ﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أفواجا أي : أبصرت الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به جماعات فوجاً بعد فوج. قال الحسن : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال العرب : أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجاً، أي : جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. قال عكرمة ومقاتل : أراد بالناس أهل اليمن، وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين، وانتصاب أفواجاً على الحال من فاعل يدخلون، ومحل قوله :«يدخلون في دين الله » النصب على الحال إن كانت الرؤية بصرية، وإن كانت بمعنى العلم فهو في محل نصب على أنه المفعول الثاني.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:خرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله : إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح فقالوا : فتح المدائن والقصور، قال : فأنت يا ابن عباس ما تقول ؟ قال : قلت مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت له نفسه. وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال : لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ؟ فقال عمر : إنه من قد علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلاّ ليريهم، فقال : ما تقولون في قول الله عزّ وجلّ : إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي : أكذاك تقول يا ابن عباس ؟ فقلت : لا، فقال : ما تقول ؟ فقلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال : إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح فذلك : علامة أجلك فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوابَا فقال عمر : لا أعلم منها إلاّ ما تقول.
وأخرج ابن النجار عن سهل بن سعد عن أبي بكر أن سورة إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفسه نعيت إليه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول : سبحان الله وبحمده، وأستغفره وأتوب إليه، فقلت : يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه فقال : خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح فتح مكة. وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أفواجا * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوبَا ». وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة قالت :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده :«سبحانك اللهم وبحمدك، اللَّهم اغفر لي» يتأوّل القرآن يعني إذا جاء نصر الله والفتح ، وفي الباب أحاديث.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : لما نزلت : إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«جاء أهل اليمن هم أرقّ قلوباً، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية». وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال :«بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ قال : الله أكبر قد جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، قوم رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية». وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً». وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال :«تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أفواجا قال : ليخرجنّ منه أفواجاً، كما دخلوا فيه أفواجاً».


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية