أي: غير مقطوع، بل هو دائم، ويحتمل أنه غير مكدر بالمن والتقريع والفخر به. والمعنيان لا يتعارضان [القاموس القويم ٢/٢٤٠]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير