ﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ ﯺﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖﰗﰘﰙﰚﰛﰜ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

٧- إن رحمة الله متكاثرة، وبركاته على أهل بيت النبوة متعاقبة، فكان التبشير بولادة ولد لزوجين عجوزين معجزة خارقة للعادة، وتخصيصا لبيت النبوة بكرامة عالية رفيعة، والله تعالى قادر على كل شيء، وإنه حميد مجيد، فلا عجب بعدئذ.
٨- إن جدل إبراهيم في شأن إهلاك قوم لوط ليس من الذنوب، بدليل إيراد المدح العظيم عقبه بقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ أي إن رقة قلبه وفرط رحمته وسعة حلمه حملته على المجادلة، التي كان المراد منها سعي إبراهيم في تأخير العذاب عن قوم لوط، رجاء إقدامهم على الإيمان والتوبة من المعاصي.
٩- دلت آية رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ على أن زوجة الرجل من أهل البيت، وأن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلّم وممن قال الله فيهم: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب ٣٣/ ٣٣].
قصة لوط عليه السلام مع قومه
[سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)

صفحة رقم 111

الإعراب:
يُهْرَعُونَ في موضع الحال.
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ هؤُلاءِ مبتدأ، وبَناتِي عطف بيان، وهُنَّ ضمير فصل، وأَطْهَرُ خبر المبتدأ.
فِي ضَيْفِي وحّد الضيف وإن كان جمعا في المعنى لأن ضيفا في الأصل مصدر يصلح للواحد والاثنين والجماعة.
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.. لَوْ حرف امتناع لامتناع، وجوابه محذوف تقديره: لحلت بينكم وبين ما هممتم به من الفساد، والحذف هاهنا أبلغ لأنه يوهم تعظيم الجزاء. وآوِي منصوب بأن، ليكون الفعل معها بتأويل المصدر معطوفا على قُوَّةً وتقديره: لو أن لي بكم قوة أو اويا. مثل قول ميسون بنت الحارث أم يزيد بن معاوية:
ولبس عباءة وتقرّ عيني أحبّ إلى من لبس الشفوف أي: وأن تقرّ عيني.
إِلَّا امْرَأَتَكَ مستثنى منصوب من قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ ويرفع على البدل من أَحَدٌ. والمراد بالنهي وَلا يَلْتَفِتْ في رأي المبرد المخاطب، ولفظه لغيره، كما تقول لغلامك: لا يخرج فلان، أي لا تدعه يخرج.
البلاغة:
أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ استفهام معناه التعجب والتوبيخ.

صفحة رقم 112

أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ استعارة، والمراد بها قومه وعشيرته لأن الإنسان يلجأ إليهم ويستند كالاستناد إلى ركن.
عالِيَها سافِلَها بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
سِيءَ بِهِمْ ساءه مجيئهم وحزن بسببهم لأنهم جاؤوا في صورة غلمان، فظن أنهم أناس، فخاف أن يقصدهم قومه، فيعجز عن مدافعتهم. وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي ضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وهو كناية عن شدة الانقباض، للعجز عن مدافعة المكروه، يقال: ما لي به ذرع أي مالي به طاقة عَصِيبٌ شديد الأذى. يُهْرَعُونَ يسرعون، يقال: هرع وأهرع: إذا حمل على الإسراع وَمِنْ قَبْلُ قبل مجيئهم كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفواحش وهي إتيان الرجال في الأدبار. هؤُلاءِ بَناتِي فتزوجوهن هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ أنظف فعلا أو أقل فحشا، وقال أبو حيان: الأحسن أن تكون الإضافة مجازية أي بنات قومي، أي البنات أطهر لكم إذ النبي يتنزل منزلة الأب لقومه. وفي قراءة ابن مسعود: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم» ويدل عليه: أنه فيما قيل: لم يكن له إلا بنتان، وهذا بلفظ الجمع، وأيضا فلا يمكن أن يزوج ابنتيه من جميع قومه. وقيل: أشار إلى بنات نفسه، وندبهم إلى النكاح إذ كان من سنتهم تزويج المؤمنة بالكافر. وقيل: (أحل وأطهر) ليس أفعل التفضيل إذ لا طهارة في إتيان الذكور. وَلا تُخْزُونِ تفضحوني، من الخزي، أو لا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء فِي ضَيْفِي أضيافي، يطلق الضيف على الواحد والجمع رَشِيدٌ ذو رشد وعقل يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح مِنْ حَقٍّ من حاجة لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ من إتيان الرجال.
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً طاقة، أي لو قويت بنفسي على دفعكم أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ قوي أمتنع به عنكم، أو عشيرة تنصرني، لبطشت بكم لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بسوء فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ طائفة أو بقية من الليل، والسّرى: السير ليلا وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ولا يتخلف أو ولا ينظر إلى ورائه، والنهي في اللفظ لأحد، وفي المعنى للوط، وسبب النهي ألا يرى عظيم ما ينزل بهم إِلَّا امْرَأَتَكَ فلا تسر بها إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ تعليل بطريقة الاستئناف، قيل: إنه لم يخرج بها، وقيل: خرجت والتفتت فقالت: وا قوماه، فجاءها حجر فقتلها. إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ كأنه علة الأمر بالإسراء، أو قد سألهم عن وقت هلاكهم، فأخبروه بذلك.
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا أو أمرنا به جَعَلْنا عالِيَها أي قراهم سافِلَها بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض مِنْ سِجِّيلٍ طين طبخ بالنار، بدليل آية أخرى لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ
[الذاريات ٥١/ ٣٣] أي طين متحجر.

صفحة رقم 113

مَنْضُودٍ متتابع منظم ومعدّ لعذابهم مُسَوَّمَةً معلمة للعذاب، أي لها علامة خاصة عند ربك أي في خزائنه وَما هِيَ الحجارة أو بلادهم مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ أي أهل مكة وأمثالهم، وهذا وعيد لكل ظالم،
روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه سأل جبريل عليه السلام، فقال: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.
المناسبة:
هذه هي القصّة الخامسة من القصص المذكورة في هذه السّورة، وهي قصة لوط عليه السّلام، وقوم لوط: أهل سدوم في الأردن. قال ابن عباس: انطلقوا من عند إبراهيم إلى لوط (ابن أخي إبراهيم) وبين القريتين أربع فراسخ، ودخلوا عليه على صورة شباب مرد من بني آدم، وكانوا في غاية الحسن، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة الله.
التفسير والبيان:
ولما جاءت رسلنا من الملائكة لوطا، بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم هذه الليلة، وكانوا في أجمل صورة بهيئة شباب حسان الوجوه، ابتلاء من الله، فساءه شأنهم ومجيئهم، وضاقت نفسه بسببهم لأنه ظنّ أنهم من الإنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجزوا عن مقاومتهم، وقال: هذا يوم عصيب أي شديد البلاء.
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ.. وجاء لوطا قومه عند ما سمعوا بالضّيوف وقدومهم، بإخبار امرأته قومها، يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، لإتيان الفاحشة، وليس ذلك غريبا، فإنهم كانوا قبل مجيئهم يعملون السّيئات ويرتكبون الفواحش، فلم يزل هذا من سجيّتهم، حتى أخذوا وهم على تلك الحال، كما حكى الله عنهم: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت ٢٩/ ٢٩] أي ظلوا يقترفون الفاحشة إلى وقت الهلاك.

صفحة رقم 114

قالَ: يا قَوْمِ، هؤُلاءِ.. قال لوط: يا قوم، هؤلاء البنات فتزوّجوهنّ، والمراد بنات القوم ونساؤهم فإن النّبي للأمّة بمنزلة الوالد، كما قال ابن عباس، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدّنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ، وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ [الشّعراء ٢٦/ ١٦٥- ١٦٦]، قال مجاهد وقتادة وغير واحد: لم يكنّ بناته، ولكن كنّ من أمته، وكلّ نبي أبو أمته. وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوّجوا النّساء، لم يعرض عليهم سفاحا. وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هنّ بناته، وهو أب لهم.
فَاتَّقُوا اللَّهَ.. أي فاخشوا الله، وأقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم، ولا تفضحوني أو لا تخجلوني في ضيوفي، فإن إهانتهم إهانة لي.
أليس منكم رجل فيه رشد وحكمة وعقل وخير يقبل ما آمر به ويترك ما أنهى عنه، ويهديكم إلى الطريق الأقوم.
قالوا: لقد علمت سابقا ألا حاجة لنا في النّساء ولا نشتهيهنّ، فلا فائدة فيما تقول، وليس لنا غرض إلا في الذّكور، وأنت تعلم ذلك منا، فأي فائدة في تكرار القول علينا في ذلك؟ والمراد أنهم صمموا على ما يريدون.
قال لوط لقومه متوعّدا: لو كان لدي قوة تقاتل معي، أو عشيرة تؤازرني وتنصرني عليكم، وتدفع الشّرّ عني، لكنت قاتلتكم وحلت بينكم وبين ما تريدون.
وبعد هذه المخاوف من الفضيحة التي أقلقت لوطا على ضيفانه، بشرته الملائكة بنجاته منهم وهلاكهم بالعذاب: قالُوا: يا لُوطُ، إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ..
أي قالت الملائكة للوط: إنا رسل ربّك أرسلنا لنجاتك من شرّهم، وإهلاكهم، لن يصلوا بسوء إليك ولا إلى ضيوفك، وحينئذ طمس الله أعينهم، فلم يعودوا

صفحة رقم 115

يبصروا لوطا ومن معه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ [القمر ٥٤/ ٣٧].
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ.. أي فاخرج من هذه القرية في جزء من الليل يكفي لتجاوز حدودها، كما قال تعالى: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذّاريات ٥١/ ٣٥- ٣٦].
وَلا يَلْتَفِتْ.. أي ولا ينظر أحد منكم إلى ما وراءه أبدا، حتى لا يصيبه شيء من العذاب، أو يتعاطف معهم، وامضوا حيث تؤمرون.
إِلَّا امْرَأَتَكَ... أي امض بأهلك إلا امرأتك فلا تأخذها معك، إنه مصيبها ما أصابهم من العذاب لأنها كانت كافرة خائنة.
ثم ذكر علّة الإسراء ليلا، فقال: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ.. أي إن موعد عذابهم وبدءه هو الصّبح من طلوع الفجر إلى شروق الشّمس، كما قال تعالى:
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر ١٥/ ٧٣].
أليس موعد الصّبح بموعد قريب، وسبب اختيار هذا الوقت كونهم متجمعين في مساكنهم. روي أنهم لما قالوا للوط عليه السّلام: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ قال: أريد أعجل من ذلك، بل الساعة، فقالوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ قال المفسّرون: إن لوطا عليه السّلام لما سمع هذا الكلام، خرج بأهله في الليل.
فلما جاء أمرنا بالعذاب، وكان ذلك عند طلوع الشّمس، ونفذ قضاؤنا، جعلنا عاليها وهي سدوم سافلها، وخسفنا بهم الأرض، وأمطرنا عليهم حجارة من طين متحجّر، منضّد بعضها فوق بعض وتتابع في النّزول عليهم، مسوّمة أي معلّمة للعذاب، عليها علامة خاصة عند ربّك أي في خزائنه، كقوله تعالى:

صفحة رقم 116

وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى. فَغَشَّاها ما غَشَّى [النّجم ٥٣/ ٥٣- ٥٤]. فمن لم يمت حتى سقط للأرض، أمطر الله عليه، وهو تحت الأرض الحجارة، حجارة من سجيل، أي طين متحجّر قوي شديد.
وفي التّفسير: أمطرنا في العذاب، ومطرنا في الرّحمة.
ثم ذكر الله تعالى العبرة من القصة متوعّدا بها كلّ ظالم فقال: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ أي وما هذه النّقمة أو تلك القرى التي وقعت فيها ممن تشبه بهم في ظلمهم كأهل مكة ببعيد عنه، والمقصود أنه تعالى يرميهم بها.
قال أنس: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلّم جبريل عن هذا، فقال: يعني عن ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم، إلا وهو بمعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.
وفي هذا عبرة للظالمين في كلّ زمان ومكان. وجاء بِبَعِيدٍ مذكّرا على معنى بمكان بعيد.
ونظير الآية: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ
[الصافات ٣٧/ ١٣٧- ١٣٨]، أي وإنكم لتمرّون على ديارهم في أسفاركم نهارا أو ليلا، أفلا تعقلون وتتدبّرون بما نزل بهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت قصة لوط عليه السّلام مع قومه على ما يأتي:
١- إنّ المؤمن يغار على حرمات الله، ويستبق وقوع الحوادث استعدادا للبلاء قبل نزوله، لذا استاء لوط عليه السّلام من مجيء وقد الملائكة (ملائكة العذاب الذين بشّروا إبراهيم بالولد) وضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وقال: هذا يوم شديد في الشّر.
لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم، وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، بصرت بنتا لوط- وهما تستقيان- بالملائكة، ورأتا هيئة حسنة

صفحة رقم 117

فقالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع كذا نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها أصحاب الفواحش فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم! هذا الشيخ، وأشارتا إلى لوط فلما رأى لوط هيئتهم خاف قومه عليهم.
٢- كان مجيء القوم مسرعين بقصد ارتكاب الفاحشة دليلا ماديا محسوسا للملائكة وغيرهم على استحقاقهم العذاب الأليم والعقاب السريع. وكان سبب إسراعهم ما روي أن امرأة لوط الكافرة، لما رأت الأضياف وجمالهم وهيئتهم، خرجت حتى أتت مجالس قومها، فقالت لهم: إنّ لوطا قد أضاف الليلة فتية، ما رئي مثلهم جمالا وكذا وكذا، فحينئذ جاؤوا يهرعون إليه.
ويذكر أن الرّسل لما وصلوا إلى بلد لوط، وجدوا لوطا في حرث (بستان) له. وقيل: وجدوا ابنته تستقي ماء من نهر سدوم.. إلخ ما ذكر سابقا.
٣- كان قوم لوط يعملون السّيئات، أي كانت عادتهم إتيان الرّجال، فلما جاؤوا إلى لوط، وقصدوا أضيافه قام إليهم لوط مدافعا، وقال: هؤلاء بناتي، أي أرشدهم إلى التّزوج بالنّساء، وإيثار البنات على الأضياف وقيل: ندبهم في هذه الحالة إلى النّكاح، وكانت سنّتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة وقد كان هذا في أول الإسلام جائزا ثم نسخ فزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلّم بنتا له من عقبة بن أبي لهب، والأخرى من أبي العاص بن الرّبيع قبل البعثة والوحي، وكانا كافرين.
وقال جماعة من المفسّرين كمجاهد وسعيد بن جبير: أشار بقوله:
بَناتِي إلى النّساء جملة إذ نبيّ القوم أب لهم، ويؤيّد هذا أن في قراءة ابن مسعود: «النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم»، والظاهر أن هذا هو أمثل الآراء وأقربها إلى الصحة.

صفحة رقم 118

٤- إن الكريم الشّهم الأبي هو الذي يحافظ على كرامة ضيوفه، لذا قال لوط: فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أي لا تهينوني ولا تذلّوني.
ثم وبّخهم بقوله: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ؟ أي شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو ذو رشد، أو راشد أو مرشد أي صالح أو مصلح. والرّشد والرّشاد: الهدي والاستقامة.
٥- من ألف الفساد والفحش بعد عن الصّلاح والطّهر، لذا قال قوم لوط:
لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي ليس لنا إلى بناتك رغبة ولا هنّ نقصد، ولا لنا عادة نطلب ذلك، فإن نكاح الإناث أمر خارج عن مذهبنا أو طريقنا الذي نحن عليه، ولا حاجة لنا بالبنات، أو لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض لا جدّية فيه، فقوله: مِنْ حَقٍّ أي مالنا في بناتك من حاجة ولا شهوة.
ثم أعلنوا عن شهوتهم فقالوا: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ إشارة إلى الأضياف، والرّغبة في إتيان الذّكور، وما لهم فيه من الشّهوة.
٦- لم يجد لوط عليه السّلام سبيلا للرّدع والإرهاب إلا التّهديد وإظهار الغضب والضّجر من موقف قومه، واستمرارهم في غيّهم، وضعفه عنهم وعجزه عن دفعهم، فتمنى لو وجد عونا على ردّهم، وقال على جهة التّفجع والاستكانة:
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي أنصارا وأعوانا، لرددت أهل الفساد، وحلت بينهم وبين ما يريدون، أو لو أجد ملجأ ألجأ وأنضوي إليه من قبيلة أو عشيرة تؤازرني ضدّ البغي والبغاة، والظّلم والظّالمين، والفسق والفاسقين. وهو دليل على أن لوطا كان في غاية القلق والحزن بسبب إقدام أولئك الأوباش على ما يوجب الفضيحة في حقّ أضيافه.

صفحة رقم 119

٧- لما رأت الملائكة حزن لوط عليه السّلام واضطرابه ومدافعته، عرّفوه بأنفسهم: قالُوا: يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ فلما علم أنهم رسل، مكّن قومه من الدّخول، فأمر جبريل عليه السّلام يده على أعينهم فعموا، وعلى أيديهم فجفّت.
وطمأنوه بقولهم: لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بمكروه، وكان كلام الملائكة متضمّنا أنواعا خمسة من البشارات هي: أنهم رسل الله، وأن الكفار لن يصلوا إلى ما همّوا به، وأنه تعالى يهلكهم، وأنه تعالى ينجيه مع أهله من ذلك العذاب، وأن ركنه شديد، وأن ناصره هو الله تعالى.
٨- اقتضت رحمة الله تعالى وعدله إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين، وتلك معجزة للنّبي وتكريم لمن آمن معه، وردع للظّالمين وإرهاب للكافرين. فأنقذ الله لوطا وأهله وهم بنتاه إلا امرأته، وأهلك قومه.
٩- كان إهلاك قوم لوط ما بين طلوع الفجر إلى شروق الشمس بقلب جبريل عليه السّلام قرى قوم لوط وجعل عاليها سافلها، وهي خمس: سدوم (وهي القرية العظمى) وعامورا، ودادوما، وضعوة، وقتم.
أي أن العذاب له وصفان: الأول: قوله تعالى: جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض، والثاني قوله تعالى:
وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ.
وكان هذا العمل معجزة قاهرة من وجهين:
أحدهما- أن قلع الأرض وإصعادها إلى قريب من السماء فعل خارق للعادة.
والثاني- أن ضربها من ذلك البعد البعيد على الأرض، بحيث لم تتحرك

صفحة رقم 120

سائر القرى المحيطة بها بتاتا أمر عجيب.
ثم إن عدم وصول الآفة إلى لوط عليه السّلام وأهله، مع قرب مكانهم من ذلك الموضع معجزة قاهرة أيضا.
١٠- وصف الله تعالى الحجارة التي رمي بها قوم لوط بصفات ثلاث هي:
الأولى- كونها من سجّيل، أي الشّديد الكثير، أو الطين المتحجّر.
الثانية- قوله تعالى: مَنْضُودٍ أي متتابع، أو مصفوف بعضه على بعض، أو مرصوص.
الثالثة- مُسَوَّمَةً أي معلّمة، من السّيما وهي العلامة، أي كان عليها أمثال الخواتيم.
وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكَ قال الحسن: دليل على أنها ليست من حجارة الأرض.
وقوله تعالى: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ يعني قوم لوط أي لم تكن تخطئهم، وهي أيضا عبرة لكلّ ظالم من أهل مكة وغيرهم.
روي عن النّبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرّجال، ونساؤهم بالنّساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط، أن يرسل الله عليهم حجارة من سجّيل»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلّم: وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.
١١- دلّ قوله تعالى: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ على أن من فعل فعل قوم لوط، حكمه الرّجم، كما تقدّم في سورة الأعراف.

صفحة رقم 121

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية