من الجنة والناس :
الجن :
( الجنة ) : جماعة الجن، وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس ؛ لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين١.
واستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون، في قوله تعالى : ما بصاحبكم من جنة .
ولما كان الموسوسون فريقين٢متعاونين على الشر، ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذة من شر الوسوسة، ليلتئم طرفا الكلام، ويحصل التقصي الوصفي المستعاذ به والمستعاذ منه.
أقسام الشياطين :
وقد قسم القرآن الشياطين، وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين : شياطين الإنس، وشياطين الجن، وذكر أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول. وشيطان الجن ميسر للشر. فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله.
ومن شياطين الإنس بطانة السوء، وقرين السوء.
القرين :
وورد في الآثار أن لكل إنسان قرينا من الجن. وقال تعالى : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين٣ ، وقال : وقيضنا لهم قرناء٤ . وهو من باب توزيع الجمع على الجمع : أي لكل واحد قرين.
النجاة من القرناء :
فهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن، ثم لا يخلوا من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدونه عن ذكر الله.
فماذا يصنع ؟
ما عليه إلا أن يلتجئ إلى الله، ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلا، قال تعالى : وإنما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله٥ ، وقال تعالى : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون٦ .
دقائق بلاغية :
ومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة، أنه يقدم أحد الاسمين المتلازمين في آية، لسر من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ثم يؤخر ذلك المقدم في آية أخرى، لسر آخر : فيقدم السماء على الأرض في مقام، ويؤخرها عليها في مقام آخر.
ومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن، في آية الأنعام ؛ لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء، وهي من الإنس أظهر، ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح.
شياطين الإنس أخطر :
وفي آية " الناس " قدم الجنة على الناس ؛ لأن الحديث عن الوسوسة، وهي من شياطين الجن أخفى وأدق، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمر : فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد، فيربى عليه ويكون شرا منه ؛ لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به ؛ ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جني لإنسي، ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولد منها فتن، ويتمادى شره من قرن إلى قرن، ومن جيل إلى جيل.
الإنسان يعلو أو يتسفل :
وهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفل كان شرا محضا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى، وأوشك أن يكون خيرا محضا، لولا أن العصمة لم تكتب إلا لطائفة منه، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالإنسان إذا انحط يكون شرا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك – أعني جنس الإنسان – ومن هذا الجنس، كان محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال٧.
وأخيرا سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
٢ الجنة والناس..
٣ الزخرف، الآية ٦٧..
٤ الزخرف، الآية ٦٧..
٥ سورة فصلت، الآية ٣٦..
٦ سورة الأعراف الآية ٢٠١..
٧ من ذوق الإمام رحمه الله رحمة واسعة- في البدء والختام. " خاتمه مسك "..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي