قوله تعالى: لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ : العامَّةُ على فَتْح ياءِ المضارعة من جَرم ثلاثياً. وقرأ الأعمشُ وابنُ وثاب بضمِّها مِنْ أجرم. وقد تقدم أنَّ «جَرَمَ» يتعدَّى لواحدٍ ولاثنين مثل كسب، فيقال: جَرَم زيدٌ مالاً نحو: كَسَبه، وجَرَمْتُه ذَنْباً، أي: كَسَبَتْه إياه فهو مثلُ كَسَب، وأنشد الزمخشري على تعدِّيه لاثنين قولَ الشاعر:
صفحة رقم 376
| ٢٦٩٨ - ولقد طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَة طعنَةً | جَرَمَتْ فَزارةُ بعدها أن يَغْضَبوا |
والعامَّةُ أيضاً على ضم لام «مثلُ» رفعاً على أنه فاعل «يُصيبكم»، وقرأ مجاهد والجحدري بفتحها، وفيها وجهان، أحدهما: أنها فتحة بناء وذلك أنَّه فاعل كحاله في القراءة المشهورة، وإنما بُني على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ [الذاريات: ٢٣] وكقوله:
| ٢٦٩٩ - لمَ يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرَ أَنْ نَطقَتْ | حَمامةٌ في غُصون ذات أَوْقالِ |
قوله: بِبَعِيدٍ أتى ب «بعيد» مفرداً وإن كان خبراً عن جمعٍ لأحد أوجهٍ: إمَّا لحَذف مضاف تقديرُه: وما إهلاك قومٍ، وإمَّا باعتبار زمان، أي: بزمانٍ بعيد، وإما باعتبار مكان، أي: بمكان بعيد، وإمَّا باعتبار موصوفٍ غيرِهما، أي: بشيءٍ بعيد، كذا قدَّره الزمخشري، وتبعه الشيخ، وفيه إشكالٌ من صفحة رقم 377
حيث إنَّ تقديرَه بزمان يلزم فيه الإِخبارُ بالزمان عن الجثَّة. وقال الزمخشري أيضاً: «ويجوز أن يسوى في» قريب «و» بعيد «و» قليل «و» كثير «بين المذكر والمؤنث لورودِها على زِنَةِ المصادر التي هي كالصَّهيل والنهيق ونحوهما».
صفحة رقم 378الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط