قوله : وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ ، «رأيت » يحتمل أن يكون معناه : أبصرت، وأن يكون معناه : علمت، فإن كان معناه «أبصرت » كان «يَدخُلونَ » في محل النصب على الحال، والتقدير : ورأيت الناس يدخلون حال دخولهم في دين الله أفواجاً، وإن كان معناه :«علمت » كان «يدخُلونَ » مفعولاً ثانياً ل «علمت » والتقدير : علمت الناس داخلين في دين الله أفواجاً.
وفي عبارة الزمخشري١ : أنه كان بمعنى «أبصرتُ »، أو «عرفت ».
وناقشه أبو حيان٢ : بأن «رأيت » لا يُعرف كونها بمعنى «عرفت »، قال :«فيحتاج في ذلك إلى استثبات ».
وقرأ العامة :«يدخلون » مبنياً للفاعل.
وابن كثير٣ في رواية : مبنياً للمفعول، و «فِي دِيْنِ » ظرف مجازي، وهو مجاز فصيح بليغ هاهنا.
قوله : أَفْوَاجاً حال من فاعل «يَدخُلُونَ ».
قال مكي :«وقياسه » : أفوج، «إلا أن الضمة تستثقل في الواو، فشبهوا «فعلاً » - يعني بالسكون - ب «فَعل - يعني بالفتح - فجمعوه جمعه » انتهى.
أي : أن «فَعْلاً » بالسكون، قياسه «أفعُل » ك «فَلْس » و «أفلُس »، إلا أنه استثقلت الضمةُ على الواوِ، فجمعوه جمع «فعل » بالتحريك نحو : جمل، وأجمال ؛ لأن «فعْلاً » بالسكون على «أفعال » ليس بقياس إذا كان فعلاً صحيحاً، نحو : فرخ وأفراخ، وزند وأزناد، ووردت منه ألفاظ كثيرة، ومع ذلك فلم يقيسوه، وقد قال الحوفي شيئاً من هذا.
فصل في الكلام على لفظ الناس
ظاهر لفظ «النَّاس » للعموم، فيدخل كل النَّاس أفواجاً، أي : جماعات، فوجاً بعد فوجٍ، وذلك لما فتحت «مكة » قالت العرب : أما إذْ ظفر محمد صلى الله عليه وسلم بأهل الحرم، وقد كان الله - تعالى - أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان ؛ فكانوا يسلمون أفواجاً أفواجاً، أمة بعد أمةٍ.
قال الضحاكُ : والأمة : أربعون٤ رجلاً.
وقال عكرمةُ ومقاتل : أراد بالنَّاس أهل «اليمن »٥، وذلك أنه ورد من «اليمن » سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون القرآن، وبعضهم يهلِّلُون، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ :" إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح وجاء أهل اليمن، رقيقة أفئدتهم، لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجاً " ٦.
وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أتَاكُمْ أهْلُ اليَمنِ، وهُمْ أضْعَفُ قُلوباً، وأرَقُّ أفئِدَةٌ، الفقهُ يمانٍ، والحِكمةُ يَمَانِيةٌ »٧.
وقال صلى الله عليه وسلم :«إنِّي لأجدُ نَفَسَ ربِّكُمْ من قبلِ اليَمنِ »٨ وفيه تأويلان :
أحدهما : أنه الفرجُ، لتتابع إسلامهم أفواجاً.
والثاني : معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل «اليمن » و [ الأنصار ]٩.
وروى جابرُ بنُ عبد الله قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إنَّ النَّاس دخلوا في دينِ اللهِ أفواجاً، وسيَخرُجُونَ مِنهُ أفواجاً »١٠ ذكره الماوردي.
قال ابن الخطيب١١ : كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين.
فصل في المراد بدين الله
ودينُ الله هو الإسلام، لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام [ آل عمران : ١٩ ]، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : ٨٥ ]، وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية، إشارة إلى أنه يجب أن يعبد لكونه إلهاً، وللدين أسماء أخر، قال تعالى : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين [ الذاريات : ٣٥، ٣٦ ].
ومنها : الصراط، قال تعالى : صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض [ الشورى : ٥٣ ].
ومنها : كلمة الله، ومنها النور : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله [ الصف : ٨ ].
ومنها الهدى، قال تعالى : ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ [ الأنعام : ٨٨ ].
ومنها العروة الوثقى فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة [ البقرة : ٢٥٦ ].
ومنها : الحبلُ المتين : واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً [ آل عمران : ١٠٣ ].
ومنها : حنيفة الله، وفطرة الله.
فصل في إيمان المقلد
قال جمهور الفقهاء والمتكلمين : إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا : إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً، لما ذكره في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدليل، وإثبات كونه تعالى منزّهاً عن الجسمية، والمكان والحيز، وإثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، ولا إثبات الصفات، والتنزيه بالدليل، والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، لا يقال : إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل ؛ لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة ؛ بل كانوا جاهلين بالتفاضل ؛ لأنا نقول : إن الدليل لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، فإن الدليل إذا كان مركباً من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في المقدمة العاشرة مقلداً، كان في النتيجة مقلداً لا محالة.
٢ البحر المحيط ٨/٥٢٥..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٥٢٤، والدر المصون ٦/٥٨٤..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٥٧)..
٥ ينظر المصدر السابق..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٣٠)..
٧ أخرجه البخاري ٧/٧٠١، كتاب المغازي، باب: قدوم الأشعريين وأهل اليمن (٤٣٨٨ – ٤٣٩٠)، ومسلم ١/٧١ كتاب الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان (٢٤-٥٢)، والترمذي ٥/٦٨٣، كتاب المناقب، باب: فضل أهل اليمن (٣٩٣٥)..
٨ ذكره الحافظ ابن حجر في "تخريج الكشاف" (٤/٨١١)..
٩ في أ: الأخبار..
١٠ حديث جابر أخرجه أحمد ٣/٣٤٣)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٩٩)، وعزاه إلى ابن مردويه، وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ: ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا. أخرجه الحاكم (٤/٤٩٦)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..
١١ ينظر الفخر الرازي ٣٢/١٤٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود