قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ( ٨١ ) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ( ٨٢ ) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( هود : ٨١-٨٣ ).
المعنى الجملي : بعد أن بينّ عز اسمه ما يدل على أن لوطا كان قلقا على أضيافه مما يوجب الفضيحة لهم، وذلك قوله : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن ذكر هنا أن الرسل بشروه بأن قومه لم يصلوا إلى ما هموا به، وأن الله مهلكهم ومُنْجيه مع أهله من العذاب.
تفسير المفردات :
والسجيل : الطين المتحجر كما جاء في الآية الأخرى حجارة من طين ( الذاريات : ٣٣ ). وقال الراغب : هو حجر وطين مختلط أصله فارسي فعرّب. ومنضود : أي وضع بعضه على بعض وأعد لعذابهم.
الإيضاح :
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها أي فلما جاء أمرنا بالعذاب وقضاؤنا فيهم بالهلاك قلبنا قراها كلها وخسفنا بها الأرض.
وقد جرت سنة الله أنه إذا أراد خسف أرض في جهة ما أحدث تحتها فراغا بتفاعل الأبخرة التي في جوفها فيندكّ الجزء الأعلى وينهدم ويغور إلى أسفل إما عموديا إن كان الفراغ بقدر ما انخسف من الأرض وإما مائلا إلى جانب من الجوانب إن كان الفراغ تحته أوسع، وفي بعض هذه الحالات يكون عاليها سافلها ؛ ويرجع بعض علماء طبقات الأرض- الجيولوجيا- أن قرى قوم لوط خُسِف بها تحت الماء المعروف ببحيرة لوط أو بحر لوط، وقد عثر الباحثون على بعض آثارها من عهد قريب.
وقدر روى المفسرون في خسفها من الخرافات ما لم يثبته نقل ولا يقبله عقل، فقالوا : إن جبريل عليه السلام قلعها من توخم الأرض بجناحه وصعد بها إلى عنان السماء حتى سمع أهل السماء أصوات الكلاب والدجاج ونهيق الحمير، ثم قلبها قلبا مستويا فجعل عاليها سافلها، مع أن المشاهدة في هذا العصر أثبتت أن الطائرات المطاردة التي تحلّق في الجو تصل فقط إلى حيث يخفّ ضغط الهواء وتستحيل الحياة حينئذ، ومن ثم يضعون فيها من أوكسجين الهواء ما يكفي استنشاقه وتنفسه للحياة في طبقات الجوّ العليا ثم يصعدون فيها ؛ وقد أشار الكاتب الكريم إلى ما يكون للتصعيد في جو السماء من التأثير في ضيق الصدر وعسر التنفس : بقوله : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ( الأنعام : ١٢٥ ).
وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود* مسومة عند ربك أي وأمطرنا عليهم قبل القلب أو في أثنائه حجارة من سجيل : أي من طين متحجر كما جاء في سورة الذاريات : لنرسل عليهم حجارة من طين ( الذاريات : ٣٣ ) ومثل هذا المطر يحدث عادة بإرسال الله تعالى ريحا شديدة تحمل بعض الأحجار من المستنقعات أو الأنهار فتلقيها حيث يشاء الله.
وهذا السجيل قد نضد وتراكب بعضه في أثر بعض بحيث يقع طائفة بعد طائفة، وقد وُضِع على تلك الأحجار سُومة : أي علامة خاصة في علم ربك بحيث لا تصيب غير أهلها.
وقد يكون المعنى : إنه سخرها عليهم وحكّمها في إهلاكهم بحيث لا يمنعها شيء، من قولهم : سوّمت فلانا في الأمر : إذا حكّمته في خلّيته وما يريد، لا تثني له يد في تصرفه.
ويرى بعض المفسرين أن التسويم ما كان حسيا بخطوط في ألوانها أو بأمثال الخواتيم عليها أو بأسماء أهلها، وكل ذلك من أمور الغيب التي لا تثبت إلا بسلطان ونص من خاتم الرسل، وأني هو ؟
تفسير المراغي
المراغي