ﮀﮁﮂﮃ ﮅﮆ ﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘ

سورة الناس
في السورة تعليم بالاستعاذة من وسوسة الموسوسين وشرهم إنسا كانوا أم جنا. وبعض الروايات تذكر أنها مكية وبعضها تذكر أنها مختلف في مكيتها ومدنيتها ومعظم روايات ترتيب النزول تسلكها في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وأسلوبها يسوغ ترجيح مكيتها وتبكير نزولها. ولقد أوردنا الأحاديث النبوية التي تذكر تعوذ النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذه السور وأمره بذلك ونوهنا بما في ذلك من حكمة في مطلع تفسير السورة السابقة فنكتفي بهذه الإشارة.


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦]


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
. (١) الوسوسة: الإيحاء والتلقين والإغراء والإغواء والصوت الخفي الهامس.
(٢) الخناس: الذي يأتي ويعود ويختفي ويتربص.
(٣) الجنة: مرادفة لكلمة الجن ومعناها في الأصل الخفي المستتر غير الظاهر.
في آيات السورة أمر رباني موجه للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستعاذة بالله من وسوسة الإنس والجن وإغرائهم وإغوائهم.
وهي مثل سابقتها في معرض تعليم المسلمين الاستعاذة بالله وحده ونبذ ما
والقرآن المدني، إنما ثبت هذه التقريرات في صيغة الأمر والتشريع وحسب وأمر بالتزام العدل التام مع الأعداء والوفاء بعهد المعاهدين وبترك المسالمين والحياديين وشأنهم، وبل وبتشجيع البرّ بهم والتوادّ معهم، وبإنكار كون الغنائم غاية من غايات الحرب الإسلامية، وبالجنوح للسلم إذا جنح العدو لها كما ترى في الآيات التالية التي هي قليل من كثير في هذا الباب:

١-
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ البقرة: [١٩٠- ١٩٤].

٢-
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا النساء: [٩٠].

٣-
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً النساء: [٩٤].

٤-
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ المائدة: [٢].

٥-
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ

صفحة رقم 59

سواه من كل وسوسة ظاهرة وخفية من جن وإنس.
والمتبادر أن المقصود من وسوسة الإنس هو ما يحاوله ويقوم به ذوو الأخلاق السيئة والسرائر الفاسدة من إغراء وإغواء وإيحاء وتلقين بالشرور والمنكرات والبغي وإقامة العثرات في سبيل الخير والصلاح والحق والبر.
أما وسوسة الجنة فالمقصود منها كما هو المتبادر أيضا وسوسة تلك العناصر الخفية التي توسوس في صدور الناس وتغريهم بالشر والفساد والمنكرات والبغي والكفر وعبادة غير الله وجحود نعمته. وتزينه لهم وتمنعهم عن الإيمان والخير والمعروف والبر، والتي سماها القرآن بأسماء إبليس وجنوده وذريته وقبيله والشيطان والشياطين، مما هو مستفيض في فصول القرآن المكية والمدنية استفاضة تغني عن التمثيل.
وروح الآيات تلهم أن السامعين يعرفون ما يفعله الوسواس الخناس من الجنة والناس.
وقد تضمنت السورة أهدافا جليلة وتلقينات بليغة. فالوساوس سواء أكانت تلك التي تأتي من أعماق النفس وعناصر الشر الخفية أم تلك التي تأتي عن طريق وألسنة الشر وأعوان السوء من البشر من شأنها أن تثير مختلف الهواجس ونوازع الشر والإثم، وتسبب نتائج خطيرة في علاقات الناس ببعضهم، وتزلزل فكرة الخير والمعروف والثقة والتضامن والسكينة والطمأنينة فيهم. فالأمر بالاستعاذة بالله منها ومن شر مسببيها يتضمن التحذير والتنبيه والتنديد من جهة، والدعوة إلى الازورار عن الموسوسين ونبذهم من جهة، وتلقين تغليب نوازع الخير وإقامة الناس علاقاتهم فيما بينهم على أساس الروح الطيبة والنية الحسنة وحسن الظن والتواثق من جهة، وعدم الاستسلام لسوء الظن الذي تثيره الوساوس وعدم الإصغاء إلى كل كلمة يقولها المرجفون والدساسون وكل خبر يذيعونه وعدم الاندماج فيما ينصبونه من مكايد ويحيكونه من مؤامرات من جهة.
وبعض الروايات تذكر أنها نزلت مع سورة الفلق في مناسبة حادث سحر
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ..
المائدة: [٨].

٦-
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ..
الأنفال: [٦١].

٧-
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ التوبة: [٤].

٨-
إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.. التوبة: [٧].

٩-
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الممتحنة: [٨- ٩].
ولا يمكن في حال أن يكون النبي عليه السلام قد ناقض المبادئ القرآنية التي بلّغها، وروايات السيرة الوثيقة تؤيد أن ما كان من قتال بين المسلمين والمشركين العرب وغيرهم في حياة النبي إنما كان دفاعا وانتصارا من الظلم والعدوان وتوطيدا لحرية الدعوة إلى الإسلام. وإنه لم يكن بسبيل إكراه الناس على الإسلام أو بدء أحد بالعدوان والإكراه ولا يقدح في هذا أن يكون كثير من العرب قد أسلموا بعد أن قوي المسلمون وانتصروا على أعدائهم وفتح الله عليهم مما يمكن أن يكون طبيعيا لا شذوذ فيه طالما لم يكن فيه إجبار وإكراه. ولعل ما كان بين النبي عليه السلام وبين فئات المشركين من معاهدات في مختلف أدوار العهد المدني أكبر دليل على ما نحن بسبيل تقريره. ولعل التمعّن في نصّ سورة النصر يجلّي هذه الحقيقة كل التجلية. فإن في تعبير وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ

صفحة رقم 60

النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة. وقد علقنا على هذا الحادث في سياق السورة السابقة. ولا تبدو صلة ظاهرة بين هذه السورة وبين الحادث المذكور. بل إن روايات نزول السورتين متتابعتين وفي ظرف واحد تبعد السورتين معا عن ذلك الحادث. ومعظم روايات ترتيب السور تسلك هذه السورة كما تسلك السورة السابقة في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وروح السورة وأسلوبها يجعلان النفس مطمئنة إلى ذلك ولا سيما أن مضمونها عام شامل، وفيها صورة لما كان يجري بين الكفار إزاء الدعوة النبوية حيث كان زعماؤهم يبثون الدعاية والوساوس ضدها ويكيدون لها ويتآمرون عليها ليلا ونهارا على ما حكته آيات قرآنية مكية عديدة أوردنا أمثلة منها في المناسبات السابقة. هذا إلى ما ذكرته آيات كثيرة مكية ومدنية من وساوس الشيطان وإبليس اللذين عنتهما كلمة «الجنة» في السورة على الأرجح ونزغاتهما وإغراءاتهما للكفار وتزيينهما لهم مواقف الجحود والعناد والبغي مثل ما جاء في آية سورة فصلت هذه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وآية سورة ص هذه: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) «١».
وآية سورة فاطر هذه: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) ومثل آية سورة العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وآيات سورة المؤمنون هذه: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨). وآية سورة الكهف هذه:
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠).

(١) الآيتان من سلسلة قصة آدم وإبليس.

اللَّهِ أَفْواجاً (٢)
لو صفا رائعا للإقبال التطوعي على الإسلام مهما كان ذلك نتيجة من نتائج الفتح والنصر والتغلب على الأعداء البغاة الصادين عن دين الله وخضد شوكتهم، بل إن هذا يحمل على القول إن عدم إقبال الناس على الإسلام قد كان أثرا لنشاط هؤلاء الأعداء ومكرهم ومؤامراتهم وحسب. وهو ما تؤيده نصوص قرآنية عديدة أيضا كما ترى في الآيات التالية مثلا:

١-
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة: [١٦٦].

٢-
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إبراهيم: [٢١].

٣-
وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً سبأ: [٣٣].
كذلك يجد الذي ينعم النظر في النصوص القرآنية أن قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية محدود بحد الذين لا يدينون بدين الحق ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وأن هؤلاء ليسوا جميع أهل الكتاب وإنما فريق منهم. ومعلل كذلك بأن زعماءهم الدينيين كانوا يصدون عن سبيل الله لضمان منافعهم المادية كما ترى في الآيات التالية:

١-
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ التوبة: [٢٩].

٢-
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ التوبة: [٣٤].

صفحة رقم 61

تعليق على موضوع الجن
وبمناسبة ورود كلمة الْجِنَّةِ لأول مرة نقول: إن هذه الكلمة وبعض متشابهاتها وتفرعاتها اللفظية مثل جن وجنين تنطوي على معنى الاستتار والخفاء في اللغة العربية. وهذا يسوغ القول إن معنى الخفي والمستور وغير المرئي بالنسبة إلى الجن والجنة مما كان مستقرا ومفهوما في أذهان العرب قبل الإسلام. ولعل مما يصح قوله أن إطلاق التسمية مقتبس من المعنى اللغوي الذي يمكن أن تكون صيغته الفصحى متطورة عن جذر قديم أطلق على العناصر الخفية الشريرة التي كان الاعتقاد بوجودها طورا بشريا عاما مشتركا بين الأمم منذ أقدم الأزمنة ومن جملتهم العرب قبل الإسلام في مختلف أطوارهم كما هو الشأن إزاء العناصر الخفية الخيرة. ولقد كان لأهل الكتاب الذين كان العرب يتصلون بهم في جزيرتهم وخارجها عقائد متطورة فيهم فمن المحتمل كثيرا أن يكون ذلك قد تسرب إلى العرب فأدخل تطورا ما على عقائدهم فيهم أيضا.
ولقد احتوى القرآن آيات كثيرة حول الجن وماهيتهم أولا وحول عقائد العرب فيهم ثانيا.
ومجمل ما جاء عن ماهيتهم أنهم مخلوقات نارية على ما تفيده آية سورة الحجر هذه: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) وآية سورة الرحمن هذه:
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) وأنهم طوائف وطبقات على ما تفيده آية سورة الجن هذه التي تحكي أقوالهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١)، وأن منهم طبقة إبليس وذريته الذين يوسوسون للناس ويزينون لهم الشر والإثم والتمرد على الله على ما تفيده آيات سورتي ص والكهف التي أوردناها قبل قليل، وأن منهم من ينزل على الناس ويلقون إليهم ببعض الأقوال والأخبار والأفكار على ما تفيده آيات سورة الشعراء هذه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ
ثم نجد أن اليهود وغيرهم تمتعوا بكل حرية الجدل والحجاج والإنكار والجحود بل بثّ الشكوك والريب في صدور المسلمين وغيرهم بل والوقوف موقف السخرية والتحدي مع احتفاظهم بدينهم وطقوسهم وعهودهم وأن موقف العداء الحربي ضد العرب منهم إنما كان مقابلة على ما بدا منهم من صدّ وأذى وطعن وإخراج وفتنة وظلم ومؤامرة وبغي.
وإنّ هذا الموقف من اليهود لم يكن إلا بعد أن بدا منهم الصدّ والطعن والأذى والغدر والنكث والتآمر مع الأعداء المحاربين ومظاهرتهم في الحرب مما جاء في القرآن قويا صريحا واضحا «١». وبالتالي إن ما كان من أحداث بين النبي واليهود لم يخرج عن نطاق المبادئ القرآنية المكية والمدنية. أما ما كان من غزوات مشارف الشام التي يقطنها نصارى العرب في زمن النبي كدومة الجندل وبني كلب ومؤتة وتبوك فالروايات كثيرة على أنها لم تقع إلا مقابلة على عدوان هؤلاء على قوافل المسلمين، والحملات التي جهّزها أبو بكر ليست إلا امتدادا لها ولحركات حروب الردة.
والقول إن الجهاد اقترن بالإغراء بالغنائم مهما كان فيه شيء من الحقيقة إلا أنه طبيعي لا شذوذ فيه ما دام الجهاد دفاعيا وفي نطاق الانتصار من الظلم. على أن في إطلاق القول توسعا لا ينطبق على نصوص القرآن فأكثر آيات الجهاد اقترنت ببيان واجب الجهاد وضرورته وثوابه عند الله والقليل الذي اقترن بوعد الفتح والغنائم اقترن أيضا ببيان الواجب والضرورة وحسن الثواب عند الله، وإن من الحق

(١) في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة آيات وفصول عديدة وطويلة فيما كان لليهود من مواقف حجاجية وتشكيكية وتآمرية كما أن في سور الأنفال والحشر والأحزاب آيات صريحة بمواقف النكث والعداء والخيانة التي وقفوها فاستحقوا عليها التنكيل مما يستغرق نقله حيّزا واسعا اقرأ مثلا آيات البقرة: [٤٠- ٤٢ و ٧٥- ٧٦ و ١٠٦ و ١٣٩ و ١٤٧]، وآل عمران: [٦٥- ١٢٠]، والنساء: [٤٤- ٥٦ و ١٥٣- ١٦٥]، والمائدة: [٤١- ٤٢ و ٥٧- ٧٦ و ٧٢]، والأنفال: [٥٥- ٦٣]، والأحزاب: [٢٦- ٢٧]، والحشر: [١- ٤].

صفحة رقم 62

الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣)
وأن منهم من كان يصعد إلى السماء ويحاول استراق السمع على ما تفيده آيات سورة الجن هذه: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وأن منهم من كان تحت تسخير سليمان عليه السلام يعملون له ما يشاء ويقومون بأعمال أضخم من أعمال البشر على ما تفيده آيات سورة سبأ هذه: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [١٣] وآيات سورة ص هذه: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) وأن منهم من سمع القرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم وآمنوا به وذهبوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين به كما تفيده آيات سورة الجن هذه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وآيتا سورة الأحقاف هذه:
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) وأنهم صائرون إلى ما هو صائر إليه الإنس من الحياة الأخروية ومنازلها جنة ونارا وكرامة وهوانا وفق أعمالهم كما تفيده آية سورة الأعراف هذه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وآية سورة الأحقاف هذه: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وأنهم إلى ذلك كله عناصر خفية لا يمكن رؤيتها ولا الشعور بماديتها عادة على ما تفيده آية سورة الأعراف هذه: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما
أن يقرر أن ذلك على كل حال قد جاء في القرآن وظل ثانويا ولم يكن رئيسيا أصلا «١».
وعلاوة على هذا فإن الحثّ على الإنفاق في سبيل الله قد شغل حيزا غير يسير من القرآن وجاء بأساليب قوية نافذة.
وهذا مما يكون قرينة قوية على الهدف الذي استهدف بالجهاد وهو توطيد الأمن وحرية الدعوة ودفع البغي والعدوان وإيجاب الإنفاق عليه على المسلمين أكثر من إغرائهم بالمغانم من ورائه «٢».
أما حياة النبي الشخصية وزواجاته فإنها من جهة متسقة مع طبيعة النبي البشرية التي قررها القرآن، ومن جهة فإن في الفصول القرآنية ما يزيل ما وقع من الوهم في مشكلاتها وما يدل على الخطأ في فهمها وروايتها. وفي آيات تخيير نساء النبي في سورة الأحزاب [٢٨- ٣٤] ما فيه كل الاتساق مع عظمة خلق النبي واستغراقه في الله ومهمته العظمى وما كان يختاره من شظف العيش وضنكه في حياته البيتية الخاصة. هذا مع القول إن الأخذ والردّ في هذه الناحية ليس إلا ظاهرة من ظواهر التمحّل والهوى وضيق الأفق والنظر والتعامي عن الجوهر واللباب «٣».

(١) اقرأ مثلا الآيات التالية البقرة: [١٥٤ إلى ١٥٧ و ١٩٠ إلى ١٩٤ و ٢١٦ إلى ٢١٨]، وآل عمران: [١٣٩ إلى ١٤٨ و ١٦٩ إلى ١٧٩ و ١٩٥]، والنساء: [٧٢ إلى ٧٦ و ٩٤ إلى ١٠٠]، والمائدة: [٣٣ إلى ٣٤ و ٥١ إلى ٦٦]، والأنفال: [١ إلى ٨ و ٣٨ إلى ٤٧ و ٥٥ إلى ٧١]، والتوبة: [١ إلى ١٦ و ٢٠ إلى ٢٢ و ٢٩ إلى ٣٥ و ٨٩ إلى ١٠٠ و ١١١ و ١١٨ إلى ١٣٢]، والحج: [٣٩ إلى ٤١]، والأحزاب: [١٠ إلى ١٤ و ٢٢ إلى ٢٧]، والصف: [١٠ إلى ١٣].
(٢) اقرأ الفصل الرائع في سورة البقرة: [٢٦٠ إلى ٢٦٤] وكذلك آيات البقرة: [١٩٥ و ٢٤٥ و ٢٥٤]، والحديد: [١٠ إلى ١١ و ١٨] مثلا.
(٣) في مختلف فصول كتابنا «سيرة الرسول» الذي صدر عام ١٣٦٨/ ١٩٤٨ شروح وبيانات وافية مؤيدة بالأسانيد القرآنية في صدد جميع ما تناوله هذا البحث وخاصة في فصول اليهود والنصارى والجهاد والتشريع في الجزء الثاني.

صفحة رقم 63

لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)
«١».
أما مجمل ما جاء في القرآن عن عقائد العرب في الجن فهو أنهم كانوا يعتقدون أن بينهم وبين الله نسبا وصهرا على ما تفيده آية سورة الصافات هذه:
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) وأنهم كانوا يتجهون إليهم ويشركونهم مع الله في العبادة والدعاء على ما تفيده آية سورة سبأ هذه:
قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) وآية سورة الأنعام هذه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ [١٠٠] وأنهم كانوا يرونهم مصدر خوف وشر ويعوذون بهم اتقاء شرهم على ما تفيده آية سورة الجن هذه: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) ولعل بشراكهم إياهم مع الله وعبادتهم لهم جاءت من هذا الخوف ومن الاعتقاد بقدرتهم على الأذى والضرر. وأنهم كانوا يخالطون الناس في عقولهم فيكون من ذلك الجنون وأعراضه على ما تفيده آية سورة المؤمنون هذه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وأنهم ينزلون على بعض الناس ويوحون إليهم ويوسوسون في صدور الناس على ما تفيده آية سورة التكوير هذه: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) وآية سورة الشعراء هذه: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وآية سورة الأعراف هذه: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠).
فالصورة القرآنية عن الجن سواء أكانت بما جاء عن ماهيتهم وأعمالهم أم حكاية عن عقائد العرب فيهم هي صورة مخلوقات خفية غير مرئية ولا محسوسة

(١) وفي آيات سورتي الأحقاف والجن التي أوردناها قبل وذكرت خبر استماع نفر من الجن للقرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم قرينة على ذلك حيث تفيد أنهم رأوا النبي صلّى الله عليه وسلّم واستمعوا له دون أن يراهم.
وهناك حديث عن ابن عباس جاء فيه إن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما قرأ على الجن ولا رآهم وإنما أوحي إليه قولهم. (التاج ج ٤ ص ٢٤٦ وتفسير ابن كثير لآيات سورة الأحقاف [٢٩- ٣٠].

- ١٠- القرآن والعرب في عهد النبي:
والناظر في القرآن يجد أن موضوع (القرآن) وصلته بالوحي الرباني كان موضوعا رئيسيا بل من أهمّ المواضيع الجدلية بين النبي وبين زعماء الكفار ونبهائهم. وقد نسبوا إلى النبي في سياق ذلك أنواع النسب فقالوا إنه شاعر وإنه كاهن وإنه ساحر وإنه كاذب وإنه مفتر وإنه يقتبس ما يتلوه من أساطير الأولين وكتبهم وقصصهم، وإن هناك من يعلّمه ويساعده في ما ينظمه ويتلوه، وإنه مسحور وإنه مجنون وإن الذين يوحون إليه به هم الشياطين والجن على ما كانوا يعتقدون ذلك في شأن السحرة والكهان والشعراء. وتآمروا سرا وعلنا على التشويش عليه واللغو عند تلاوته، والإعراض والصدّ عن سماعه، واستغلّوا بعض الظروف «١» في صدده فحملوا بعض ضعفاء الإيمان على الارتداد إلخ، ويجد أن هذا الموضوع قد شغل حيزا غير يسير من سور القرآن وخاصة المكي منه «٢»، وإن القرآن قد حكى عنهم ما قالوه وفعلوه بكل ما في ذلك من جرأة وصراحة وبذاءة وسوء أدب واتهام ومكابرة، وردّ عليهم ردودا قاطعة قوية عنيفة كانت تتلى عليهم على ملأ الناس وتقذف في وجوه الجاحدين والمعاندين والمكذبين والصادقين والمحاجين مسفهة تارة ومنددة تارة ومتحدية تارة ومبينة للأسباب الحقيقة التي
(١) اقرأ آيات النحل [٩٨- ١١٠] وكتابنا «سيرة الرسول» ج ١ ص ٢٤١- ٢٤٤.
(٢) الآيات كثيرة جدا ومبثوثة في سور القرآن عامة المكي منها خاصة ومع ذلك فإننا نشير إلى بعضها للرجوع إليه والتمعن فيه: البقرة: [٢١- ٢٥ و ٤٠- ٤٦ و ٨٩- ٩١]، والنساء:

[١٦٣-
١٧٠]، والأنعام: [٦٨- ٦٩ و ١٢٤]، والأنفال: [٣١- ٣٢]، ويونس: [١٥- ١٧ و ٣٦- ٤٠]، وهود: [١٣- ١٤]، والحجر: [٦- ١٥]، والإسراء: [٤٥- ٤٨ و ٨٩- ٩٣]، والكهف: [١- ٦]، والأنبياء: [٢- ١٠]، والمؤمنون: [٦٦- ٦٧]، والفرقان:

[١-
٦ و ٣٠- ٣٤]، والشعراء: [١٩٢- ٢٢٧]، والنمل: [١- ٦]، والعنكبوت: [٤٥- ٥٢]، والسجدة: [١- ٣]، وسبأ: [١- ٩ و ٣١- ٣٥ و ٤٣- ٤٨]، والحج: [٧٢- ٧٨]، وفاطر: [٢٩- ٤٣]، ويس: [١- ١١ و ٦٩- ٧٠]، وفصلت: [٢٦ و ٤٤ إلى ٤٦].

صفحة رقم 64

المادة عادة، فائقة القدرة متسلطة على البشر تثير فيهم الخوف والفزع، وتؤثر في أفكارهم وتوجههم توجيها ضارّا فاسدا باستثناء بعضهم الذين كانوا يؤمنون بالله ويخشونه.
وهذه الصورة تتفق في بعض الخطوط مع الصورة القرآنية للملائكة وتختلف عنها في بعض، فهم سواء في الخفاء وعدم المادية والقدرة الفائقة. مفترقون من حيث كون الجن ناريين ومبعث خوف وقلق ومصدر شر وأذى، ومن حيث كون غالبيتهم موضع سخط الله ونقمته لشرورهم وتمردهم على الله، ومن حيث كون اتصالهم وتعاونهم مع ذوي النيات السيئة والأفكار الخبيثة والأخلاق المنحرفة، في حين أن الملائكة مبعث طمأنينة وسكينة ومصدر أمن وخير وعون ورجاء ومختصون من الله مكرمون لديه، يقومون بخدمته ويسبحون باسمه ويخضعون لأمره ويخشونه، وفي حين أن اتصالهم مع الأنبياء والرسل الذين لهم الكرامة عند الله.
وكما قلنا بالنسبة للملائكة نقول بالنسبة للجن إن وجودهم في نطاق قدرة الله وإن لم تدرك عقول الناس مداه. وإن التصديق به واجب إيماني غيبي لأن نصوص القرآن قطعية في ذلك.
وذكر الجن بالأساليب المتنوعة التي ذكروا بها في القرآن ماهية وعقائد وصورا لم يرد في كتب اليهود والنصارى المنسوبة إلى الوحي الرباني كما هو شأن الملائكة، ولذلك فإن هذا الأسلوب من خصوصيات القرآن أيضا.
ولعل ما كان من عقائد العرب في الجن وما كان من صور في أذهانهم لهم هو من حكمة هذه الخصوصية كما هو الشأن بالنسبة للملائكة أيضا. وعلى كل حال فإن مما هو جدير بالتنبيه أن القرآن وهو يذكر الجن بما يذكر ويتحدث عنهم بما يتحدث إنما يذكر ويتحدث عن مخلوقات وكائنات يعتقد العرب بها ويعترفون بوجودها بما يقارب ما جاء فيه. وهذه مسألة مهمة في صدد كل ما جاء عن الجن، لأن الكلام عما هو معروف ومعترف به هو أقوى أثرا ونفوذا كما لا يخفى.
الجزء الثاني من التفسير الحديث ٥
تمنعهم من الإيمان والتصديق تارة كالاستكبار والتعاظم والاعتداد بالمال والجاه والعصبية، وخشية فقدان المنافع والمصالح وعدوان الخارج وقطيعة الناس وانفضاض الجمهور عنهم إلخ. ثم ظل النبي بتأييد الله ووحيه وقوته وتثبيته لا يزداد إلا استغراقا في مهمته وفناء في ربّه واستمرارا في الدعوة إليه وإشفاقا على قومه لينقذهم ثم لينقذ البشر جميعا من الضلال ويخرجهم من الظلمات إلى النور، إلى أن يسّر الله أمر الهجرة إلى المدينة المنورة وأيد نبيه بنصره وحقق له وعده فنصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب، وأهلك أكثر الزعماء الأقوياء المستكبرين الصادين الذين قادوا حملة المعارضة وتولوا كبرها، ودخل الناس في دين الله أفواجا وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فالقرآن يمثل فيما يمثل هذه القوة الروحانية العظمى التي كانت وما زالت الحاسمة في الموقف والمثيرة للإعجاب والإعظام والإجلال.
ومن الجدير بالذكر أن كل ما يمكن أن يقوله كافر جاحد عنيد شديد العداء عن القرآن والنبي قد قاله كفار العرب في حضرته مباشرة، وبكل عناد وقوة ولجاجة، وإن النبي قد ردّ عليه بلسان القرآن بكل قوة وعنف وقطعية وإفحام وصمد له صمودا رائعا عظيما. وكان ذلك على مرأى ومسمع من مختلف الفئات ثم استمر في تبليغ الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق وأسباب سعادة الدارين، وفي كل هذا دليل قوي أخاذ على ما كان من عمق شعوره عليه السلام بصدق رسالته وصدق صلته بالوحي الرباني وإدراكه التام لمدى مهمته العظمى واستغراقه فيها.
وإن المرء ليشعر بها شعورا يملك عليه نفسه إذا كان حسن النية متجردا عن الهوى إذ يقرأ في القرآن آيات النساء [١٦٧] والأنعام [٩٣] والشورى [٢٤] والأحقاف [٨] والحاقة [٣٨- ٥٢] التي نقلناها قبل ويقرأ منها آيات يونس هذه:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا الجزء الأول من التفسير الحديث ٥

صفحة رقم 65

ومما يتبادر أن ما ورد عن الجن والشياطين وإبليس من صور قرآنية بغيضة ومن حملات على الكفار في سياقها متصل بما في أذهان العرب عنهم، وبسبيل تقرير كون الانحراف عن الحق والمكابرة فيه والاستغراق في الإثم والخبائث والانصراف عن دعوة الله هو من تلقيناتهم ووساوسهم، ومظهرا من مظاهر الانحراف نحوهم، وبسبيل التحذير من الاندماغ بهم لما في ذلك من مهانة ومسبة.
ومن هنا يأتي الكلام قويا ملزما ولاذعا، ويقوم البرهان على أن ذلك من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة الإسلامية.
وهذا ملموح أيضا على ما هو المتبادر من آيات سورتي الجن والأحقاف التي تخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم باستماع الجن للقرآن، فآيات سورة الجن تفيد أن الذين استمعوا القرآن منهم ممن كانوا يعتقدون أن الله ولدا وصاحبة كما ترى فيها: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) وآيات سورة الأحقاف تفيد أن الذين استمعوا هم من المتدينين بالديانة الموسوية على ما تفيده الآيات [٢٩- ٣٠] التي أوردناها قبل قليل، والصورة الأولى متصلة من ناحية بعقائد العرب المشركين ومن ناحية بعقيدة النصارى حيث يلمح أن هذا وذاك ينطويان من جهة ما على قصد التدعيم للرسالة المحمدية بالإخبار بأن بعض طوائف الجن الذين يدينون بالديانة الموسوية والديانة العيسوية وبعقائد العرب والذين لهم في أذهان العرب تلك الصورة الهائلة قد آمنوا بهذه الرسالة حينما سمعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم يتلو القرآن «١».
ولقد تزيد المفسرون المطولون في صدد ماهية الجن وأوردوا أقوالا متنوعة عنهم بسبيل ذلك «٢» معظمها مغرب وغير موثق. ولما كان القرآن إنما ذكر الجن في معرض التنديد والتحذير والموعظة والتدعيم والتمثيل، ثم لما كان الجن كائنات

(١) انظر كتابنا القرآن المجيد، ص ١٨٥، ١٨٩. [.....]
(٢) انظر نماذج من ذلك في كتابنا المذكور أيضا ص ٢٤٢ وما بعدها.

أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦).
ومن العجيب أن يظل المغرضون من المبشرين والمستشرقين يأخذون ويردون ويعيدون ويبدئون فيما لم يقصر به زعماء كفار العرب مع النبي صلى الله عليه وسلّم مباشرة، وبعد أن احتوى القرآن ما احتواه في صدد ذلك من آيات رائعة وردود قوية وتحدّ مفحم وصميمية نافذة مستولية، وأن يتمسكوا كما تمسك أولئك بالقشور دون اللباب وبالعرض دون الجوهر وأن لا يتورعوا عن البذاءة والغثاثة والصغار والمراء بالباطل وأن لا يكون تقدم الأدب الإنساني والحضارة الإنسانية والتفكير الإنساني ذا أثر رادع في مكابرة المكابرين ومماراة الممترين وخروجهم فيهما عن نطاق الأدب والحق والمنطق.

صفحة رقم 66

غيبية إيمانية لا يصح الكلام فيها إلّا في نطاق ما جاء عنها في القرآن أو السنة النبوية الثابتة فإن من الواجب ملاحظة ذلك الهدف من جهة والوقوف عند الحد الذي وقف عنده القرآن من جهة أخرى فضلا عن انتفاء أي طائل في إرسال الكلام عنهم والتزيد فيه خارج ذلك.
الفصل الثاني جمع القرآن وتدوينه وقراءاته ورسم المصحف وتنظيماته

-
١- مجموعات من الروايات والأقوال في تدوين القرآن:
أما تدوين القرآن وجمعه وترتيبه فإن الناظر في كتب علماء القرآن ورواة الحديث عنهما يجد أقوالا وروايات كثيرة حول هذا الموضوع مختلفة اختلافا غير يسير، ومتعارضة أحيانا.
فأولا: إن هناك أقوالا وروايات تفيد أن النبي عليه السلام توفي ولم يكن القرآن قد جمع في شيء، وإن جمعه وترتيبه إنما تمّا بعد وفاته وإن ما كان يدوّن منه في حياته كان يدون على الأكثر على الوسائل البدائية مثل أضلاع النخيل، ورقائق الحجارة وأكتاف العظام وقطع الأديم والنسيج، وأن المدونات منه على هذه المواد لم تكن مضبوطة ولا مجموعة، وكانت على الأكثر متفرقة عند المسلمين، وأن المعول في القرآن، إنما كان على القراء وصدور الرجال:

١-
فقد ورد حديث منسوب إلى زيد بن ثابت برواية الزهري جاء فيه أن النبي قبض ولم يكن القرآن قد جمع بشيء. ولقد علّق الخطابي على ما جاء في «إتقان» السيوطي على هذا الحديث بقوله إنما لم يجمع النبي القرآن لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه وآياته. فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك بوفاء وعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر. ثم قال وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي مسلم

صفحة رقم 67

سورة الإخلاص
في السورة تقرير العقيدة الإسلامية بذات الله بأسلوب حاسم وقطعي ووجيز.
وأسلوبها عام التوجيه والتقرير. وهناك روايات تذكر أنها مدنية وأخرى تذكر أنها مكية. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي مكيتها، كما أنها مكية في التراتيب الكاملة المروية الأخرى «١». ومن أسمائها «الصمد» وبذلك يتم الاتساق في تسميتها مع أسلوب تسمية السورة بصورة عامة.
ولقد روى البخاري وأبو داود عن أبي سعيد: «أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يردّدها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له وكأنّ الرجل يتقالّها فقال رسول الله والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» «٢». وروى الشيخان والترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن. قالوا وكيف يقرأ في ليلة ثلث القرآن قال قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» «٣». وحديث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
«احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن فحشد من حشد فخرج نبيّ الله فقرأ قل هو الله أحد ثم دخل فقال بعضنا لبعض إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله ثم خرج نبيّ الله فقال إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن» «٤». وروى مسلم حديثا جاء فيه: «بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلا على سريّة

(١) أسماء التراتيب وأصحابها في مقدمة الجزء.
(٢) التاج ج ٤ ص ٢٢.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه.

«لا تكتبوا عني غير القرآن»
فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كلّه كتب في عهد رسول الله لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور.

٢-
وقد روى البخاري حديثا عن زيد بن ثابت عن جمع القرآن بعد وفاة النبي هذا نصه: قال زيد أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن نأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله قال عمر هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري بذلك ورأيت الذي رأى عمر. قال أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفوني في نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمراني به من جمع القرآن. قلت فكيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله.
قال هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للّذي شرح صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب والقحاف وصدور الرجال.
ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره. فكانت الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة.

٣-
وقد روى ابن شهاب حديثا جاء فيه إن أبا بكر قال بعد أن تمّ جمع القرآن التمسوا له اسما فقال بعضهم السفر وقال بعضهم المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف. فسماه أبو بكر المصحف. وقد أورد المظفري رواية أخرى جاء فيها أن أبا بكر لما قال سمّوه قال بعضهم سمّوه إنجيلا فكرهوه وقال بعضهم سمّوه السفر فكرهوه فقال ابن مسعود رأيت بالحبشة كتابا يدعونه المصحف «١» فسمّوه به.
(١) القول بأنه اقترح أن تسمّى المجموعة إنجيلا محل نظر في ذاته لأن أصحاب رسول الله يعرفون أن هذه التسمية خاصة بكتاب عيسى والنصارى. ولقد قيل إن كلمة «المصحف» دخيلة ونحن نرى ذلك غريبا لأن معنى هذا أنها لم تكن معروفة الأصل والاشتقاق والمعنى عند العرب في حين أن الكلمة على ما هو الأرجح إن لم نقل على الجزم متصلة بكلمة صحف وصحيفة. وكلمة صحف وردت أكثر من مرة في القرآن حيث وردت في سور الأعلى والنجم وعبس والمدثر.

صفحة رقم 68

فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبّ أن أقرأ بها فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبروه أنّ الله يحبّه» «١».
وروى الترمذي عن أنس قال: «كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء فكان كلّما أمّهم في الصلاة قرأ بقل هو الله أحد ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كلّ ركعة فكلّمه أصحابه إمّا أن تقرأ بها وإمّا أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى فقال ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت وإن كرهتم تركت، وكانوا يرونه أفضلهم فلما أتاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك مما يأمرك به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: يا رسول الله إني أحبّها. فقال: إن حبّها أدخلك الجنة» «٢».
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: «أقبلت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد الله الصمد فقال رسول الله وجبت قلت وما وجبت قال الجنة» «٣».
وروى الترمذي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ كلّ يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة إلّا أن يكون عليه دين» «٤». وروى الإمام أحمد عن أنس بسند حسن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة» «٥». وروى النسائي عن معاذ بن عبد الله عن أبيه قال: «أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصلّي بنا فخرج فقال قل قلت ما أقول قال قل هو الله أحد والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفك كلّ شيء» «٦».
حيث ينطوي في الأحاديث تنويه بفضل هذه السورة وحثّ على قراءتها من حكمتها

(١) المصدر السابق نفسه.
(٢) المصدر نفسه، ص ٢٣.
(٣) المصدر نفسه، ص ٢٢- ٢٣.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) المصدر نفسه.
(٦) المصدر نفسه.

هذا في حين أن هناك حديثا بخاريا آخر في نفس السياق يذكر أن المجموعة كانت تسمى «الصحف». وعلى كل حال فحديث تسمية المجموعة بالمصحف يفيد أن هذه التسمية التي استفاضت حتى صارت العلم على مجموعة القرآن استعملت لأول مرة في جمع عهد أبي بكر.

٣-
وأخرج أبو داود حديثا آخر جاء فيه أن عمر أعلن الناس من كان تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب. وكان لا يقبل من أحد شيء حتى يشهد شاهدان.

٤-
وروى ابن شهاب حديثا آخر جاء فيه: إنه لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يذهب من القرآن طائفة فأقبل الناس بما معهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق. فكان أبو بكر أول من جمع القرآن.

٥-
وروى الليث بن سعد حديثا جاء فيه أن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها زيد لأنه كان وحده.

٦-
وروى عمارة بن غزية حديثا جاء فيه أن زيد بن ثابت قال أمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب. فلما هلك أبو بكر وكان عمر، كتبت ذلك في صحيفة واحدة.

٧-
وروى عكرمة أن عليّ بن أبي طالب قعد في بيته بعد بيعة أبي بكر فقيل لأبي بكر كره بيعتك. فأرسل إليه فقال أكرهت بيعتي. قال لا والله. قال ما أقعدك عني. قال رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه. قال له أبو بكر نعم ما رأيت.

٨-
وأخرج ابن سيرين حديثا جاء فيه أن عليا لما مات النبي قال آليت أن

صفحة رقم 69

الجزء الأول

(بسم الله الرّحمن الرّحيم)

[مقدمة التحقيق]
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، إيّاه نعبد وإيّاه نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، المنزل عليه القرآن، فيه شفاء وهدى ورحمة وذكرى للعالمين.
وبعد، فإننا بعد أن كتبنا كتبنا الثلاثة وهي: «عصر النبي صلى الله عليه وسلم»، و «سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم من القرآن»، و «الدستور القرآني في شؤون الحياة» «١» انبثقت فينا فكرة كتابة تفسير شامل، بقصد عرض القرآن بكامله بعد أن عرضناه فصولا حسب موضوعاته في الكتب الثلاثة، نظهر فيه حكمة التنزيل ومبادئ القرآن ومتناولاته عامة بأسلوب وترتيب حديثين، متجاوبين مع الرغبة الشديدة الملموسة عند كثير من شبابنا الذين يتذمرون من الأسلوب التقليدي ويعرضون عنه، مما أدى إلى انبتات الصلة بينهم وبين كتاب دينهم المقدس، ويدعو إلى الأسف والقلق «٢».
(١) طبع الأول في دمشق ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م، والثاني في القاهرة ١٣٦٧ هـ ١٩٤٨ م، والثالث في القاهرة أيضا ١٣٧٦ هـ ١٩٥٦ م.
(٢) ونزيد على ما قلناه في الطبعة الأولى فنقول: إن الحاجة إلى ذلك تشتد يوما بعد يوم بنسبة ازدياد ما يتعرض له شبابنا وناشئتنا من تيارات جارفة عاصفة من الإلحاد والتحلل من مختلف القيم والروابط الأخلاقية والاجتماعية، والتقليد الأعمى لكل تافه سخيف مخل بالدين والخلق والمروءة. والإقبال على قراءة المجلات والروايات الماجنة الخليعة التافهة والانصراف عن قراءة الآثار الجادة الإسلامية والعلمية والقومية التي بها وحدها يضمن المرء لنفسه الكرامة والمعرفة والنفع بحيث صار الواجب يقضي تنبيههم إلى ما هم معرضون له من هذه التيارات وإنقاذهم من نتائجها الرهيبة بشرح تراثهم الديني والقومي والخلقي والاجتماعي العظيم الرائع شرحا مؤثرا نافذا، والإهابة بهم إلى الاستمساك بحبل الله والتزود بما في كتابه وسنة رسوله من قواعد ومبادئ وتلقينات من شأنها أن تعصمهم من الزلل وتهديدهم إلى أقوم السبل في شؤون الدين والدنيا.

صفحة رقم 5

ولقد تيسّر لنا فراغ جديد مثل الفراغ الذي تيسّر لنا من قبل، فيسّر لنا كتابة الكتب الثلاثة المذكورة ونعني به سجننا في سجن المزة ثم في سجن قلعة دمشق الذي سجننا فيه الإفرنسيون بتحريض الإنكليز بسبب الثورة العربية الفلسطينية في أعوام ١٩٣٧- ١٩٣٩ والذي امتد ستة عشر شهرا (حزيران ١٩٣٩- مارس ١٩٤١) إذ لم نكد نخرج من هذا السجن بعد انكسار فرنسا في الحرب العالمية الثانية حتى دهمت سوريا قوات الإنكليز والإفرنسيين الديغوليين المنضمين إليهم. فنزحنا عن دمشق إلى تركية حيث قضينا فيها خمسين شهرا كانت لنا فرصة طيبة لتنفيذ تلك الفكرة وكتابة مسودة التفسير (١٩٤١- ١٩٤٥). وقد ساعدنا على ذلك ما وجدناه في مكتبات الآستانة من كتب وتفاسير عديدة. ولما عدنا إلى دمشق صرنا نغتنم الفرص لمراجعة ما كتبناه والرجوع إلى مصادر كثيرة أخرى. فلما اتسق التفسير وتكامل بيّضناه، وظللنا نراجع ما كتبناه وندخل عليه ما نراه مفيدا من تعديلات حتى إذا يسر الله أن تطبع أجزاؤه أخذنا نبيضه تبييضا جديدا، ونقدم الأجزاء للطبع واحدا بعد آخر، حامدين الله عز وجل على تيسيره وتوفيقه.
ولقد كنّا بعد فراغنا من كتابة مسودات التفسير كتبنا في هجرتنا أيضا كتابا في تنزيل القرآن وأسلوبه وأثره وتدوينه وجمعه وترتيبه وقراءاته ورسمه ومحكمه ومتشابهه وقصصه وغيبياته ومناهج تفسيره، والطريقة المثلى إلى تفسيره وفهمه، وهو الكتاب الذي طبع بعنوان (القرآن المجيد) وكان بمثابة مقدمة للتفسير. ولقد اجتهدنا في السير في التفسير وفق المنهج الذي رأيناه خير سبيل إلى تفسير القرآن الكريم وفهمه، على ما شرحناه في القرآن المجيد وهذا هو:
١- تجزئة المجموعات والفصول إلى جمل تامة، يصح الوقوف عندها من حيث المعنى والنظم والسياق. وقد تكون الجملة آية واحدة أو آيات قليلة أو سلسلة طويلة من الآيات.
٢- شرح الكلمات والتعابير الغريبة وغير الدارجة كثيرا، بإيجاز ودون تعمّق لغوي ونحوي وبلاغي، إذا لم تكن هناك ضرورة ماسة.

صفحة رقم 6

٣- شرح مدلول الجملة شرحا إجماليا، حسب المقتضى المتبادر بأداء بياني واضح، ودون تعمق كذلك في الشروح اللغوية والنظمية. مع الاستغناء عن هذا الشرح والاكتفاء بعرض الهدف والمدلول، إذا كانت عبارة الجملة واضحة نظما ولغة.
٤- إشارة موجزة إلى ما روي في مناسبة نزول الآيات أو في صددها، وما قيل في مدلولها وأحكامها، وإيراد ما يقتضي إيراده من الروايات والأقوال، والتعليق على ما يقتضي التعليق عليه منها بإيجاز.
٥- تجلية ما تحتويه الجملة من أحكام ومبادئ وأهداف وتلقينات وتوجيهات وحكم تشريعية وأخلاقية واجتماعية وروحية، وملاحظة مقتضيات تطور الحياة والمفاهيم البشرية. وهذه نقطة أساسية وجوهرية في تفسيرنا وهي كذلك في تفسير القرآن والدعوة القرآنية كما هو المتبادر وقد اهتممنا لها اهتماما عظيما.
٦- تجلية ما تحتويه الجملة من صور ومشاهد عن السيرة النبوية والبيئة النبوية، لأن هذا يساعد على تفهم ظروف الدعوة وسيرها وأطوارها، وجلاء جوّ نزول القرآن الذي ينجلى به كثير من المقاصد القرآنية.
٧- التنبيه على الجمل والفصول الوسائلية والتدعيمية «١»، وما يكون فيها من

(١) نقصد بالجمل والفصول الوسائلية والتدعيمية ما أريد به تدعيم المبادئ القرآنية المحكمة مثل القصص ومشاهد الحياة الأخروية والجن والملائكة وبدء الخلق والتكوين ومشاهد الكون ونواميسه والمواقف الجدلية والحجاجية والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والأمثال والتذكير حيث جاء جميع ذلك لتدعيم تلك المبادئ التي وصفت بوصف هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [آل عمران/ ٧] ووصف ما عداها بالمتشابهات في آية سورة آل عمران السابعة هذه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ... ومع أن الواجب يقضي بالاهتمام للمحكمات فإن جلّ المفسرين المطولين قديما وحديثا بل كلهم اهتموا لما عداها من الفصول الوسائلية والتدعيمية أكثر من اهتمامهم للفصول المحكمة حتى انعكست الآية أو كادت، وصارت هذه الفصول جوهرية فأدى ذلك إلى الإشكالات والمناقضات وتشويش الأذهان وتعريض القرآن للنقاش والتضارب وإخراجه عن قدسيته وغايته وهي الهداية والدعوة والموعظة والتشريع وقلبه إلى كتاب تاريخ وفن ونظريات تتحمل الأخذ والرد والنقض والمعارضة على غير طائل ولا ضرورة. بل لم يقف الأمر عند هذا، فهناك من صرف كثيرا من الآيات عن مفهومها الواضح ودلالتها البينة إلى ما يشبه الألغاز والمعميات بل الهذيان ويتجاوز غاية القرآن بالهدى والموعظة وصلاح البشرية تأثرا بالنزعة الصوفية. وهناك من فعل مثل ذلك وحمل الآيات غير ما تحتمله واستخرج ما زعم أنه باطنها تأثرا بالأهواء وتأييدا لها. مما سوف نوضحه بالأمثلة في مناسباته ثم في شرح مدى آية سورة آل عمران المذكورة إن شاء الله.

صفحة رقم 7

مقاصد أسلوبية كالتعقيب والتعليل والتطمين والتثبيت والتدعيم والترغيب والترهيب والتقريب والتمثيل والتنديد والتذكير والتنويه، مع إبقاء ذلك ضمن النطاق الذي جاء من أجله وعدم التطويل فيه. والتنبيه بإيجاز إلى ما ورد في صدده إذا اقتضى السياق بما لا يخرج به عن ذلك النطاق.
٨- الاهتمام لبيان ما بين آيات وفصول السور من ترابط. وعطف الجمل القرآنية على بعضها سياقا أو موضوعا، كلما كان ذلك مفهوم الدلالة، لتجلية النظم القرآني والترابط الموضوعي فيه. لأن هناك من يتوهم أن آيات السور وفصولها مجموعة إلى بعضها بدون ارتباط وانسجام، في حين أن إمعاننا فيها جعلنا على يقين تام بأن أكثرها مترابط ومنسجم.
٩- الاستعانة بالألفاظ والتراكيب والجمل القرآنية في صدد التفسير والشرح والسياق والتأويل والدلالات والهدف والتدعيم والصور والمشاهد، كلما كان ذلك ممكنا. وهذا ممكن في الأعمّ الأغلب حيث يوجد كثير من الآيات مطلقة في مكان، مقيّدة في مكان آخر، وعامة في مكان مخصصة في مكان آخر، كما يوجد كثير من الجمل المختلفة في الألفاظ المتفقة في المعاني والمقاصد. ثم بعد ذلك بالروايات إذا ما كانت متسقة مع المفهوم والسياق ثم بأقوال المفسرين إذا كانت كذلك.
١٠- العطف على ما جاء في كتاب «القرآن المجيد» من بحوث حين تفسير الجملة ومقاصدها تفاديا من التكرار والتطويل.
١١- عرض المعاني بأسلوب قريب المأخذ سهل التناول والاستساغة، واجتناب الألفاظ الحوشية والخشنة والغريبة والعويصة.
١٢- شرح الكلمات والمدلولات والموضوعات المهمة المتكررة شرحا

صفحة رقم 8

وافيا وخاليا من الحشو عند أول مرة ترد فيها، والعطف على الشرح الأول في المرات التالية دون تكرار شرحها في مواطن تكررها.
وقد رأينا بالإضافة إلى هذا من المفيد وضع مقدمة أو تعريف موجز للسور قبل البدء بتفسيرها، يتضمن وصفها ومحتوياتها وأهمّ ما امتازت به، وما يتبادر من فحواها من صحة ترتيبها في النزول وفي المصحف، وما في السور المكية من آيات مدنية، وفي السور المدنية من آيات مكية حسب الروايات، والتعليق على ذلك حسب المقتضى. وكذلك وضع عناوين للموضوعات والتعليقات الهامة التي تناولناها بالبحث والشرح والبيان، ليسهل على من ينظر في التفسير مراجعة ما يريد منها.
ولقد رأينا أن نجعل ترتيب التفسير وفق ترتيب نزول السورة، بحيث تكون أولى السور المفسرة الفاتحة ثم العلق ثم القلم ثم المزّمل إلى أن تنتهي السور المكّية ثم سورة البقرة فسورة الأنفال إلى أن تنتهي السور المدنية لأننا رأينا هذا يتّسق مع المنهج الذي اعتقدنا أنه الأفضل لفهم القرآن وخدمته. إذ بذلك يمكن متابعة السيرة النبوية زمنا بعد زمن، كما يمكن متابعة أطوار التنزيل ومراحله بشكل أوضح وأدقّ، وبهذا وذاك يندمج القارئ في جوّ نزول القرآن وجوّ ظروفه ومناسباته ومداه، ومفهوماته وتتجلى له حكمة التنزيل.
وقد قلّبنا وجوه الرأي حول هذه الطريقة، وتساءلنا عما إذا كان فيها مساس بقدسية المصحف المتداول، فانتهى بنا الرأي إلى القرار عليها لأن التفسير ليس مصحفا للتلاوة من جهة، وهو عمل فني أو علمي من جهة ثانية، ولأن تفسير كل سورة يصح أن يكون عملا مستقلا بذاته، لا صلة له بترتيب المصحف، وليس من شأنه أن يمسّ قدسية ترتيبه من جهة ثالثة.
ولقد أثر عن علماء أعلام، قدماء ومحدثين تفسيرات لوحدات وسور قرآنية، دون وحدات وسور «١». كما أثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كتب

(١) من القدماء هشام الكلبي الذي روى ابن النديم في كتاب «الفهرست» (ص ٥١) طبعة المطبعة الرحمانية، أن له كتاب تفسير الآيات التي نزلت في أقوام بأعيانهم. ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كتب تفسيرا خاصا لسورة الإخلاص طبع في المطبعة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٢٣ هـ، وكتب تفسيرا لسور الأعلى والشمس والليل والعلق والتين والبيّنة والكافرون.
وقد طبعت مجموعتها في بمباي الهند سنة ١٣٧٤ هـ ١٩٥٤ م من قبل عبد الصمد شرف الدين، ومن المحدثين الشيخ محمد فوزي مفتي أدرنه، وقاضي بيت المقدس الذي كتب رسالتين: واحدة بتفسير سورة ألم نشرح، وأخرى بتفسير سورة النجم، وقد طبعتا في دار الطباعة العامرة. ومنهم الإمام الشيخ محمد عبده الذي نشر له تفسير سورة العصر وتفسير جزء عمّ، والإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي نشر له تفسير ميسّر لآي خاصة من القرآن الكريم.

صفحة رقم 9

مصحفا وفق نزول القرآن «١»، ولم نر نقدا أو إنكارا لهذا وذاك، مما جعلنا نرى السير على هذه الطريقة سائغا. لا سيما والقصد منه هو خدمة القرآن بطريقة تكون أكثر نفعا. وليس هو الانحراف والشذوذ. والله أعلم بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. ومع ذلك فقد رأينا أن نستوثق من صحة ما ذهبنا إليه فاستفتينا سماحة الشيخ أبي اليسر عابدين مفتي سورية والشيخ عبد الفتاح أبا غدة، الذي كان من المرشحين لإفتاء مدينة حلب، فتلقينا منهما جوابا مؤيدا حيث قال الأول في جوابه: «إن التأليف والتصنيف تابع لأغراض المؤلفين حسبما يعرض لهم من أشكال، لإظهار الفوائد التي يطلعون عليها، وليس التفسير بقرآن يتلى حتى يراعى فيه ترتيب الآيات والسور، فقد يعنّ للمفسر أن يفسر آية ثم يترك ما بجانبها لظهور معناها وقد يفسر سورة ثم يترك ما بعدها اعتمادا على فهم التالي. ولا مانع من تأليف تفسير على الشكل المذكور، والله أعلم».
وحيث قال الثاني: «إن شبهة المنع لهذه الطريقة آتية من جهة أنها طريقة تخالف ما عليه المصحف الشريف اليوم من الترتيب المجمع عليه والمتواتر إلى الأمة نقله جيلا بعد جيل. ودفع هذه الشبهة أن المنع يثبت فيما لو كان هذا الصنيع مسلوكا من أجل أن يكون هذا الترتيب مصحفا للتلاوة، أي ليتلو الناس القرآن على النحو الذي سلكتموه. أما وإن الغرض للمفسر والقارئ معا غير هذا فلا مانع من

(١) «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي ج ١، ص ٦٥ مطبعة عثمان عبد الرزاق، طبعة عام ١٣٠٦ هجرية.

صفحة رقم 10

سلوكه إطلاقا. ويستأنس لسواغية هذه الطريقة بما سلكه أجلّة من علماء الأمة المشهود لهم بالإمامة والقدوة من المتقدمين في تأليفهم ولم يعلم أن أحدا أنكر عليهم ما صنعوا. ويحضرني منهم الآن الإمام ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ للهجرة، فقد مشى في تفسير ما فسّره في كتابه المطبوع «تأويل مشكل القرآن» على غير ترتيب النزول وعلى غير الترتيب المتلوّ الآن. ويبدو هذا جليا في الصحف (٢٤٠- ٣٣٩).
على أن القول بالمنع تبعا لهذه النظرة الضيقة ينبغي أن يشمل ما سلكه الشيخ جلال الدين المحلّي، ثم جلال الدين السيوطي في تفسير هما المعروف بتفسير الجلالين إذ قد بدأ الأول بالتفسير من آخر القرآن الكريم وهو صاعد إلى سورة الكهف، ثم مات فأتمّ الجلال السيوطي من حيث وقف سلفه إلى أول القرآن الكريم. فهما لم يراعيا في مسلكهما هذا البدء على ترتيب القرآن من أوله إلى آخره. وكذلك ينبغي أن يشمل ما صنعه الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه «قصص الأنبياء»، والشيخ محمد أحمد العدوي في كتابه «دعوة الرسل إلى الله».
فهما أيضا لم يراعيا في موضوعات كتابيهما ترتيب المصحف المتلو اليوم بل راعيا اعتبارا آخر، وكذلك ينبغي أن يتناول المنع كتابكم «الدستور القرآني في شؤون الحياة»، فقد سلكتم فيه نحو طريقتكم في التفسير من جمع طائفة من الآيات الكريمة في صعيد واحد، ثم تفسيرها وبيان ما تلهمه من المعاني الكريمة. فإن قيل إن هناك فارقا بين صنيعكم في الدستور وصنيعكم في التفسير لأن الأول يمكن أن يجعل من باب التأليف على اعتبار وحدة الموضوع التي ينظر فيها إلى مدلول الآيات فحسب، في حين أن النظر في الثاني متجه إلى مراعاة النزول فحسب، فالجواب: فليجعل هذا أيضا من باب وحدة الموضوع بين السورة والسورة من حيث زمن نزولها سابقة أو لا حقة. وللعلماء أقوال في صدد ترتيب السور وما إذا كان توقيفيّا أو اجتهاديّا. فقد ذكر السيوطي في كتابه «الإتقان» : أن جمهور العلماء على الثاني، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه. ومما استدل به على ذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور- والكلام للسيوطي- فمنهم من رتّبها على النزول وهو مصحف عليّ. كان أوله اقرأ ثم المدّثر ثم نون ثم المزّمل ثم تبّت

صفحة رقم 11

ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني. وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران. وكذا مصحف أبيّ وغيره. ثم ساق السيوطي رحمه الله بعد نحو صفحتين صورة عن الترتيب الذي في مصحف أبيّ بن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما «١». وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: إن ترتيب السور بالاجتهاد لا بالنصّ في قول جمهور العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية، فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة.
ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابتها، نعني لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنّه الخلفاء الراشدون. وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها. وواضح كل الوضوح أن محل اتباع هذه السنة التي يجب اتباعها إنما هو في كتابة المصحف الذي يكون للتلاوة لا في كتابة تفسير وشرح لمعاني الآيات والسور الكريمة. فإن ذلك غير داخل في موضوع اختلاف العلماء أو اتفاقهم إطلاقا. بل هم فيما روي متفقون على سواغيته وجوازه. والله تعالى أعلم».
وقد استخرنا الله بعد أن تلقينا هذين الجوابين من الأستاذين الجليلين وعزمنا على السير في الطريقة المذكورة لما لها من فوائد عظيمة دون أن يكون لها مساس بقدسية ترتيب المصحف.
ولقد أورد السيوطي في كتاب «الإتقان» «٢» ترتيبات نزول للسور المكية والسور المدنية منسوبة إلى جابر بن زيد والحسين وعكرمة وابن عباس، وترتيبا رابعا لم يذكر صاحبه. ولقد اطلعنا في مقدمة «تفسير الخازن» على ترتيب وفي مقدمة تفسير «مجمع البيان» على ترتيب آخر، وفي المصحف الذي كتبه الخطاط الشهير بقدر وغلي- والذي طبع بتصريح من وزارة الداخلية المصرية وإذن مشيخة المقاريء المصرية من قبل عبد الحميد أحمد حنفي- ترتيب آخر أشير إليه في رؤوس السور. وبين هذه الترتيبات السبعة بعض التخالف من ناحية التقديم

(١) الكلام الذي ساقه الأستاذ أبو غده للسيوطي هو من كتابه «الإتقان» ج ١، ص ٦٥ وما بعدها أيضا من الطبعة المذكورة قبل.
(٢) انظر الجزء الأول من طبعة مطبعة عبد الرزاق ص ١٠ وما بعدها.

صفحة رقم 12

والتأخير والمدني والمكي، على أن من الحق أن نقول: إنه ليس في الإمكان تعيين ترتيب صحيح لنزول السور القرآنية جميعها، كما أنه ليس هناك ترتيب يثبت بكماله على النقد أو يستند إلى أسانيد قوية ووثيقة. وزيادة على هذا فإن في القول بترتيب السور حسب نزولها شيئا من التجوّز. فهناك سور عديدة مكية ومدنية يبدو من مضامينها أن فصولها لم تنزل مرة واحدة أو متلاحقة، بل نزلت بعض فصولها أولا ثم نزلت بعض فصول سور أخرى، ثم نزلت بقية فصولها في فترات، وأن بعض فصول سور متقدمة في الترتيب قد نزلت بعد فصول سور متأخرة فيه أو بالعكس، وأن فصول هذه السور قد ألّفت بعد تمام نزول فصولها، وأن ترتيبها في النزول قد تأثر بفصلها أو فصولها الأولى، وأن بعض السور المتقدمة في الترتيب أولى أن تكون متأخرة أو بالعكس، أو بعض ما روي مدنيه من السور أولى أن يكون مكّيا أو بالعكس، مما سوف ننبه إليه في سياق تفسير كل سورة إن شاء الله.
ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن الترتيبات المستندة إلى روايات قديمة أو المنسوبة إلى أعلام الصحابة والتابعين غير صحيحة كلها، أو أنها لا يصحّ التعويل عليها. فالقسم الأعظم من السور المكية نزل دفعة واحدة أو فصولا متلاحقة على ما يلهم سياقها ونظمها ومضامينها. ولم تبدأ سورة جديدة حتى تكون السورة التي قبلها قد تمت. ومضامين سور عديدة مكية ومدنية تلهم أن كثيرا مما روي في ترتيب النزول صحيح أو قريب من الصحة، وكل ما يعنيه أن فيها ما يدعو إلى التوقف وأن الأمر بالنسبة لبعض السور يظل في حدود المقاربة والترجيح. ولهذا لم يكن ما يمكن أن يوجه من مآخذ إلى ترتيب نزول السور ليغير ما قرّ رأينا عليه. لأننا رأيناه على كل حال يظل مفيدا في تحقيق ما استهدفناه والمنهج الذي ترسّمناه، وخاصة بالنسبة إلى فائدة تتبع صور التنزيل القرآني مرحلة فمرحلة والاستشعار بجوّ هذه الصور، حيث يكون ذلك أدعى إلى تفهم القرآن وحكمة التنزيل.
وقد اعتمدنا الترتيب الذي جاء في مصحف الخطاط قدر وغلي المذكور قبل.
لأنه ذكر فيه أنه طبع تحت إشراف لجنة خاصة من ذوي العلم والوقوف، حيث يتبادر إلى الذهن أن يكون قد أشير إلى ترتيب النزول فيه (السورة كذا نزلت بعد

صفحة رقم 13

السورة كذا) بعد اطلاع اللجنة على مختلف الروايات والترجيح بينها. ولقد جاء في تعريف المصحف «إنه كتب وضبط على ما يوافق رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي التابعي عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وأخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها عثمان بن عفان إلى البصرة والكوفة والشام ومكة، والمصحف الذي جعله لأهل المدينة والمصحف الذي اختص به نفسه، وعن المصاحف المنتسخة عنها. أما الأحرف اليسيرة التي اختلفت فيها أهجية تلك المصاحف فاتبع فيها الهجاء الغالب مع مراعاة قراءة القارئ الذي يكتب المصحف لبيان قراءته ومراعاة القواعد التي استنبطها علماء الرسم من الأهجية المختلفة على حسب ما رواه الشيخان أبو عمرو الداني وأبو سليمان بن نجاح، مع ترجيح الثاني عند الاختلاف. والعمدة في ذلك على ما حققه الأستاذ محمد بن محمد الأموي الشريشي المشهور بالخراز في منظومته (مورد الظمآن) وما قرره شارحها المحقق الشيخ عبد الواحد بن عاشر الأنصاري الأندلسي. وأخذت طريقة ضبطه مما قرره علماء الضبط على حسب ما ورد في كتاب «الطراز على ضبط الخراز» للإمام التنيسي، مع إبدال علامات الأندلسيين والمغاربة بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة. واتبعت في عدّ آياته طريقة الكوفيين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن علي بن أبي طالب على حسب ما ورد في كتاب «ناظمة الزهر» للإمام الشاطبي وشرحها لأبي عبيد رضوان المخللاتي، وكتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي، وكتاب «تحقيق البيان» للأستاذ الشيخ محمد المتولي شيخ القراء بالديار المصرية سابقا. وأخذ بيان مكّية ومدنيّة من الكتب المذكورة وكتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي، وكتب القراءات والتفسير على خلاف في بعضها.
وهذا هو ترتيب نزول السور على حسب ما ورد في مطالع سور هذا المصحف:

صفحة رقم 14

السور المكية
رقم/ رقم اسم/ ترتيب/ ترتيبها في السورة/ نزولها/ المصحف العلق/ ١/ ٩٦/ القلم/ ٢/ ٦٨/ المزمل/ ٣/ ٧٣/ المدثر/ ٤/ ٧٤/ الفاتحة/ ٥/ ١/ المسد/ ٦/ ١٠١/ التكوير/ ٧/ ٨١/ الأعلى/ ٨/ ٨٧/ الليل/ ٩/ ٩٢/ الفجر/ ١٠/ ٨٩/ الضحى/ ١١/ ٩٣/ الشرح/ ١٢/ ٩٤/ العصر/ ١٣/ ١٠٣/ العاديات/ ١٤/ ١٠٠/ الكوثر/ ١٥/ ١٠٨/ التكاثر/ ١٦/ ١٠٢/ الماعون/ ١٧/ ١٠٧/ الكافرون/ ١٨/ ١٠٩/ الفيل/ ١٩/ ١٠٥/ الفلق/ ٢٠/ ١١٣/ الناس/ ٢١/ ١١٤/ الإخلاص/ ٢٢/ ٢١١٢ رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف النجم/ ٢٣/ ٥٣/ عبس/ ٢٤/ ٨٠/ القدر/ ٢٥/ ٩٧/ الشمس/ ٢٦/ ٩١/ البروج/ ٢٧/ ٨٥/ التين/ ٢٨/ ٩٥/ قريش/ ٢٩/ ١٠٦/ القارعة/ ٣٠/ ١٠١/ القيامة/ ٣١/ ٧٥/ الهمزة/ ٣٢/ ١٠٤/ المرسلات/ ٣٣/ ٧٧/ ق/ ٣٤/ ٥٠/ البلد/ ٣٥/ ٩٠/ الطارق/ ٣٦/ ٨٦/ القمر/ ٣٧/ ٥٤/ ص/ ٣٨/ ٣٨/ الأعراف/ ٣٩/ ٧/ الجن/ ٤٠/ ٧٢/ يس/ ٤١/ ٣٦/ الفرقان/ ٤٢/ ٢٥/ فاطر/ ٤٣/ ٣٥/ مريم/ ٤٤/ ٣١٩ رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف طه/ ٤٥/ ٢٠/ الواقعة/ ٤٦/ ٥٦/ الشعراء/ ٤٧/ ٢٦/ النمل/ ٤٨/ ٢٧/ القصص/ ٤٩/ ٢٨/ الإسراء/ ٥٠/ ١٧/ يونس/ ٥١/ ١٠/ هود/ ٥٢/ ١١/ يوسف/ ٥٣/ ١٢/ الحجر/ ٥٤/ ١٥/ الأنعام/ ٥٥/ ٦ الصافات/ ٥٦/ ٣٧/ لقمان/ ٥٧/ ٣١/ سبأ/ ٥٨/ ٣٤/ الزمر/ ٥٩/ ٣٩/ غافر/ ٦٠/ ٤٠/ فصلت/ ٦١/ ٤١/ الشورى/ ٦٢/ ٤٢/ الزخرف/ ٦٣/ ٤٣/ الدخان/ ٦٤/ ٤٤/ الجاثية/ ٦٥/ ٤٥/ الأحقاف/ ٦٦/ ٤٦

صفحة رقم 15

رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف الذاريات/ ٦٧/ ٥١/ الغاشية/ ٦٨/ ٨٨/ الكهف/ ٦٩/ ١٨/ النحل/ ٧٠/ ١٦/ نوح/ ٧١/ ٧١/ إبراهيم/ ٧٢/ ١٤/ الأنبياء/ ٧٣/ ٢٢١ رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف المؤمنون/ ٧٤/ ٢٣/ السجدة/ ٧٥/ ٣٢/ الطور/ ٧٦/ ٥٢/ الملك/ ٧٧/ ٦٧/ الحاقة/ ٧٨/ ٦٩/ المعارج/ ٧٩/ ٧٠/ النبأ/ ٨٠/ ٣٧٨ رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف النازعات/ ٨١/ ٧٩/ الانفطار/ ٨٢/ ٨٢/ الانشقاق/ ٨٣/ ٨٤/ الروم/ ٨٤/ ٣٠/ العنكبوت/ ٨٥/ ٢٩/ المطففون/ ٨٦/ ٨٣/
السور المدنية
البقرة/ ٨٧/ ٢/ الأنفال/ ٨٨/ ٨/ آل عمران/ ٨٩/ ٣/ الأحزاب/ ٩٠/ ٣٣/ الممتحنة/ ٩١/ ٦٠/ النساء/ ٩٢/ ٤/ الزلزلة/ ٩٣/ ٩٩/ الحديد/ ٩٤/ ٥٧/ محمد/ ٩٥/ ٤٧/ الرعد/ ٩٦/ ٢١٣ الرحمن/ ٩٧/ ٥٥/ الإنسان/ ٩٨/ ٧٦/ الطلاق/ ٩٩/ ٦٥/ البينة/ ١٠٠/ ٩٨/ الحشر/ ١٠١/ ٥٩/ النور/ ١٠٢/ ٢٤/ الحج/ ١٠٣/ ٢٢/ المنافقون/ ١٠٤/ ٦٣/ المجادلة/ ١٠٥/ ٥٨/ الحجرات/ ١٠٦/ ٣٤٩ التحريم/ ١٠٧/ ٦٦/ التغابن/ ١٠٨/ ٦٤/ الصف/ ١٠٩/ ٦١/ الجمعة/ ١١٠/ ٦٢/ الفتح/ ١١١/ ٤٨/ المائدة/ ١١٢/ ٥/ التوبة/ ١١٣/ ٩/ النصر/ ١١٤/ ١١٠

صفحة رقم 16

ولقد رأينا مع ذلك أن نخالف ترتيب هذا المصحف بعض الشيء. فسور العلق والقلم والمزمل والمدثر التي وردت فيه كالسور الأولى والثانية والثالثة والرابعة بالتوالي ليست كذلك إلا بالنسبة لمطالعها فقط على أحسن تقدير، حيث إن ما يأتي بعد هذه المطالع لا يمكن أن يكون نزل إلّا بعد نزول سور وفصول غيرها، على ما سوف نشرحه في سياق تفسيرها، في حين أن هناك رواية معزوّة إلى ابن عباس ومجاهد «١» تذكر أن سورة الفاتحة التي تأتي الخامسة في ترتيب النزول هي أول ما نزل من القرآن. وهناك حديث أخرجه البيهقي والواحدي ووصف رجاله بالثقات عن شرحبيل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أن الفاتحة أول ما نزل من القرآن «٢». ولما كان هناك أحاديث صحيحة منها حديث رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها سنورده في سياق سورة العلق تذكر أن آيات سورة العلق الخمس الأولى هي أولى آيات القرآن نزولا «٣» فيمكن أن تحمل رواية أولية سورة الفاتحة على أنها أولى السور التامة نزولا بعد مطلع سورة العلق ومطالع السور الثلاث التالية لها في الترتيب والفاتحة بالإضافة إلى ذلك هي فاتحة المصحف، والواجب تلاوتها في كل ركعة صلاة، ولذلك رأينا أن تكون فاتحة التفسير أيضا.
وهناك أربع سور ذكر المصحف الذي اعتمدناه أنها مدنية وهي الزلزلة والإنسان والرحمن والرعد، في حين أن مضمونها وأسلوبها مشابهان كل المشابهة للسور المكية دون السور المدنية، وأن هناك روايات تذكر أنها مكية. ولذلك فسرناها في عداد السور المكية.
وهناك سور يمكن أن يلهم مضمونها أنها نزلت قبل سور متقدمة عليها في

(١) «الإتقان في علوم القرآن» ج ١ ص ٢٤- ٢٥.
(٢) انظر المصدر نفسه...
(٣) انظر المصدر نفسه. وانظر أيضا تفسير الفاتحة في «تفسير المنار» للسيد رشيد رضا. ومما ذكره السيوطي في «الإتقان» أنه لم يرو أنه كان في الإسلام صلاة بغير الفاتحة، وهذا من المرجحات.
الجزء الأول من التفسير الحديث ٢

صفحة رقم 17

الترتيب أو بعد سور متأخرة عنها فلم نشأ الإخلال بترتيبها واكتفينا بالتنبيه إلى ذلك في مقدمة كل سورة منها.
وإننا لنرجو من الله تعالى أن نكون قد وفقنا فيما عملناه إلى السداد والصواب. وأن يشملنا بعفوه ورحمته، وأن يتجاوز عما وقعنا فيه من خطأ ونسيان. وأن يتقبل منا هذه الخدمة لكتابه المجيد خالصة لوجهه الكريم وهو ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلّا به.
المؤلف دمشق الشام في: ٣ من المحرم الحرام ١٣٨٠ الموافق ٢٧ حزيران ١٩٦٠

صفحة رقم 18

مقدمة الطبعة الثانية
وهذه كلمة بين يدي الطبعة الجديدة نذكر فيها بعض ما فاتنا التنبيه عليه في مقدمة الطبعة الأولى وننبه على ما أدخلناه على هذه الطبعة من تنقيحات وتعديلات وإضافات.
أولا: مع ترجيحنا السير في التفسير حسب الروايات الراجحة في ترتيب نزول السور، فإننا حافظنا على وحدة السور لأنه ليس هناك ما يمكن الاستناد إليه ولا الاستئناس به بقوة وثقة في أمر وقت نزول فصول وآيات السور وبخاصة الطويلة المدنية التي تلهم مضامينها أن منها ما هو متقدم النزول ومنها ما هو متأخر، وأنها ألّفت بعد تمام ما اقتضت حكمة الله ورسوله أن تحتوي عليه من فصول وآيات بالنسبة لسائر فصول وآيات السورة أو فصول وآيات السور الأخرى التي يمكن أن تكون نزلت قبلها أو بعدها. وقد اختصصنا بالذكر السور المدنية والطويلة منها بخاصة لأنه لم يكن في معظم السور المكية مواضيع متعددة تتحمل مناسبات متباعدة بل الغالب عليها وحدة الموضوع فكانت تنزل متلاحقة الفصول على ما هو المتبادر من نظمها وروحها، ولم تكن تبدو سورة جديدة منها حتى تتم السورة التي قبلها باستثناء بضع سور منها. ولأن فحوى السور المدنية القصيرة يلهم أنها نزلت دفعة واحدة، مما سوف ننبه عليه في مقدمات السور.
ثانيا: بالإضافة إلى السور الأربع التي يروي المصحف الذي اعتمدنا عليه أنها مدنية وتروى روايات عديدة أنها مكية وتلهم محتوياتها بقوة رجحان مكيتها ونعني بها سور الزلزلة والإنسان والرحمن والرعد، فهناك سورة خامسة أيضا يروي

صفحة رقم 19

ذلك المصحف أنها مدنية وتروى روايات أخرى أنها مكية ومعظم فصولها تلهم بقوة رجحان مكيتها مع احتمال أن يكون بعضها مدنيا وهي سورة الحج. وقد بدا لنا أن نفسرها هي الأخرى في عداد السور المكية.
والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي أن سورة الرعد نزلت بعد سورة محمد وسورة الحج نزلت بعد سورة النور وسورة الرحمن نزلت بعد سورة الرعد وسورة الإنسان نزلت بعد سورة الرحمن وسورة الزلزلة نزلت بعد سورة النساء. ولما لم يكن في كتب التفسير التي تروي مكيتها ما يمكن أن يفيد ترتيب نزولها سورة بعد أخرى فقد رأينا أن نفسرها بعد الانتهاء من السور المكية وفق ترتيب نزولها المرجح. وسنفسرها حسب ترتيبها في المصحف بعد سورة (المطففون) هكذا:
١- الرعد ٢- الحج ٣- الرحمن ٤- الإنسان ٥- الزلزلة.
ثالثا: لقد تبادرت لنا مرجحات قوية جعلتنا أن لا نلتزم ترتيب النزول الذي رواه المصحف الذي اعتمدنا عليه بالنسبة لبعض السور المدنية بحيث صار ترتيب السور المدنية على الوجه التالي:
١- البقرة ٢- الأنفال ٣- آل عمران ٤- الحشر ٥- الجمعة ٦- الأحزاب ٧- النساء ٨- محمد ٩- الطلاق ١٠- البينة ١١- النور ١٢- المنافقون ١٣- المجادلة ١٤- الحجرات ١٥- التحريم ١٦- التغابن ١٧- الصف ١٨- الفتح ١٩- المائدة ٢٠- الممتحنة ٢١- الحديد ٢٢- التوبة ٢٣- النصر.
وسوف نذكر تلك المرجحات في مقدمة كل سورة.
رابعا: لقد كان يفوتنا بعض التنبيهات في مناسباتها الأولى فنستدركها في المناسبات التالية، ولقد وقعت أغلاط مطبعية متنوعة، منها أغلاط في الحروف والكلمات وأرقام الهوامش. ومنها وضع نبذ في غير مكانها الصحيح تقديما أو

صفحة رقم 20

تأخيرا. ومنها سقوط بعض نبذ من سياق حتى بدا الكلام مختلا ولقد تنبهنا ونحن نهيء الأجزاء ونقدمها إلى المطبعة واحدا بعد آخر إلى نقاط عديدة تحتاج إلى تمحيص أو توضيح أو تعديل أو تصحيح أو توسيع فبذلنا جهدنا لتلافي كل ذلك في هذه الطبعة.
خامسا: لقد أوردنا في الطبعة السابقة أحاديث كثيرة في سياق السور المدنية مما فيه توضيح وتعديل وإكمال لما احتوته هذه السور من تشريعات متنوعة ولم نورد منها في سياق السور المكية إلا قليلا لأن هذه السور ليس فيها تشريعات تنفيذية نظرا لطبيعة العهد المكي ولأن معظم الأحاديث النبوية مدنية الصدور إن صح التعبير. وقد اقترح بعض الأفاضل أن نورد في سياق هذه السور ما روي فيها أو ما يتساوق معها من أحاديث ليكون أمام القارئ وبخاصة الناشئ صورة تامة من مصدري الرسالة الإسلامية الرئيسية وهما كتاب الله تعالى وحكمة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وسنّته، فاستجبنا للاقتراح.
سادسا: هناك بعض مواضيع دار عليها في كتب التفسير كلام كثير، وتتحمل هي وما أورد في سياقها من أحاديث وروايات وتأويلات تمحيصا وشرحا لم نكن نرى ضرورة لهما. ثم بدا لنا من أسئلة وردت علينا في شأنها أن نورد ونمحص ما فاتنا إيراده وتمحيصه وأن نتوسع في الشرح في هذه الطبعة إلى الحد الذي يزول به الإشكال وتطمئن به النفس.
وإننا لنسأل الله عزّ وجلّ أن نكون ما فعلنا وقصدنا به خدمة كتابه المجيد الصواب والفائدة وأن يغفر لنا ما يمكن أن يكون وقع في سياق ذلك منا من خطأ ونسيان. والكمال والعصمة له وحده ولا حول ولا قوة إلا به.
وكان إتمام تنقيح الأجزاء وكتابة هذه الكلمة يوم الخميس الموافق للخامس عشر من شهر محرم الحرام ١٣٨٦ والسادس من أيار ١٩٦٦.
والله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. المؤلف

صفحة رقم 21

القرآن المجيد تنزيله وأسلوبه وأثره وجمعه وتدوينه وترتيبه وقراءاته ورسمه ومحكمه ومتشابهه وقصصه وغيبياته وتعليقات على مناهج مفسريه والطريقة المثلى لفهمه تأليف محمد عزة دروزة

صفحة رقم 23

[مقدمة المؤلف]

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) كتبت هذا الكتاب في مدنية بورسه أثناء هجرتي في الحرب إلى تركيا وبعد أن أتم الله عليّ نعمته فانتهيت من كتابة تفسير القرآن بكامله فيها. وقد وجدت في مكتبات المدينة العديدة ما استعنت به من مراجع قيمة في التفسير والحديث والكلام والقراءات وعلوم القرآن. وقد جاء الكتاب ككتاب مستقل لما احتواه من بحوث عديدة كما جاء كمقدمة للتفسير لما احتواه من شرح المنهج الذي سرت عليه فيه وبيان الطريقة المثلى لفهم القرآن وخدمته وتفسيره.
ولقد عدت فقرأت كتبا عديدة أخرى لاستيفاء الكلام في مواضيع الكتاب وتوثيقه، وأدخلت تنقيحات كثيرة على مسودة بورسه فجاء الكتاب على أسلوب ونهج جديدين بحثت في نطاقهما مختلف مسائل القرآن ووصلت بذلك إلى نتائج وحلول هامة وجديدة أرجو أن يكون الله قد هداني فيها إلى الحق والصواب، وأن أكون بذلك قد خدمت كتاب الله المجيد فيما أخذت على نفسي من خدمة له منذ أربع عشرة سنة استغرقت أكثر أوقاتي. كما أرجوه أن يتمّ نعمته وتوفيقه بتنقيح وطبع أجزاء التفسير وهو ولي التوفيق ومنه نطلب العون والسداد.
المؤلف

صفحة رقم 25

[محتويات القرآن المجيد]

الفصل الأول القرآن وأسلوبه ووحيه وأثره
- ١- القرآن والمسلمون:
ليس غريبا أن يكون القرآن شغل الناس في كل زمان ومكان طيلة القرون الثلاثة عشر السالفة وطيلة ما شاء أن يكون من أمد هذه الدنيا وأن يتنافس في الكتابة فيه الكتّاب والعلماء والمصلحون والباحثون من مسلمين وغيرهم، وأن يصدر فيه كل يوم كتاب.
فهو الكتاب المقدس للمسلمين المنتشرين في كل صقع من أصقاع الأرض والذين تتمثل فيهم شتى أممها، فيه أصول دينهم وشرائع حياتهم ونبع إلهامهم ونبراس أخلاقهم ونور هدايتهم في مختلف شؤونهم الدينية والدنيوية، الروحية والمادية، العامة والخاصة، السياسية والقضائية والاجتماعية والشخصية والإنسانية، وفيه أقوى الحوافز إلى أسمى الآفاق وأبعد الأشواط الموصلة إلى أعلى ما يمكن أن يكون من رفعة الذكر وعلوّ القدر وقوة التمكين والنصر، وجعل متبعيه خير أمة أخرجت للناس إذا هم قاموا بأعباء ما حمّلهم إياه من تبعات، وأدوا ما اؤتمنوا عليه فيه للإنسانية من أمانات: من دعوة إلى الخير والحق والهدى، ومن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومن تواص بالصبر والحق والمرحمة، ومن تناصر ضد البغي والإثم والعدوان، ومن اتصاف بكل صفات الخير والعدل والبرّ والرحمة والإحسان والكرامة والعزة والصدق والوفاء وكل خلق كريم، ومن تحظير

صفحة رقم 27

للفواحش والآثام والمنكرات ما ظهر منها وما بطن، وما صغر منها وما عظم.
وصفه الله فيه بأنه يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بعظيم الأجر وأن فيه لهم الشفاء والرحمة والهدى، ووصفه نبيهم بهذا الوصف الشامل الرائع المأثور عن طريق علي بن أبي طالب والمثبت في كثير من كتب الأئمة والثقات: «فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره تأصله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم». فهم من أجل هذا مكلفون بالاشتغال به دينيا فهما وتدبرا وتفسيرا واستنباطا واستلهاما واستيحاء.
- ٢- القرآن وشخصية النبي:
وشخصية السيد الرسول عليه السلام الذي أنزل عليه القرآن هي الشخصية الوحيدة التي ليست محل شكّ وريب من الوجهة التاريخية وعند مختلف الملل والنحل والأقوام من بين شخصيات الأنبياء، وفي صدد حادث «نبوة النبي» المتصل بسرّ وحي الله وسرّ الوجود وواجب الوجود والذي تواترت الأخبار عن تكرره في مختلف عصور التاريخ السالفة.
والقرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي ليس محل شك وريب من بين الكتب السماوية المتداولة في كونه متصلا بالنبي، وفي صدوره عنه بحروفه وألفاظه وسوره بوحي من الله، وقد تكرر فيه تقرير بشرية النبي صلّى الله عليه وسلّم وكونه في طبيعته البشرية كسائر البشر وكون قصارى مهمته دعوة الناس إلى الله وحده، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، والحثّ على مكارم الأخلاق، والتحذير من الشر والأذى والفواحش، وتبشير المستجيبين بالخير والنجاة وإنذار المعرضين

صفحة رقم 28

بالويل والخسران كما ترى في الآيات التالية التي هي فيض من غيض في هذا الباب:
١- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الأنعام: [١٩].
٢- وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ الأنعام: [٤٨- ٤٩].
٣- قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ الأنعام: [٥٠].
٤- الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إبراهيم: [١].
٥- قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً الكهف: [١١٠].
وقد تكرر فيه تقرير كونه أعظم مظهر لنبوة النبي وأقوى آياتها ودلائلها كما ترى في نصّ الآيات التالية:
١- وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الأنعام: [١٥٥- ١٥٧].

صفحة رقم 29

٢- وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأعراف:
[٥٢].
٣- وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الحجر: [٨٧].
٤- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ العنكبوت: [٥٠- ٥١].
وقد تكرر فيه توكيد اتصاله بوحي الله وصدوره عنه وعجز الناس عن الإتيان بمثله معلنا ذلك على ملأ من خصومه الألداء وجاحديه الأشداء كما ترى في الأمثلة التالية بالإضافة إلى الآيات السابقة:
١- وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ البقرة: [٢٣- ٢٤].
٢- أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النساء: [٨٢].
٣- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً النساء: [١٦٦].
٤- قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً الإسراء: [٨٨].
٥- وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء: [١٩٢- ١٩٥].
وبالإضافة إلى هذا فقد احتوى آيات كثيرة فيها إعلان بإشهاد الله على صحة

صفحة رقم 30

هذه التوكيدات والتقريرات وتعظيم لجرم الافتراء على الله كما ترى في الآيات التالية:
١- وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ الأنعام:
[٩٢- ٩٣].
٢- وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) النحل: [١٠١- ١٠٥].
٣- أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ الشورى: [٢٤].
٤- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الأحقاف: [٨].
٥- تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الحاقة:
[٤٣- ٤٨].
ففي أسلوب هذه الآيات وأمثالها الكثيرة ما يبعث في نفس كل منصف حسن

صفحة رقم 31

النية مهما كانت نحلته وملته أقوى معاني اليقين بصدقها، ويزيل منها أي معنى من معاني الشك والارتياب في عمق إيمان الرسول عليه السلام بصحتها، وفي استغراقه فيها استغراقا تاما لا يمكن أن ينبعث إلا من أقوى الإيمان واليقين والصدق الصميم.
- ٣- الدعوة القرآنية:
واحتوى دعوة الناس كافة إلى عبادة الله وحده، وعدم الخضوع لأي قوة من قوى الكون غيره وتنزيهه عن كل نقص وشائبة، وإلى جماع مكارم الأخلاق والفضائل، وأسباب سعادة الدارين والتصديق بنبوة أنبياء الله والكتب المنزلة عليهم وتقرير اتحاد المتبع والوجهة بين ما دعا إليه ودعوا إليه من غير تفريق بينهم، وتقرير كون هذه الدعوة التي احتواها هي الدين الحق الذي ارتضاه الله للناس جميعا منذ بعث الله رسوله محمدا عليه السلام بالهدى ودين الحق الذي فيه إظهاره على الدين كله، يقيم البشر في ظله دعائم مجتمعهم، ويسيرون في مختلف شؤونهم وفق تعاليمه ومبادئه وتلقيناته القائمة على أسس الحق والعدل والمساواة والإحسان والتعاون، ورفع الإصر والأغلال، وحل الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والمنكرات، وتوطيد السلم العام بين الناس كافة إخوانا متحابين، لا يظلم بعضهم بعضا، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا تنبذ فيه طائفة، ولا تحرم فيه فئة ولا تتعالى فيه طبقة على طبقة، مع إيجاب التناصر على الباغي حتى يفيء إلى حكم الله والحق، ومع الدعوة إلى التمرد على كل ضارّ والإقبال على كل صالح بقطع النظر عن قدمه وجدته، ومع تقرير كون الله إنما يريد للناس اليسر ولا يريد بهم العسر ولم يجعل عليهم في الدين حرجا، وبأسلوب قضي له بالخلود من حيث البرهنة على صدق الدعوة وأهدافها بتوجيه الخطاب للعقول والقلوب، وإدارته حسب أفهام الناس ومداركهم في هذا النطاق ودون أن تجعل المعجزة الخارقة دعامة أساسية في ذلك لأن مثل هذه الدعوة في غنى عن المعجزة

صفحة رقم 32

لإثبات حقها وصدقها، ثم من حيث سعة الأفق والشمول والمميزات التي لم تسبق ولم يلحق بها في شتى مناحي التشريع والتلقين، والتوجيه إلى أفضل المثل وأقوم الطرق مع الاتساق التام وحقائق الأمور وطبائع الأشياء والتمشي مع كل ظرف ومكان والاستجابة إلى كل شأن من شؤون الناس وحاجاتهم الروحية والمادية والعامة والخاصة، وحسب اختلافهم وتفاوتهم في العقل والسعة والثقافة والأفق.
واحتوى كذلك حلولا للمشاكل المعقدة التي كانت تجعل الناس شيعا وأحزابا، وفرقا وأضدادا، وإهابة بالغلاة والمفرطين للارعواء عن غلوهم وإفراطهم، وإرشادا للحائرين والمترددين للانتهاء من حيرتهم وترددهم بأسلوب وجّه فيه الخطاب إلى العقول والقلوب معا فيه كل القوة وكل النفوذ وكل الإقناع لمن لم تخبث طويته، ويجعل إلهه هواه، ويتعمد العناد والمكابرة والاستكبار عن قصد وتصميم، ثم احتوى تنظيما للمناسبات بين مختلف فئات الناس وخاصة بين المستجيبين للدعوة- المسلمين- وغيرهم على أساس المسالمة والحرية والحق والعدل والتزام حدود ذلك بالتقابل، وكفّ الأذى وعدم الصد والتعطيل والدّس، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن إلا الظالمين الذين يصدون عن سبل الله ويبغونها عوجا، ومقابلة العدوان بمثله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله «١».

(١). ١- اقرأ مثلا الآيات التالية في صدد تقرير كون الدعوة في غنى عن الخوارق: الأنعام [٤- ٢٠ و ١٠٩- ١١٧]، ويونس [١٥- ٣٦]، والرعد [٧- ٣٢]، والإسراء [٨٩- ١٠٠]، والأنبياء [٢- ١٠]، والفرقان [١- ١٠]، والعنكبوت [٤٥- ٥٢].
٢- اقرأ مثلا الآيات التالية في صدد أهداف الدعوة ومبادئها ووحدتها من دعوة النبيّين وحل المشاكل وتنظيم المناسبات: البقرة [٨٣- ٩٠ و ١٠١ و ١٣٦- ١٣٩ و ١٧٧ و ٢١٣ و ٢٦١- ٢٨٦]، وآل عمران [٣٤- ٦٤ و ١٠٤ و ١١٠ و ١٨٩- ١٩٩ و ١٥٠- ١٦٦، والنساء [١- ٣٨ و ٩٠- ١٣٥ و ١٦٣- ١٧٩]، والمائدة [١- ٥ و ٤٤- ٥٠ و ٥٩- ٨٦]، والأنعام [١٤٧- ١٥٣]، والأعراف [٢٩- ١٣٣ و ١٥٦- ١٥٨]، والنحل [٩٠- ٩٧ و ١٢٥- ١٢٨]، والإسراء [٢٢- ٣٩]، ومريم [١٦- ٣٧]، والمؤمنون [١- ١٠]، والفرقان [٦٣- ٧٦]، والعنكبوت [٤٥- ٤٩]، والشورى [١٣- ١٥ و ٣٦- ٤٣]، والممتحنة [١- ١٢]، والحشر [٧- ١٠]، والحجرات [١- ١٨]، فإن الكتاب يضيق عن استيعابها لكثرتها.
الجزء الأول من التفسير الحديث ٣

صفحة رقم 33

- ٤- أسلوب القرآن:
وقد جاء في نظمه وسوره وآياته وقصصه وعظاته وتلقيناته وأمثاله وخطابه وحججه وجداله أسلوبا رائعا متميزا في ذلك كله بخصوصيات جعلته فذا بالنسبة لأسلوب الكتب السماوية السابقة، وبالنسبة لما هو مألوف من أساليب النظم والسبك والخطاب، ذا طابع خاص خالد مما لا يصح أن يقاس عليه أنواع الكلام وأساليب الكتب والتأليف ومما يصح أن يعد أسلوبا خاصا فيقال إن اللغة العربية نظم ونثر وقرآن كما قاله كبير من أدباء العربية الحديثين بقطع النظر عن الباعث عنده على هذا القول، ومما يصح أن يكون معينا لا ينضب في فنون النظم والسبك وسمو الطبقة.
٥- القرآن والبيئة والسيرة النبوية:
وعلى اعتباره أصدق مدونة دونت في عهد النبي، بل وأوحد مدونة من عهد النبي احتفظت بصورتها الأصلية دون تحوير وتعديل فقد جاء بما احتواه من معان وأساليب واصطلاحات ومفردات وتشبيهات واستعارات وفنون خطاب ولغة دليلا قويا رائعا على ما وصل إليه العرب الذين نزل بلسانهم في عهد نزوله من الدرجة الرفيعة في سلّم الفصاحة خاصة وما كانوا عليه من حضارة مادية وعقلية وثقافية بصورة عامة خلافا لما حلا لبعضهم أن يرويه ويقوله على ما ذكرناه في كتابنا «عصر النبي» «١» وعلى ما نبهنا عليه في مناسبات كثيرة من التفسير.
واحتوى بالإضافة إلى ذلك أولا أصدق الصور وأوثقها لبيئة النبي وعصره من النواحي الاقتصادية والمعاشية والجغرافية، وعمّا كان عليه أهلها من تقاليد وظروف وعادات دينية واجتماعية وأخلاقية وعقلية وثقافية واقتصادية اتصلت

(١) صدر عام ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م.

صفحة رقم 34

بظروف البعثة والسيرة النبوية وتطوراتهما أوثق اتصال، وثانيا أصدق الصور وأوثقها للسيرة النبوية الشريفة في عهديهما المكي والمدني، وسواء في ذلك ما كان روحاني المظهر من حيث الصلة بالله ووحيه وتلقينه وتوجيهه ومدده وتأييده وتعليمه وتأديبه وتثبيته، أو ما كان متصلا بالناس من حيث مواقفهم من النبي عليه السلام ودعوته مسلمين وكتابين ومشركين، ومن حيث تأثرهم بهذه السيرة وهم شهود العيان لحادث «نبوة النبي» في شخص محمد عليه السلام، ثم من حيث موقف النبي من الناس ومن حيث تطور موقفهم منه وموقفه منهم بتطور الدعوة واتساع نطاقها.
فالقرآن من أجل ذلك كله كان وسيظل موضوع نظر وتدبر واستلهام واستنباط لدى الناس على مختلف الملل والنحل والأجناس بطبيعة الحال.
ونريد أن نستدرك بأننا لا نعني أن القرآن قد احتوى جميع صور السيرة النبوية والبيئة النبوية وأحداثها، أو أن ما احتواه منها قد جاء قصدا لها بالذات. فهناك من دون ريب أحداث وصور كثيرة من البيئة والسيرة النبوية لم ترد في القرآن، كما أن ما جاء منها فيه إنما جاء في الحقيقة عرضا وبسبيل الدعوة والموعظة والتذكير والتشريع والأمر والنهي مما اقتضته الحكمة ليكون مصدر إلهام وإيحاء وتوجيه، ومرجع تشريع وتلقين للمسلمين في جميع العصور، ولكن الذي نعنيه أن في القرآن من هذه الصور شيئا كثيرا منه ما جاء بصراحة ووضوح ومنه ما جاء إشارة وتلميحا.
- ٦- الوحي الرباني والوحي القرآني:
وصلة النبي عليه السلام بالوحي الرباني التي كان القرآن مظهرها الرئيسي وإن كانت وظلت في حقيقة كنهها سرا على غيره، لأنها متصلة بسرّ النبوة فإن القرآن احتوى آيات عديدة قد تساعد بعض الشيء على فهم مظاهرها ومداها بقدر ما تسمح به اللغة البشرية وتتسع له أفهام البشر الذين يتخاطبون بها.

صفحة رقم 35

منها ما جاء في سورة التكوير:
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦).
حيث ترد الآيات كما هو واضح على نسبة الجنون وصلة الشيطان بالنبي التي نسبها الكفار إليه حينما أخذ يخبر بحادث رؤياه ملك الله وخطابه له، وسماعه منه أولى آيات القرآن. ولعل هذه الآيات أقدم آيات واردة في الموضوع بهذه الصراحة والصميمية النافذة.
ومنها ما جاء في سورة النجم:
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢).
وهي كسابقتها مضمونا وتوكيدا بصدق تقرير النبي صلى الله عليه وسلّم عن صلته بالله أو ملك الله، ونزول وحي الله عليه. والآيتان الأخيرتان تشيران إلى أن رؤية النبي لملك الله كانت بعين بصيرته وفؤاده، وتتضمنان حجة قوية على انسداد مجال المماراة في هذه الرؤية الخاصة التي ليست قدرا مشتركا بين الناس. ولعل ما يصح التمثيل به- ولله ووحيه ونبيه المثل الأعلى- على سبيل التقريب لمفهوم الآيات ما يخطر ببال الإنسان من خواطر أو ما يراه الرائي في المنام، فهذه وتلك إحساسات أو رؤى خاصة ليست قدرا مشتركا بين الرائي أو الهاجس وغيره حتى تصح فيها المماراة والتكذيب كما تصح في تقرير رواية مشهد من مشاهد الكون كالشمس والقمر والشجر وغيرها. فإذا قال أحد إنه يرى القمر ولم يكن بازغا أو يرى شجرا ولم يكن هناك شجر فالمماراة واردة وصحيحة.

صفحة رقم 36

ومنها ما جاء في سورة الشعراء:
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥).
والسياق الذي جاء بعدها يلهم أنها هي الأخرى بسبيل الرد على نسبة الكفار صلة النبي إلى الشيطان دون الملائكة والتوكيد بأن القرآن وحي رباني حيث جاء بعد قليل:
١- وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١).
٢- هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣).
وفي الآيات الأولى ١٩٢- ١٩٥ إشارة إلى كيفية صلة وحي الله القرآني بالنبي وهي نزوله به على قلبه مما يتسق مع تقرير آيات النجم الأخيرة.
ومنها ما جاء في سورة النحل:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩).
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢).
وهي مثل سابقاتها تؤكد صلة النبي بالله ووحيه القرآني وتنفي صلة الشيطان المزعومة من الكفار من جهة وتنطوي على كيفية مقاربة لما جاء في الآيات السابقة من جهة أخرى.
ومنها ما جاء في سورة البقرة:
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ

صفحة رقم 37

يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧).
وقد جاءت الآية في سياق التنديد باليهود ومواقفهم وإعلانهم العداء لجبريل عليه السلام، وانطوت على كيفية مماثلة للكيفية التي احتوتها آيات الشعراء مع صراحة اسم ملك الله الذي كان اسمه معروفا في معرض الوحي الرباني عند اليهود والنصارى والذي ذكر اسمه في أحد الأناجيل في معرض بشارة مريم وحملها بالسيد المسيح عليه السلام.
وفي سورة الشورى آيات فيها بيان كيفيات اتصال الوحي الرباني بالبشر وبالنبي عليه السلام:
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١).
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢).
ومع أن الوحي الرباني اصطلاحا هو ملك الله الذي يتصل بالنبي فإن الآية الثانية تلهم أنه أريد به المعنى اللغوي وهو القذف بالقلب والروع على ما فسّره العلماء مما هو متسق مع مضمون الآية الأولى التي احتوت إشارة إلى طريقتين أخريين كما هو ظاهر.
ومنها آيات في سورة القيامة:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩).
وآية في سورة طه مقاربة لهذا المعنى:
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤).

صفحة رقم 38

وآيات القيامة خاصة احتوت نهيا صريحا للنبي عن حركة آنية كانت تبدو منه حينما كان ينزل عليه الوحي القرآني وفيها صورة عظيمة المدى لصلة الشعور النبوي بالوحي الرباني، حيث كان النبي يردد ما كان يوحى إليه بلسانه مماشاة لإلقاء الوحي القرآني في آن نزوله عليه حرصا منه على أن لا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى مما كان يوحى إليه به.
وفي سورتي النحل وغافر آيتان وإن كانتا ليستا في صدد صلة النبي محمد عليه السلام بالوحي خاصة وشخصية فإنهما في صدد معنى ومدى صلة الله ووحيه بمن يختاره لرسالته من عباده:
١- يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ النحل [٢].
٢- يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ غافر [١٥].
والآية الثانية قد تلهم أن الروح فيها لا تعني جبريل الذي فسرت به الكلمة في أكثر ما ورد في صدد الوحي الربّاني وإنما قد تعني تجليا ربانيا يتصل بالشخص المختار. أما الآية الأولى فإنها تلهم أن هذا التجلي يحدث بمرافقة الملائكة وإطلاقا. وفي سورة فاطر آية تؤيد هذا الإطلاق والشمول:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١).
ولقد وردت في صدد صلة النبي بوحي الله أحاديث عديدة توضح أحيانا بعض ما احتوته الآيات من صور وتتسق أحيانا معها. منها حديث البخاري المشهور عن عائشة رضي الله عنها في كيفية بدء الوحي:
«أول ما بدأ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزح إلى أهله ويتزود إلى

صفحة رقم 39

ذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحقّ وهو في غار حراء.
فجاءه الملك فقال اقرأ. قال ما أنا بقارئ. قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربّك الأكرم. فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرجف فؤاده فدخل على خديجة وأخبرها الخبر. لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك أبدا. إنك لتصل الرّحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عم خديجة. وكان امرأ قد تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع ابن أخيك. فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى. فأخبره رسول الله خبر ما رآه. فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل الله على سيدنا موسى ويا ليتني فيها جذع. ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو مخرجيّ هم قال نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلّا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا».
ومنها حديث رواه الطبري عن ابن الزبير:
«قال رسول الله فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ. فغطّني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ.
وما أقول ذلك إلا افتداء من أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي. قال اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله علّم الإنسان ما لم يعلم. قال فقرأته ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابا. قال ولم يكن من خلق الله أبغض عليّ من شاعر أو مجنون. كنت لا أطيق أن أنظر إليهما. قال قلت إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون. لا تحدّث بها عني قريش أبدا. لأعمدنّ إلى حالق من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحنّ. قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت

صفحة رقم 40

في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي».
ومنها أحاديث أخرى وردت في البخاري أيضا:
١- عن عائشة رضي الله عنها أن الحرث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فينفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته يتنزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا.
٢- أخبر صفوان بن يعلى أن يعلى كان يقول ليتني أرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين ينزل عليه. قال فبينا النبي كان بالجعرانة وعليه ثوب قد أظلّ معه فيه أناسا من الصحابة إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمّخ بالطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالطيب فأشار عمر إلى يعلى بيده أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرّي عنه فقال أين الذي يسألني عن العمرة آنفا. فالتمس الرجل فأتي به فقال أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك.
٣- أخبر زيد بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أملى عليه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٩٥] فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها قال يا رسول الله والله لو استطعت الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترضّ فخذي ثم

صفحة رقم 41

سري عنه فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
٤- عن عائشة قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام قالت وعليه السلام ورحمة الله قالت وهو يرى ما لا نرى.
ففي بعض النصوص القرآنية صراحة بنزول وحي الله بالقرآن على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي بعضها ما يمكن أن يلهم أن الوحي تجلّ روحاني رباني ينزل على من يختاره الله من عباده لرسالته تارة مترافقا مع الملائكة وبتخصيص مع جبريل وتارة بدون ذلك، وفي بعضها إشارة إلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يرى الملك الرباني بعين بصيرته وكان يسمع كلامه ويتلقى عنه أيضا. والأحاديث الواردة تفيد تارة نزول الوحي على قلب النبي، وتارة رؤية النبي لملك الله وسماعه كلامه وتلقيه عنه كذلك.
وهذه وتلك وآثار عديدة أخرى تفيد أن الوحي كان ينزل على النبي وهو بين الناس أو هو في بيته فلا يشعر به غيره، وكل ما يكون من مظهره أن يأخذه الجهد ويطرأ عليه شيء من الانفعال الروحاني ويتصبب عرقا ثم ينفصم عنه وقد وعى ما نزل عليه فيبادر إلى إبلاغه وإملائه في مجلسه الذي يكون فيه، ويستأنف ما كان فيه من عمل أو حديث، وتفيد كذلك أن النبي كان يشعر بأن الوحي الرباني الذي نزل عليه بمختلف الطرق هو شيء منفصل عن ذاتيته، ولا تصح المماراة في ذلك لأنه المخبر الصادق بأمر لا يستطيع غيره أن يشعر به.
هذا ولقد أثر عن النبي النهي عن تدوين شيء غير القرآن عنه كما تواترت الأخبار بأنه كان يأمر أحد كتابه بتدوين ما كان ينزل عليه من الوحي القرآني فورا.
فهذا وذاك متصلان بشعوره الخاص بالفرق بين ما كان ينزل عليه من وحي قرآني وبين كلامه العادي أو ما يجول في نفسه من أفكار وخواطر أو ما يلهمه من الله إلهاما أو يوحى إليه إيحاء من غير القرآن وبالحرص على عدم الخلط بينهما.
ومما يتصل بهذا الإلهامات أو الإيحاءات الربانية للنبي في صدد أعمال وتشريعات عديدة. فغزوة بدر مثلا أقدم عليها النبي نتيجة لهذه الإلهامات، وسورة الأنفال إنما نزلت بعد وقوعها.

صفحة رقم 42

وفي هذه السورة آيات تحتوي، إشارات إلى وقوع تلك الإلهامات قبل الخروج إحداها في صدد القافلة وهي وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الأنفال: ٧] واثنتان منها في صدد المعركة وهما إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ... [الأنفال: ٩- ١٠] ومع ذلك فإن النبي لم يبلغ هذه الإلهامات على أنها وحي قرآني قبل الخروج أو قبل المعركة، ولكنه سار سير المسلمين إلى الهدف بها، ولم يبلغ الآيات نصا على أنها كذلك. إلا بعد الواقعة وحينما أوحيت إليه مع فصول أخرى من سورة الأنفال على أنها كذلك. ومن هذا رحلة الحديبية وما كان من النبي فيها ورحلة خيبر وتشريع الفيء والخمس والزكاة وصلاة الجمعة وكيفيات وأوقات الصلوات الخمس والوضوء والتنكيل ببني النضير وبني قريظة وغيره وغيره مما يصعب حصره لكثرته حيث كان ذلك بالإيحاء والإلهام الرباني فلم يبلغ النبي ذلك كوحي قرآني وإنما سار وسيّر المسلمين عليه بقوته ولعلّه بكفه للمسلمين على أنه إلهام أو إيحاء مطلق ولم يبلغ ما جاء في القرآن في هذا الشأن بعد السير والتسيير والعمل إلا حينما أوحي إليه على أنه وحي قرآني.
ومما يزيد هذا وضوحا ما يروى عن النبي من الأحاديث المعروفة بالأحاديث القدسية والتي تحتوي كلاما ربانيا.
فليس من أحد يمكن أن يفهم منطقيا بين هذه الأحاديث وبين ما يوحى إلى النبي قرآنا.
ومحتوياتها مما يتصل بمحتويات القرآن وعظا أو إنذارا أو تبشيرا أو إخبارا أو قصصا.
ومع ذلك فقد فرق بينها وبين القرآن ولم يأمر النبي بتدوينها قرآنا. ومما لا ريب فيه أن هذا التفريق يتصل بالصفة القرآنية التي كان يدركها النبي لما يوحى إليه به قرآنا.

صفحة رقم 43

ولعلّ في آيات سورة يونس هذه:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦).
دليلا قويا على ما نقرره من ذلك الشعور. كما أن فيها برهانا على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما كان يفكر في أي شيء من دعوة الناس والاستعداد لها وكل ما كان من أمره أنه كان مستغرقا في الله وآلائه وعظمته حتى صار مظهر رسالة الله والله أعلم حيث يجعل رسالته فأمر بها فصدع بما أمر.
ومما يجدر التنبيه عليه:
أولا- إن في القرآن آيات عديدة تبدو أنها جاءت على لسان النبي أو على لسان الملائكة مباشرة أي غير مسبوقة بأمر القول ولا معطوفة على آيات فيها ذلك.
مثل:
١- الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هود: [١- ٤].
٢- وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم: [٦٤].
٣- وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ الصافات: [١٦٤- ١٦٦].
٤- فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ

صفحة رقم 44

مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
الذاريات: [٥٠- ٥١].
وثانيا- إن فيه آيات أخرى احتوت تنبيها على حركة شخصيّة وفورية من النبي عليه السلام وليست متصلة بما سبقها أو بما لحقها من الآيات سياقا وموضوعا وهي آيات سورة طه [١١١] والقيامة [١٦- ١٩] التي نقلناها قبل قليل.
ومع أن المفسرين قالوا في صدد الآيات المذكورة في الفقرة الأولى وأمثالها إن هناك تقديرا وهو أن الله أمر النبي بأن يقول ما قال، وأن الله بلغ النبي ما قاله الملائكة، وأن الآيات على هذا التقدير هي من الوحي الربّاني القرآني فإن في هذه الآيات وتلك ما يسبغ على المعنى الذي نقرّره وضوحا على ما هو المتبادر حيث بلغت قرآنا مع ما جاءت عليه من صيغة وأسلوب.
وعلى كل حال فالنصوص والآثار تسوغ القول إن صلة الوحي الرباني بالنبي هي صلة روحية خاصة به، كان يشعر بها بالقوة التي اختصه الله بها دون أن يكون بإمكان غيره إدراكها، غير أن أثرها قائم قياما حاسما لا سبيل إلى المماراة فيه، وإن من الممكن أن يدرك بعض كيفياتها وصورها من الآيات والأحاديث والإيضاحات التي أوردناها آنفا.
وروحانية صلة النبي عليه السلام بالوحي الرباني وخصوصية ذلك بإدراك النبي عليه السلام قد تبدوان واضحتين أيضا بما كان من تحدي الكفار للنبي باستنزال الملائكة مما حكته آيات مكية عديدة مثل هذه:
١- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الأنعام: [٨].
٢- فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ هود: [١٢].
٣- وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ الحجر:
[٦- ٨].

صفحة رقم 45

٤- وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً الفرقان: [٧].
وجلّ هذه الآيات نزل في سياق الحجاج في صحة اتصال النبي بالوحي الرباني. فلو شاءت حكمة الله أن تكون صلة النبي هذه مادية يمكن أن يدركها غير النبي لكان الملك تراءى للكفار أو غيرهم في معرض الإفحام والإلزام أو التأييد.
هذا، وننبّه على أن لعلماء القرآن ومفسريه من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم ومن بعدهم أقوالا كثيرة في كيفية نزول القرآن ووحيه من الناحية الشكلية والعملية مثل كيفية تلقي الملك القرآن عن الله، ومثل نقله القرآن عن اللوح المحفوظ، ومثل إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا وإنزاله منها منجما، ومثل كيفية تلقي النبي صلّى الله عليه وسلّم القرآن عن الملك وتحوله روحيا ليكون متناسبا مع الروح الملكية وقادرا على التلقي من الملك إلخ لم نر ضرورة إلى التطرق إليها في هذا المقام، لأنها يبدو عليها آثار التكلف والتجوز التي تؤدي إلى عدم الاطمئنان، ولا سيما إن فيها تطرقا لا يشفي غليلا ولا طائل من ورائه إلى السرّ الذي ظل على الرغم من ذلك كله محجوبا عن سائر الناس. على أننا سنعود إلى طرق هذا الموضوع وما يتصل به في مقام أكثر مناسبة من هذا المقام.
شهود العيان لأعلام النبوة:
وإذا كانت صلة الوحي الرباني بالنبي على الوجه المشروح حقيقة لا يصح إيمان المسلم إلا بالإيمان بها فإن أي شخص منصف حسن النية مهما كانت عقيدته لا يسعه إذا ما تمعن بالآيات والأحاديث، إلا التصديق بصدق الشعور النبوي بها وبكون النبي إنما يصدر عن أمر راهن مهما ظل سرا ربانيا ونبويا فإنه لا يمكن المماراة فيه. على أن في شهود العيان دعامة حقيقة حاسمة في ما نعتقد أيضا.
فقد شهد حادث نبوة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم آلاف الناس منهم العرب ومنهم غير العرب، ومنهم المشركون ومنهم الوثنيون ومنهم الكتابيون، ومنهم المستقرون من هؤلاء

صفحة رقم 46

في مكة والمدينة ومنهم الوافدون خصيصا على هاتين المدينتين للاستعلام والاطلاع على النبأ العظيم الذي بلغهم. ولقد آمن بنبوة النبي في بدء الأمر مئات منهم في مكة طوعا وشوقا ممن طابت أنفسهم وحسنت نياتهم وأنار الحق قلوبهم في وسط المعارضة الشديدة التي تولى كبرها زعماء أشداء ألداء لأسباب عديدة ذكرها القرآن، وكان بين المؤمنين تلك الطبقة النيرة القوية في عقولها وشخصياتها وأروماتها والتي لمع أفرادها لمعانا باهرا فيه الدلالة على هذه المزايا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وطلحة والزبير وأبي عبيدة وغيرهم وغيرهم رضوان الله عليهم، ثم كان بينهم كثير من أهل الكتاب بل وعلمائهم مستقرين ووافدين ممن طابت طوياتهم وحسنت نياتهم وتجردوا من الهوى والغرض وأنفوا من المكابرة والعناد ولم يبالوا بما كان من قوة الزعماء الأعداء وتحرشهم وأذاهم على ما احتوته الآيات القرآنية المكية كما ترى في هذه الأمثلة:
١- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الأعراف: [١٥٧].
٢- أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يونس: [٦٢- ٦٣].
٣- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الرعد: [٣٦].
٤- لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الرعد: [١٨- ١٩].

صفحة رقم 47

٥- وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ النحل: [٤١- ٤٢].
٦- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً الإسراء: [١٠٧- ١٠٩].
١٠٧- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «١» القصص: [٥٢- ٥٥].
ثم آمن بها الرعيل الأول من أهل يثرب وكان من شأنهم ما كان من نصر وتأييد وتفان في دين الله ونبيه وآمن منهم فريق من علماء اليهود وسط معارضة شديدة قادها بعض زعماء العرب مع زعماء اليهود لأسباب عديدة وصفها القرآن وصفا مسهبا وهي متصلة أيضا بنفس أسباب معارضة زعماء مكة وآمن معهم وفود من علماء النصارى وفدوا على النبي في المدينة مستطلعين مستعلمين أيضا على ما احتوته الآيات القرآنية المدنية كما ترى في الأمثلة التالية:
١- لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ... آل عمران: [١١٣- ١١٤].

(١) هناك آيات كثيرة أخرى فيها وصف رائع لتقوى وورع وعبادة وخشية المؤمنين السابقين تدل على عمق الإيمان والاستغراق فيه في العهد المكي مثل الآيات التالية: الرعد: [٢٠- ٢٢]، والفرقان [٦٣- ٧٦]، والمؤمنون: [١- ٨]، والذاريات: [١٥- ١٩]، والمعارج:
[٢٢- ٣٥]، والإنسان [٥- ٢٢].

صفحة رقم 48

٢- وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ آل عمران: [١٩٩].
٣- لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً النساء: [١٦٢].
٤- لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ المائدة: [٨٢- ٨٣].
٥- وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «١»... التوبة: [١٠٠].
فالرعيل الأول من المؤمنين العرب المشركين سابقا في مكة والمدينة الذين آمنوا رغبة وطوعا واستهانوا بكل شيء في سبيل إيمانهم، والكتابيون في مكة الذين آمنوا رغبة وطوعا مع أنهم كانوا أكثر تعرضا للأذى- وهذا وذاك في ظروف ضعف النبي المادي- وعلماء اليهود الذين آمنوا رغبة وطوعا واستهانوا بكل شيء في سبيل إيمانهم ولم يبالوا بعداء قومهم، وعلماء النصارى الذين جاؤوا مستطلعين فآمنوا

(١) هناك آيات كثيرة أخرى تصف شدة إيمان المؤمنين الصادقين في العهد المدني واستغراقهم في نصرة الله ودينه ونبيه مثل البقرة: [١- ٥ و ١٥٥- ٢٠٧]، وآل عمران: [١٥- ١٧ و ١٣٣- ١٣٦، و ١٩٠- ١٩٥]، والمائدة: [٤٥- ٥٦]، والتوبة: [٧١]، والأحزاب: [٢٣ و ٣٥]، والفتح: [٢٩]، والحديد: [١٨- ١٩]، والمزمل: [٢٠] وهي مكية، والحشر [٨- ١٠]. [.....]
الجزء الأول من التفسير الحديث ٤

صفحة رقم 49

كذلك بالصفة الرائعة التي ذكرتها آيات المائدة [٨١- ٨٦] ما كانوا ليؤمنوا لو لم يشهدوا من أعلام النبوة وصدق الدعوة النبوية وصلة النبي بالله ووحيه ما لا يسع الطيب النفس المتجرد عن الغرض إلا ذلك.
- ٧- أثر القرآن الروحي وبلاغته النظمية:
وهنا محل لاستطراد وتنبيه، فقد ذهب بعض الباحثين «١» استنتاجا مما ذكره علماء المسلمين عن بلاغة اللغة القرآنية إلى أن هذه البلاغة كانت هي المؤثر الأول في إيمان الذين آمنوا في نجاح الدعوة النبوية. ومع كون اللغة القرآنية في الذروة العليا من البلاغة ليس محل شك فإن في هذا الحصر شيئا من الخطأ في ما نعتقد، إذ يجب أن يضاف إلى ذلك روحانية القرآن وقوة نفوذه، بل إن هذه وتلك يجب أن تكونا مقدمتين.
والحق إنهما كانتا المؤثرتين في الدرجة الأولى بالإضافة إل روحانية الدعوة النبوية وصدق لهجتها وشواهد أعلامها. ويبدو هذا واضحا في كون فريق الرعيل الأول من المؤمنين في مكة قد آمن في وقت مبكر جدا، وقبل أن يكون نزل من القرآن جملة كبيرة، فلا يصح أن يشك في أن إيمانهم إنما كان بما نفذ إلى أعماقهم من روحانية الدعوة النبوية وصدق لهجتها وبما شاهدوه من أعلام النبوة في الدرجة الأولى.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الوصف الذي به وصف أثر القرآن في الذين أوتوا العلم في آيات سورتي الإسراء [١٠٧- ١٠٩] والقصص [٥٢- ٥٣] المكيتين لا يصح أن يكون وصف أثر فصاحة القرآن وبلاغته اللغوية فقط بل ولا يصح أن يشك في أنه وصف أثر روحانية القرآن وقوة نفوذه بالإضافة إلى روحانية الدعوة النبوية وشواهد أعلامها الصادقة في الدرجة الأولى ولا سيما إن

(١) فيليب حتي وآخرون من المستشرقين.

صفحة رقم 50

المذكورين في الآيات كتابيون ويحتمل أن لا يكونوا عربا أو ممن يجيدون العربية ويتذوقون بلاغتها بقوة وإلى أمثالهم على الأرجح نسب الكفار تعليم النبي كما جاء في آية النحل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣). حيث تقرر صراحة عجمة لسان بعض أهل العلم والكتابيين الذين كانوا في مكة. وهذا الذي نقوله في صدد المؤمنين السابقين من العرب والكتابيين في مكة ينسحب على من آمن بعدهم في مكة ثم في المدينة من الفريقين أيضا. والآيات التي نقلناها قبل قليل وخاصة آيات المائدة بالنسبة لعلماء النصارى تحتوي برهانا حاسما في هذا الشأن.
وهناك ملاحظات مهمة في هذا الصدد تدعم ما نحن بسبيل تقريره، وهي أن الذين آمنوا في العهد المكي كانوا بضع مئات في حين بقيت الأكثرية العظمى من أهل مكة ثم سائر أهل المدن والبوادي العربية متصامّة عن الدعوة النبوية بل ومناوئة لها طيلة هذا العهد، والنبي يتلو القرآن على كل من يلقاه من هؤلاء وأولئك في المواسم وغيرها، وظل الأمر كذلك مع أن ثلثي القرآن قد نزلا في هذا العهد وأن الأسلوب القرآني المكي هو أقوى وأنفذ من حيث النظم والإنذار والتبشير والترغيب والترهيب والحجاج والإفحام والإلزام، وليس ما يصح قوله في حال إن الذين آمنوا هم فقط الذين تذوقوا بلاغة القرآن وتأثروا بها فغالب الزعماء والنبهاء والشعراء وذوي الشأن كانوا في صفوف الكفار ولقد ذكرت روايات السيرة «١» ما كان للقرآن من تأثير في بعض زعماء الكفار ونبهائهم في مكة، وما كان منهم من اعتراف بسمو طبقته وبلاغته وحلاوته وقوة نفوذه، ومع ذلك فقد ظلوا مناوئين للدعوة إلى النهاية استكبارا وعنادا وأنفة وعصبية وخوفا على مراكزهم وزعامتهم إلى الفتح المكي أو بعبارة أخرى إلى أن هلك بعضهم وضعف شأن من بقي منهم وأمكن الله منهم.

(١) ابن هشام ج ١ ص ٢٤٧- ٢٤٨ و ٢٦٦ و ٢٧١- ٢٧٢ و ٢٨٥- ٢٨٦.

صفحة رقم 51

- ٨- أثر الدعوة القرآنية في نجاح الفتوحات الإسلامية:
والمناسبة تجرنا إلى استطراد وتنبيه آخر مهما كان موضوعه أمس بالتاريخ فإن له مساسا أيضا بالبحث الذي استطردنا إليه. فقد حلا لبعض المستشرقين والباحثين «١»
أن يقولوا إن ما تم من انتصار الجيوش الإسلامية في بلاد الشام ومصر والعراق إنما كان انتصارا للعروبة لا «للمحمدية» - الدعوة الإسلامية- أو إن العامل الاقتصادي في بلاد العرب والعامل السياسي في امبراطوريتي الفرس والرومان هما أبرز عوامله وإن الذين أسلموا من أهل هذه البلاد إنما أسلم أكثرهم للتخلص من الجزية أو نتيجة للاضطهاد. فهذه الدعوة تدعونا هنا إلى التنبيه فقط- لأن المقام لا يتسع للإسهاب- على أن القائلين قد أغفلوا أو تجاهلوا عن قصد أو غير قصد أثر الدعوة المحمدية القرآنية العظيم في يقظة العرب الجديدة وتجمعهم وموجتهم الكبرى في عهد الخلفاء الراشدين، وكون قواد الحملات الإسلامية الأولى بنوع خاص وزعماءها ومشاهيرها كانوا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم الذين رسخت فيهم مبادئ تلك الدعوة، وكون هذه الحملات امتدادا لحركات التنكيل والتأديب الدفاعية التي بدأت في عهد النبي في نطاق تلك المبادئ، وكون الشعار الذي حمله هؤلاء هو الدعوة إلى الإسلام بالموعظة والحكمة والجزية على من أبى من الأعداء وخضع للسلطان الإسلامي حتى لا يصدّ عن الدعوة ولا يفتن المستجيبون إليها ويكون الدين كله لله، والقتال لمن ظلّ على عدائه وصدّه إلى أن يتحقق ذلك القصد، وما احتواه التاريخ الإسلامي من الصحف النورانية الوهاجة عن التصرف الذي تصرفه هؤلاء القواد والزعماء الذين زوّدهم الخلفاء الراشدون بالإضافة إلى ما رسخ فيهم من مبادئ القرآن من الوصايا بالرحمة والبرّ والرأفة والوفاء ورعاية الذمة وترك المسالمين والحياديين وغير المحاربين والعجّز والنساء والرهبان وشأنهم مما هو مستمد كذلك من تلك المبادئ ومن السيرة النبوية الشريفة، وكون

(١) فيليب حتي وكايتاني.

صفحة رقم 52

الدين الإسلامي لم يكن غريبا أو منحرفا في الأصل والجوهر عن الأديان السماوية التي كانت سائدة في هذه البلاد. فلكل من هذه الأمور أثر قوي في ما تم للعرب المسلمين من نصر وفتح، وما تم للدين الإسلامي من انتشار وإقبال في أثناء الحملات الأولى وما تبعها من ظروف، وإذا كان التاريخ يذكر بعض ثورات قامت في بعض الجهات، وبعض نكسات حدثت أو بعض أحداث نوقضت فيها تلك المبادئ فإن ذلك لا يبرر القول الذي قيل، وما أريد توجيهه من غمز أو استهانة بآثار الدعوة النبوية القرآنية. وإذا كان قصد التخلص من جزية خفيفة هي في الوقت ذاته بدل ضريبة الدم التي كان يؤدّيها المسلمون وبدل ما كان يبذله هؤلاء من حماية وذمة للدافعين سببا في اعتناق الإسلام فإنه يحمل نفسه معنى كبيرا، وهو كون الدين الذي كان المرتدون عنه يدينون به لم يكن من الرسوخ والقوة في النفوس بحيث يكون أغلى من أن يباع بدينار أو دينارين أو أربعة دنانير في السنة يؤديها الرجل البالغ القادر حسب مقدرته لأن الجزية لم تكن تؤخذ من النساء والأطفال والعجز على أن من الحقائق التي لا تتحمل مماراة أن أكثر الذين اعتنقوا الإسلام من هؤلاء قد اعتنقوه عن قناعة ورغبة لأنهم رأوه متطابقا مع ما هو عليه دينهم من أسس، ومع كثير من تقريرات كتبهم المقدسة، ووجدوا فيه حلولا لعقد عقائدية كانت تثير بينهم الحيرة والفتن الهوجاء وتجرّ عليهم الاضطهادات. ولعل انحدار أكثرهم من الأرومات العربية الجنس التي سماها المستشرقون الحديثون بالساميين، وانتساب كثير منهم للعروبة التي تمركزت فيها هذه الأرومات قد ساعد على الانطباق والاندماج. على أن بقاء شراذم من النصارى واليهود والسامريين والصابئة بعد الحملات الإسلامية الأولى ثم خلال ثلاثة عشر قرنا كان السلطان فيها والكثرة للمسلمين، بل كان هذا السلطان في بعضها قويا ليس في الميدان من يدانيه قوة وشمولا أو يتحداه لدليل خالد رائع على أن الطوائف غير المسلمة لم ترغم على الإسلام إجمالا، وخاصة في عهد الحملات الأولى والظروف القريبة منها، وأن الذين اعتنقوه إنما اعتنقوه بطوعهم وقناعتهم، وإن من بقي على دينه منهم قد تمتع بحريته وأمنه في ظل هذا السلطان وفي ظل مبادئ القرآن الذي قام عليه مما لم

صفحة رقم 53

يكن مثله في أي حركة دينية قبله وبعده عاضدتها القوة والغلب، بل ومما جاءت الوقائع والنصوص مؤيدة لعكسه على خط مستقيم. ومن الغريب أن يتجاهل المستشرقون المغرضون والمبشرون ذلك ويحاولوا أن يجعلوا الشذوذ في المسلمين وتاريخهم. وإنه لمن الحق والإنصاف أن يلاحظ استنادا إلى ذلك الدليل الخالد الرائع أنه قد يكون لما يمكن أن يكون وقع من نكسات أو تصرفات قاسية أسباب سياسية أو إدارية أو محلية كتمرد أو دس أو استفزاز أو استجابة لدعاة سوء وشر أو لتحريكات خارجية مما سجل التاريخ بعض شواهده في سياق النكسات والتصرفات ومما كان سببا لإيقاع مثلها في بعض طوائف المسلمين أنفسهم أيضا «١».
ومن الغريب الباعث على الدهشة أيضا ما يحلو لمبشّري النصارى بل ولكتّاب عرب «٢» منهم يودون أن يظهروا غير متعصبين تعصبا أعمى وغير مغرضين من تكرار القول بقوة تأثير النصارى في المسلمين وأثر النصرانية كدين في مدنية وحضارة بلاد الشام والعراق ومصر حتى بعد اعتناقهم الإسلام وتسلسله فيهم أجيالا عديدة، وضنّهم مع ذلك أن يجعلوا للإسلام والمسلمين والمبادئ القرآنية أثرا ما في الحضارة التي صارت عليها هذه البلاد، حتى بعد أن مضى على السلطان الإسلامي منها أجيال عديدة، ثم من الإصرار على وصف رجل أو امرأة بأنه نصراني قديم أو أنه يستمد مظهره ودوره وروحه وسلوكه ومدنيته من نصرانيته ولو أنه صار مسلما راسخا وقضى في إسلامه أضعاف السنين التي قضاها نصرانيا وعدا كيانه قائما بالإسلام، حتى ولو كان عربيا أعرابيا من بني كلب أو تغلب ولا ندري لماذا لا يعقل أن ينطبع هؤلاء بالطابع الإسلامي ويتأثروا به وأنهم لا بد من أن يكونوا منطبعين دوما بالطابع النصراني وطابعين به الإسلام ثم لا ندري لماذا

(١) في كتاب «تاريخ التبشير والدعوة الإسلامية» لأرنولد تقريرات وشواهد كثيرة على ما جاء في هذا البحث، ومثل هذه الشواهد مبثوثة في كتب التاريخ الإسلامي أيضا.
(٢) فيليب حتي والآباء اليسوعيون في كتبهم العربية والإفرنسية مثلا.

صفحة رقم 54

يحاول أولئك الكتّاب العرب خاصة تهوين هذا التراث العظيم والبناء الباذخ، وهم يعرفون أنهم إنما يحاولون عبثا لا جدوى فيه.
- ٩- تطور سيرة النبي والتنزيل القرآني:
والمناسبة تسمح كذلك بتنبيه واستطراد آخر. فقد حلا للمستشرقين والمبشرين أن يستعملوا تعبيرا عجيبا في معرض الإشارة إلى تطور السيرة النبوية في العهد المدني فيقولون إن النبي في هذا العهد انقلب من نبي إلى حاكم أو صار سلطانا أكثر منه نبيا أو ما في معناه، وقد اتخذ بعضهم بعض ما روته الروايات أو ما تبادر لهم أنهم فهموه من عباراتها أو من عبارات القرآن في صدد بعض أحداث السيرة النبوية الشخصية والعامة في العهد المذكور وسيلة للطعن والغمز، والقول إن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها ودعا إليها في مكة وخالفها.
أما أن السيرة النبوية في العهد المدني قد تطورت فهذا مما لا شك فيه وفي القرآن شواهد حاسمة عليه غير أن هذا لا يقتضي أن يكون النبي قد انقلب إلى حاكم أو صار سلطانا أكثر منه نبيا. لأن في القول تحكما في تعيين مدى «النبي» ومهمته لا يستند إلى دليل راهن، كما أن القول إن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها في مكة وخالفها خطأ فاحش لا يستند إلى حق أو شبهة من حق. والقرآن هو الحكم الحاسم والقول الفاصل في هذا وذاك، لأنه من جهة احتوى مبادئ وقواعد من شأنها تعيين مدى مهمة «النبي»، ومن جهة احتوى صورا للسيرة النبوية في مختلف أدوارها وعهديها. فعدم النفوذ إلى مدى الآيات والفصول القرآنية أو عدم الإحاطة بها لا يمكن أن يغير حقيقة ما احتواه من هذا وذاك بطبيعة الحال، كما أنه إذا كان هناك روايات متعارضة مع هذه المحتويات فإنها تكون مدسوسة أو محرفة من دون ريب. والمماراة في ذلك مكابرة تنشأ عن الغرض وسوء النية والقصد حتما.

صفحة رقم 55

ولقد عين القرآن المكي مهمة النبي الرسول وهي الدعوة إلى دين الله الحق وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث، ورفع التكاليف الشديدة السابقة التي تقيد البشر وتغل أيديهم ونشاطهم، وتبشير الذين يتبعونه ويطيعونه ويستجيبون إلى دعوته بسعادة الدنيا والآخرة، وإنذار الضالين المنحرفين بشقاء الدنيا والآخرة، وبيان الهدى من الضلال والحق من الباطل والحلال من الحرام، ومحاربة الشرك بكل معانيه، والأمر بمختلف المكارم الأخلاقية الشخصية والاجتماعية والإنسانية، والنهي عن مختلف الآثام والمنكرات الشخصية والاجتماعية والإنسانية، على أساس الحرية والمساواة والتسامح والتعاون والتواد والأخوة والحق والعدل والإحسان ودفع البغي والعدوان ومقابلتهما بالمثل دفاعا وضمانة لاحترام الناس حقوق بعضهم، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلا مع الظالمين، وعلى أساس صلة النبي والقرآن بالوحي، ثم على أساس طبيعة النبي البشرية، والاتساق مع العقل والمنطق والمصلحة وطبائع الأمور وحقائق الأشياء.
وقد وعده الله هو والمسلمين معه بالنصر وأمرهم بالصبر إلى أن يأتي أمر الله فينصر رسوله والذين آمنوا وكان حقا عليه نصر المؤمنين مما هو مثبوت في مختلف الفصول والسور المكية.
فإذا أنعم المرء النظر في القرآن المدني وأخذه كمجموعة يتمّ بعضها بعضا فإنه لا يجد مندوحة عن التسليم بأنه قد ظل في حدود ما رسمه القرآن المكي لمهمة النبي والدعوة النبوية ومبادئها وأسسها وتوجيهاتها، ويرى دلائل ذلك في صريح الآيات ومراميها وتلقيناتها وروحها، فنواة كل ما ورد فيه من تشريع وأوامر ونواه وتلقين وتوجيه أو جلّه موجودة في القرآن المكي، وليس مما يصح في عقل عاقل وإنصاف منصف أن يكون النبي الذي بلّغ القرآن والذي قام الإيمان بنبوته وتنزيله وطاعته والفناء فيه من قبل المؤمنين على ما شاهدوه من أعلام نبوته وقوة روحانيته وصدقه واستغراقه في مهمته العظمى وتخلقه بأخلاق القرآن قد خالف في مختلف أدوار سيرته بأقواله أو أفعاله أو أوامره أو نواهيه أو

صفحة رقم 56

توجيهاته النصوص والتلقينات والمبادئ القرآنية.
نقول هذا ونحن نعرف أن القائلين يذكرون فيما يذكرون على سبيل التدليل ما كان من تبدل موقف القرآن والنبي من اليهود قولا وفعلا، ومن الدعوة إلى قتال المشركين كافة ومطلقا وعدم قبول غير الإسلام منهم، ومن الأمر بقتال الكتابيين عامة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وما وهموه من مناقضة بين هذا وبين الحرية الدينية التي قررها القرآن المكي، ومن اقتران الدعوة إلى الجهاد بالإغراء بالغنائم، ومن ظهور النبي في مظهر ذي السلطان السياسي والحربي والقضائي والمالي والتشريعي، وما وهموه من مناقضة بين هذا وبين مهمة «النبي» وما قرره القرآن المكي من أنه لا يطلب أجرا وليس هو مسيطرا على الناس ولا جبارا ولا وكيلا ولا مسؤولا، وليس هو إلا نذيرا وبشيرا وداعيا إلى الحق فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، ومن القائلين من ضاق أفقه ونظره وخلط مع هذا زوجات النبي وحياته الخاصة أيضا.
غير أن إنعام النظر مع الإنصاف والإحاطة يظهر الحقيقة ساطعة وهي أن ما كان من تطور في السيرة النبوية المدنية وفي المرامي القرآنية المدنية ليس هو تطورا في معنى الانحراف عن الأصل المكي سيرة وقرآنا وإنما هو في حدود هذا الأصل ونطاقه. فالقرآن المكي وإن كان دعا إلى ما دعا إليه ونهى عن ما نهى عنه بأسلوب الحثّ والتحريض والترغيب والترهيب والتحسين والتقبيح والتقرير والتبليغ فإنه انطوى على نواة الأمر والنهي والتشريع أيضا كما نرى في الآيات التالية مثلا:
١- قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ

صفحة رقم 57

كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
الأنعام:
[١٥١- ١٥٢].
٢- قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «١». الأعراف: [٣٣].
فإذا تطور تطور هذا إلى أسلوب التشريع الحاسم في العهد المدني فإنه إنما كان تطورا تطبيقيا ليس فيه شيء من الانحراف والغرابة، كما أن تمثل قوة التشريع والحكم والقضاء والقيادة والزعامة في شخص النبي عليه السلام هو نتيجة طبيعية لهذا التطور التطبيقي، وليس من مسوغ للقول إن طبيعة مهمة النبوة لا تتحمله.
وكل ما كان من تبدل في القرآن وموقف النبي إزاء اليهود والدعوة إلى قتال المشركين والأمر بقتال الكتابيين لم يخرج في أصله عن المبادئ القرآنية المكية، ويجد الذي ينعم النظر في الفصول القرآنية المكية والمدنية دلائل حاسمة على ذلك. فالقرآن المكي قرر الحرية الدينية والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه قرر كذلك حق المسلمين في الدفاع والانتصار من البغي، وأوجب الوقوف من الظالم موقف الشدة بالمقابلة كما ترى في هذه الآيات:
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) الشورى: [٣٦- ٤٢].

(١) ومن هذا القبيل آيات الإسراء: [٣٢- ٣٩].

صفحة رقم 58

لا آخذ علي ردائي حتى أجمع القرآن فجمعه وأنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ.
٩- وأخرج أبو داود حديثا عن علي جاء فيه أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله.
١٠- وأورد ابن أشته في كتاب المصاحف حديثا جاء فيه أن أول من جمع مصحفا بعد وفاة النبي هو سالم مولى حذيفة.
١١- وأورد السيوطي في «الإتقان» أن ابن فارس وهو من علماء القرآن قال إن تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين قد تولته الصحابة.
١٢- وقال الحاكم إن جمع القرآن الثالث هو ترتيب السور وقد تمّ ذلك في زمن عثمان.
- ٢-[روايات وأقوال في تدوين القرآن وجمعه]
وثانيا: إن هناك روايات كثيرة عن وجود اختلاف في ترتيب مصاحف بعض الصحابة وعن كلمات زائدة كتبت في بعض المصاحف ولم تكتب في المصحف المتداول وعن آيات كانت تقرأ ولم تكتب كذلك هي هذا المصحف مما يفيد أن النبي توفي ولم يكن القرآن قد جمع ورتب أيضا:
١- فمن الروايات التي أوردها السيوطي نقلا عن كتب علماء القرآن والمصاحف أنه كان لكل من أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وهما صحابيان وعالمان في القرآن «١» مصحف وأن ترتيب سور كل منهما مغاير لترتيب الآخر من جهة ومغاير لترتيب سور المصحف العثماني المتداول من

(١) في حديث عن عبد الله بن جابر أورده السيوطي أنه سمع النبي يقول خذوا القرآن عن أربعة عبد الله بن مسعود ومعاذ وسالم وأبي. وهناك أحاديث أخرى في هذا المعنى فيها بعض الخلاف ولكن اسمي عبد الله وأبي موجودان فيها. [.....]

صفحة رقم 70

جهة أخرى، وأن في أحدهما زيادة وفي أحدهما نقصا وأن المصحفين ظلا موجودين يقرآن إلى ما بعد عثمان بمدة طويلة. وقد نقل السيوطي كلا من الترتيبين عن كتاب المصاحف لابن أشته، وفي مصحف أبيّ سورتان صغيرتان زائدتان عن سور المصحف واحدة اسمها سورة الحفد وهذا نصها:
«اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك.
ونرجو رحمتك. إن عذابك بالكفار ملحق»
. والثانية اسمها سورة الخلع وهذا نصها: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك.
ونخلع ونترك من يفجرك»
. وقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق على ما ذكره السيوطي أن أمية بن خالد أمّ الناس في خراسان فقرأ بسورتي الحفد والخلع. وهذا كان بعد عثمان بمدة طويلة. ومما أورده السيوطي أن سورتي الفيل وقريش في مصحف أبيّ سورة واحدة. وأن سورتي الضحى والانشراح في مصاحف بعض الصحابة سورة واحدة كذلك. أما مصحف ابن مسعود فليس فيه على ما رواه أولئك الرواة سور الفاتحة والمعوذتين، ومن المروي كذلك أنه كان يحكّ المعوذتين ويقول إنهما ليستا من كتاب الله.
٢- وروى عبد الله بن زبير الغافقي أن عبد الملك بن مروان قال له لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب «١» إلا أنك أعرابي جاف. فقال له والله لقد جمعت القرآن «٢» من قبل أن يجتمع أبواك. ولقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علّمه إياهما رسول الله ما علّمتهما أنت ولا أبوك وهما سورتا الخلع والحفد.
٣- وروى البيهقي أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال بسم الله

(١) كان النبي قال لعلي مرة أبا تراب من قبيل المداعبة على ما روي فصار خصومه ينعتونه بهذا اللقب على سبيل التنقّص.
(٢) كانوا يعنون بجمع القرآن حفظه غيبا أحيانا.

صفحة رقم 71

الرحمن الرحيم ثم سرد سورتي الحفد والخلع. واستدل على أنهما سورتان من تقديم البسملة عليهما.
٤- وأورد السيوطي حديثا عن عائشة برواية عروة بن الزبير جاء فيه أن سورة الأحزاب كانت تقرأ في زمن النبي مئتي آية. فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن.
٥- وأورد كذلك حديثا عن أبيّ بن كعب أنه سأل زر بن حبيش كم تعد سورة الأحزاب قال اثنين وسبعين أو ثلاثا وسبعين. قال إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قال: وما آية الرجم قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم.
٦- وأورد عن أمامة بن سهل قالت لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة.
٧- وأورد حديثا رواه مسلم عن ابن عباس جاء فيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس قائلا لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وو عيناها وعقلناها ورجم رسول الله فرجمنا معه ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف.
٨- وروي عن الليث بن سعد أن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها زيد لأنه كان وحده.
٩- وروي عن حميدة بنت أبي أويس قالت قرأ علي أبي وهو ابن ثمانين في مصحف عائشة (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولى).

صفحة رقم 72

وذلك قبل أن يغير عثمان المصاحف.
١٠- وروي عن أبيّ بن كعب بإخراج الحاكم أن رسول الله قال لي إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ «لم يكن الذين كفروا إلى آخر السورة ومن جملة ما قرأ «لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأله ثانيا وإن سأل ثانيا فأعطيه سأله ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية. ومن يعمل خيرا فلن يكفره».
١١- وروي عن أبي واقد الليثي أن رسول الله كان إذا أوحي إليه بشيء أتيناه فعلمنا ما أوحي إليه قال فجئت ذات يوم فقال إن الله يقول «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولو أن لابن آدم واديا لأحبّ أن يكون إليه الثاني ولو كان إليه الثاني لأحب أن يكون الثالث. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب».
١٢- وروي عن عدي بن عدي عن عمر قال: كنا نقرأ «ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك قال نعم.
١٣- وروي عن أبي سفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك فقال ابن مسلمة هما «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون».
١٤- وروى المسور بن مخرمة أن عبد الرحمن بن عوف قال ألم نجد

صفحة رقم 73

في ما أنزل علينا «جاهدوا كما جاهدتم أول مرة» فإنّا لا نجدها. قال أسقطت فيما أسقط من القرآن.
١٥- وروي عن ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كلّه قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر.
١٦- وروي عن أبي موسى الأشعري: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات مما نسبناها غير أني حفظت منها، يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون. فتكتب لكم شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة.
١٧- وأورد محمد صبيح في «كتاب القرآن» (ص ١٦٤) رواية لم يورد مصدرها عن سورة اسمها سورة النورين يزعم بعض المستشرقين أن عثمان أسقطها من مصحفه وإنها مثبتة في مصحف علي بن أبي طالب وهذا نصها:
«يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين. أنزلهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم. نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم» إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم. والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدوا الرسول عليه يقذفون في الجحيم. ظلموا أنفسهم وعصوا وليّ الرسول أولئك يسقون من حميم. إن الله الذي نور السماوات والأرض مما شاء واصطفى من الملائكة والرسل وجعل من المؤمنين أولئك من خلقه يفعل الله ما يشاء. لا إله إلا هو الرحمن الرحيم قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذتهم بمكري إن أخذي شديد أليم. يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون.
مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنات النعيم. وإن عليا لمن المتقين. ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل فاصبر فسوف يبلون.
ولقد آتيناك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيا لعلهم يرجعون. إن عليا قانتا بالليل ساجدا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون».
١٨- وقد ورد في «موطأ» الإمام مالك عن أبي يونس مولى عائشة قال

صفحة رقم 74

أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الآية فآذني حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: ٢٣٨]. فلما بلغتها آذنتها فأملت علي «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» ثم قالت سمعتها من رسول الله. وفي «الموطأ» حديث عن عمر بن رافع أن حفصة أمرته أن يكتب لها مصحفا ثم يتم الحديث بنفس الصيغة السابقة حرفيا.
١٩- وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ آية الكهف هكذا «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» وآية البقرة هكذا «لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم في المواسم». وروي عن ابن الزبير أنه كان يقرأ آية آل عمران هكذا «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم». وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ آية آل عمران هكذا «وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله من أجل ما جئتكم به»، ويقرأ آية النساء هكذا «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن» ويقرأ آية الأحزاب هكذا «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم» ويقرأ آية المجادلة هكذا «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم إذا أخذوا بالتناجي».
٢٠- إن هناك روايات عديدة تفيد أن بعض الصحابة كانوا يقرأون كلمات بدل كلمات مثل «أيمانهما» بدلا من «أيديهما» في آية السرقة في سورة المائدة، و «لا تجزى نسمة عن نسمة» بدلا من «لا تجزى نفس عن نفس» في آية سورة البقرة، و «صفراء لذة للشاربين» بدلا من «بيضاء لذة للشاربين» في آية سورة الصافات، و «إدراس وإدراسين» بدلا من «الياس والياسين»، في آية سورة الصافات، و «جاءت سكرة الحق بالموت» بدلا من «جاءت سكرة الموت بالحق» في آية سورة ق، و «صراط من أنعمت عليهم» بدلا من «صراط الذين أنعمت عليهم» في سورة الفاتحة، و «الحي القيام» بدلا من «الحي القيوم» في آية سورة آل عمران، و «للذين يقسمون» بدلا من «للذين يؤلون» في سورة البقرة، و «مثقال

صفحة رقم 75

نملة» بدلا من «مثقال ذرة» في سورة النساء، و «اركعي واسجدي في الساجدين» بدلا من «واسجدي واركعي مع الراكعين» في سورة آل عمران، و «تزودوا وخير الزاد التقوى» بدلا من و «تزودوا فإن خير الزاد التقوى» في سورة البقرة، و «أتموا الحج والعمرة إلى البيت» بدلا من «وأتموا الحج والعمرة لله» في سورة البقرة، و «شاورهم في بعض الأمر» بدلا من «وشاورهم في الأمر» في سورة آل عمران إلخ.
٢١- ويصح أن نورد أحاديث نسخ المصاحف في عهد عثمان في هذا الباب. لأن فيها ما يفيد أن المسلمين كانوا يختلفون في قراءة القرآن حتى أفزع اختلافهم عثمان وغيره من كبار الصحابة وبالتالي يفيد أن القرآن لم يكن في كتابته ومصاحفه وصحفه المتداولة وفي قراءته محررا بحيث يؤمن معه ذلك الخلاف:
١- فقد أورد البخاري حديثا عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك.
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة وبعث إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن هشام وأخبرني خارجة بن زيد سمع زيد بن ثابت قال ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ... [الأحزاب:
٢٣] فألحقناها في سورتها في المصحف.
٢- وقد روي حديث آخر عن أنس بن مالك أيضا جاء فيه أن الناس اختلفوا

صفحة رقم 76

في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان فقال عندي تكذبون وتلحنون به فمن نأى عني كان أشد تكذيبا ولحنا. يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما فاجتمعوا فكتبوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارأوا في آية قالوا هذه أقرأها رسول الله فلانا فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة فيقال له كيف أقرأ لرسول الله آية كذا فيقول كذا وقد تركوا لها مكانا.
٣- وقد أخرج أبو داود حديثا وصف بأنه بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال لي علي لا تقولوا في عثمان إلا خيرا فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملأ منا. قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا. قلنا ما ترى. قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا فنعم ما رأيت.
٤- وأخرج أبو داود حديثا جاء فيه لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها.
- ٣-[تابع إلى روايات وأقوال في تدوين القرآن]
وثالثا: إلى جانب تلك الأحاديث والأقوال والروايات يوجد أحاديث وروايات وأقوال يستفاد منها أن القرآن كان يدون وترتب آياته وسوره في حياة النبي عليه السلام وبأمره، وأن ترتيب المصحف العثماني متصل بعهد النبي وتوقيفه:
١- فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت حديثا وصف بأنه بسند صحيح على شرط الشيخين جاء فيه «كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع»، وقد علق البيهقي على ذلك كما جاء في «الإتقان» بقوله يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي. ويصح أن يستفاد من الحديث أنه كان يكتب ما ينزل به الوحي في رقاع منفردة ثم تنقل هذه الرقاع إلى صحف معدة كالسجل فتلحق فصولها ببعضها وفق ما كان يشير به النبي.

صفحة رقم 77

٢- وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم حديثا عن ابن عباس جاء فيه قلت لعثمان ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين «١» فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال فقال عثمان كان رسول الله تنزل عليه السور ذات العدد «٢» فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب له فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا «٣»، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قضيتها شبيهة بقضيتها فظننت أنها منها وقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله ووضعتهما في السبع الطوال.
وهذا يفيد أن الأنفال في زمن النبي كانت تدون قبل براءة مباشرة ولم يكن بينهما فاصل أو بسملة فتركنا على ذلك وهو الترتيب المتداول.
٣- وأخرج الإمام مسلم حديثا عن عمر قال ما سألت النبي عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن في صدري بأصبعه وقال تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وهذا يفيد أن سورة النساء كانت مرتبة على ما هو عليه في المصحف المتداول في حياة النبي ولو لم يكن ترتيبها بتوقيف النبي وإشارته لوضعت الآية المذكورة في مكان أكثر مناسبة من السورة.
٤- وأخرج الإمام البخاري حديثا عن عبد الله بن الزبير جاء فيه قلت لعثمان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة: ٢٣٤] قد نسختها الآية الأخرى فلم نكتبها أو ندعها. قال يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه. الآية الناسخة في سورة البقرة وهي الآية (٢٣٤) متقدمة في الترتيب على الآية المنسوخة في نفس السورة

(١) المثاني هي السور المتوسطة التي تكون آياتها أقل من مئة والمئين هي السور التي كانت آياتها مئة آية أو أكثر قليلا.
(٢) السور الطويلة أو المتوسطة التي كانت تنزل فصولا متفرقة.
(٣) هذا تعبير كان يستعمل في عهد النبي للدلالة على شخصية السورة أو اسمها.

صفحة رقم 78

وهي [٢٤٠]. وجواب عثمان يفيد أن الترتيب إنما كان بإشارة النبي فلم ير تغيير شيء من مكانه.
٥- وأخرج الإمام أحمد حديثا بإسناد وصف أنه حسن عن عثمان بن أبي العاص قال كنت جالسا عند رسول الله إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: ٩٠] إلى آخرها وهذا يفيد أن النبي كان يأمر بوحي الله بترتيب آيات السور وأن الترتيب المتداول هو مستند إلى ذلك.
٦- وروى البخاري حديثا عن زيد بن ثابت أن رسول الله أملى عليه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٩٥]. فجاء ابن أم كلثوم وهو يمليها عليه فقال يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذه فثقلت عليه حتى خاف أن ترضّ فخذه ثم سرّي عنه فأملى عليه غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وهذا يفيد أن النبي كان يستدعي أحد كتاب الوحي حين نزول القرآن عليه فيملي عليه ما ينزل عليه فورا.
٧- وروى البخاري أيضا حديثا قريبا من هذا عن البراء لما نزلت آية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ قال النبي ادعوا زيدا فجاء ومعه الدواة واللوح أو الكتف فقال اكتب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وخلف النبي ابن أم كلثوم الأعمى فقال يا رسول الله أنا ضرير فنزلت غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ.
٨- وحديث زيد بن ثابت الذي رواه عن جمع القرآن في عهد أبي بكر والذي نقلناه في المجموعة الأولى يفيد أن آيات السور كانت معروفة الترتيب في حياة النبي حيث ذكر افتقاد آخر آيتين في سورة براءة ووضعهما في مكانهما حين وجودهما. وترتيبهما هو وفاق ترتيب المصحف المتداول. وحديث البخاري عن نسخ المصاحف في عهد عثمان والذي نقلناه في المجموعة الثانية يفيد نفس الشيء

صفحة رقم 79

حيث يذكر افتقاد آية الأحزاب ووضعها في مكانها المعروف في حياة النبي والذي هو وفاق المصحف المتداول أيضا.
٩- وروى البخاري عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا وروى النسائي عن ابن عباس أيضا أن آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:
٣٨١]، وأخرج ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين. وقد لا يكون تناقض بين الروايات لأن هذه الآيات في سلسلة واحدة.
وجميعها موضوعة في سورة البقرة بأمر النبي وترتيبه وجاء في «مجمع التبيان» للطوسي أن أبي بن كعب وسعيد بن جبير والحسن بن قتادة رووا أن الآيتين الأخريين من سورة التوبة هما آخر ما نزل من القرآن. وهذا يفيد أن آيات السور كانت معروفة الترتيب في حياة النبي وبأمره كذلك.
١٠- وروى علي بن إبراهيم عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد «الإمام جعفر الصادق» أن رسول الله قال لعلي يا علي إن القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فاجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه. وهذا يفيد أن القرآن كان يدون على وسائل الكتابة المعروفة وكان مدونا كذلك في حياة النبي وكان النبي يعنى بحفظه في بيته.
١١- وقد روى علماء الحديث حديثا ورد في أكثر من كتاب من كتب الحديث المشهورة جاء فيه «لا تكتبوا عني غير القرآن» حيث يفيد أن الصحابة كانوا يدونون في حياة النبي ما يسمعونه من النبي من القرآن.
١٢- وقد أخرج أبو داود حديثا جاء فيه أن عمر أعلن الناس من كان تلقى عن رسول الله شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب. وهذا يفيد ما أفاده الحديث السابق.
١٣- وروى واثلة عن النبي قال أعطيت مكان التوراة السبع الطوال ومكان

صفحة رقم 80

الزبور المئين ومكان الإنجيل المثاني وفضلت بالمفصل «١» وهذا يفيد أن ترتيب سور القرآن حسب المصحف المتداول الطوال أولا فالمئون ثانيا فالمثاني ثالثا فالمفصل رابعا من ترتيب النبي وعهده.
١٤- وروى البخاري حديثا عن ابن مسعود أن النبي قال إن بني إسرائيل «٢» والكهف ومريم وطه والأنبياء هنّ من العتاق الأول وهنّ من تلادي. وهذه السور متسلسلة الترتيب في المصحف المتداول وفاق الترتيب الوارد في الحديث.
١٥- وأخرج الإمام أحمد وأبو داود حديثا عن أبي أوس وكان قدم على النبي في وفد جاء فيه: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه. فسألنا أصحاب رسول الله كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة. وحزب المفصل من سورة ق حتى نختم. وعدد السور من البقرة إلى الحجرات تسع وأربعون ومجموع عدد السور المحزبة هو تسعة وأربعون.
والحديث يفيد أن سور القرآن كانت مرتبة وفاق ترتيب سور المصحف المتداول منذ حياة النبي.
١٦- وروى حذيفة عن النبي حديثا جاء فيه أنه قرأ سور البقرة وآل عمران والنساء واحدة بعد أخرى. وهذا يفيد أن السور الثلاث كانت مرتبة في حياة النبي وفاق ترتيبها في المصحف المتداول.

(١) المفصل هي السور القصيرة وسميت كذلك لكثرتها وكثرة الفصل بينها. وهناك أحاديث فيها بعض الخلاف في تعيين سور كل مجموعة من مجموعات السور الأربع. فهناك حديث عن ابن عباس أن السبع الطوال هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. قال الراوي وذكر السابقة فنسيتها. وعن مجاهد وسعيد أنها يوسف. وعن الحاكم أنها الكهف.
والمفصل يبدأ في رواية للبخاري بالجاثية. وهناك قول إنه يبدأ بالصافات وقول إنه يبدأ بسورة ق وقول إنه يبدأ بالحجرات وقول إنه يبدأ بتبارك وقول إنه يبدأ بالفتح وقول إنه يبدأ بالضحى...
(٢) اسم آخر لسورة الإسراء.
الجزء الأول من التفسير الحديث ٦

صفحة رقم 81

١٧- وروى البخاري حديثا عن فاطمة أن النبي أسرّ إليها بأن جبريل يعارضه بالقرآن كل سنة وأنه عارضه في العام الذي توفي فيه مرتين وقال لها ولا أراه إلا حضر أجلي. وروى البخاري حديثا آخر عن أبي هريرة جاء فيه: كان القرآن يعرض على النبي كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه. وقال البغوي في «شرح السنة» «١» إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ وما بقي وكتبها لرسول الله وقرأها عليه وكان يقرىء الناس بها حتى مات. ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه وولاه عثمان كتب المصاحف. وهذا يفيد أنّ النبي كان يستعرض القرآن جميعه في رمضان وإنه استعرضه مرتين في رمضان الأخير وإن المصحف الذي كتبه زيد في عهد أبي بكر إنما كان وفاقا لذلك نصّا وترتيبا.
١٨- وروى النسائي عن عبد الله بن عمر حديثا جاء فيه: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي فقال اقرأه في شهر. وقد روي عن ابن عمر أنه قال:
قال لي رسول الله اقرأ القرآن في شهر قلت إني أجد قوة. قال اقرأه في عشر. قلت إني أجد قوة. قال اقرأه في سبع ولا تزد. وقد روي عن ابن مسعود حديث جاء فيه «لا تقرءوا القرآن في أقل من ثلاث» وروي عن سعيد بن المنذر حديث جاء فيه قلت يا رسول الله أأقرأ القرآن في ثلاث قال نعم إن استطعت. وروي عن قيس بن صعصعة حديث جاء فيه: قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن قال في خمسة عشر قلت إني أجدني أقوى من ذلك قال اقرأه في جمعة. وهناك روايات تذكر أسماء صحابة عديدين كانوا يحفظون القرآن جميعه مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود ومعاذ وسالم وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وطلحة وسعد وحذيفة وأبي هريرة وعائشة وحفصة وأم سلمة وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسعيد بن المنذر وقيس بن صعصعة.
ولا شك في أن هذه الأسماء ليست كل الأسماء وإنما هي التي نقلتها الروايات.
وقد جاء في البخاري في حديث شهداء بئر معونة أن بعض العرب جاؤوا يطلبون

(١) رسالة الكلمات الحسان للشيخ بخيت.

صفحة رقم 82

مددا من النبي فأرسل معهم سبعين من الأنصار ممن كانوا يسمون القراء في زمنهم. وفي حديث جمع القرآن في عهد أبي بكر إشارة إلى القتل الذي استحر بالقراء والخشية من موتهم في المواطن الأخرى. فهذه الأحاديث والروايات تفيد أولا أن القرآن كان محفوظا في الصدور ومدونا في الصحف في ترتيب ثابت آيات في سور وسور في تسلسل لأن حفظ القرآن لا يمكن أن يتيسر إلا بذلك، وتفيد ثانيا أنه كان من الصحابة من يواظب عل تلاوته تعبدا وتفقها، وتفيد ثالثا أن طبقة القراء والحفاظ كانت كثيرة العدد في حياة النبي.
١٩- وأخرج الحاكم عن عبد الله بن قسطنطين أنه قرأ ختمة على عبد الله بن كثير وهذا إمام من أئمة القراء وهو تابعي فلما بلغ الضحى قال كبّر حتى تختم وأخبره أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأن مجاهدا أخبره أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك وأن ابن عباس أخبره أنه قرأ على أبيّ فأمره بذلك، وأن أبيا أخبر ابن عباس أنه قرأ على النبي فأمره بذلك. وقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال إذا تركت التكبير فقد تركت سنّة من سنن نبيك. وهذا وذاك يفيد أن القرآن كان مرتب السور في حياة النبي وفاق ترتيب المصحف المتداول.
٢٠- وروى أبو منصور الأرجاني في كتاب «فضائل القرآن» أن النبي كان يقول عند ختم القرآن اللهم ارحمني بالقرآن واجعله لي إماما ونورا وهدى ورحمة.
اللهم ذكرني منه ما نسيت وعلمني منه ما جهلت وارزقني تلاوته آناء الليل والنهار واجعله حجة لي يا ربّ العالمين. وهذا يفيد ما تفيده الأحاديث السابقة آنفا.
٢١- وفي «مسند الإمام أحمد» حديث عن عبد الله بن مسعود جاء فيه أنه سمع من فم رسول الله بضعا وسبعين سورة. وهذا يفيد أن ما يقرب من ثلثي سور القرآن كان معروف الشخصية تام الترتيب في آياته منذ حياة النبي عليه السلام.
٢٢- وفي حديث البخاري أن ابن عباس قال إنه جمع المحكم في عهد رسول الله فسأله الراوي عن المحكم فقال المفصل وكان ابن عباس صبيا في حياة النبي كما هو معروف. وهذا يفيد أن السور كانت مرتبة وفاق ترتيبها المتداول

صفحة رقم 83

الطوال فالمئون فالمثاني فالمفصّل. وأن القرآن كان يحفظ على ما اعتيد حفظه إلى اليوم الأقصر أولا...
٢٣- وأخرج الحاكم حديثا عن ابن عباس وصف بأنه صحيح أنه قال كان النبي إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة وورد حديث آخر عن ابن عباس جاء فيه كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود أنه قال كنا لا نعلم فصلا بين سورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا يفيد أن شخصيات السور أو بالأحرى ترتيب الآيات سورا تامة كان معروفا في حياة النبي.
٢٤- وقد ذكر السيوطي أقوالا لبعض علماء القرآن تفيد أنهم كانوا يعتقدون بصحة ما احتوته الأحاديث والروايات في هذه المجموعة من تقريرات بوجه الإجمال. فقد أثر عن الحارث المحاسبي في كتاب «فهم السنن» قوله إن كتابة القرآن ليست محدثة فإن النبي كان يأمر بكتابته. وقال أبو بكر الأنباري إن اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كلّه عن النبي فمن قدّم سورة أو أخّرها فقد أفسد نظم القرآن. وقال الإمام مالك برواية ابن وهب إنما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي. وقال البيهقي كان القرآن على عهد رسول الله مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب وقال البغوي في «شرح السنّة» إن الصحابة قد جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا ونقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفاظه فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا ترتيبا لم يأخذوه عن رسول الله وكان رسول الله يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إيّاه على ذلك. وقال ابن الحصّار إن ترتيب السور في وضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي فكان رسول الله يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا. وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف.

صفحة رقم 84

٢٥- وقال أبو بكر الباقلاني «١» والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزل الله وأمر بإثباته ورسمه ولم ينسخه ولم يرفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأن ترتيبه ونظمه كلاهما ثابت على ما نظمه الله سبحانه ورتبه عليه رسوله من آي وسور لم يقدّم من ذلك مؤخّر ولا أخّر منه مقدّم وإن الأمة ضبطت عن النبي ترتيب آي كل سورة ومواضعها كما ضبطت عنه نفس القراءة وذات التلاوة.
٢٦- وقال العالم المذكور في كتابه «الانتصار» : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعه على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف واحد مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعده.
٢٧- وقال ابن الجوزي وإنما لم يجمع رسول الله لأنه كان بمعرض أن ينسخ منه أو يزاد عليه فلو جمعه كان الذي عنده نقص ينكر على من عنده زيادة. فلما أمن هذا الأمر بموته جمعه أبو بكر. ولم يصنع عثمان في القرآن شيئا. وإنما أخذ الصحف التي وضعت عند حفصة وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وأبيّ بن كعب في اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فكتب منها مصاحف وسيرها للأمصار.
- ٤- تعليقات على الروايات والأقوال وترجيح تدوين وترتيب القرآن في عهد النبي ومرجحات ذلك
ومن الحق أن نقول إن في المجموعات الثلاث التي أوردناها ما ليس موثقا بالأسناد القوية، وما يتحمل النظر والتوقف، ومنها ما يتعارض بعض ما جاء في

(١) الكلمات الحسان.

صفحة رقم 85

مجموعة منه مع بعض ما جاء في نفس المجموعة، ومنها ما يصطبغ بصبغة الأهواء الحزبية الأولى أو فيه رائحتها، ومنها ما يبدو عليه قرائن قصد التوفيق أو التلفيق غير أن من الحق أن يقال إن المجموعة الثالثة أكثر توثقا في الإجمال من جهة وأكثر اتساقا مع طبائع الأمور والظروف من جهة أخرى.
فالقرآن أعظم مظاهر النبوة ومعجزتها الخالدة، وكان مدار الاحتجاج والدعوة مع العرب والكتابيين الذين كانت لهم كتبهم المتداولة في أيديهم وقد تكرر في القرآن كثيرا الإشارة إلى كتب الكتابيين من جهة وذكر الكتاب بمعنى القرآن كثيرا من جهة أخرى فلا يعقل في حال أن يهمل النبي عليه السلام تدوين ما كان ينزل عليه من الوحي القرآني، والعناية بهذا التدوين عناية فائقة، والحرص على حفظ المدونات حرصا شديدا بل والمعقول أن يكون ذلك من أمهات مشاغل النبي المستمرة أيضا وهذا يجعلنا نعتقد أن ما روي من أن القرآن كان يدون على قطع عظيمة الحجم ثقيلة الوزن صعبة الحمل والحفظ والترتيب كأضلاع النخيل وأكتاف العظام ورقاق الحجارة والخشب لا يمكن أن يكون هو الواقع على إطلاقه، كما أن هذا القول يطرد في ما يمكن أن يستتبع ذلك من فقدان أو نقص وسائل الكتابة اللينة المعروفة في ذلك العصر في البلاد المجاورة كالقرطاس والورق والحرير والقماش والرقوق الناعمة المسواة. ولقد قيل فيما قيل إن نطاق القراءة والكتابة كان ضيقا جدا في مكة والمدينة مما يمكن أن يظن أن هذا متصل بالنقطة الأولى أو من أسبابها. وهذا أيضا لا يمكن التسليم بصحته على إطلاقه كذلك.
ونحن لا نرسل هذا النفي جزافا. فالثابت علميا وبصورة لا تقبل المراء أن الخط العربي الذي كان مستعملا في بيئة النبي وعصره يمتد وجوده إلى عشرات السنين قبل بعثته كما أنه متطور عن أشكال لخطوط أخرى كان يستعملها عرب الشام واليمن، وكذلك فإن من الثابت علميا أن ذلك الخط كان منتشرا بمقياس غير ضيق في بلاد الشام واليمن والحجاز والعراق حتى كان يشمل بدو هذه البلاد ولو بمقياس ضيق. وما جاء في بعض الكتب العربية عن نشأة الخط العربي ووصوله

صفحة رقم 86

إلى الحجاز وضيق انتشاره فيه ضيقا شديدا هو تخليط لا يتحمل نقدا «١».
والبيئة الحجازية إلى هذا وخاصة مكة والمدينة كانت بيئة تجارية متصلة بالبلاد المجاورة التي كانت تتمتع بحظ غير يسير من الحضارة والثقافة وكان فيها جاليات كتابية نصرانية ويهودية نازحة من تلك البلاد وكانت تتداول الكتب الدينية وغير الدينية قراءة وكتابة. فلا يعقل أن يظل العرب أهل هذه البيئة غافلين عن اقتباس وسيلة من أشد الوسائل ضرورة إلى الأشغال التجارية ومن أعظم مظاهر الحضارة التي اقتبسوا منها من البلاد المجاورة الشيء الكثير «٢».
وهناك رواية مشهورة وهي أن أسرى قريش الفقراء في وقعة بدر الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا فدية نقدية كلفوا بتعليم بعض أطفال المسلمين في المدينة القراءة والكتابة، فإذا كان فقراء أهل مكة يقرأون ويكتبون فأولى أن يكون كذلك أغنياؤها وتجارها ونبهاؤها وأن تكون القراءة والكتابة مما هو مألوف ومنتشر بنطاق غير ضيق.
ويضاف إلى هذا ما هو أقوى دلالة وهو محتويات القرآن. ففيه آيات كثيرة جدا احتوت تنويها بالعلم والقراءة والكتابة وحضّت عليهما وحضّت خاصة على تدوين المعاملات التجارية نقدا ودينا وصغيرة وكبيرة كما أن فيه آيات عديدة حكت أقوال المشركين المكيين تدل على اتساع نطاق القراءة والكتابة والمعرفة بوجه عام عندهم «٣».
وبيئة هذه صلاتها بالبيئات المجاورة المتمدنة التي تتيسر فيها وسائل الكتابة والقراءة المألوفة على تنوعها، وفيها كثيرون من أهل هذه البيئات يقرأون ويكتبون

(١) اقرأ مثلا «العقد الفريد» ج ٣ ص ٢٠٢. وننبه على أن للمستشرق الطلياني كايتاني في كتابه «تاريخ الإسلام» فصلا قيّما في نشأة الخط العربي وانتشاره مستندا إلى دراسات ومكتشفات وآثار حاسمة.
(٢) اقرأ فصل الحياة العقلية في كتابنا «عصر النبي وبيئته قبل البعثة» ففيه بحث مسهب موثق في هذا الأمر.
(٣) المصدر نفسه.

صفحة رقم 87

ويتداولون الكتب، وحركتها التجارية قوية واسعة، وقد احتوى القرآن من أوصاف حياتها ومعايشها وحضارتها ووسائلها ما فيه الدلالة الوافية على أنها هي أيضا كانت على درجة غير يسيرة من الحضارة ووسائلها، والكتابة والقراءة فيها منتشرتان بمقياس غير ضيق لا يعقل في حال أن لا يكون فيها وسائل مدنية للكتابة وأن لا يوجد ما يدون عليه القرآن إلا ألواح العظام ورقائق الحجارة وأضلاع النخيل وقطع الخشب. هذا بالإضافة إلى أن القرآن قد احتوى كلمة القرطاس أكثر من مرة مما يصح أن يكون دليلا على أنه كان معروفا ومألوفا كوسيلة للتدوين والكتابة بل إن هذه الكلمة مفردة وجمعا قد جاءت في سورة الأنعام في سياق الكلام عن كتب الله كما ترى:
١- وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ الأنعام: [٧].
٢- قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً.. الأنعام: [٩١].
فهذا النص القرآني يلهم أن الكتابة على القرطاس وكون الكتب مؤلفة من قراطيس هو الشيء المألوف الذي لم يكن ليتصور غيره.
كذلك فإن القرآن احتوى كلمة «الصحف» أكثر من مرة في معرض الإشارة إلى القرآن والكتب السماوية كما ترى:
١- فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ عبس: [١٣- ١٤].
٢- إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى.. الأعلى: [١٨- ١٩].
٣- بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً المدثر: [٥٢].
ولم يذكر أحد أن كلمة الصحيفة كانت تطلق على تلك الوسائل البدائية وإنما كانت تطلق على ما كان معروفا من وسائل الكتابة التي تحمل بسهولة وتطوى بسهولة ويجمع بعضها إلى بعض بسهولة ولعل في آية القيامة قرينة على أن الصحف

صفحة رقم 88

كانت تنشر وتطوى، وهو ما لا يمكن أن يتصف به إلا وسائل الكتابة اللينة كالقماش وورق القماش وورق الحرير والرقوق الناعمة المسواة إلخ. ولعل في آية سورة الأنبياء هذه يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [١٠٤] قرينة أو بالأحرى دليلا على أن طي الورق أو ما كان يقوم مقامه من وسائل الكتابة اللينة ليكون سجلا للكتابة والتدوين كان مألوفا شائعا. وهذا لن يكون إلا حيث تكون الكتب والقراطيس والوسائل الكتابية اللينة الأخرى. ومما يمكن إيراده لتقوية هذه الملهمات والقرائن هذه الآيات:
١- هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية:
[٢٩].
٢- أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ..
الإسراء: [٩٣].
حيث تخاطب الأولى الناس- ومشركو مكة من أول من خوطبوا- بما لا يعقل إلا أن يكون من مألوفاتهم من الكتابة واستنساخ الكتب وحيث تحكي الثانية قول مشركي مكة مما يعبر عن مفهوم الكتاب المكتوب المقروء المألوف والمنتشر بينهم.
ولقد كثرت كما قلنا الإشارات القرآنية إلى كتب الكتابيين وكتابتها وتعليمها ودراستها، وجل الكتابيين الذين كانوا في الحجاز جاليات نازحة من البلاد المجاورة التي كانت وسائل الكتابة اللينة فيها معروفة ميسورة فلا يعقل أن تكون كتبهم هذه مكتوبة على تلك الوسائل البدائية الثقيلة الضخمة، ولا يعقل إلا أن يكون النبي قد اهتم لتدوين القرآن معجزته الكبرى على نسق ما دونت عليه كتب الكتابيين. ولقد احتوت المجموعات الثلاث روايات عديدة تفيد أن الورق والقرطاس مما استعمل في كتابة القرآن في عهد النبي وفي عهد أبي بكر مما هو متسق مع الظروف ولا يكاد يتحمل شكا في صحته بقطع النظر عن وثوق الروايات من الوجهة التعديلية والتجريحية. ونشير بنوع خاص إلى ما كان في أيدي

صفحة رقم 89

المسلمين من صحف ومصاحف ورقاع خاصة أمر عثمان بإحراقها بعد ما فرغ من نسخ المصاحف الموحدة ليزول أهم سبب من أسباب الخلاف في القراءة مما ذكره حديث البخاري والإحراق خاصة لا يتوارد معه إلا الورق والقرطاس والرقوق مما يدل على أن التدوين على هذه الوسائل كان هو المألوف السائغ.
على أننا لا نريد أن ننفي بالمرة ما ورد في الأحاديث العديدة عن كتابة القرآن على الألواح والأكتاف والرقائق والأديم فإن من الممكن أن يكون لها أصل صحيح أيضا، ولكن على غير الصورة أو المقصد الذي عبرت عنه الروايات أو تركته غامضا.
فمن المحتمل أن يكون النبي إذ يستدعي أحد كتابه لإملاء ما يكون نزل عليه من وحي فورا أن لا يكون متيسرا إلا شيء من هذه الوسائل البدائية فيكتب الكاتب عليها ما يمليه النبي مؤقتا ريثما ينقله إلى مكانه من سجلات القرآن، مما عبر عنه زيد بن ثابت في الحديث الذي نقلناه في المجموعة الثالثة في قوله كنا نؤلف القرآن من الرقاع في عهد رسول الله. ومن المحتمل كذلك أن أصحاب رسول الله من أهل المدن أو البادية قد كانوا يكتبون بعض الفصول القرآنية التي يتلقونها عن النبي على قطعة من تلك القطع للتبرك والحفظ والنقل على اعتبار أنها أبقى على الزمن وأقل تعرضا للفناء والتمزيق على نحو ما اعتاد المسلمون أن يفعلوه من قديم الأجيال في كتابة الألواح مع بعض التعديل. فلما دعي المسلمون إلى الإتيان بما عندهم من قرآن بقصد زيادة الاستيثاق والضبط والتحرير والمعارضة أتوا فيما أتوا به بهذه القطع فحفظت الروايات هذه الصورة ونقلتها.
هذا من جهة التدوين، وما نقلناه يصح إيراده بتمامه على ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في تسلسل أيضا. فالنبي الذي لا شك في أن القرآن كان من أهم مشاغله لا يمكن أن يكون قد أهمل ترتيبه وترك مدوناته مشوشة فوضى لا يعرف لها أول من آخر سواء في التدوين أو في القراءة والتعليم، ولا بد من أن يكون قد عني بترتيبه نفس العناية الفائقة التي كانت منه بتدوينه وحفظ مدوناته.

صفحة رقم 90

ولقد قال بعض علماء القرآن كما جاء في كلام الخطابي الذي أوردناه في المجموعة الأولى أن استمرار الوحي في حياة النبي كان سببا في عدم ترتيبه.
والذي يتبادر لنا أن هذا لا يوجب عدم ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في تسلسل، فإن من السائغ جدا أن يكون الترتيب النهائي قد تمّ في أخريات حياة النبي، وبعد نزول سورة النصر التي أذنت بفتح الله ونصره ودخول الناس في دينه أفواجا، وبالتالي أذنت بانتهاء مهمة النبي. وقد احتوت أحاديث معارضة النبي للقرآن في رمضان الأخير مرتين وكتابته من قبل زيد ما يستأنس به على ذلك، كما أن من السائغ جدا أن يصح احتمال إضافة ما يمكن أن يكون نزل بعد هذا الترتيب من آيات إلى مواضع مناسبة لها في السور.
وفي الأحاديث التي نقلناها في المجموعة الثالثة ما يستأنس به على وقوع شيء من هذا فعلا، فلما التحق النبي عليه السلام بالرفيق الأعلى صار ما كان ثابتا من القرآن هو القرآن التام، وصار من واجب خليفة النبي الأول وكبار أصحابه الاهتمام لضبطه وجمعه كاملا، وتحرير نسخة تكون إماما كاملا محفوظا عند إمام المسلمين وخليفة نبيهم وتكون مرجعا عند الخلاف وضمانا من الطوارئ والضياع، وانتقال النسخة التي كتبت في عهد أبي بكر إلى عهدة عمر بن الخطاب الخليفة الثاني وحفظها عند حفصة حينما اغتيل والدها عمر من القرائن القوية على ذلك.
ولسنا نرى أن ما نقرره يمكن أن ينقض أيضا بما جاء في حديث زيد بن ثابت من أنه تتبع القرآن فجمعه من العسب والقحاف وصدور الرجال ولا يفنده افتقاد آخر آيتي سورة التوبة وعدم وجودهما إلا عند أبي حذيفة ولا بما جاء في حديث مصاحف عثمان من افتقاد زيد آية الأحزاب وعدم وجودها إلا عند حذيفة أو بما جاء في حديث آخر أن الناس دعوا إلى الإتيان بما عندهم ولم يكن يقبل من أحد شيء إلا بشهادتين، فهذا كله لا يقتضي أن لا يكون للقرآن مدونات مرتبة محفوظة في بيت النبي مما ألفي من الرقاع ومدونات مرتبة محفوظة كذلك عند كبار

صفحة رقم 91

أصحاب رسول الله وقرائهم، بل يصح- ونحن نجزم بذلك- أن يكون هذا كله من قبيل الاحتياط والحرص الشديد على الضبط والتحرير. ولقد كان من المحتمل أن يختلط الأمر على بعض الصحابة في بعض الآيات، وأن يكون بعضهم ما يزال يحفظ آيات قد نسخت أو يحتفظ برقاعها مما هو طبيعي كما أن من المحتمل أن يكون مما استهدف معارضة مدونات القرآن المختلفة عند مختلف الفئات مع بعضها لإتقان الضبط والتحرير، فكان هذا التشدد والحرص العظيمان المتناسبان مع موضوع تفوق خطورته أي موضوع آخر، واللذان يصحان أن يكونا مثلا رائعا للتدقيق والفحص والتحري العلمي.
ومن النقاط المهمة الجديرة بالتنبيه في هذا المقام أنه لم يرد أي حديث منسوب إلى النبي عليه السلام أو أصحابه المعروفين يمكن أن يفيد أن القرآن لم يكن مرتب الآيات والسور ومعروف الترتيب في حياة النبي، وكل ما جاء في هذا الباب تعليقات وتخمينات متأخرة. وحديثا البخاري في كتابة المصحف في عهد أبي بكر ونسخه في عهد عثمان وهما المعول الأقوى والأشهر قد خلوا من أي إشارة إلى ذلك، بل فيهما على ما أوردناه في المجموعة الثالثة ما يؤيد كون آيات القرآن معروفة الترتيب منذ حياة النبي، وننبه بنوع خاص على أن حديث نسخ المصحف في عهد عثمان صريح جدا بأن ما كان ليس جمعا أو تدوينا جديدا كما توهمه الحاكم على ما أوردناه في المجموعة الأولى وإنما هو نسخ طبق الأصل عن مصحف أبي بكر، وبأن القصد منه ضبط كتابة ألفاظ القرآن من حيث الإملاء وتوحيدها حتى لا يكون محل للاختلاف في قراءتها، حيث كانت المصاحف والصحف التي في أيدي الناس مكتوبة بخطوط متنوعة من المعقول جدا أن تكون متخالفة الإملاء والهجاء، وهو ما أدى إلى الخلاف والفزع منه فعلا.
وما دام القرآن قد جمع وضبط وحرر في عهد أبي بكر على ملأ من الصحابة وخاصة كبارهم، وفي وقت يكاد يكون فوريا بعد وفاة النبي، وعلى هذا الوجه من الحرص والتحري الشديدين دون أن يكون أي إشارة إلى قصد ترتيب الآيات أو السور فإنه يصح أن يقال بجزم إن دفتي المصحف الذي حرر قد احتوتا كل ما ثبت

صفحة رقم 92

عند كبار الصحابة وقرائهم وحفاظهم بل وكل من شهد العمل منهم أنه القرآن الذي مات النبي عنه وهو ثابت لم ينسخ بترتيبه المعروف في حياته. وما دام النسخ الذي جرى في عهد عثمان إنما كان عن هذا المصحف وكان هذا أيضا على ملأ من الصحابة والقراء والحفاظ وبمعرفة علماء القرآن منهم، ولم يكن الباعث عليه إلا إيجاد إمام يضبط فيه الإملاء والقراءة ويجمع به الناس على رسم واحد، وما دامت المصاحف المتداولة في أيدي المسلمين هي طبق هذا المصحف الإمام كما هو ثابت بالتواتر الفعلي الذي لم ينقطع والذي هو يقيني- باستثناء بعض التنظيمات الشكلية على ما سوف نذكر بعد- فهي بطبيعة الحال طبق مصحف أبي بكر من حيث الألفاظ والآيات والسور وترتيبها، وبالتالي طبق ما مات النبي عنه من قرآن ثابت بترتيبه وتسلسله.
وإذا كان من المحتمل أن لا تكون إحدى نسخ مصاحف عثمان الأصلية موجودة اليوم- مع ما يقال عن وجود بعضها قولا غير مؤيد بشاهد ووصف عياني موثوقين- فإن هذا لا ينقض ما نقوله من التواتر الفعلي. ولقد ذكر علماء قديمون أنهم شاهدوا بعض هذه النسخ، وقرروا أن المصاحف المتداولة هي صورة تامة عنها رسما وترتيبا. ومن أقدم من ذكر ذلك أبو القاسم عبيد الله بن سلام من علماء القرن الهجري الثاني الموثوقين ومحدثيهم. وتقرير هذا العالم يهدم كل قول حول التشكيك في مصحف عثمان وكون المصحف المتداول هو صورة تامة صحيحة عنه، وحول رواية أن المصحف المتداول إنما هو مصحف الحجاج وجمعه وترتيبه إذا كان يراد بذلك جمعا وترتيبا جديدين، وأن الحجاج قد جمع المصاحف المتداولة ومصاحف عثمان وأبادها. ولعل الرواية محرفة عن حادثة عناية الحجاج بإعجام القرآن أو نقطه، مما صار نساخ المصاحف بعدها يأخذون به. فقد انتشر المسلمون في عهد الحجاج أكثر من ذي قبل في أنحاء الأرض، وانتشرت نسخ القرآن العثمانية كذلك، فلم يكن في إمكان الحجاج جمع المصاحف المتداولة وإبادتها البتة، ولم يقل أحد إنه رأى مصحفا للحجاج فيه تغاير ما مع المصحف العثماني في نصه وترتيبه، ولو كان وقع شيء من هذا لاهتمّ له أعداء الأمويين

صفحة رقم 93

والحجاج الذين بذلوا كل جهد في تشويه سيرتهم وتسويئ سمعتهم بالحق وبالباطل وتعقب كل عمل أو بادرة منهم، ولرأيناه في رأس المطاعن التي يطعنونهم بها. وقد قال أحد أعلام علماء الشيعة ومشهوريهم وكبار مفسريهم الإمام الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، صاحب تفسير «التبيان»، ومن رجال القرنين الرابع والخامس الهجريين، في مقدمة تفسيره، بصدد الكلام في زيادة القرآن المتداول ونقصه (وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى رحمة الله عليه، والظاهر في الروايات.
والروايات التي رويت من جهة الخاصة والعامة بنقصان آيات منه أو نقلها من موضع إلى موضع فطريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا. والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها.
ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين إذ كان ذلك معلوما صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه).
ومع كل هذا فمما روي أن الحجاج إنما صحح اثنتي عشرة كلمة في مصحف عثمان هي هذه: «لم يتسن» حيث جعلها «لم يتسنه» «١» و «شريعة» حيث جعلها «شرعة» «٢» و «ينشركم» حيث جعلها «يسيركم» «٣» «وآتيكم» حيث جعلها «أنبئكم» «٤» و «معايشهم» حيث جعلها «معيشتهم» «٥» و «غير ياسن» حيث جعلها «غير آسن» «٦»

(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٤٨. [.....]
(٣) سورة يونس، الآية: ٢٢.
(٤) سورة يوسف، الآية: ٤٥.
(٥) سورة الزخرف، الآية: ٣٢.
(٦) سورة محمد، الآية: ١٥.

صفحة رقم 94

و «اتقوا» حيث جعلها «وأنفقوا» «١» و «سيقولون لله» حيث جعلها «سيقولون الله» «٢» و «بظنين» حيث جعلها «بضنين» «٣» ونقل كلمتي «المرجومين» و «المخرجين» في آيتي الشعراء [١١٦ و ١٦٧] كلا منهما مكان الأخرى فصارت المرجومين في قصة نوح والمخرجين في قصة لوط وأنه لم يصنع ما صنعه إلا بعد اجتهاد وبحث مع القراء والفقهاء المعاصرين له وبعد إجماعهم على أن جميع ذلك من تحريف الكتاب والناسخين الذين لم يريدوا تغييرا أو تبديلا وإنما حدث بعض ما حدث لجهلهم بأصول الكتابة وقواعد الإملاء والبعض الآخر لخطأ الكاتب في سماع ما يملى عليه أو التباسه في ما يتلى عليه «٤».
هذا في حين أن هناك رواية «٥» تفيد أن بعض ما صححه الحجاج إنما صححه عثمان نفسه مثل لم يتسن حيث جعلها لم يتسنه.
وبكلمة أخرى إن الحجاج لم يكتب مصحفا جديدا ولم يضع ترتيبا جديدا، وإن تسمية «مصحف الحجاج» ليست في محلها حتى لو صحت رواية تصحيحه لبعض كلمات وحروف رأى فيها مع القراء والعلماء تحريفا من النساخ، هذا بقطع النظر عن ضعف رواية مصحف الحجاج وعدم تناقلها وعدم تعليق الشيعيين عليها تعليقا جالبا للنظر على طريقتهم في التعليقات وخاصة إذا ما كان الأمر متصلا بالأمويين ورجالهم وفيه مجال لقول أو غمز أو تعليق.
- ٦-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال]
وعلى هذا كله فكل ما يتعارض مع النتائج الي قررناها من الروايات هو موضع نظر وتوقف أو محمل تخريج. وفي الحق إننا إذا نظرنا في الروايات

(١) سورة الحديد، الآية: ٧.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٨٧ و ٨٩.
(٣) سورة التكوير، الآية: ٢٤.
(٤) «الفرقان» لابن الخطيب ٥٠- ٥٢.
(٥) «الفرقان» أيضا، الآية: ٤٠

صفحة رقم 95

المناقضة لهذه النتائج نجدها كلها أو جلّها غير واردة في كتب الحديث الصحيحة.
وكثير منها لم يذكر له أسناد متسلسلة معدلة، وفيها من التناقض والتغاير ما يحمل على الشك في صحة روايتها أو متونها.
فحديث زيد عن تأليف القرآن من الرقاع أقوى سندا وأكثر اتساقا مع المنطق من حديثه الذي جاء فيه أن النبي قبض ولم يكن القرآن قد جمع في شيء، حتى إذا صح فيجب حمله على جمع القرآن في مصحف واحد كما علق على ذلك الخطابي على ما ذكرناه سابقا. وهذا المعنى هو ما يجب تخريج ما جاء في حديث جمع القرآن في عهد أبي بكر به من المراجعة بين أبي بكر وعمر ثم بين أبي بكر وزيد.
وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود من كبار الصحابة وعلماء القرآن الأعلام، فلا يعقل أن يكون جمع القرآن وتحريره وضبطه في عهد أبي بكر ثم نسخه في عهد عثمان قد تمّ دون اشتراكهم أو علمهم، ولا يعقل أن يرمى بأقوالهم عرض الحائط في زيادة أو نقص في الآيات والكلمات والسور لو كان لهم في ذلك رأي وقول حقا، ولا يعقل أن يكونا قد انفردا دون سائر الصحابة في العلم بزيادة أو نقص في القرآن أو أن تكون شهادتهما قد ردّت أو أن يكونا قد عجزا عن إثبات قولهم. وإذا سلمنا بهذا جدلا مع ذلك فالمعقول أن ما يكونان قد ذكراه لم يثبت عند ملأ الصحابة فلم يؤخذ به. وما دام الأمر قد تمّ على ما ثبت عند ملأ الصحابة وأجمعوا عليه فلا يعقل أن يكونا قد أصرا على مخالفة إجماع الصحابة وكبارهم وخلفاء رسول الله فاحتفظا بمصحفيهما وزوائدهما ونواقصهما وتغايرهما للترتيب الثابت وأن لا يكونا قد أطاعا خليفة رسول الله فأحرقا ما عندهما كما أحرق الناس ما عندهم. وهذا ما يجعلنا نشك في بقاء مصحفين لهما مخالفين لمصحف عثمان رسما وترتيبا وعدد سور وكلمات حتى وصل علم ذلك أو عيانه إلى وقت متأخر.
ونرجح إن لم نقل نعتقد أن كل هذا مخترع فيما بعد بقصد التشويش والتشكيك من أعداء الإسلام وأن في بعضه أثرا للحزبية السياسية. وقد قال بعض علماء أعلام أقوالا وجيهة في هذا الباب، فقال النووي إن المسلمين أجمعوا على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئا كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس

صفحة رقم 96

بصحيح. وقال الرازي الأغلب أن نقل هذا عن ابن مسعود باطل لأن النقل المتواتر حاصل في عصر الصحابة أنها من القرآن فإنكار ذلك يوجب الكفر. وإن قلنا ليس التواتر حاصلا في ذلك الزمن فلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل وهذا خلاف الإجماع. وقال ابن حزم هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه وفيها المعوذتان والفاتحة.
والسورتان المسماتان بالحفد والخلع هما دعاءا قنوت ورواية عمر لهما صريحة بأنه إنما قنت بهما بعد قيامه من الركوع. فمن المحتمل حتى في حالة صحة القول بهما من أبيّ- وهو ما نشك فيه- أن يكون أبيّ قد وهم ثم رجع عن ذلك حينما ثبت عند الملأ أنهما ليستا قرآنا فظلّ أثر القول قائما متداولا.
وعمر القوي الشديد في إيمانه ومركزه بين الصحابة والذي دعا إلى ضبط القرآن وتحريره وحفظه أجلّ من أن تردّ له شهادة بشأن آية الرجم وأقوى من أن يسكت على عدم إثبات آية يعتقد أن النبي مات وهي قرآن لم تنسخ. ولذلك فإن رواية ردّ آية الرجم منه لأنه أتى بها وحده مما يتحمل كل الشك ولا سيما أن هناك رواية تقول إنه قبل من أبي خزيمة آيتي سورة التوبة الأخيرتين بشهادته وحده.
ومثل هذا غرابة وموضع شك شديد رواية أنه ظل يعتقد أنها قرآن بعد أن صارت الخلافة إليه، يضاف إلى هذا أن تعدد روايات آية الرجم وتباين صيغتها مما يثير الشك فيها، وأنه ليس من المعقول أن ينفرد عمر أو صحابي أو صحابيان في علم قرآنية هذه الآية التي تحتوي تشريعا خطيرا دون ملأ الناس أو أن يتواطأ هذا الملأ على عدم إثباتها. وكل ما يمكن فرضه أنها كانت آية فنسخت في حياة النبي.
ومثل هذا القول يصح في ما ورد عن عائشة سواء في صدد كلمة «صلاة العصر» أو في صدد آيات سورة الأحزاب. فإنها أجلّ من أن ترفض شهادتها أو تسكت عن عدم إثبات آية أو كلمة أو آيات تعتقد أنها قرآن باق بعد النبي. وإذا كان ورود حديثها عن صلاة العصر في «الموطأ» مما يقويه فينبغي أن يلاحظ أن في «الموطأ» حديثا مثله حرفيا عن حفصة. وأن هذا التشابه مما يبعث على الحيرة الجزء الأول من التفسير الحديث ٧

صفحة رقم 97

والتوقف. وهذا بالإضافة إلى احتمال أن تكون الجملة تفسيرية أو أن تكون نسخت ولم يثبت بقاؤها عند ملأ الصحابة. ومن غير المعقول أن تخالف عائشة الإجماع فتبقي أو تكتب في مصحفها ما لم يثبت في المصحف الإمام.
وهذا القول يصح بتمامه كذلك بالنسبة للروايات المروية عن الكلمات الزائدة في بعض الآيات أو الكلمات المبدلة المعزوة إلى بعض الصحابة بقطع النظر عن احتمال الغلط والدسّ وقصد التشويه والتشويش وعن عدم استناد الروايات إلى أسناد موثقة.
ورواية مصحف علي ومخالفته لترتيب المصحف المتداول موضع شك كبير أيضا. فإنه لم يرد أي رواية صحيحة تفيد أن أحدا اطلع على هذا المصحف أو رآه متداولا. وقد روي عن ابن سيرين وهو تابعي أنه تحرى هذا المصحف في كل طرف في المدينة فلم يقع عليه، ولو كان صحيحا لعض عليه الشيعة بالنواجذ كما عضوا على أوهى مما ورد في صدد مخالفة أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يرو عنهم شيء من هذا. وفي المجموعتين الأولى والثانية روايات عن ثناء علي على أبي بكر وعثمان على ما قاما به من عمل عظيم في صدد جمع القرآن وتحريره ونسخ مصاحفه.
فليس والحالة هذه أي مسوغ للشك في كون المصحف المتداول قد احتوى جميع القرآن الذي مات النبي عنه وهو قرآن ثابت نصا وترتيبا بسبب أي رواية من الروايات المماثلة مما قد لا نكون اطلعنا عليها، ونعتقد أن أي رواية من مثل ذلك لن تكون إلا مخترعة أو مدسوسة بقصد سيء أو ناتجة عن لبس وخطأ على أقل تقدير. فإن مما لا يصح أن يشك فيه أن أصحاب رسول الله قد حرصوا كل الحرص واهتموا أشدّ الاهتمام للقيام على أمر تحريره وضبطه على أحسن وجه وأقومه، وأنهم تضامنوا في ذلك كل التضامن حتى كان مصحف أبي بكر الإمام المتطابق لما مات النبي عنه نصا وترتيبا، وأنهم كانوا مسوقين في حرصهم واهتمامهم بسائق ديني ملك عليهم مشاعرهم رهبة وهيبة وتقديسا وتعظيما يبدو واضحا لكل من دقق

صفحة رقم 98

في ما ورد عن أصحاب رسول الله وأولي الشأن فيهم من ثناء وتنويه في القرآن ومن ثناء وتنويه من النبي ومن وصف شدة فنائهم واستغراقهم في النبي، وعمق إيمانهم بنبوته وبصلة القرآن بالوحي القرآني، فالعمل لم يكن عملا شخصيا أو سياسيا بل عمل متصل بأقوى عمد الدين وأعظم مظاهر النبوة وأكبر تراث خلّفه النبي فيهم، فمن المعقول الحق أن يكون حرصهم على استقصائه وتحريره وضبطه أشد حرص وأقومه وأتمه.
وننبه على أننا استعملنا تعبير «جميع ما مات النبي عنه وهو قرآن» ولم نستعمل تعبير «جميع القرآن الذي نزل على النبي» قصدا لأن في القرآن نصوصا صريحة مكية ومدنية مثل:
١- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها البقرة: [١٠٦].
٢- وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ النحل:
[١٠١].
تفيد أنه وقع بعض التبديل والنسخ في بعض آيات القرآن في عهدي النبي المكي والمدني بوحي الله مما هو مؤيد بأحاديث عديدة مثل حديث مروي عن أبي موسى الأشعري جاء فيه «نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت» ومثل حديث أخرجه الطبراني عن ابن عمر جاء فيه أن النبي أقرأ رجلين سورة فكانا يقرآن بها فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله فذكرا له ذلك فقال إنها مما نسخ فالهوا عنها، ومثل حديث رواه البخاري عن أنس أنه نزل في قصة أصحاب بئر معونة قرآن قرأناه ثم رفع إلخ.
- ٧-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال]
ولقد أدرنا الكلام في الفقر السابقة في نطاق الروايات المروية المتعارضة والتعليقات الواردة عليها، وما يتسق مع طبائع الأمور والظروف وما لا يتسق.
ونقول الآن إن في القرآن ملهمات تؤيد النتائج التي قررناها، وتوثق الروايات التي

صفحة رقم 99

تستند إليها، وتدلّ أو تقوم قرينة على أن القرآن كان يدوّن بانتظام ويحفظ بانتظام وإن آياته قد رتبت في السور وسوره قد رتبت في تسلسل في حياة النبي عليه السلام، مما يعدّ جديدا في هذا الباب لم نطلع على مثله.
فأولا إن في بعض السور آيات احتوت قرائن قوية على أن ما كان ينزل من القرآن كان يدوّن حال نزوله وأن مدوناته كانت تحفظ وتتلى على ملأ الناس:
١- ففي سورة القيامة الآيات التالية:
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
. فهذه الآيات جاءت معترضة بين آيات متصل قبلها بما بعدها اتصال موضوع وخطاب ونظم، في حين أنها غير متصلة بهذه الآيات موضوعا ولا خطابا ولا نظما كما يبدو حين قراءة السياق بطوله «١».
وقد روي بمناسبتها حديث يستفاد منه أنها نزلت على النبي لأنه كان حينما يتلقى وحي القرآن يحرك شفتيه بما ينزل على قلبه خشية نسيانه. ووجود هذه الآيات في موضعها يلهم بقوة أنها أوحيت إلى النبي في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها. ولا يصح فرض غير هذا فيما نعتقد لفهم حكمة وجودها في السياق، ولا مناص من فرض ثان مع الفرض الأول وهو أن النبي أمر بتدوين آيات السورة فور وحيها، وأملى على الكاتب هذه الآيات في سياق آيات السورة لأنها أوحيت إليه مع آيات السورة، مع أنها كانت خطابا خاصا له وبقصد تعليمه كيفية تلقي الوحي فدونت كما جاءت. وفي هذه الآيات في موضعها ملهمات أخرى

(١) لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ. بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ. بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ. يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ. فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلَّا لا وَزَرَ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ. يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ. بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ. لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ إلخ...

صفحة رقم 100

عظيمة الخطورة أيضا في صدد القرآن، فهي تقف أمام أي شك حتى من أشد الناس تشككا بأن ما كان يبلغه النبي من آيات القرآن إنما كان وحيا يشعر به في أعماق نفسه ويدركه ويستمع إليه بإذن بصيرته ويعيه بقلبه، وهي تبين مقدار عظيم حرصه على أن لا يفلت منه أي كلمة أو حرف أو معنى مما كان يوحى إليه به قرآنا فكان يسارع إلى ترديده وإملائه حتى يبلغه تاما كاملا لا تبديل فيه ولا زيادة ولا نقصا ولا تقديما ولا تأخيرا. وهي تقرر معنى من معاني العصمة النبوية في صدد ما يبلغه النبي من وحي القرآن الرباني في توكيدها بأن الله سيثبت في قلبه ما يلقى عليه ويجعله يحيط به ويلهمه فهمه وبيانه. فالنبي بهذا قد عصم من الغلط والنسيان والخطأ والتقديم والتأخير والزيادة والنقص في القرآن، فكل ما بلغه من آيات القرآن هو وحي رباني، وقد بلغ كل ما أوحي إليه به بتمامه وحرفيته. ولعلها تقوم قرينة على أن لا محل ولا معنى للقول إن القرآن نزل على النبي بالمعنى لا باللفظ أيضا. وإذا لاحظنا أن ضمير الآيات هو ضمير المتكلم وأن القرآن كلام الله وأوامره أمكننا أن نقول إن في الآيات دلالة على أن القرآن كان وحيا ربانيا مباشرا ينقذف في قلب النبي فيعيه ويبلغه، أو على الأقل إن هذه الطريقة من الطرق التي كان يوحي الله إلى النبي بما يشاء أن يوحي إليه به وهذا القول يتسق مع طرائق اتصال الله بأنبيائه على ما جاء في آيات سورة الشورى [٥١- ٥٢] التي شرحناها في بحث سابق. كذلك فإن هذه الآيات تفيد أن ما كان يوحى به إلى النبي عليه السلام كان النبي يبادر إلى الأمر بتدوينه وتسجيله حتى ولو كان موضوعه خاصا به وبصدد تعليمه تلقي الوحي واستيعابه، وأن النبي قد جرى على هذا منذ أوائل نبوته لأن هذه السورة من أوائل القرآن نزولا. وهذا المعنى عظيم من وجهة عصمة النبي في تبليغ كل ما كان ينزل على قلبه من وحي الله بما في ذلك من خطرات النفس وأسلوب تلقي القرآن والتصرف الشخصي أو الحركة الشخصية اللاشعورية، وهو مؤيد بآيات عديدة علّقنا عليها في مناسباتها من التفسير الكامل الذي كتبناه.
٢- في سورة طه آية فيها مشهد مماثل لهذا المشهد في معناه وظروفه وهي هذه:

صفحة رقم 101

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤).
وكل ما قلناه بشأن الآيات السابقة يصحّ بشأن هذه الآية.
٣- في سورة الشعراء سلسلة طويلة من قصص الأنبياء، وكل من هود وصالح ولوط وصفوا بصفة أخيهم إلا شعيبا فإن هذه الصفة لم تلحق به في حين أنها ألحقت به في فصول سور أخرى «١». فهذا يلهم بقوة أن الفصول القرآنية دونت كما أنزلت على قلب النبي ولم يكن فيها وصف الأخ لحكمة يعلمها منزل الوحي.
ومع أن بعض العلماء قالوا إن مدين التي وصف شعيب في سياق قصتها بأخيهم في سور الأعراف وهود والعنكبوت هي غير أصحاب الأيكة الذين ذكرت قصتهم سورة الشعراء فإن بعضهم قال إنهم واحد. ويلاحظ أولا بأن الكلام عن أصحاب الأيكة مماثل للكلام عن أصحاب مدين. وثانيا أنه لم يجمع في آية واحدة بين الفريقين «٢». وهاتان الملاحظتان تسوغان الترجيح إن لم نقل الجزم بأنهما واحد وتجعلان ما استدللنا عليه في هذه النبذة في محله.
٤- ومن هذا الباب الآية التي ذكر فيها إسماعيل واليسع وذو الكفل في سورة ص [٤٨] فكل الأنبياء الذين ذكروا في الآيات المتقدمة أي داود وسليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وصفوا بعبد الله وبعباد الله إلا الأنبياء الثلاثة الذين ذكروا في الآية [٤٨] فهذا يلهم بقوة أيضا أن الفصول دونت فورا كما أنزلت على قلب النبي ولم يكن فيها وصف عبادنا للأنبياء الثلاثة لحكمة يعلمها منزل الوحي كذلك.
٥- ويسلك في هذا الباب أيضا آيات متشابهة الألفاظ فيها تقديم أو تأخير كلمة فحسب
مثل آية المؤمنون [٨٣] لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ في

(١) اقرأ آيات الأعراف: [٨٥- ٩٣]، وهود: [٨٤- ٩٥]، والعنكبوت: [٣٦- ٣٧]، مثلا.
(٢) اقرأ مثلا آيات سورة ق: [١٣- ١٤]، وص: [١٢- ١٣]، والتوبة: [٧٠]، والحج: [٤٣- ٤٤].

صفحة رقم 102

حين أن آية مماثلة في سورة النمل [٦٨] قد تقدمت فيها كلمة «هذا» كما ترى فيها لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ حيث يصح ما قيل في الفقرتين السابقتين فيها ويستدل منها على الإملاء والتدوين الفوريين.
٦- وفي سورة النحل موضوع طريف في صدد ما نحن بسبيل تقريره. فقد اقتضت الحكمة الربانية تبديل آية مكان آية فاستغل المشركون الحادث استغلالا عظيما حتى كان من نتيجة ذلك أن ارتدّ بعض ضعفاء الإيمان في مكة كما يستلهم من آيات السورة هذه:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧).
فهذا الحادث يلهم أن آيات القرآن كانت مدوّنة فأمر النبي بوضع آية مكان آية وفقا لما أوحي إليه فكان ما كان من موقف الكفار، ويسوغ القول أن القرآن لا بدّ من أنه كان مدونا يتلى حتى يكون مجال لهذا الموقف.
فهذه عدة أمثلة متصلة بعدة سور مكية متفاوتة في فترات نزولها حتى ليصحّ أن يقال إن منها ما نزل أوائل عهد مكة ومنها ما نزل بعدها بقليل ومنها ما نزل في

صفحة رقم 103

أواسطه، تحتوي دلائل على أن القرآن كان يدوّن حال نزوله ويتلى وينشر بين الناس ويسمعه المشركون كما يتداوله المسلمون أيضا.
٧- إن القرآن المكي احتوى آيات كثيرة تصف القرآن بالكتاب- وهذه الكلمة تأتي بمعنى المكتوب أيضا- ومنها ما يجمع بين الكلمتين معا «الكتاب والقرآن» «١» أي الكتاب المقروء المكتوب «٢»، وتنوه بخطورته وتشير إليه كأعظم مظهر وآية للنبي والنبوة وتذكر أنه أنزل ليتلى على الناس، وأن فيه متنوع الأمثال ليتدبروا آياته ويعقلوها، وأنه أنزل على النبي ليبيّن لهم ما أنزل إليهم من ربهم ويوضح لهم ما اختلفوا فيه كما يستفاد منها أن القرآن نفسه كان موضوع جدل رئيسي بل أهم موضوع جدل بين النبي والمشركين في مكة «٣». فكل هذا يلهم أنه كان يدون وتتلى مدوناته على الناس مسلمين ومشركين كما يلهم أن المسلمين أيضا كانوا يدونونه ليتدبروا ويتذكروا ويتعلموا ويتفقهوا فيه.
٨- في سورة الفرقان آية تلفت النظر وهي: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها «٤» فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) فهذه الآية تلهم أن القول ليس مما يرمى جزافا وإنما هو مستند إلى مشاهدة بأن آيات القرآن وسوره كانت تدون وتتلى على الناس في صحف فكان المشركون يصفونها بهذه الصفة، ويريدون بذلك أن النبي كان يستكتبها عن كتب الأولين وأساطيرهم.

(١) مثل الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ الحجر: [٢]. وطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ النمل: [١].
(٢) يرجح بعض علماء اللغة أن كلمة القرآن مصدر من مصادر «قرأ» ونحن نعتقد أنها متصلة بجذر «قرأ» على كل حال وقد قال بعض المستشرقين إنها دخيلة عبرانية. ولا نرى لهذا مبررا لأن جذر قرأ أصلي في اللغة العربية، على أن ما لا شك فيه أن الكلمة بصيغتها كانت مستعملة قبل نزول القرآن وليس من الضروري أن تكون دخيلة عبرانية معربة إذا لاحظنا خاصة أن العربية والعبرانية تمتّان إلى أصل واحد وأن كثيرا من الجذور فيها متّحد. [.....]
(٣) هذه الآيات كثيرة جدا ومنبثة في مختلف السور المكية مما يجعلنا في غنى عن التمثيل لها.
(٤) تأتي بمعنى استكتبها كما ذكر الزمخشري في «الكشاف».

صفحة رقم 104

٩- في سورة الواقعة الآيات التالية: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩). وفي سورة عبس الآيات التالية: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦). فهذه الآيات وتلك وإن كانت تشير إلى صلة القرآن بالملائكة وطهارة أصله ومصدره وكرامته فإن روح عباراتها تلهم أيضا وبقوة أن القرآن صار مكتوبا في صحف وصار لهذه الصحف واجب التكريم فلا يمسها إلا المطهرون. وهذا ما كان يجري فعلا كما جاء في الروايات الوثيقة وخاصة في رواية إسلام عمر وصحيفة القرآن التي كانت في يد أخته ورفضها تسليمها إليه إلا بعد أن يتطهر «١» وأصل التقليد الإسلامي الفقهي بعدم جواز مسّ المصحف إلا على طهارة هو من هذا الباب.
١٠- في سورة الحجر هذه الآية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ «٢» وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩). فهذه الآية إن احتوت وعد الله بحفظ القرآن فإنها احتوت تلقينا توجيهيا للنبي بتدوينه وحفظه أيضا.
١١- لقد كثر في القرآن المكي ترديد ذكر أهل الكتاب وكتبهم، وتقرير معنى التطابق بين القرآن وبين هذه الكتب والاستشهاد بأهل الكتاب على صحته ووصف مواقفهم حينما كانت تتلى عليهم آيات القرآن. وطبيعي أن النبيّ كان يعرف أن الكتب السماوية متداولة في أيدي اليهود والنصارى ومكتوبة في صحف وقراطيس، ومجموعة في أسفار أو سجلات، فمما لا ريب فيه أن الآيات التي احتوت ذلك قد احتوت تلقينا توجيهيا للنبي والمسلمين بأن يدونوا الفصول القرآنية ويجمعوها في أسفار وسجلات أسوة بتلك الكتب التي نزل القرآن مصدقا لها ومتطابقا في أسسه وروحه ومصدره معها، ولا يعقل إلا أن يكون النبي والمسلمون قد اعتنوا كل العناية بهذه النقطة.

(١) ابن هشام ج ٢ ص ٢.
(٢) يعني القرآن.

صفحة رقم 105

- ٨-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال]
وثانيا: إن في القرآن المكي ملهمات عديدة لترتيب الآيات في السور وتأليف السور في حياة النبي عليه السلام:
١- فقد تكرر فيه كلمة «سورة» وخاصة في معرض تحدي المشركين وجاءت مرة بتحديهم بالإتيان بسورة ومرة بعشر سور كما ترى في يونس وهود هاتين:
١- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ (٣٨).
٢- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (١٣).
وعبارة الآيات لا تدع مجالا للشك في أن مدلول السورة هو مجموعة مستقلة من الآيات أو الفصول القرآنية، ولا تدع مجالا للشك كذلك في أن مجموعات القرآن حينما نزلت هذه الآيات- وترتيب السورتين يلهم أنهما مما نزل في أواسط العهد المكي- كانت سورا مستقلة تامة حتى يصح التحدي والتمثيل.
وطبيعي أن هذا الأسلوب قد ظل العمل به مستمرا.
٢- إن السور المكية المسجعة أو الموزونة أو المقفاة «١» خمس وستون سورة بما فيها الرحمن والإنسان والزلزلة التي نرجح مكيتها والتي ذكرت مكيتها روايات عديدة في حين أن بعض الروايات قال إنها مدنية منها أربع وخمسون قصيرة هي الفاتحة والناس والفلق والإخلاص وأبي لهب والكافرون والكوثر والماعون وقريش والفيل والهمزة والعصر والتكاثر والقارعة والزلزلة والعاديات والقدر والعلق والتين والانشراح والضحى والليل والشمس والبلد والفجر والغاشية والأعلى والطارق

(١) الفرق فيما نعتقد هو أن الأصل في المسجوع وحدة القافية دون التزام التوازن وأن الأصل في الموزون هو التوازن دون التزام وحدة القافية. ومن الممكن أن يكون المسجوع موزونا أيضا. وفي القرآن نماذج لكل ذلك. وهناك سور احتوت فصولا متنوعة في الوزن والقافية أيضا. وفي كتابنا عصر النبي وبيئته قبل البعثة عرض وبحث في هذا الباب في فصل اللغة القرآنية.

صفحة رقم 106

والبروج والانشقاق والمطففون والانفطار والتكوير وعبس والنازعات والنبأ والمرسلات والإنسان والقيامة والمدثر والمزمل والجن ونوح والمعارج والحاقة والقلم والملك والواقعة والرحمن والقمر والنجم والطور والذاريات وق، ووحدة الموضوع في هذه السور بارزة بروزا تاما. فالغرض الصحيح الذي نعتقد أنه لا يصحّ غيره هو أنه نزل كل منها دفعة واحدة وكسبت شخصيتها كسور مستقلة.
وإذا كان من الممكن أن يكون استثناء فهو قليل بالنسبة إلى هذا العدد الكبير من جهة، وهو في الوقت نفسه ليس استثناء ينقض هذا الغرض في جوهره من جهة أخرى. وقد احتطنا بهذا الاستدراك من أجل ما روي من أن آيات العلق الأولى هي أول ما نزل وأنها نزلت منفردة مما يبرره مضمون آيات السورة، ومن أجل ما روي من مثل ذلك بالنسبة إلى آيات سور المزمل والمدثر والقلم الأولى مما يبرره كذلك مضمون آيات السور «١» ثم من أجل ما روي من أن الآية الأخيرة من سورة المزمل مدنية وليست مكية مما يبرره مضمونها أيضا.
٣- إن التدقيق في فصول بقية السور المسجعة أو الموزونة المتوسطة إلى سور ص والصافات ويس وفاطر والشعراء والفرقان وطه ومريم والكهف والإسراء والحجر يظهر تلاحق فصولها وانسجامها بالإضافة إلى تسجيعها وتوازنها. وهذا وذاك يلهمان أو يحملان على الترجيح بأنها هي الأخرى نزلت دفعة واحدة أو فصولا متتابعة بدون اعتراض بفصول من سور أخرى إلى أن تمّ كل منها واكتسب شخصيته كسور مستقلة.
٤- إن السور المكية غير المسجعة وغير الموزونة ست وعشرون، وهي الأحقاف والجاثية والدخان والزخرف والشورى وفصلت وغافر والزمر وسبأ والسجدة ولقمان والروم والعنكبوت والقصص والنمل والمؤمنون والحج «٢» والأنبياء والنحل وإبراهيم والرعد «٣» ويوسف وهود ويونس والأعراف والأنعام.

(١) في مبحث أوليات الوحي في الجزء الأول من كتابنا «سيرة الرسول» بيان واف لذلك.
(٢) أدخلنا الحج لترجيحنا أن جلّ آياتها مكي وبعض الروايات تذكرها في عداد السور المدنية.
(٣) بعض الروايات تذكر سورة الرعد في عداد المدنيات وبعضها تذكرها في عداد المكيات وأسلوبها ومضمونها يحملان على ترجيح مكيتها.

صفحة رقم 107

ووصفنا إياها بغير المسجوعة وغير الموزونة هو من وجه عام، وقد احتوى بعضها فصولا مسجوعة أو موزونة أيضا. ومن هذه السور تسع ضاربة إلى القصر أكثر منها إلى التوسط وهي الأحقاف والجاثية والدخان والزخرف والشورى وفصلت وسبأ والسجدة ولقمان وباقيها متوسط وقريب من الطويل وطويل. ومع أنها غير مسجعة وغير موزونة الآيات كما قلنا فإن خواتم آياتها مركزة. والذي يمعن فيها يجد تلاحقا في السياق وترابطا في الفصول، ويجد أكثرها ذا وحدة موضوعية أيضا.
وكل هذا يلهم أن الضاربات إلى القصر منها قد نزلت دفعة واحدة وأن ما يحتمل أن لا يكون نزل دفعة واحدة من باقي السور قد نزل فصولا متتابعة من دون اعتراض بفصول من سور أخرى. إلى أن تمّ كل منها واكتسب شخصيته المستقلة.
وما جاء في الرقمين ٣ و ٤ يمكن توثيقه بمميزات القرآن المكي والعهد المكي. فإن هذا العهد كان عهد دعوة، وأحداثه متشابهة من حيث كونها مواقف دعوة وحض وإنذار وتبشير وتنديد وتذكير ووعظ من جانب النبي، ومواقف إنكار وعناد ومكابرة وجدل وتحدّ وأذى من جانب الكفار. والقرآن المكي قد دار جميعه على هذه المواقف المتشابهة فطبيعة هذا العهد لا تقتضي كما يبدو مستقيما نزول فصل من سورة ثم تعقيبه بفصل من سورة أخرى وقبل أن تتم فصول السورة السابقة. وتلاحق فصول السور المكية المتوسطة والطويلة وانسجامها بل ووحدة الموضوع فيها بوجه الإجمال مما يقوم دليلا قويا على ذلك.
٥- إن سبعا وعشرين سورة من السور المكية المتنوعة تبتدئ بحروف متقطعة وهي القلم وق والأحقاف والجاثية والدخان والزخرف والشورى وفصلت وغافر وص ويس والسجدة ولقمان والروم والعنكبوت والقصص والنمل والشعراء وطه ومريم والحجر وإبراهيم والرعد ويوسف وهود ويونس والأعراف. وسبع عشرة منها وجلّها من القصار تبتدئ بالإقسام وهي العصر والعاديات والتين والضحى والليل والشمس والفجر والبلد والطارق والبروج والنازعات والمرسلات والقيامة

صفحة رقم 108

والنجم والطور والذاريات والصافات. وتسعا وهي متنوعة أيضا تبتدئ بالثناء والحمد والتسبيح وهي الفاتحة والأعلى والملك وفاطر وسبأ والفرقان والكهف والإسراء والأنعام. وتسعا أخرى كلها من القصار تبتدئ بالاستفهام وهي الماعون والفيل والانشراح والقارعة والغاشية والنبأ والإنسان والمعارج والحاقة. وتسعا أخرى من القصار كذلك تبتدئ بخطاب النبي نداء أو أمرا وهي الناس والفلق والإخلاص والكافرون والكوثر والعلق والمدثر والمزمل والجن. وأربعا منها تبتدئ بالدعاء والإنذار وهي المسد والهمزة والتكاثر والمطففون. وخمسا منها تبتدئ بحرف إذا التنبيهي أو التذكير وهي الزلزلة والانشقاق والانفطار والتكوير والواقعة، أي إن ثمانين سورة مكية من مجموع إحدى وتسعين ذوات مطلع خاص فيه دلالة ما على شخصية السورة واستقلالها. أما بقية السور المكية فمنها سبع قصار مسجوعة هي قريش والقدر وعبس ونوح والرحمن والقمر والزمر يجري عليها ما قلناه من طابعها البارز الذي يدل على نزولها دفعة واحدة واكتسابها شخصيتها. والأربع الأخرى وهي المؤمنون والحج والأنبياء والنحل فإن مطالعها تلهم بدء سورة خاصة مستقلة إذا ما أنعم النظر فيها.
- ٩-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال]
وثالثا: إذا صحّ ما قلناه واستلهمناه من آيات القرآن المكي وأساليب نظمه من أن القرآن المكي كان يدوّن فورا ويحفظ بانتظام وهو ما نعتقد بصحته فإن هذا ما ينبغي أن يكون صحيحا من باب أولى بالنسبة للقرآن المدني بطبيعة الحال. لأن الحالة بعد الهجرة أصبحت أعظم خطورة من ناحية الدعوة وتطورها إلى تشريع وتركيز، وأصبح المسلمون أكثر طمأنينة واستقرارا، وهذا يتسع للتدوين والحفظ ويقتضيهما من باب أولى. ثم إنه كان في المدينة جالية كبيرة من اليهود، وكان لها أحبارها وربانيوها وقضاتها ومدارسها وكتبها، وقد نشب بينها وبين النبي عليه السلام منذ حلوله في المدينة تشادّ وخلاف وجدل حول الدعوة والقرآن والتوراة والأنبياء، وهذا كله سائق لتدوين القرآن وحفظه بانتظام كذلك. فليس من مبرر

صفحة رقم 109

للشك قط في أن ما جرى عليه النبي والمسلمون في مكة من تدوين القرآن فورا وفي الصحف والقراطيس لم يظل مستمرا في العهد المدني.
بالإضافة إلى هذا فإن في القرآن المدني أمثلة مشابهة لما ذكرناه في صدد تدوين القرآن المكي. ففي سورة البقرة آيتان متشابهتان مع فرق قليل في النظم وهما هاتان:
١- وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨).
٢- وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣).
وفي سورتي البقرة وآل عمران الآيتان التاليتان:
١- قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ البقرة: [١٣٦].
٢- قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ آل عمران: [٨٤].
وفي سورة التوبة آيتان متشابهتان مع فرق قليل في النظم كذلك وهما هاتان:
١- فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥).
٢- وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥).
والسياق قد يلهم أن كلا من آيتي البقرة قد نزل في سياق طويل في مجلس

صفحة رقم 110

واحد، والفرق في النصّ يلهم أن كلا منهما قد دون فورا بعد نزولهما كما أملاهما النبي عليه السلام، وكذلك الأمر في آيتي التوبة أيضا والبقرة من أوائل ما نزل والتوبة من أواخر ما نزل من القرآن. وهذا يعني أن التدوين بدأ منذ أول العهد المدني واستمرّ إلى آخره. والفرق في آيتي البقرة وآل عمران المتشابهتين يلهم ما تلهمه الآيات الأخرى من فورية التدوين بطبيعة الحال.
أما من حيث ترتيب آيات القرآن المدني في السور ومن حيث شخصيات سوره فالناظر يجد:
١- أن سورتين منها تبتدئان بحروف متقطعة وهما البقرة وآل عمران.
وثماني منها تبتدئ بنداء النبي وتوجيه الخطاب إليه وهي النصر والتحريم والطلاق والمنافقون والمجادلة والفتح والأحزاب والأنفال. وخمسا منها تبتدئ بالتسبيح وهي التغابن والجمعة والصف والحشر والحديد. وثلاثا تبتدئ بخطاب المؤمنين وهي الممتحنة والحجرات والمائدة، أي أن ثماني عشرة سورة من مجموع ثلاث وعشرين ذوات مطالع تلهم أنها مبادئ سور وتلهم أن سورها ذوات استقلال وشخصية. أما باقي السور المدنية وهي البينة ومحمد والنور والتوبة والنساء فمطالعها هي الأخرى تلهم استقلالها وشخصية سورها إذا ما أمعن فيها ولو لم تكن ذات طابع مطلعي خاص.
٢- أن من السور المدنية اثنتين قصيرتين جدا وهما النصر والبينة وثلاث عشرة قصارا وهي التحريم والطلاق والتغابن والمنافقون والجمعة والصف والممتحنة والحشر والمجادلة والحديد والحجرات والفتح ومحمد وباستثناء اثنتين منهما وهما الجمعة والمجادلة فإن جميعها أي ثلاث عشرة من خمس عشرة ذوات موضوع واحد. وهذا يلهم أنها نزلت وكسبت شخصيتها دفعة واحدة. كذلك فإن إحدى السور المتوسطة وهي الأنفال ذات موضوع واحد وفصولها تلهم أنها نزلت دفعة واحدة هي الأخرى.
٣- أن السور التي احتوت مواضيع عديدة وفصولا متنوعة وغير مترابطة

صفحة رقم 111

أحيانا تسع منها اثنتان قصيرتان هما الجمعة والمجادلة، واثنتان متوسطتان هما الأحزاب والنور، وخمس طوال هي التوبة والمائدة والنساء وآل عمران والبقرة وفي الحق أن مواضيع هذه السور وفصولها تلهم أنها لم تنزل دفعة واحدة ولا فصولا متتابعة بدون اعتراض، وتلهم أنها ألّفت تأليفا على ما هي عليه في المصحف بعد تكامل فصولها من دون سائر السور القرآنية المكية والمدنية.
ونرجح أن الكلام والتخمين في أمر ترتيب آيات القرآن في سورها قد كان بسبب هذه السور وحولها في الدرجة الأولى لأن وحدة موضوع سائر السور ونظمها وتلاحق سياقها وتناسب فصولها المتتابعة يلهم وحدة النزول أو التتابع فيه. والذي نعتقده أن ترتيب آيات وفصول هذه السور على الوجه الذي هو عليه في المصحف المتداول قد كان في حياة النبي وبأمره وأن ما ورد عن زيد بن ثابت- وهو أنصاري- في حديث تأليف القرآن من الرقاع على عهد النبي «١» وما جاء من أحاديث تتضمن أن النبي كان يوحى إليه بفصل قرآني من السور ذوات العدد كما جاء في حديث عثمان «٢» أو بكلمة ثانية ذوات الفصول المتعددة ويمليه على كتّاب وحيه يأمرهم بوضعه في مكان من سورة يعيّنها لهم هو الصورة الصحيحة الصادقة لما كان يقع خاصة في صدد هذه السور المدنية السبع.
ولعل من ملهمات القرآن على صحة ذلك التناسب البارز بين كثير من الفصول في هذه السور وخاصة في السور الطويلة موضوعا أو مدى أو مفهوما أو مناسبة حينما ينعم النظر فيها مما نبهنا عليه في التفسير من مثل تسلسل الأسئلة وأجوبتها التشريعية في سورة البقرة، وتسلسل فصول أحكام الأسرة في سورة النساء وتسلسل فصول أهل الكتاب في سورة المائدة، وتسلسل فصول الجهاد ومواقف المشركين والمنافقين في سورتي آل عمران والتوبة، وتسلسل الفصول التأديبية والتعليمية والإرشادية وما يتصل بمشاكل الأسر في سورة النور، وتناسب فصول سورة الأحزاب في الحملة على المنافقين والكفار والتنديد بمواقفهم

(١) المجموعة الثالثة.
(٢) المصدر نفسه.

صفحة رقم 112

المختلفة من جهة وتناسب فصولها الأخرى في صدد التأديب والأنكحة في حين أن من هذه الفصول والآيات ما نزل متأخرا أو ما نزل متقدما أو ما نزل بعد فصول سور أخرى إلخ مما نبهنا عليه في التفسير وما يمكن أن نمثل عليه بفقرة من آية النساء [٢٥] التي تذكر أن على الإماء المحصنات نصف ما على الحرائر من الحد، حيث وضعت هذه الفقرة في الآية لمناسبة السياق في حين أنها نزلت حتما بعد آية سورة النور [٢] التي تذكر الحدّ على الزناة.
ولعل من ملهمات القرآن كذلك على ترتيب آيات وفصول هذه السور المتنوعة الفصول في حياة النبي الآية الأخيرة من سورة النساء في وارث الكلالة، حيث يلهم وضعها أنها نزلت متأخرة وبعد أن تم تأليف السورة فألحقت بأمر النبي بالسورة ولو بآخرها لأن الموضوع الذي تتصل به قد جاء في سورة النساء. ولو كانت فصول سورة النساء وآياتها لم ترتب على عهد النبي وبأمره أو لو كانت هذه السورة غير مرتبة الآيات والفصول حينما نزلت الآية لكانت وضعت، على ما يبدو مستقيما في سياق فصل التوارث مثل عقوبة الإماء المحصنات التي وضعت في مناسبتها، وهذه ظاهرة خطيرة أو بالأحرى دليل قرآني حاسم على أن ترتيب السور إنما تم في حياة النبي وأمره.
ومن هذه الملهمات آية الأحزاب [٤٩] بشأن عدة المطلقة بدون مسّ ودخول. وقد احتوت البقرة سلسلة آيات بهذا الشأن [٢٣٥- ٢٤١] وقد انصبت كلها على مهورهن. أما آية الأحزاب فذكرت عدم وجوب العدة عليهن. فلو كانت سورة البقرة لم يتم ترتيبها في عهد النبي عند ما نزلت آية الأحزاب لكان المتبادر أن تلحق بسلسلة البقرة للتناسب الوثيق ولما وضعت في سورة الأحزاب كفصل خاص لا صلة له بسابق ولا لاحق. ومن باب أولى أن يكون ذلك لو كان الترتيب تمّ في عهد أبي بكر.
ولقد يرد أن هناك آيات مدنية في سور مكية وآيات مكية في سور مدنية، وأن هذا قد يقوم قرينة على أن السور المكية لم تكن تامة الترتيب في العهد المكي الجزء الأول من التفسير الحديث ٨

صفحة رقم 113

ونقول من حيث الأساس إن الآيات المدنية المروية في السور المكية ليست كثيرة العدد حتى مع التسليم بصحة رواية مدنيتها جميعها. ففي مصحف مصطفى نظيف قدور أو غلي المطبوع من قبل عبد الحميد أحمد حنفي والمصدق عليه من قبل اللجنة المعينة بأمر الملك فؤاد (١٤٧) آية قيل إنها مدنية في (٣٤) سورة من مجموع الآيات البالغ عددها أربعة آلاف ونيفا، فليس مما ينقض ما قررناه وجود هذه الآيات في هذه السور بحيث يمكن أن يفرض أن النبي أمر بإضافة هذه الآيات إلى المكان المناسب لها في السور المكية لتناسب السياق أو الموضوع أو لتدعيمه، ولا يترتب على هذا أن لا تكون السور المكية مرتبة قبل ذلك. هذا مع أن دمج هذه الآيات في سياق مناسب لها في سور مكية يدل دلالة قوية على العكس، أي على أن الآيات المكية كانت مرتبة في سورها من جهة وعلى أن ترتيب الآيات في السور قد كان في حياة النبي وأمره بل وعلى أن عملية التأليف والترتيب والتركيز كانت مستمرة بأمر النبي وتناسب الموضوع وتلازمه بين الآيات المدنية التي لا تحتمل مدنيتها شكا في السور المكية وهي آخر آية في سورة المزمل وآخر آية في سورة الشعراء والآيات [١٦٤- ١٧١] في سورة الأعراف يعد دليلا قرآنيا على أن وضعها كان بأمر النبي، ومؤيدا لما نحن في صدد تقريره، فآية المزمل الأخيرة تخفف التكليف الذي كلف به النبي في أولها من قيام الليل وتعذر المسلمين بسبب كثرة مشاغلهم وواجباتهم التي منها القتال الذي لم يكن إلا في العهد المدني، وآية الشعراء تستثني الشعراء المسلمين الذين كانوا يقابلون شعراء المشركين على هجوهم النبي والمسلمين من النعت الذميم الذي نعت به الشعراء وآيات الأعراف في صدد حادثة عدوان اليهود في يوم السبت وما كان من غضب الله عليهم بسببه وقد وضعت في سلسلة قصة بني إسرائيل وبدئت بأمر النبي بتذكير يهود المدينة بأمرهم. فالتناسب قائم بين الآيات المدنية والفصول المكية كما هو ظاهر.
أما الروايات عن الآيات المكية في السور المدنية فإنها قليلة جدا فهي في المصحف الذي ذكرناه سبع آيات في الأنفال [٣٠- ٣٦] وآخر آيتي التوبة والآية

صفحة رقم 114

[١٣] من سورة محمد وقد شككنا في الروايات لأن مضامين الآيات وسياقها يحمل على التوقف بالإضافة إلى روايات أخرى تخالفها. ومع ذلك فعلى فرض صحتها فإنها ليس من شأنها أن تخلّ بما نقرره وأن تمنع أن يكون النبي قد أمر بإخراج بعض الآيات من سور مكية وإضافتها إلى سياق مناسب لها أكثر في سور مدنية بل إن في هذا نفس الدلالات التي ذكرناها آنفا.
وعلى كل حال فليس من المعقول أن يتصرف الصحابة بعد النبي فينقلوا آيات من سور مكية إلى سور مدنية وآيات من سور مدنية إلى سور مكية البتة، وأنه لا يكاد يتحمل شكا في أن نقل آيات نزلت في عهد إلى سور أو مجموعة آيات نزلت في عهد آخر إنما يكون وقع في حياة النبي وبأمره.
وقد يرد ما ذكرته الروايات عن آخر الآيات نزولا مثل آيات الدين أو الربا في سورة البقرة، فعلى صحة هذه الروايات فإنه ليس فيها ما ينقض ما قررناه من ترتيب آيات القرآن في السور في حياة النبي عليه السلام وبأمره، إذ من الممكن والمعقول أن يفرض أن النبي هو الذي أمر بوضعها في مكانها التي هي فيه الآن كما كان شأن آخر آيات سورة النساء، بل وإن وجود هذه الآيات في مواضعها ليقوم دليلا على صحة هذا الفرض بل وعلى أن لا يكون إمكان لغرض غيره. ففي سورتي البقرة وآل عمران مثلا آيات مقاربة لموضوع الآيات المذكورة، في سورة البقرة، فلو لم تكن الآيات موضوعة في مكانها بأمر النبي لكانت وضعت هذه الآيات المتقاربة في سلسلة واحدة. ويقاس على هذا غيره.
- ١٠-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال]
ورابعا: أما ترتيب السور في تسلسلها على ما هو في المصحف المتداول فليس في القرآن ما يمكن أن يستلهم منه على أن ذلك قد تم في حياة النبي وبأمره، إلا قرائن قليلة قد لا تكون شافية. منها عدم فصل سورة التوبة عن سورة الأنفال في البسملة وتقديم الأنفال عليها مع أنها ليست من الطوال ولا من المئين.
والسورتان إذا اجتمعتا تكونان سورة طويلة وتنسجمان مع السور الطوال الست

صفحة رقم 115

السابقة. والثابت المؤيد بمضامين السورتين أن الأنفال من أوائل ما نزل في المدينة في حين أن التوبة من أواخر ما نزل فيها فورودهما واحدة وراء الأخرى وفي سلك الطوال ودون فاصل ببسملة يلهم أنه بأمر النبي إذ لو كان هذا الترتيب بعده لو ضعت الأنفال في سلسة المثاني كما هو شأن سورتي النور والأحزاب المدنيتين اللتين جاءت كل منهما منفردة بين سور مكية ومنها ما يلاحظ من الشذوذ في ترتيب السور الأطول وما يليها. فسورة المائدة أقصر وأقل عدد آيات وحيزا من سورتي الأنعام والأعراف بل ومن سورة التوبة بمفردها ولكنها جاءت قبلها. وسورة الشعراء من حيث عدد آياتها تأتي بعد سورة البقرة فهي أكثر عدد آيات من سائر السور الطويلة وسور المئين وقد جاءت مع ذلك بعد ثلاث وعشرين سورة كلها أقل عدد آيات منها ومنها ما هو أقل حيزا أيضا وآيات سورة الصافات التي جاء ترتيبها متأخرا جدا أكثر عددا من آيات سور النساء والمائدة والأنعام وهي أكثر آيات من جميع السور باستثناء البقرة والشعراء والأعراف والنساء وسور إبراهيم والرعد، والحجر أقل حيزا وعدد آيات من سور النحل والإسراء والكهف ومريم وطه ومع ذلك فقد جاءت قبلها. وسورة الأحزاب أكبر حيزا وأكثر عدد آيات من سور الروم ولقمان والسجدة التي سبقتها. وسورة الأعراف أكثر عدد آيات وأكبر حيزا من سورتي الأنعام والمائدة اللتين تقدمتاها. وسورة القصص أكبر حيزا وأكثر عدد آيات من سور الفرقان والنور والحج وأكبر حيزا من سورة النمل التي تقدمتها.
وسورة غافر أكبر حيزا وأكثر عدد آيات من سور الزمر ويس وفاطر وسبأ وأكبر حيزا من سورة ص التي تقدمتها ومثل هذا يقال في سورة الزمر وما تقدمها من بعض السور وما ذكرناه هو الشذوذ البارز. وهناك غيره غير قليل مما يدخل في هذا النطاق من حيث الحيز وعدد الآيات أو الأمرين معا بين السور المتوسطة والقصيرة ففي هذا على ما يتبادر لنا ملهمات بأن الترتيب قد كان بأمر النبي للحكمة التي رآها اجتهادا أو بناء على وحي رباني، فلم يكن من شأن أصحابه من بعده أن يبدلوا أو يغيروا فيه ولو لم يكن الأمر كذلك لاجتهدوا في إتمام النسق وفقا للترتيب الذي رأوه وجيها من تقديم الأطول ثم الذي يليه دون ما شذوذ بارز على الأقل. وليست

صفحة رقم 116

السور مرتبة بحسب مكيتها ومدنيتها أو بحسب نزولها حتى يعلل هذا الشذوذ بذلك وليس هذا بعسير التعيين والعمل كما يبدو للمدقق في السور.
وننبه على أننا هنا بسبيل الاستلهام من القرآن. ونعتقد أن ما قررناه تعليقا على الروايات والأحاديث والأقوال بأن ترتيب الآيات في السور وترتيب السور في تسلسلها المتداول في حياة النبي وبأمره هو قوي بذاته فضلا عن ما تلهمه القرائن القرآنية، وقوته مستمدة بنوع خاص من اتساقه مع طبائع الأمور والظروف، ومن سكوت جميع الروايات والأحاديث المتصلة بأصحاب رسول الله عن القول بأن تحرير المصحف في زمن أبي بكر ونسخ المصاحف في زمن عثمان قد استهدفا ترتيب آيات في سور أو سور في تسلسل أو تناولاه ولهذا دلالته الخطيرة، ومن أن مصحف عثمان هو نسخة طبق الأصل لمصحف أبي بكر وهو أصل المصحف المتداول في ترتيب آياته وسوره.
هذا وأخيرا نريد أن ننبه على أمر مهم في صدد هذه المباحث ومداها فإن ما تناولته إنما هو بسبيل البحث العلمي والتاريخي، وليس من شأنه أن يمسّ لبّ الموضوع، وهو كون القرآن المتداول بين المسلمين والذي هو في متناول الجميع سوره وفصوله ومجموعاته وآياته وكلماته ونظمه متصلا بالنبي وصادرا عنه مباشرة بوحي رباني نزل على قلبه، وكون هذا لم يكن في وقت من الأوقات موضع أخذ وردّ ومحل شك وتوقف من قبل المسلمين على اختلاف نحلهم وفرقهم وأهوائهم ومن لدن مشاهدي العيان في حياة النبي إلى الآن، كما أن صدوره مباشرة عنه لم يكن محل ريب من قبل غير المسلمين أيضا، وكون ما جاء ذكره في الروايات جميعها وعلى ما فيها من علل كثيرة من الآيات والكلمات والحروف لا يزيد على أكبر تقدير عن واحد في المائة من آيات القرآن التي تزيد عن ستة آلاف ومئتين، وكلماته التي تزيد عن سبعة وسبعين ألفا وحروفه التي تزيد عن ثلاثمئة ألف، وكون هذه النسبة التافهة جدا مع العلل الكثيرة التي تجعلها غير صحيحة ليس من شأنها أن تخل بتلك الحقيقة المسلم بها، وأن القرآن كان وظلّ ولن يزال معجزة النبي العظمى الخالدة أصفى منبع للأحكام والعقائد والتشريع والإلهام والفيض والتوجيه

صفحة رقم 117

والتلقين، فيه الحق والهدى والصدق والرشد، وفيه المبادئ السامية والشفاء للصدور والعلاج للنفوس والحلول لمتنوع المشاكل الإيمانية والروحية والسلوكية للناس كافة، أنزله الله على قلب نبيه الكريم وخلفه النبي عليه السلام في المسلمين فلا يضلّون أبدا إذا ما اتبعوه وتمسكوا به، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وإنه ليصحّ أن يقرر جزما أنه قد ظل سليما في حفظ الله محفوظا كل الحفظ من كل تبديل وتغيير وتحريف وزيادة ونقص مجمعا عليه في رسم واحد ونصّ واحد ومصحف واحد وترتيب واحد في مشارق الأرض ومغاربها، وظل يحتفظ بإشراقه وسنائه وروحانيته، ونفس ألفاظه وحروفه وأسلوب ترتيله وتلاوته التي تلاها رسول الله وبترتيبه الذي وضعه، وبكل ما فيه من معاتبات ومؤاخذات وبهت وتكذيب وهزء وزراية ونسبة افتراء وسحر وشعر وكهانة وتعلم واقتباس وجدل مع مختلف طبقات الناس، ومن تقريرات لحقيقة شخصية الرسول البشرية، وتطور في التشريع والمواقف المتنوعة مما لم يتيسر لأي كتاب سماوي ولا لأي نبي، وظل بعد هذا مرجع كل خلاف، والحكم في كل نزاع بين المسلمين على اختلاف فرقهم وأهوائهم والقول الفصل في كل مذهب وعند كل نحلة من مذاهبهم ونحلهم على كثرتها، فتحققت بذلك معجزة الآية الكريمة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] وإنها لمعجزة كبرى تستحق التنويه في هذا المقام، ويكفي لتبيين خطورتها أن نذكر ما كان من فتن وخلاف وشقاق وحروب منذ صدر الإسلام الأول وما كان من اجتراء الناس في ذلك العهد وبعده على رسول الله والكذب عليه في وضع الأحاديث المتضمنة تأييد فئة على فئة ورأي على رأي ودعوة على دعوة ولإضعاف ذلك بالمقابلة، وما كان من وضع الروايات والأحاديث لصرف آيات من القرآن إلى غير وجهها بسبيل ذلك، وما كان من استعلاء قوم على قوم وشيعة على شيعة استعلاء القوة والسلطان مع اشتداد العداء والتجريح واشتداد تيار الأحاديث المفتراة، وأن نذكر أن هذا كان في حين لم يكن القرآن مطبوعا أو مصورا، وفي حين لم يكن من المستحيل أن يجرأ الذين اجترءوا على رسول الله وعلى كتاب الله

صفحة رقم 118

فيغيروا ويبدلوا ويزيدوا وينقصوا شيئا جوهريا سائغا على المسلمين وينشروا به مصاحف جديدة وخاصة في الآيات التي حاولوا صرفها لتأييد الآراء والأهواء أو إضعافها لتكون أكثر مطابقة مع الوجوه التي أريد صرفها إليها سلبا وإيجابا ونفيا وإثباتا، وفي حين كانت الكتابة العربية سقيمة محرجة ولم يكن قد اخترع الشكل والإعجام، وكان التشابه بين الحروف كثيرا واحتمال اللبس قويا، وحفظت ببركته اللغة العربية القرشية التي نزل بها قوية مشرقة بكل ما وصلت إليه من سعة وبلاغة ودقة وقوة ونفوذ وعمق لتظل لغة الأمة العربية الفصحى في كل صقع وواد، وفي كل دور وزمان وهو ما لم يتيسر لأمة من أمم الأرض ولتكون إلى ذلك لغة عبادة الله لجميع الملل الإسلامية المنتشرة في أنحاء الأرض خلال ثلاثة عشر قرنا ثم خلال القرون الآتية إلى آخر الدهر بل ولتترشح لتكون لغة العالم الإسلامي، وحفظت ببركته الأمة العربية قوية الحيوية دون أن يبيدها ما نزل بها من صروف الدهر الجسام التي أباد أخف منها من هو أقوى منها تكمن فيها مواهبها العظيمة وخصائصها القومية التي جعلتها خير أمة أخرجت للناس إن هي قامت بما حملها إياه القرآن من عبء الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- ١١-[خاتمة لموضوع تدوين القرآن]
وإتماما لموضوع تدوين القرآن نرى أن نورد بعض البحوث الموجزة في أمور تتصل به.
فأولا أسماء السور:
١- إن الضابط أو الأصل العام في تسمية السور القرآنية على ما يبدو من أسمائها هو تسمية السورة بكلمة أو باشتقاق كلمة واردة فيها. وإذا كانت الأسماء المشهورة لبعض السور لا تستمد من هذا الأصل مثل سور الفاتحة والأنبياء والإخلاص فإن هناك روايات بأسماء أخرى لهذه السور تستمد منه مثل الحمد للأولى واقتربت للثانية والصمد للثالثة.

صفحة رقم 119

٢- على أن بعض المصاحف يختلف عن بعض في الأسماء مع المحافظة على ذلك الأصل فسورة التوبة مثلا تذكر في بعض المصاحف باسم «براءة» والإسراء باسم «إسرائيل» وغافر باسم «المؤمن» وفصلت باسم «السجدة» والملك باسم «تبارك» والنبأ باسم «عم» والبينة باسم «لم يكن» والتبت باسم «أبو لهب» والإخلاص باسم «الصمد».
٣- وهذا الاختلاف ناشىء عن روايات مختلفة معزوة إلى بعض الصحابة كما أن هناك روايات مثلها بتسمية سور أخرى بأسماء أخرى وإن لم نطلع على مصاحف تذكر ذلك مثل سورة التوبة التي يروى أن من أسمائها: «العذاب والمشردة والمنكلة والمدمدمة والمتشقشقة» والفاتحة التي يروى من أسمائها «السبع المثاني والوافية والشافية والصلاة والدعاء وأم القرآن والقرآن العظيم» والأنفال والشعراء والنمل والسجدة والزمر وفصلت والجاثية وق والمجادلة والحشر والطلاق والصف والنصر التي لها أسماء أخرى هي بالتوالي بدر والجامعة وسليمان والمضاجع والغرف والمصابيح والشريعة والباسقات والظهار والنضير والنساء الصغرى والحواريين والتوديع. وهناك كذلك روايات سميت فيها بعض السور بأكثر من كلمة واحدة مثل سورة المؤمنون التي ذكرت بتعبير «قد أفلح المؤمنون» والإنسان بتعبير «هل أتى على الإنسان» والأعلى بتعبير «سبح اسم ربك الأعلى» والليل بتعبير «والليل إذا يغشى».
٤- هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن هناك أحاديث وروايات مختلفة في طريقة تسمية السور. فقد روي عن أنس بن مالك حديث جاء فيه «لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي فيها آل عمران. وقد ذكرت جلّ السور في تفسير ابن عباس رواية أبي صالح بالطريقة الثانية، في حين أن البخاري روى عن ابن مسعود في معرض تجويز القول سورة كذا أنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وأن هناك أحاديث نبوية وصحابية نقلناها في المجموعة الثالثة في مبحث تدوين وترتيب القرآن احتوت

صفحة رقم 120

أسماء بعض السور بالطريقة المختصرة المتداولة أي سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة الكهف إلخ، بل هناك حديث طويل منسوب للنبي ورد فيه جميع أسماء السور وفضائلها ذكره الزمخشري والخازن والبيضاوي في تفسير هم بالطريقة المتداولة المختصرة وأوردوا وراء تفسير كل سورة فضيلة السورة المذكورة في الحديث.
٥- ومن جهة ثالثة فإن أسماء السور لم تكتب في جميع المصاحف المخطوطة التي هي الأصل في المصاحف المطبوعة والتي كانت هي المتداولة قبل الطباعة على رؤوس الصحف حيث منها ما كتب فيه الأسماء على رؤوس الصحف وفي فواصل السور ومنها ما كتبت فيه الأسماء في فواصل السور فقط.
فكل ما تقدم يمكن أن يسوغ القول إن كتابة أسماء السور في فواصلها وعلى رؤوس صحف المصاحف حسب المتداول ليست واردة في مصحف عثمان لأنها لو كانت كذلك لما كان محل لهذا الخلاف في التسمية والكتابة، وإنما هو عمل تنظيمي متأخر عن نسخ هذا المصحف. وقد يكون- بل هذا هو الأرجح- مستندا إلى روايات تنوقلت فكتبت في المصاحف وكتب القراءات والتفاسير على الوجه الشهير المتداول أو المختلف أحيانا، ونرجح بناء على ذلك أيضا أن للأحاديث والروايات أصلا صحيحا ما، وأنه كان للسور كلها أو كثير منها منذ عهد النبي أسماء تذكر وتعرف بها.
- ١٢- فصل السور بالبسملة: وثانيا- فصل السور بالتسمية:
إن المصحف العثماني ومصحف أبي بكر الذي نسخ ذلك عنه قد فصل بين السور فيه بالبسملة كما يستفاد من أحاديث ابن عباس وابن مسعود التي أوردناها في المجموعة الثالثة من بحث التدوين. وليس من خلاف في ذلك بين المصاحف المتداولة. ولذلك يصح أن يقال بشيء من الجزم إن هذا متصل بأول ترتيب

صفحة رقم 121

للمصحف من عهد أبي بكر وبالتالي بترتيب السور في حياة النبي. وهناك اختلاف في ما إذا كانت البسملة آية أصيلة في كل سورة أم لا. ومنشأ هذا الخلاف على الأرجح أحاديث ابن عباس وابن مسعود من أن الوحي كان ينزل بالبسملة في أول كل سورة، وإنهم كانوا يعرفون أنها سورة جديدة بذلك. فمن أخذ بهذه الأحاديث اعتبر البسملة آية أصلية ومن لم يأخذ بها لم يعتبرها كذلك، هذا مع التنبيه على أن الجمهور على أن البسملة في الفاتحة آية أصلية. ومهما يكن من أمر فإن هذا الخلاف لا ينقض ما جزمنا به من اتصال فصل السور بالبسملة منذ ترتيب المصحف الأول.
السجدات: وثالثا- السجدات ومواضعها:
إن هناك أحاديث عديدة متصلة بأصحاب رسول الله ومستندة إلى مشاهدة النبي على اختلاف وتفاوت في أسنادها ومتونها تعين أربع عشرة سجدة في القرآن.
وللفقهاء بحوث مستندة إلى هذه الأحاديث في وجوب السجود عند تلاوتها أو استحسانه أو عدم وجوبه في بعضها دون بعض حيث أوجبه بعضهم في بعضها واستحبه في بعضها ولم يوجبه في بعضها على اختلاف في ذلك مرجعه اختلاف متون الأحاديث وأسنادها ورتبها مما لا نرى ضرورة للتوسع فيه هنا. ونكتفي بالقول إن هذا الاختلاف يدل على أن مواضع السجدات لم تكن معينة كتابة أو إشارة في مصحفي أبي بكر وعثمان، وإن رواياتها ظلت تتناقل فأخذ بعض نساخ المصاحف يشير إلى مواضعها فيها متأخرا عن ذينك المصحفين كعمل تنظيمي وفي وقت ليس من السهل تعيينه، وإن كان اختلاف أئمة المذاهب يمكن أن يساعد على القول، إن ذلك كان في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
ورابعا- مبادئ الأجزاء والأحزاب:
إن هناك كذلك بعض الخلاف في مبادئ الأجزاء والأحزاب وأواخرها، وليس هناك فيما اطلعنا عليه أحاديث متصلة بالنبي أو أصحابه عن هذه التقسيمات

صفحة رقم 122

الموجودة في المصاحف المتداولة عدا الحديث المطلق الذي أوردناه في المجموعة الثالثة عن تحزيب القرآن والذي لا يفيد شيئا في ما نحن بصدده، وإن كان يستأنس به أن قراء القرآن منذ حياة النبي عليه السلام كانوا يقرأونه أقساما أقساما، ويقفون عند مواقف خاصة حينما يتوقفون عن القراءة. وهذا يسوغ القول إن هذه التقسيمات في المصاحف عمل تنظيمي متأخر عن المصحف العثماني، مع التنبيه على أن ذلك الحديث يمكن أن يكون الباعث عليه. ولعله مستند إلى قراءة القراء التي كان القراء يتلقونها شفهيا خلفا عن سلف إلى أن تتصل بأصحاب رسول الله.
- ١٣- كتابة ترتيب نزول السور القرآنية وعدد آياتها:
خامسا- كتابة ترتيب نزول السور وصفاتها وعدد آياتها وأرقامها وفواصلها:
إن بعض المصاحف تذكر في فواصل السور: (١) ترتيب نزول كل سورة أي أن السورة قد نزلت بعد السورة الفلانية. (٢) وصفة كل سورة أي مكية أو مدنية.
(٣) وعدد آيات كل سورة. (٤) ورقم الآيات المدنية في السورة المكية ورقم الآيات المكية في السورة المدنية إذا كانت السورة احتوت آيات مكية ومدنية معا.
(٥) ورقم كل آية بعد كتابتها في السورة. في حين أن بعض المصاحف لا تذكر شيئا من هذا وتكتفي بذكر اسم السورة، وأن بعضها تذكر بعض هذه الأمور دون بعض وأن بين المصاحف التي تذكر هذه الأمور جميعها أو بعضها اختلافا في ما تذكره حيث يذكر بعضها سورة ما مكية بينما يذكرها بعضها مدنية. وحيث يكون عدد آيات السورة في مصحف أقل أو أكثر منه في مصحف آخر، وحيث يكون عدد الآيات المكية والآيات المدنية في السور المدنية والمكية وأرقامها في مصحف مغايرة لعددها وأرقامها في مصحف آخر، وحيث توضع فاصلة وراء آية ما في بعضها بينما لا تكون مفصولة في بعضها، وحيث تكون الفواصل بين الآيات في بعضها صماء بينما تكون في بعضها تحمل رقم الآية المتسلسل.

صفحة رقم 123

فالواضح من كل ذلك أن هذه الأمور- عدا فصل الآيات بفاصلة ما- هو عمل تنظيمي متأخر وليس له أصل في المصحف العثماني.
وقد استثنينا فصل الآيات بفاصلة ما لأننا نعتقد أن المصحف العثماني لم يسرد الآيات سردا دون فصل بينها، ولأن الآية هي الوحدة القرآنية الصغرى المستقلة، وقد أشير إليها في القرآن نصا كذلك كما جاء مثلا في آية النحل [١٠١] هذه وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ. فلا يعقل إلا أن توضع فواصل بين الآيات. ولعل الفاصلة التي كانت تفصل بين الآيات في المصحف العثماني هي نقطة صماء.
وهناك اختلاف في عدد آيات كثير من السور. وقد ذكر السيوطي في «الإتقان» أن المتفق على عدد آياته أربعون سورة فقط. ومع أن هناك حديثا أورده ابن العربي عن النبي عليه السلام ونقله السيوطي يفيد أن الفاتحة سبع آيات والملك ثلاثون آية فإن هذا لم يمنع الخلاف على عدد آيات هاتين السورتين أيضا. وقد قال بعض العلماء إن سبب اختلاف السلف في عدد الآيات أن النبي عليه السلام كان يقف على بعض كلمات من الآيات فيحسب السامع أنه يقف على آخر الآية. على أن مما يرد أن يكون ليس في تمييز بعض الفواصل في المصحف العثماني فكان هذا الخلاف في المصاحف التي نسخت عنه وتدوولت. وننبه على أن الخلاف في عدد الآيات ليس كبيرا، وكل ما تناوله دار في نطاق ضيق من نقص آية أو آيتين في بعض السور أو زيادة آية أو آيتين في بعض آخر مثل وصل بعضهم كلمات «طسم وطس» في سور الشعراء والنمل والقصص و «الم» في سورة العنكبوت وغيرها و «الر» في سورة يونس وغيرها و «حم» في سورة فصلت وغيرها وعدها موصولة مع ما بعدها أو مفصولة عنه فتكون آية عند من عدها مفصولة ولا تكون كذلك عند من عدها موصولة، ومثل عدّ البسملة آية في سورة الفاتحة وعدم عدها، وعدّ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ في سورة الفاتحة آية عند بعضهم أو آيتين عند بعض آخر.

صفحة رقم 124

ونقول في صدد ترتيب نزول السور إننا اطلعنا على عدة ترتيبات. منها ترتيب المصحف الذي اعتمدناه ونعني مصحف قدور أو غلي، ومنها ترتيب للسيوطي استند فيه إلى ما اعتمده من الروايات، ومنها ترتيب في تفسير الخازن وآخر في تفسير الطبرسي، وثلاثة أخرى أوردها السيوطي في «الإتقان» منسوبة إلى الحسن وعكرمة وابن عباس وجابر. وبين هذه الترتيبات تخالف يسير أو كبير، مع التنبيه على أن مضامين بعض السور المكية والمدنية تسوغ التوقف في ترتيبها الوارد في هذه الترتيبات، وتحمل على القول إنها لا تمثل الحقيقة تمثيلا صادقا، وإنه ليس هناك ترتيب يثبت على النقد والتمحيص بكامله أو يستند إلى أسناد وثيقة متصلة بالعهد النبوي. فهناك روايات عديدة مختلفة في صفات بعض السور وبينما يسلك بعضهم سورا في سلك السور المكية أو بالعكس مثل سور الرعد والحج والرحمن والإنسان والزلزلة والفلق والناس والإخلاص والكوثر وقريش والعصر والعاديات والقدر والمطففون والفاتحة التي تسلكها بعض الروايات في السلك المدني بينما تسلكها روايات أخرى في السلك المكي، ومثل سور الحديد والصف والتغابن والبينة التي تسلكها بعض الروايات في السلك المكي، بينما تسلكها روايات أخرى في السلك المدني. وفضلا عن ذلك فإن في القول بترتيب نزول سور القرآن تجوزا خاصة بالنسبة لبعض السور المدنية حيث تلهم مضامينها أن بعض فصول سور متقدمة في روايات الترتيب قد نزلت بعد بعض فصول سور متأخرة فيه، وإن فصول هذه السور قد ألفت تأليفا متأخرا عن نزولها وقتا ما مما ذكرنا بعض نماذجه ونبهنا عليه في بحث سابق. وكل ما يمكن أن يقال في مثل هذه السور إن وضعها في ترتيب النزول كسور تامة بعد سور تامة حقيقة أو رواية إنما جاء من أن فصلها الأول أو فصولها الأولى قد نزلت بعد الفصل الأول أو الفصول الأولى من السورة التي قبلها.
ولقد أجمعت الروايات مثلا على أن سور العلق والقلم والمزمل والمدثر هي أوائل السور نزولا على اختلاف في الأولية بينها، وعند التدقيق تراءى لنا أن هذه

صفحة رقم 125

الروايات محل نظر، فالآيات الأولى من سورة القلم احتوت آية إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) والآيات الأولى من سورة المزمل احتوت آية وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) والآيات الأولى من سورة المدثر احتوت آية إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) والآيات التي أعقبت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق احتوت آيات فيها وصفا لموقف بعض الطغاة من دعوة النبي وصلاته، بالإضافة إلى حكاية السور الثلاث الأولى مواقف بعض الكافرين والمكذبين وجدلهم ومكابرتهم وإلى حملات عليهم فيها بسبب ذلك. فهذا كله يلهم بقوة أنه ينبغي أن يكون قد نزل قبل هذه السور وبعد آيات سورة العلق الخمس الأولى على الأقل قرآن يصح أن يرتل، وأن يقال عنه أساطير الأولين، وقول البشر، وفيه دعوة وإنذار عامان وقد تلي على الناس ودعوا إلى الله به فوقف الكفار منه موقف الجاحد المعاند فنزلت بقية سورة العلق والسور الثلاث الأخرى تحكي مواقفهم وترد عليهم. ومن أجل هذا خمّنّا أن تكون سور الفاتحة والأعلى والشمس والعصر والليل وأمثالها مما لا يحتوي إلا الدعوة والإنذار والأهداف بصورة عامة هي السابقة بالنزول بعد آيات العلق الخمس الأولى إن لم يكن هناك قرآن نزل ثم رفع يحتوي ذلك، ويمكن إيراد أمثلة متعددة أخرى كثيرة أيضا.
تميز الأسلوب المكي والأسلوب المدني:
ونستطرد فنقول إن أسلوب القرآن يساعد بنطاق غير ضيق على التمييز بين السور المكية والسور المدنية بل الآيات المكية والآيات المدنية أيضا فالسور المكية أولا تنحو في الأغلب نحو التسجيع والتوازن، وثانيا تتكثف فيها الدعوة إلى الله وإثبات استحقاقه وحده للخضوع والعبادة ومحاربة الشرك وكل ما يتصل به وتعنيف الكفار وتقريعهم بسببه، وثالثا إن أسلوبها المتصل بالدعوة إلى المكارم الاجتماعية والروحية والإنسانية وبالتحذير من الآثام والفواحش أسلوب دعوة وحض وتشويق وتنديد وتنويه. ورابعا إن القصص ومشاهد الآخرة والحديث عن الملائكة والجن وحكاية أقوال الكفار وجدلهم وافتراءاتهم ونسبهم المختلفة للنبي قد كثرت

صفحة رقم 126

وتكررت، وخامسا إن وحدة الموضوع في السور الطويلة والمتوسطة فضلا عن القصيرة ملموحة في كل سورة منها تقريبا، وسادسا إن تلاحق الفصول والسياق جدلا وحكاية وإنذارا وتبشيرا ووعدا ووعيدا وتدعيما وتمثيلا وتذكيرا وقصصا وتطمينا وتوجيها وتلقينا وبرهنة ملموح كذلك في كل سورة منها تقريبا وفي السور المكية تبرز مبادئ الدعوة القرآنية قوية واضحة، وتبرز خصوصيات القرآن ومميزاته الأسلوبية والموضوعية بالنسبة إلى الكتب السماوية الأخرى قوية واضحة كذلك ومن مميزات الأسلوب المكي اللهجة الخطابية القوية النافذة إلى الأعماق والقارعة للأسماع والقلوب واللهجة التي يذكر بها اليهود خاصة حيث خلت من التقريع والتعنيف والجدل والأخذ والرد، وتلك الصور الجحودية والإزعاجية والتشكيكية والدسية الواردة عنهم في القرآن المدني واللهجة المحببة الاستشهادية التي يذكر بها الكتابيون وأولو العلم كأنما هم حزب المسلمين والدعوة النبوية والأسلوب المكي يغلب فيه وصايا الصبر والتطمين والتسكين وعدم المبالاة بمواقف الكفار كما أنه خلا من الحض على الجهاد ووقائع الجهاد وخلا كذلك من ذكر المنافقين ومواقفهم ودسائسهم والحملات القاصمة عليهم. وواضح أن هذا كله متصل بظروف العهد المكي من السيرة النبوية مما نبهنا عليه في سياق التفسير.
أما القرآن المدني فالسجع فيه قليل بل نادر، وطول نفس الآيات غالب، ونقل فيه فصول القصص ووصف مشاهد الآخرة والجن والملائكة والجدل ووصف مشاهد الكون أو تقصر ويكتفى من ذلك بالتذكير والإشارات الخاطفة، وتصطبغ فيه المبادئ والتكاليف التعبدية والأخلاقية والاجتماعية والقضائية والسلوكية بصبغة التقنين والتقعيد، وفيه تشريع الجهاد ووقائعه وظروفها، وفيه إبطال عادات وتقاليد قديمة، وإقرار عادات وتقاليد قديمة أخرى مع الإصلاح والتهذيب، وإنشاء عادات وتقاليد جديدة في سبيل الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي، وفيه صور النفاق والمنافقين ومواقفهم، ولهجته عن اليهود لهجة شديدة في الدعوة والتعنيف والتنديد وفيه صورة عن مواقفهم وأحوالهم، وفيه الاستفتاءات والأسئلة القضائية والاجتماعية والأخلاقية والأسروية وأجوبتها التشريعية، وواضح أن هذا كله متسق

صفحة رقم 127

أيضا مع ظروف العهد المدني من السيرة النبوية مما نبهنا عليه في سياق التفسير كذلك.
وعلى ضوء هذه المميزات ومع استلهام المضمون والسياق أمكننا ترجيح مكية سور الرعد والحج والرحمن والإنسان والزلزلة التي يذكر مصحف قدور أو غلي وغيره مدنيتها، وأمكننا كذلك ترجيح مكية ومدنية السور القصيرة الأخرى التي اختلفت الروايات فيها، وترجيح احتمال تقدم بعض السور المتأخرة وتأخر بعض السور المتقدمة، وترجيح مكية آيات ذكرت الروايات أنها مدنية في سور مكية ومدنية آيات ذكرت الروايات أنها مكية في سور مدنية مما نبهنا عليه في سياق التفسير الكامل.
- ١٤- الشكل والنقط: سادسا: شكل المصاحف ونقطها:
من الثابت المسلم به أن النقط والشكل على الوجه المستعمل في المصاحف المتداولة قد اخترعا بعد النبي وفي أخريات دور الخلفاء الراشدين أو أواسط دور الأمويين على اختلاف في البدء والتطور. ولذلك فإنهما محدثان وليس لهما أصل في المصحف العثماني وما قبله جزما وقد مست الحاجة إلى إدخالهما على المصحف لضبط القرآن وتيسير قراءته صحيحة وعدم ترك المجال للالتباس.
ولا سيما أن المسلمين قد انتشروا في بقاع الأرض أكثر من ذي قبل ودخل الإسلام أمم وطوائف غير عربية، وصارت اللغة العربية تعلّم تعليما ولم تبق سليقية، وقد كان من شأن بقاء القرآن بدون إعجام (تنقيط) خاصة أن يلتبس على قارئه في المصحف قراءة الحروف المتشابهة الشكل التي لا يميزها عن بعضها إلا النقط مثل ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ كما كان من شأن بقائه بدون شكل أن يلتبس على القارئ غير العربي سليقة تمييز الكلمات المتشابهة الشكل التي لا يميزها عن بعضها الآن إلا الشكل أو كثرة الممارسة وحسب فهم المعنى

صفحة رقم 128

وتمييز أواخر الكلمات ولا سيما حينما يتأخر الفاعل ويتقدم المفعول مثلا، ومما لا ريب فيه أن إدخالهما على الخط العربي عامة وعلى المصحف خاصة خطوة خطيرة جدا في سبيل الإتقان والإحسان والفهم والتمييز. والمرجح أنهما لم يخترعا كاملين، وإنهما سارا سيرا تطوريا حتى بلغا مبلغهما التام في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
علامات الوقف والوصل:
سابعا: علامات الوقف والوصل والأداء:
إن ما قررناه في الفقرة السابقة يصح على علامات الوقف والوصل والمدّ والقصر والسكون فوق الكلمات والحروف القرآنية في المصحف العثماني، من حيث كونها محدثة وليست أصيلة في المصحف العثماني ومن حيث قصد ضبط قراءة القرآن وإتقان أداء كلماته وحروفه مع التنبيه على أنه دون خطوة الشكل والنقط خطورة أولا وأنها قد أحدثت بعد هما على الأرجح ثانيا. وننبه كذلك على أن ما نقصده هو وضع العلامات، وهذا لا يقتضي طبعا أن لا يكون النبي عليه السلام وأصحابه قد عنوا بالوقوف على ما ينبغي الوقوف عليه ووصل ما ينبغي وصله والسكوت عند ما يجب السكوت ومدّ ما يقتضي مدّه وقصر ما يحسن قصره إلخ. فلا يصح أن يشك في أن كل هذا قد كان، وأنه متصل بطبيعة النطق الخطابي والتقريري التي هي من طبيعة التلاوة القرآنية ومقتضيات أداء معاني القرآن مما لا يمكن إلا أن يكون، سواء في تلاوته من النبي على الناس أم تلاوته من قبل الصحابة، وسواء أكان ذلك في الصلاة أم في مجال التلاوة والوعظ والبيان، فضلا عن أن طبيعة الخطاب والتلاوة بوجه عام تقتضي ذلك. والراجح أن الأمر القرآني وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل ٤]. وهو من أوليات القرآن نزولا هو في صدد ذلك أو مما استهدفه. وتلاوة القرآن على الأداء المعروف متصلة فيما يعتقد بالسماع خلفا عن سلف حتى تتصل بالعهد النبوي. وقد جرى الأمر على هذا بالتواتر الفعلي السماعي الذي لم ينقطع من لدن النبي عليه السلام. ومما لا ريب فيه أن العلامات الجزء الأول من التفسير الحديث ٩

صفحة رقم 129

وحدها لو لم يكن هذا النقل السماعي المتواتر لا تجزي وحدها ولا تجعل قارئ القرآن يؤدي دلالاتها على وجهها دون تعليم وسماع. والمعقول أن وضع العلامات كان من قبل أعلام القراء والرواة حينما رأوا أن الحاجة صارت ماسة إلى ذلك، وأن بقاء القرآن بدونها قد يؤدي إلى إساءة التلاوة والأداء والانحراف عن الأسلوب الصحيح القويم المتناسب مع طبيعة المفاهيم القرآنية والذي كان يرويه القراء والرواة راو عن راو وقارئ عن قارئ، على أن المعقول أيضا أن وضعها هو من قبيل التذكير بدلالاتها التي كانت تتلقى سماعا. والراجح أن هذا قد كان كذلك في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
- ١٥- رسم المصحف العثماني:
ثامنا: رسم المصحف العثماني-:
إن أكثر العلماء وأئمة القراء قرروا وجوب الاحتفاظ في كتابة القرآن بالرسم العثماني. ومنهم من كره كتابته برسم آخر ومنهم من حرّمها. ولم نطلع على أقوال وأحاديث موثوقة متصلة بأصحاب رسول الله في هذا الشأن. ولذلك يصح أن نقول إنها أقوال اجتهادية.
ويبدو أن هذا التشديد متصل بروايات القراءات السبع أو العشر، وخاصة بما يتصل بالصرف والنحو وأجسام الكلمات مثل «ملك ومالك» و «مسجد ومساجد» و «يفعلون وتفعلون» و «فتحت وفتّحت» و «أرجلكم وأرجلكم» و «تبينوا وتثبتوا» إلخ مما يقع في وحدة الرسم، ومتصل كذلك بالقول إن هذه القراءات صحيحة كلها لأنها تقع في نطاق وحدة الرسم من ناحية ومتصلة بالسماع المتسلسل الواصل إلى قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن عن النبي من ناحية أخرى بحيث يورد أن شأن كتابة القرآن بغير الرسم العثماني وبالخطوط الدارجة في الأدوار التالية أن تحول دون قراءة الكلمات القرآنية بقراءات مختلفة يحتملها الرسم العثماني ومتصلة بقراء الصحابة، فيكون في ذلك تحكم في تصويب قراءة دون قراءة وإبطال قراءة دون

صفحة رقم 130

قراءة أو وسيلة مؤدية إليهما، وأن هذا هو ما تحرز منه العلماء والقراء في مختلف العصور تورعا وتدينا وزيادة في التحري في تلاوة القرآن تلاوة قويمة صحيحة متصلة بالنبي والذين سمعوا منه وتلقوا عنه.
ومهما يبدو من وجاهة هذا القول ونتائجه، وخاصة فوائده التي من أهمها أن احتفظت المصاحف خلال ثلاثة عشر قرنا برسم واحد قد كتب وفاقا لما كان يكتب في عهد النبي وبإملائه، وحفظ القرآن بذلك من التحريف والتشويه، ومن الخلافات التي لا بد من أن تنشأ بسبب تطور الخطوط من وقت لآخر وتبدلها في أدوار لم يكن فيها مطابع ولا تصوير شمسي، ومنعت تكرر المأساة التي أفزعت عثمان وحملته على توحيد هجاء القرآن وجعل المصاحف بهجاء واحد تنسخ عن الأصل الذي أمر بنسخه وتنتشر في مشارق الأرض ومغاربها موحدة، فإننا نعتقد أنه ليس من شأنه أن يمنع جواز كتابة المصحف اليوم بالخط الدارج على شرط مراعاة قراءة من القراءات المشهورة المتصلة بأحد أئمة قراء الصحابة والنص على ذلك في مقدمة المصحف. لأنه لا يوجد نصّ ثابت متصل بالنبي وأصحابه يمنع ذلك فيما اطلعنا عليه، ولأننا نعتقد أن في هذا تيسيرا واجبا لتعليم القرآن وتعلّمه وحسن ضبطه وإتقانه. فبين الرسم العثماني والرسم الدارج فروق غير يسيرة فضلا عن ما بين رسوم القرآن نفسها من تناقض مما سوف نشير إليه بعد قليل مؤد في نفس الوقت إلى زيادة التعقيد والتعسير. ومن العسير أن يتعلّم القارئ هذا الرسم بالإضافة إلى الرسم الدارج الذي ألفه في كتابته وكتبه وقراءاته الأخرى. وبالإضافة إلى هذا فإن هناك مسلمين وغير مسلمين لا يتيسر لهم تلقي القرآن من قراء مجازين أو قراء تلقوا أو قرأوا أو سمعوا من قراء مجازين مما يصعب إتقان تلاوة القرآن برسمه العثماني بدونه، والمصاحف في متناول جميع الناس على اختلاف الملل والأجناس، ففي كتابته بالرسم الدارج منع لمغبة الغلط في القراءة والتشويه وسوء الفهم والتفسير، وتيسير واجب لنشر القرآن الذي هو من أهم واجبات المسلمين أيضا، ولا سيما أن الرسم العثماني محفوظ لن يبيد بما يوجد منه من ملايين النسخ المطبوعة وغير المطبوعة والرسوم الشمسية ما فيه الضمانة على بقائه المرجع

صفحة رقم 131

والإمام أبد الدهر، وقد رأينا للإمام المفسر الكبير ابن كثير في كتابه «فضائل القرآن» وهو من علماء القرن السادس قولا يبيح به كتابة المصحف على غير الرسم العثماني وفي هذا توكيد وتوثيق لوجهة النظر التي نقررها.
هذا أولا. وثانيا إن الذي نعتقده أن رسم المصحف العثماني لم يكن ليكون محتملا للقراءات السبع أو العشر، وليس هو توقيفيا عن النبي عليه السلام كما يظن أو يقول البعض، فليس هناك حديث وثيق بل وغير وثيق متصل بالنبي أو أصحابه المعروفين يؤيد ذلك، وإنما هو الطريقة الدارجة للكتابة في ذلك العصر، ولم يكن النبي يقرأ ويكتب، وإنما كان يملي ما يوحى إليه به على كتابه فيكتبونه وفق ما يعرفونه من طريقة الكتابة. وليس من سبيل إلى غير ذلك. وما دامت طريقة الكتابة قد تطورت فإن تسويغ كتابة المصحف وفق الطريقة الدارجة طبيعي أيضا وخاصة بعد أن صار الاحتفاظ بالرسم العثماني ليكون المرجع والإمام مطبوعا ومحفوظا ومصورا كما قلنا ممكنا إلى ما شاء الله.
أما التناقض أو التباين في رسم المصحف العثماني نفسه فإنه في الحقيقة يبعث على العجب والحيرة، حيث وردت كلمات واحدة أو متقاربة في سور مختلفة بل وأحيانا في سورة واحدة مختلفة الرسم في حين أن كثيرا منها متماثل في مواقع الصرف والنحو وإعراب الأواخر والمعنى كما ترى في الثبت التالي مثلا: لا أذبحنه لأعذبنه «١» بنبإ بنبأى «٢» سموات سماوات «٣» بنت بنات «٤» لشيء لشاىء «٥» ابن أم ابنؤم «٦» إحسانا أحسنا «٧» إصلاح

(١) سورة النمل، الآية: [٢١].
(٢) سورة القصص الآية: [٣]، وسورة الأنعام، الآية: [٣٤].
(٣) سورة فصلت، الآية: [١٢]، وسورة الملك، الآية: [٣].
(٤) سورة الصافات، الآية: [١٥٣]، وسورة الأنعام، الآية: [١٠٠]. [.....]
(٥) سورة النحل، الآية: [٤٠]، وسورة الكهف، الآية: [٢٣].
(٦) سورة الأعراف، الآية: [١٥٠]، وسورة طه، الآية: [٩٤].
(٧) سورة البقرة، الآية: [٨٩]، وسورة النساء، الآية: [٣٦].

صفحة رقم 132

اصلح «١» جزاء جزوأ «٢» نعمت نعمة «٣» رحمة رحمت «٤» قرة قرت «٥» امرأة امرأت «٦» سنة سنت «٧» جنة جنت «٨» لعنة لعنت «٩» بقية بقيت «١٠» بسطة بسطت «١١»
الأيكة لايكة «١٢».
فهذه المباينات «١٣» تسوغ القول إن أول ما نسخ وكتب برسم واحد من المصاحف العثمانية مصحف واحد كتبه كاتب أملاه عليه قارئ وتعاقب عليه أكثر من كاتب وأكثر من قارئ فكتب بعضهم الكلمات في مواضع برسم وكتب بعضهم نفس الكلمات في مواضع برسم آخر ثم نسخت المصاحف الأخرى العثمانية التي أرسلت إلى الأقطار عن هذا المصحف حرفيا وأن العلم بالكتابة بين الصحابة لم يكن موحدا وأن الكتابة والإملاء لم يكن متقنا، وحتى لو فرضنا أن المصاحف العثمانية كتبت جميعها معا من ممل واحد فلا بد من أن نفرض أنه تعاقب على كتابتها آخرون، ولعله كان في المصحف والمصاحف المتداولة في أيدي المسلمين إذ ذاك أخطاء ومباينات أكثر وأفدح في الكتابة والإملاء مما أفزع عثمان وكبار الصحابة وحملهم على توحيد الرسم واجتهدوا اجتهادهم فلم يستطيعوا أن

(١) سورة البقرة، الآية: [٢٢]، وسورة النساء، الآية: [١١٤].
(٢) سورة البقرة، الآية: [٨٥]، وسورة المائدة، الآية: [٢٩].
(٣) سورة البقرة، الآية: [١١ و ١٣١].
(٤) سورة الزخرف، الآية: [٣١]، وسورة آل عمران، الآية: [٧٤].
(٥) سورة القصص، الآية: [٩]، وسورة الفرقان، الآية: [٧٤].
(٦) سورة آل عمران، الآية: [٣٥]، وسورة النساء، الآية: [١٢].
(٧) سورة الأحزاب، الآية: [٦٣]، وسورة فاطر، الآية: [٤٣].
(٨) سورة البقرة، الآية: [٢٦٤]، وسورة الواقعة، الآية: [٨٩].
(٩) سورة آل عمران، الآية: [٦١ و ٨٧].
(١٠) سورة هود، الآية: [٨٦]، وسورة البقرة، الآية: [٢٦٨].
(١١) سورة البقرة، الآية: [٢٤٧]، وسورة الأعراف، الآية: [٦٩]. [.....]
(١٢) سورة الحجر الآية: [٧٨]، وسورة الشعراء، الآية: [١١٦].
(١٣) اكتفينا بمثال لكل مباينة مع أن هناك أكثر من آية في أكثر من سورة فيها بعض التباين أيضا.

صفحة رقم 133

يتخلصوا من بعض الأخطاء والمباينات أن جاءت غير ذات بال من حيث الجوهر والمعنى، وإذا كان مثل هذه الأخطاء يقع اليوم والمدارس منتشرة والناشئة تتعلم فيها بطريقة موحدة بسبب تفاوت الإتقان والعناية والمران فوقوعها في ذلك العصر الذي لم تكن الكتابة فيه قد وصلت إلى تمامها من النضج من باب أولى. وقد فرضنا أن يكون المنسوخ في أول الأمر من المصاحف العثمانية مصحفا واحدا تعاقب عليه أكثر من كاتب ثم نسخت عنه المصاحف الأخرى لأن هذا الفرض هو الذي يستقيم ويتسق مع وجود تلك المباينات إذ لو نسخت المصاحف جميعها مرة واحدة من قبل عدد من الكتاب لكان تعذر فرض اتحادهم في هذه المباينات التي لا ترجع إلى سبب إملائي فني كما أن ما فرضناه هو المعقول الذي تطمئن به النفس ويتفق مع طبيعة الأمر على ما هو المتبادر.
ولقد علق ابن خلدون على هذه الظاهرة فقال: كان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة. وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم لمصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير محكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها.
ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله وخير الخلق بعده كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا...
ونحن نعرف أن لعلماء القراءات تخريجات لهذا التباين. ولكن المدقق يجد فيها تكلفا وتجاوزا كبيرين لا يبعثان اطمئنانا ولا يوجبان اقتناعا ولا سيما أن في هذا التباين كما قلنا أمثلة لا تختلف عن بعضها نحوا وصرفا ونظما وموقع جملة ومعنى.
وهناك مسألة أخرى في صدد رسم المصحف العثماني يثيرها حديثان أحدهما مروي عن عائشة ووصف بأنه بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد

صفحة رقم 134

روي عن عروة قال سألت عائشة عن لحن «١» القرآن في قوله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٢» وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ «٣» وإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ «٤» فقالت يا ابن أختي هذا من عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب «٥». وثانيهما عن عكرمة وغيره جاء فيه أنه لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال ستعربها بألسنتها. وقد أنكر بعض العلماء الحديث المنسوب إلى عثمان وقالوا إن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، وإن عثمان جعل للناس إماما يقتدون به فلا يصح أن يكون قد رأى فيه لحنا وتركه لتقيمه العرب بألسنتها وكان أولى الناس بتصحيحه، كما خرّج علماء آخرون ما ظن أنه لحن تخريجا نحويا سليما، ومما قاله الزمخشري في صدد وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء: ١٦٢] لا تلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم «٦».
ومع ما في كلام الزمخشري من قوة خطابية فإننا لا نرى من المستحيل ولا مما لا يتسق مع طبائع الأمور ولا مما ينتقص من قيمة وصحة بل وقدسية المصحف أن يخطىء ناسخ المصحف الأول من المصاحف العثمانية في كتابة

(١) يقصد بالكلمة الغلط الصرفي أو النحوي.
(٢) سورة طه، الآية: [٦٣].
(٣) سورة النساء، الآية [١٦٢].
(٤) سورة المائدة، الآية [٦٩].
(٥) أي في الكتابة والرواية من كتاب «الفرقان» لابن الخطيب ص ٤١ و «الإتقان» للسيوطي.
(٦) «الكشاف» الجزء ١ ص ٣٩٧.

صفحة رقم 135

بعض الكلمات حيث جاءت مخالفة للقواعد اللغوية القرآنية. وقد رأينا فيما اطلعنا عليه من المصاحف المخطوطة أخطاء عديدة وقع فيها النساخ ومنهم خطاطون بارعون لا يتهمون بقصور في الإملاء منها ما ترك على حاله، ومنها ما شطب عليه وكتب صحيحه فوقه أو بعده أو على الهامش ومن هذه الأخطاء ما هو أكثر من كلمة أو جزء من كلمة. وكثيرا ما وقع هذا معنا مع أننا كنّا نحرص أن نكتب عن المصحف دون حافظتنا. ولم نطلع على إنكار لحديث عائشة سواء في سنده أو في متنه مثل ما كان بالنسبة لحديث عثمان، بل رأينا في «الإتقان» تعليقا يؤيد صحته ويحاول تعليل ما جاء فيه محاولة غير شافية. ونحن لا نرى في الحديث شيئا شاذا وغير متسق مع طبيعة الأمور على ما نبهنا عليه آنفا.
- ١٦- القراءات:
تاسعا: القراءات المشهورة:
إن القراءات المشهورة سبع تنسب إلى سبعة أئمة من القراء هم نافع بن أبي رويم في المدينة وعبد الله بن كثير في مكة وأبو عمرو بن العلاء في البصرة وعبد الله بن عامر في الشام وعاصم بن أبي النجود وحمزة بن حبيب الزيات وعلي الكسائي في الكوفة ويضم إليهم أحيانا أبو جعفر بن يزيد في المدينة ويعقوب الحضرمي في البصرة وخلف البزاز في الكوفة فيبلغون عشرة وتبلغ القراءات عشرا.
وأربعة منهم تابعون يروى أنهم تلقوا قراءاتهم عن قراء من الصحابة والباقون تابعو تابعين تلقوا قراءاتهم على ما يروى عن تابعين تلقوا عن قراء من الصحابة. وكل منهم يروي قراءته عن قارئ صحابي معروف كما أن لكل منهم رواة ولكل من رواتهم رواة إلى أن وصل الدور إلى عهد التدوين فدونت القراءات وخلافياتها في تعاريف عامة من جهة وفي كل سورة لحدتها من جهة أخرى.
وتدور هذه الخلافيات على الأغلب في النطاق التالي: (١) مخارج الحروف

صفحة رقم 136

كالترقيق والتفخيم والميل إلى المخارج المجاورة كنطق الصراط بإمالة الصاد إلى الزاي (٢) والأداء كالمد والقصر والوقف والوصل والتسكين والإمالة والإشمام (٣) والرسم كالتشديد والتخفيف مثل «يغشى يغشّى» و «فتحت وفتّحت» والإدغام والإظهار مثل «تذكرون وتتذكرون» والهمز ومدّ الألف مثل «ملك ومالك» و «مسجد ومساجد» لتحمل الرسم النطقين (٤) والتنقيط والحركات النحوية مثل «يفعلون وتفعلون» و «أرجلكم وأرجلكم» مثلا.
وقد وضع علماء القراء شروطا أربعة لصحة القراءة الخلافية وهي (١) التواتر بحيث لا تصح قراءة غير القراءة المتواترة والمشهورة (٢) وموافقة العربية بوجه ما بحيث لا تصح قراءة خلافية لا تتفق مع قواعد اللغة (٣) ورسم المصحف العثماني بحيث لا تصح قراءة خلافية مغايرة للرسم المذكور (٤) وصحة سند القراءة بحيث لا تصح قراءة خلافية لا تستند إلى سند وثيق يتصل بأحد قراء الصحابة. واجتماع الشروط الأربعة شرط لازم بحيث لا تصح قراءة خلافية لا تجتمع فيها.
على أن هناك ما يمكن ملاحظته في صدد خلافيات القراءات المذكورة فالمقول والمشروط أن أئمة القراءة قد أخذوا قراءاتهم سماعا عن قراء من الصحابة، وأن قراء الصحابة قد أخذوا قراءاتهم سماعا عن النبي. ومعقول أن يكون قراء الصحابة مختلفين في القراءة الناشئة عن النطق بالحروف وأدائها من ترقيق وتفخيم ومدّ وقصر وإمالة وإشمام ووقف ووصل وتسكين وتنوين حتى ولو قرأوا قراءاتهم على النبي عليه السلام وأجازها لهم على اختلافها في ذلك، وأن يكون سمعها منهم غيرهم من الصحابة والتابعين. ولكن مما يدعو إلى التوقف والنظر أن يكونوا مختلفين في القراءة الناشئة عن الرسم والتنقيط من تشديد وتخفيف وإظهار وإدغام وقراءة المضارع بالغائب أو المخاطب وقراءة بعض الكلمات منصوبة حينا ومجرورة حينا مثل «أرجلكم وأرجلكم» ومفردة حينا وجمعا حينا مثل «مسجد ومساجد» واسم فاعل حينا واسم عادي حينا مثل «ملك ومالك»

صفحة رقم 137

ونحو ذلك إلا مع فرض أنهم كانوا يقرأون من المصاحف ولم يسمعوها من النبي، وإن هذا كان شأن أئمة القراءة التابعين وتابعي التابعين فالنبي لم يكن يتلو من مصحف وكان ما يبلغه وحيا، وإذا كان يجنح إلى التيسير كما يدل عليه أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف مما سوف نبحث فيه في مناسبة أخرى «١» فإن هذا منه إنما كان على ما نعتقد بقصد التسهيل على الناس في مخارج الحروف والأداء لأن هذا متصل بتكوين آلة النطق البشرية ومتصل كذلك بعادة إخراج الحروف وأدائها تبعا لاختلاف اللهجات أو المنازل العالية والواطئة والحارة والباردة والتي لا معدى من التسهيل فيها وحكمتها واضحة قائمة وليس في هذا التسهيل تبديل وتغيير في كلمات القرآن وحروفه ونحوه وصرفه. إذ أنه ليس مما يحتمل أن يكون النبي قرأ مرة «يفعلون» وأخرى «تفعلون» ومرة «تغفر» وأخرى «يغفر» ومرة «فتبينوا» وأخرى «فتثبتوا» «٢» ومرة «ييأس» وأخرى «يتبين» «٣» فضلا عن عدم احتمال تبديله الكلمات بغيرها ولو في معناها مما يروى في غير نطاق رسم المصحف العثماني ولا سيما أن الخلافيات في هذه هي أكثر الخلافيات حتى لقد رأينا الزمخشري في كشافه يروي أمثلة كثيرة جدا منها. ولعله يستقيم أن يفرض أيضا أن القراء التابعين كانوا يقرأون على قراء الصحابة من المصحف قراءات مختلفة ناشئة عن تلك الأسباب والعلل الطبيعية وإن قراء الصحابة كانوا يحبذونها استئناسا بما كان من تساهل النبي وأمره بالتيسير في قراءة القرآن.
أما والحالة على ما ذكرنا فإن مما يخطر للبال سؤال عما إذا كان هناك ضرورة دينية لهذه القراءات المتعددة المختلفة بل والمتباينة حينا في قطر واحد.
والذي نراه أنه ليس هناك من ضرورة دينية لذلك، وخاصة بالنسبة لجمهور المسلمين، وأنه يكفيهم أن يقرأوا القرآن بقراءة واحدة من القراءات المأثورة من

(١) أوردنا هذه الأحاديث وعلقنا عليها في الفصل الرابع من الكتاب «البحث السادس».
(٢) سورة الرعد، الآية: [٣١].
(٣) سورة النساء، الآية [٩٤].

صفحة رقم 138

مصحف كتب بالرسم الدارج بينهم، فيه بعض العلامات الضرورية للوقف والوصل والمد والسكوت ونحو ذلك مما تقتضيه هذه القراءة المأثورة بحيث يكون من الميسور للمسلمين وغيرهم- والمصاحف في متناول الجميع- أن يقرأوا القرآن صحيحا بسهولة ويسر، فلا تكون قراءتهم متوقفة دائما على التلقي، لأن ذلك غير ميسور دائما، ونعتقد أنه إذا لم ييسر هذا على هذا الوجه وقع الحرج من سوء التلاوة وسوء الأداء وتحريف الألفاظ والمعاني.
وليس من بأس إلى هذا بل لعله مستحب أن يكون هناك فئة من الهواة بل فئة تنفق عليها الحكومات الإسلامية أو المؤسسات الدينية لتظل تتدارس القراءات ويتداولها القراء جيلا بعد جيل فإن فائدة ذلك بمثابة الفائدة المستحبة للتي نوهنا بها في الاحتفاظ برسم المصحف العثماني مطبوعا ومخطوطا ومصورا فيستمر ذاك كما يستمر هذا قائما أبدا بين جماعة المسلمين في كل قطر من أقطارهم، مع ملاحظة نراها هامة وهي وجوب عدم الغلو في أداء هذه القراءات وخاصة الغنّ والمط والترديد مما يخرج القرآن عن قدسيته ويضعف نفوذه الروحي ومما يكاد يبدو من القراء أنه بسبيل التعالم والانتفاخ أكثر منه بسبيل الرواية قراءات غير القراءة الدارجة العامة في قطرهم.
ولقد قال الإمام الطحاوي والقاضي الباقلاني وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم من أئمة الكلام «١» إن القراءات جميعها كانت رخصة في أول الأمر لتعسر القراءة بلغة قريش على كثير من الناس ثم نسخت بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة. وفي هذا من الوجاهة ما فيه. ولابن قتيبة كلام يمتّ إلى هذا المعنى وفيه من الوجاهة ما فيه حيث قال كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرىء كل قوم بلغتهم- يعني بأدائهم الطبيعي في النطق- فالهذيلي يقرأ الحاء عينا والأسدي يقرأ تعلمون بكسر أوله، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز. وللطبري كلام وجيه آخر في تقريره معنى كتابة المصاحف العثمانية حيث قال إن أمير المؤمنين عثمان بن

(١) «الفرقان» لابن الخطيب ص ١٦٧.

صفحة رقم 139

عفان لما رأى اختلاف الناس في القراءة وخاف من تفرق كلمتهم جمعهم على حرف واحد وهو هذا المصحف الإمام، واستوثقت له الأمة على ذلك بل أطاعت ورأت فيما فعله الرشد والهداية.
ومع أن المدى الذي انطوت عليه هذه المقتبسات يختلف عن المدى الذي قررناه في هذا المبحث فإن فيها فيما نرى ما يمكن الاستئناس به على صواب ما قررناه.

صفحة رقم 140

الفصل الثالث الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره
تمهيد
لقد شغفت منذ شبابي بالقرآن، وتذوقت أسلوبه الرائع الحكيم في شتى مواضيعه ودعوته وتوجيهاته وتقريراته، واطلعت على جملة من كتب التفسير وغيرها من الكتب العربية قديمها وحديثها مما يتصل بموضوع القرآن ومبادئه وأهدافه والجدل حوله، واستظهرت كثيرا من روائعه الجهادية والأخلاقية والاجتماعية والروحية، وكانت لي منهاجا في ظروف حياتي التعليمية والجهادية ثم تيسرت فرصة السجن في دمشق قبل الحرب العالمية الثانية من قبل السلطات الإفرنسية بسبب الثورة الفلسطينية فرغت فيها لنفسي، ورأيتها سانحة مباركة للاشتغال بالقرآن وخدمته أكثر من ذي قبل، فحفظته غيبا من جهة وعدت إلى قراءة ما تيسّر لي من كتب التفسير والكتب القرآنية الأخرى من جهة أخرى، وألفت كتبي الثلاثة فيها «١»، فكان لي من ذلك مجال لإدامة النظر وإمعان الفكر والتدبر وانتهى بي الأمر إلى اليقين بأن أفضل الطرق لفهم القرآن وتفسيره أن يلاحظ الناظر فيه الأمور التالية مجتمعة:

(١) «عصر النبي وبيئته قبل البعثة» - «صور مقتبسة من القرآن». صدر عام ١٣٦٦/ ١٩٤٧، و «سيرة الرسول» جزءان- «صور مقتبسة من القرآن» صدر عام ١٣٦٧/ ١٩٤٨، و «نظم القرآن ودستوره في شؤون الحياة».

صفحة رقم 141

القرآن والسيرة النبوية:
أولا: إن القرآن سلسلة تامة للسيرة النبوية وتطورها منذ البدء إلى النهاية متصل بعضها ببعض، ومفسر بعضها لبعض، مع ملاحظة الاستدراك الذي أوردناه في آخر الفقرة (٥) من الفصل الأول.
ففي كل سورة من سوره ومجموعة من مجموعاته، أو فصل من فصوله صورة لموقف من مواقف النبي من سكان بيئته من العرب وغير العرب ومن المشركين والكتابيين، أو صورة لموقف من مواقفهم منه ومن دعوته، أو صورة من صور مواقف النبي من الذين استجابوا للدعوة أو من مواقفهم منه، أو من مواقف الكفار منهم أو مواقفهم من الكفار أو صورة لتطورات جميع هذه المواقف، دعوة وتبيانا وبرهنة وتدليلا وعظة وتنبيها وتبشيرا وإنذارا، ووضعا وتشبيها وقصصا وأمثالا وترغيبا وترهيبا ووعدا ووعيدا، وجدالا وتحديا وعنادا ومكابرة واستكبارا وأذى، وتنديدا وتنويها وتسلية وتثبيتا وتطمينا وتعبيرا، وسؤالا وجوابا وجهادا وتشريعا إلخ وكل صورة معطوفة على صورة سابقة أو مرتبطة بصور لاحقة، في اتساق وانسجام تامين وضمن نطاق واحد مما يتضح لكل من ينعم النظر في القرآن ويقرأ سورة خاصة وفق تتابع النزول بقدر الإمكان.
وملاحظة ذلك مهمة جدا في فهم مواضيع القرآن وتقريراته ومداها وروحه وفي جعل الناظر فيه لا يبتعد عن حقيقة الواقع والباعث ويعصمه من التورط، ولا يتورط في التخمينات والتزيدات والجدليات وتحميل العبارات القرآنية ما لا تتحمله. وتوضيحا لذلك نقول إن في القرآن مثلا ما يفيد أنه جرى تبديل بعض الآيات ببعض وإنه نسخت بعض آيات أو أمور مأمورة بغيرها كما يدل على ذلك آيات النحل: [٩٨- ١٠٥] والبقرة: [٩٨- ١٠٥]، وفيه ما يفيد أن أحكاما وأوامر وتشريعات عدلت أو نسخت أو تطورت كما تدل على ذلك آيات الأنفال: [٦٥- ٦٦] والمجادلة: [١٢- ١٣] والنساء: [١٥- ١٦] والنور: [٢]، وفيه تنوع في الخطاب للناس عامة مسلمين وغير مسلمين، سواء أكان ذلك في صدد الدعوة أم

صفحة رقم 142

في صدد المواقف أم في صدد التبشير والإنذار والتمثيل والتشريع والهداية والضلال والكفر والإيمان والإحسان والإساءة حيث يكون الخطاب شديدا موئسا حينا ولينا مؤملا حينا، وجانحا حينا إلى تقرير كون الهداية والضلال والكفر والإيمان والإحسان والإساءة من مكتسبات المرء بما أودعه الله فيه من المواهب والقوى الاكتسابية والتمييزية وتقرير عودة التبعة فيها عليه حسنة أو سيئة من أجل ذلك، وجانحا حينا إلى تقرير كون ذلك من تقديرات الله الحتمية التي لا ينفع فيها إنذار ولا تبشير مما هو منبث في مختلف السور والفصول القرآنية، وفيه تقريرات شديدة ومؤئسة بالنسبة للكفار والمنافقين كما جاء في آيات يس: [٨- ١٠] والبقرة: [٦- ٧] بالنسبة للأولين، والبقرة: [٨- ١٨] والنساء: [١٣٧- ١٤٣] والمنافقون: [٢- ٦] بالنسبة للآخرين فيها جزم بمصيرهم الرهيب المحتوم من عدم الإيمان واستحقاق الخلود في النار مع أن كثيرا منهم بل أكثرهم قد آمنوا وحسن إيمانهم وتبدل مصيرهم إلى الثواب والنعيم واستحقوا التنويه والثناء، ونزل في صدد ذلك آيات قرآنية أخرى كما جاء في آيات الأنفال: [٢٥] والنحل: [١١٠] والفرقان:
[٧٠- ٧١] إلخ وقد كانت هذه الأمور وما تزال مثار جدل وحيرة حول ما إذا كان يصح على الله المحيط بما كان ويكون والأزلي العلم والإرادة البداء أي الرجوع عن ما أنزله وقرره وأمر به وأراده ونسخه وتعديله وتبديله وتنويع مفهوم الاحتمالات والنصوص فيه، في حين أن ملاحظة صلة الوحي القرآني الوثيقة بالسيرة النبوية وأحداثها على تنوع صفحاتها وظروفها تجعل الناظر في القرآن يندمج في الوقائع والمقتضيات. وتجعله يعتقد أن الفصول القرآنية، إنما كانت تنزل حسب حوادث السيرة وظروف الدعوة، وأنه لما كانت هذه الحوادث والظروف عرضة للتطور والتبدل والتنوع فإنها تجعله يرى الحكمة واضحة في التبديل والتعديل والنسخ والتنويع والشدة واللين في الخطاب، وتجعله يرى أن الجدل في ذلك النطاق لا محل له ولا طائل من ورائه، لأن التطور والتنوع في الأحداث والظروف والأذهان متسقان مع طبائع الأمور ونواميسها التي فطر الله الكون عليها فلا بدع أن تقتضي حكمته أن يكون ذلك في التنزيل القرآني اتساقا مع هذه الطبائع والنواميس.

صفحة رقم 143

والمدقق في آيات القرآن التي تفيد ذلك يجد القرآن يورد التقريرات المقتضية حسب الأحداث والظروف وتنوعها وتطورها على أسلوب الحكيم، فلا يدخل في نقاش جدلي إلا بمقدار الضرورة المتناسبة مع الموقف الواقعي، فيعلمنا بذلك الطريقة المثلى لفهم القرآن وروحه ومداه وظروف تنزيله وتنوعه وأسلوبه، وكون المهم فيه هو الإصلاح والتوجيه إلى خير الوجهات لظروف قائمة وأذهان وفئات ومواقف متفاوتة ومتنوعة ومتطورة، وينطوي ذلك في الوقت نفسه على التلقين والتوجيه المستمرين إلى الآماد التالية مما يرشح القرآن للخلود والشريعة القرآنية الإسلامية للعمومية والأبدية.
- ٢- القرآن والبيئة النبوية:
وثانيا: إن الصلة قائمة ووثيقة بين ما كانت عليه بيئة النبي وعصره من تقاليد وعادات وعقائد وأفكار ومعارف وبين البعثة النبوية والسيرة النبوية، وبالتالي بين الوحي القرآني وبين ما كانت عليه هذه البيئة.
وهذه الصلة واضحة أولا من جهة أن الدعوة النبوية والوحي القرآني بوجه عام إنما اقتضتهما حكمة الله بسبب ما كان عليه الناس- وأهل بيئة النبي في مقدمتهم وهم المخاطبون الأولون- قبل البعثة من ضلال في فهم وإدراك وجوب وجود الله وكمال صفاته ونزاهته عن الشريك والولد واستغنائه عن الولي والمساعد ومطلق تصرفه في كونه، واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع والاتجاه ووجوب نبذ ما سواه، ومن انحراف عن طريق الخير والحق والعدل والفضيلة ومن اختلاف عظيم في المذاهب والعقائد والطقوس، سواء في ذلك كله العرب وغيرهم، والكتابيون والمشركون، ثم بسبب أن ذلك ناشىء عن ما كان من تقاليد وعادات وأفكار ومعارف وأهواء وتأويلات ومفاهيم من ما احتواه القرآن من فصول الجدل والتنديد والتقريع في صدد هذه التقاليد والعادات والأفكار والمعارف والأهواء والتأويلات والمفاهيم التي احتوى القرآن إشارات كثيرة إلى كثير من صورها المتنوعة، وربط بينها وبين مواقف العرب والدعوة النبوية.

صفحة رقم 144

يضاف إلى هذا المظهر القرآني العام نصوص قرآنية خاصة «١» في هذا المعنى وردت في مواضع عديدة وبأساليب متنوعة إذا تمعن القارئ فيها ظهرت له هذه الصلة ظهورا جليا. وتزيد في إيضاح ذلك بالأمثلة التالية:
١- في القرآن توكيدات بعدم جدوى الشفاعة والشفعاء عند الله إلا بإذنه ورضائه، وتنديدات باعتذارات المشركين عن عبادتهم لشركائهم واتجاههم إليهم في الدعاء والتضرع بأنهم إنما يتخذونهم شفعاء ووسائل قربى إلى الله، وقد كثرت في هذا الباب مما يدل على رسوخ هذا المفهوم في أذهان المشركين في بيئة النبي وعصره قبل البعثة.
٢- إن آيات القرآن الواردة في طقوس الحج تفيد صراحة حينا وضمنا حينا آخر أنها كلها أو جلّها قد كانت ممارسة قبل البعثة النبوية فأقرت في الإسلام بعد تنقيتها من شوائب الشرك والوثنية، مع أن فيها ما لا يمكن فهم حكمة إقراره الآن مثل الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار واستلام الحجر الأسود وتقبيله إلخ فهذه الآيات متصلة بتقاليد الحج العربية قبل الإسلام ورسوخها وأهدافها، وفيها مظهر ما لوحدة العرب على اختلاف منازلهم ونحلهم حيث كانوا جميعهم يشتركون في الحج ومواسمه وتقاليده. وحرماته وأشهره الحرم، وحكمة إقرارها في الإسلام منطوية في ذلك الرسوخ من جهة وما كان له من فائدة وأثر في الوحدة المذكورة التي كان القرآن يدعو إليها من جهة ثانية ولعل قصد تأنيس العرب بالدعوة الإسلامية مما ينطوي في تلك الحكمة أيضا.
٣- ليس في القرآن المكي حملات عنيفة على اليهود الذين كان يسكن منهم

(١) اقرأ مثلا الآيات التالية: البقرة: [٨١- ٨٥ و ١٠٧- ١١٦ و ١٢٥- ١٢٩ و ١٥٨- ١٨٩ و ١٩٧- ٢٠٣ و ٢١٩- ٢٤٧ و ٢٧٥- ٢٨٣]، وآل عمران: [٥٩- ٦٠ و ٧٧- ٧٨ و ٩٣- ٩٧]، والنساء: [٢- ١٢ و ١٩- ٣٤ و ١٥٢- ١٦١]، والمائدة: [١- ٥ و ١٢- ١٩ و ٧٢- ٨٠ و ٩٠- ٩٧ و ١٠١- ١٠٤]، والأنفال: [٣١]، والنحل: [٦٤]، ولقمان: [٢١]، والقصص: [٥١- ٥٣]، والشعراء: [١٩٢- ١٩٧ و ٢١٠- ٢١٢، ٢٢١- ٢٢٣]، ويوسف:
[١١١]، وفصلت: [٣]. [.....]
الجزء الأول من التفسير الحديث ١٠

صفحة رقم 145

في الحجاز جاليات كبيرة، واكتفى فيه بذكر قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل الأولى مستهدفا بذلك ما استهدف بذكر قصص الأنبياء الأخرى، وقد جاءت تلك القصص بإسهاب أوفى مما جاءت هذه مما يمكن أن يكون الحكمة فيه وجود تلك الجاليات الكبيرة وصلتها الوثقى بالبيئة الحجازية العربية وسكانها. ولقد احتوى القرآن المكي آيات كثيرة فيها استشهاد بأهل الكتاب على صحة رسالة النبي بأسلوب يفيد أنهم شهدوا ويشهدون بذلك «١»، وتحمل في ثناياها تنويها بهم، وتقرير الاتساق بينهم وبين الدعوة القرآنية والمستجيبين إليها، هذا في حين أن القرآن المدني احتوى حملات شديدة لاذعة على اليهود ووصف سوء أخلاقهم ودسائسهم ومكائدهم، ووصل حاضر هذه الأخلاق بأخلاق الآباء. فهذا متصل بدون ريب بحالة قائمة في البيئة النبوية وظروفها. فإنه لم يكن لليهود في مكة كتلة ذات مركز قوي راسخ في حين كان لهم ذلك في المدينة، ولم يقع بينهم وبين النبي في مكة بسبب ذلك احتكاك وتشاد في حين أن ذلك قد وقع في المدينة بسبب ما كان لهم في المدينة من كتلة قوية وقدم راسخة ومصالح حيوية ومركز ممتاز مما احتوت الآيات القرآنية وصفا لذلك.
ومن الممكن إيراد أمثلة كثيرة من هذا النوع الذي يبين صلة مما كانت عليه بيئة النبي بالبعثة النبوية والسيرة النبوية والتنزيل القرآني. وقد اكتفينا بهذه الأمثلة ونبهنا على أمثالها الكثيرة في سياق التفسير.
فملاحظة هذه الصلة مهمة جدا كسابقتها في فهم مواضيع القرآن وتقريراته وروحه ومداه، وفي جعل الناظر فيه يندمج في الوقائع ومقتضياتها، ولا يبتعد عن حقيقة الواقع والباعث ويعصمه عن أن يتورط في الجدل والتزيد وتحميل العبارات القرآنية ما لا تتحمله وما لا طائل من ورائه.

(١) الأحقاف: [١٠]، والأنعام: [١١٤]، والرعد: [٣٦]، والشعراء: [١٩٧]، والقصص:
[٥١- ٥٣]، والعنكبوت: [٤٧].

صفحة رقم 146

- ٣- اللغة القرآنية:
ثالثا: إن لغة القرآن في مفرداتها وتراكيبها واصطلاحاتها وأساليبها وأمثالها وتشبيهاتها واستعاراتها ومجازاتها هي لغة البيئة النبوية وإنها مألوفة ومفهومة ألفة وفهما تامين من أهلها.
وليس الذي نعنيه بهذا تقرير قضية قد تكون بديهية في بعض الأذهان ولكن الذي نعنيه وجوب ملاحظة ذلك حين النظر في القرآن لأنه يساعد على فهم اصطلاحات لغة القرآن وأساليبها وأمثالها وتعبيراتها واستعاراتها ومجازاتها من جهة، وكون القرآن من جهة ثانية قد وجّه أول ما وجّه إلى أناس ألفوا لغته كل الألفة وفهموها كل الفهم، ووصلوا في عقولهم ومعارفهم وبيانهم ودقة تعابيرهم وبلاغة أساليبهم وفصاحة ألسنتهم، والاستمتاع بمتنوع أشكال الحياة المادية والمعاشية، والنفوذ إلى المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والعلمية والأدبية إلى درجة غير يسيرة من الرقي متناسبة مع ما عبرت عنه وأشارت إليه وتضمنته لغة القرآن، مما هو نتيجة لازمة لكون القرآن إنما نزل بلسانهم، وكون لغة القوم هي أصدق مظهر لحياتهم المادية والعقلية والاجتماعية والدينية «١». ثم نعني بالإضافة إلى هذا أن ينتفي من ذهن الناظر في القرآن المعنى الذي حلا لبعضهم أن ينوه به وهو انطواء بعض حروف القرآن وكلماته بل وبعض جمله وتعابيره وصور سبكه ونظمه على أسرار وألغاز ومعميات وكذلك المعنى الذي قرره بعضهم من علو طبقة اللغة القرآنية عن أفهام سامعيها إطلاقا دون استثناء، والمعنى الذي قرره بعضهم من أن لغة القرآن قد احتوت أو قصد أن تحتوي جميع لهجات ولغات العرب القديمة والحديثة مع لغات الأمم الأخرى.
ففي «الإتقان» للسيوطي فصول عديدة تشير إلى هذه المعاني ونذكر خاصة منها الفصل السابع والثلاثين كما أن كثيرا من الكتب الموضوعة عن القرآن وتفسيره

(١) في عصر النبي وبيئته قبل البعثة بحوث مستفيضة في كل ذلك مقتبسة من الآيات القرآنية.

صفحة رقم 147

قد احتوت تقرير هذه المعاني أيضا وفي الأقوال الواردة في تلك الفصول وهذه الكتب المروية أو الصادرة عن علماء قديمين كثير من التكلف والتزيد والتجوز والتخمين والتورط إن لم نقل التحريف.
ولقد جاء فيما جاء في فصول «الإتقان» نقلا عن كتاب «الإرشاد» للواسطي في صدد تعدد اللغات التي احتواها القرآن أن في القرآن خمسين لغة وهي لغات قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج وأشعر ونمير وقيس وعيلان وجرهم واليمن وأزد شنؤة وكندة وتميم وحمير ومدين ولخم وسعد العشيرة وحضر موت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبأ وعمان وبني حنيفة وتغلب وطي وعامر بن صعصعة والأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلي وعذره وهوازن والنمر واليمامة ومن غير العربية الفارسية والرومية والنبطية والحبشية والبربرية والسريانية والعبرانية والقبطية.. ولو عرف القائل قبائل عربية وأمما غير عربية أخرى غير الذي ذكره لأوردها أيضا.. وزاد غيره تفريعا فقال إن فيه من لغة بلي لغات الطائف وثقيف وهمدان ونصر بن معاوية وعك وليس هذا كل ما قيل وإنما هو أوسع ما قيل فإن في فصول «الإتقان» أقوالا كثيرة في هذا الباب. وكلام القائلين ليس هو من قبيل تقرير ما قد يكون معقولا وصحيحا من أن لغة القرآن التي هي لغة قريش متطورة مع الزمن عن لغات العرب قبل نزوله، ومن أن في القرآن ألفاظا معربة عن اللغات الأجنبية أعلاما وغير أعلام دخلت على اللغة العربية القرشية وجرت مجراها وصارت جزءا منها قبل نزوله كذلك، بل بقصد تقرير أن ذلك التعدد واقعي وأنه إنما كان أولا بسبب أن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بدّ من أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن لتتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا وثانيا بسبب أنه امتاز عن غيره من سائر الكتب المنزلة فنزلت هذه بلغة القوم الذين أنزلت عليهم ولم تدخل فيه لغة من لغات غيرهم في حين أن القرآن احتوى جميع لغات العرب والعجم. وثالثا بسبب أن النبي محمدا عليه السلام مرسل إلى كل أمة وقوم وقد قال الله وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] فلزم أن يكون

صفحة رقم 148

في الكتاب المنزل عليه شيء من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو.
وجميع هذه المعاني لا تصح في حال. فمن ناحية علو طبقة القرآن عن أسماع الناس وأفهامهم أو انطواء حروفه وكلماته على أسرار وألغاز ومعميات فإن في القرآن نصوصا حاسمة تنفي ذلك حيث تنص على أنه أنزل بلسان مبين أي واضح مفهوم وإن آياته قد فصلت تفصيلا، وإنه أنزل ليتدبره السامعون ويعقلوه ويفهموه ويحلون به ما يختلفون فيه كما أنه كان موجها إلى كل طبقة من أهل بيئة النبي عليه السلام يحكي كلامهم وأسئلتهم ويرد عليها مجيبا أو منددا أو مكذبا أو ملزما أو واعظا أو مشرعا أو في هذا ما يتنافى كذلك مع تلك المعاني. وهذا فضلا عن أنها غير متسقة مع مهمة النبي المكلف بمخاطبة مختلف الطبقات والمأمور بتبليغ ما أنزل إليه من ربه لهم والذي كان يتلوه على الناس كافة من مختلف الفئات في جميع ظروف سيرته الشريفة في عهديها المكي والمدني وأنها غير متسقة مع كون القرآن هدى للناس كافة يؤمرون باتباع ما أنزل فيه وتدبر آياته والتروي في أحكامه ومحتوياته، ويقال لهم فيه إنه مرجعهم في مختلف شؤونهم، ومنه يستمدون تشريعهم وأخلاقهم ونذرهم وبشائرهم وحلول مشكلاتهم إلخ. ومن ناحية احتواء القرآن مختلف لهجات ولغات الأمم عربها وعجمها وقديمها وحديثها على المقصد الذي شرحه القائلون فإنه لا يتسق في حال مع نصوص القرآن المطلقة والمتعددة بأنه أنزل بلسان عربي وجعل لسانا عربيا وإنه أنزل بلسان النبي العربي القرشي ولا مع نصّ حديث البخاري في صدد نسخ المصاحف في عهد عثمان الذي احتوى تقريرا صريحا بأنه إنما أنزل بلغة قريش.
ومن هذا الباب ما قيل حتى أصبح مستفيضا وحجة خطابية حاضرة من أن الله كما أرسل موسى في ظرف ارتقى فيه السحر وشاع بمعجزة تشبه السحر وليست سحرا فغلب الساحرين، وأرسل عيسى في ظرف ارتقى فيه الطب وشاع بمعجزة تشبه الطب فأتى بما يعجز الطب والأطباء فإنه أرسل محمدا بالقرآن فائقا على بلاغة البلغاء في ظرف كانت سوق الفصاحة فيه رائجة، وبلاغة الكلام فيه قد وصلت إلى أعلى الذرى نظما ونثرا فقصر عنه البلغاء والفصحاء وكان فيه معجزته، فهذا القول

صفحة رقم 149

مع ما في ارتقاء السحر وشيوعه والطب إلى أعلى الذرى في عهدي موسى وعيسى من محل نظر وتوقف- يعني أن القرآن قد قصد به أن يكون معجزا في فصاحته وبلاغته اللغوية والنظمية والفنية كأنما هو معلقة من معلقات الشعر الخالدة، أو قد قصد به أن يكون أعلى من مستوى أفهام الناس وبلاغة بلغائهم. وهذا لا يصح في اعتقادنا على ما ذكرناه آنفا والقرآن يقرر أنه إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ «١» وهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ «٢» إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «٣» ووَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٤» وفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «٥» ووَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ «٦» ووَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «٧» وإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «٨» إلخ.
يضاف إلى هذا أن القرآن في لغته وسبكه وأساليبه واصطلاحاته ومفهوماته وإشاراته ليس مغلقا أو غامضا أو معقدا أو صعبا على متوسط الأفهام والأذهان، وأنه كان يفهمه مختلف أوساط العرب حضرهم وبدوهم بل والمستعربون المقيمون

(١) سورة يس، الآية: [٦٩- ٧٠].
(٢) سورة إبراهيم، الآية: [٥٢].
(٣) سورة الإسراء، الآية: [٩- ١٠].
(٤) سورة الإسراء، الآية: [٨٢].
(٥) سورة مريم، الآية: [٩٧].
(٦) سورة النحل، الآية: [٦٤].
(٧) سورة النحل، الآية: [٤٤].
(٨) سورة الزمر، الآية: [٤٢].

صفحة رقم 150

في الحجاز أو الوافدون على النبي عليه السلام من البلاد المجاورة من عرب ومستعربين أيضا. ففي القرآن آيات كثيرة تشير إلى أنّ النبي كان يتلو آيات القرآن على مختلف طبقات الناس كما جاء في آيات الكهف [٢٧] والنمل [٩٢] والعنكبوت [٤٥] والأحقاف [٢٨- ٣٠] والجن [١] مما هو متسق مع مهمته، وإن منهم من كان يقول إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: ٢٥] وإِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: ٢٥] وقَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١] ولقد تكرر في القرآن المكي والمدني الإشارة إلى أهل الكتاب وأهل العلم وفي بعض الآيات ما يفهم أن من هؤلاء من جاء خصيصا ليجتمع بالنبي ويستمع للقرآن وقد كان منهم من تفيض عيونهم من الدمع ويخرون خشعا سجدا من تأثير ما يسمعون منه ويعلنون إيمانهم وتصديقهم به «١» مما يلهم أنهم كانوا يسمعون كلاما يفهمونه مع أنهم جاؤوا من نجران اليمن أو بلاد الشام أو الحبشة حسب ما أوضحته الروايات، كما أن اليهود الإسرائيليين والنصارى غير الحجازيين والذين يمتون أو يمتّ أكثرهم إلى أصول غير عربية والذين كانوا متوطنين في مكة والمدينة كانوا ممن وجهت إليهم الدعوة وكان القرآن يتلى عليهم ويفهمونه وقد اندمجوا في ظروف السيرة النبوية إيجابيا وسلبيا. وإذا كان يبدو اليوم فيه شيء من ذلك أو إذا كان بدا فيه شيء من ذلك منذ قرون عديدة سابقة أو إذا كان يبدو فيه اليوم وقبل اليوم كذلك مفردات غريبة على الأسماع والمألوف فإن هذا كله إنما نجم عن بعد الناس عن جوّ نزول القرآن وزمنه وجو لغته وجو البيئة التي نزل فيها من جهة، وعن ما طرأ على اللسان العربي من الفساد من جهة، وعن ما كان من اندماج كثير من غير العرب في العروبة ولغتها وتعلّمها تعلّما لا يمكن أن يقوم مقام السليقة الأصلية في بنيها الأصليين من جهة.
ولقد احتوى نصوصا كثيرة تقرر المرة بعد المرة ما هو عليه من وضوح وإبانة وإحكام وتفصيل ويسر فهم وسهولة إدراك في معرض التنديد بالمكابرين

(١) اقرأ آيات المائدة: [٨١- ٨٤]، والإسراء: [١٠٧- ١٠٩]، والقصص: [٥٢- ٥٥] مثلا.

صفحة رقم 151

والجاحدين والمجادلين «١» وهذا إنما هو ملزم مفحم لأن اللغة التي يسمعونها واضحة بينة مما ألفوه كل الألفة وليس فيها غموض ولا تعقيد وإشكال، ولا علوّ عن الأفهام لا من ناحية النظم والسبك واللغة ولا من ناحية المعنى والمفهوم والدلالة.
ونريد أن نستدرك شيئا. فإننا لسنا نعني بما نقرره أننا نشك في إعجاز القرآن وعلوّ طبقته اللغوية والنظمية كما أن كلامنا لا يقتضي ذلك فإعجاز القرآن لا يحتمل شكا، فهو مقرر في القرآن وثابت فعلا بعجز أي كان عن الإتيان بمثله أو بشيء من مثله رغم تكرر التحدي، والإيمان بذلك واجب، وعلوّ طبقته بارز بروزا في غنى عن التدليل، ولم يبق العلماء الثقات في تقرير ذلك محل زيادة لمستزيد غير أن الذي نعنيه أن إعجاز القرآن وعلوّ طبقته وروعة أسلوبه لا تقتضي أن يكون أعلى من مستوى أفهام العرب الذين خوطبوا به ووجّه إليهم، ولا أن يكون أبعد من متناول إدراكهم ولا أن تكون مفرداته ومضامينه وتراكيبه غير مألوفة لديهم، ولا أن يكون قد قصد به أن يكون معجزا في بلاغته اللغوية والنظمية والفنية، والفرق كبير بين المعنيين كما هو واضح فيما يتبادر لنا. ولعلّه مما يصح أن يذكر في هذا المقام على سبيل التمثيل والتقريب- ولله ولكتابه ونبيه المثل الأعلى- كاتب ذو أسلوب راق شائق قوي النفوذ يجعله في الطبقة الأولى أو ذروتها في حين يكون سهل التناول غير غامض ولا معقد، يستطيع أن يسيغه مختلف القراء وأواسطهم، بل وإن هذا الأسلوب ليكون دائما أحسن الأساليب وأفصحها وهو الذي يسميه البيانيون بالسهل الممتنع. هذا عدا عن أن إعجاز القرآن فيما نعتقد ليس من ناحية نظمه وأسلوبه اللغويين فحسب بل هو أيضا من ناحية روحانيته النافذة الباهرة التي تنفذ إلى أعماق عقل الإنسان وقلبه وروحه، ونعتقد أن لهذا الاعتبار الأول في إعجازه، وأن التحدي وتقرير عدم إمكان الإتيان بمثله أو بشيء من مثله إنما هو «للقرآن»

(١) النساء: [٨٢]، والأنعام: [١٥٥- ١٥٧]، وهود: [١- ٢]، ويونس: [١- ٢]، والحجر:
[٦]، والنور: [١]، والشعراء: [١- ٢]، والفرقان: [١]، والنمل: [١- ٢]، والعنكبوت:
[٥١- ٥٢] مثلا.

صفحة رقم 152

وهذا هو التعبير الذي استعمل في القرآن. الذي كما هو لغة وأسلوب هو كذلك معان ودعوة قوية نافذة باهرة في مداها ومضمونها وشمولها وسعة أفقها وروحانيتها التي وصف أثرها القرآن نفسه بهذا الوصف:
١- لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ..
الحشر: [٢١].
٢- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.. الزمر: [٢٣].
٣- وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الإسراء: [٨٢].
ثم التي وصف أثرها القرآن في أهل العلم والنية الحسنة من الكتابيين بهذا الوصف القوي النافذ:
١- وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ المائدة: [٨٣- ٨٤].
٢- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.. الرعد: ٣٦.
٣- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً.. الإسراء: [١٠٧- ١٠٩].
٤- وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا.. القصص: [٥٣].
ولعل من الدلائل على أن لغة القرآن ولغة بيئة النبي شيء واحد- ونعني المفردات والمصطلحات والتراكيب- حكاية القرآن لكلام الكفار وغير الكفارة وردّه عليهم، والأحاديث الكثيرة جدا الواردة عن النبي وأصحابه التي لا فرق بين لغتها ولغة القرآن بل ولقد رويت أحاديث تذكر أن بعض الصحابة والكفار قالوا كلاما

صفحة رقم 153

بعينه فنزل القرآن بنفس النظم الذي صدر عنهم منها:
١- حديث روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لنساء النبي حينما تآمرن على النبي بسائق الغيرة: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن.
٢- حديث بخاري مروي عن زيد بن أرقم أنه سمع عبد الله بن أبيّ يقول «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله» ويقول «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ... ».
وآيات سورة المنافقون: [٧- ٨] وسورة التحريم: [٥] قد احتوت هذه النصوص كما هو معلوم.
ونحن نرى هذا بديهيا ومن تحصيل الحاصل، ولكنا أثبتناه لأن فكرة أن هناك فرقا عظيما بين لغة القرآن ولغة أهل بيئة النبي وأن تلك اللغة أعلى من مستوى أفهام هؤلاء قوية الرسوخ.
ومما يقوم شاهدا قرآنيا على هذا الذي نقرره في هذه النقطة خاصة ما جاء في بعض الآيات من حكاية لأقوال الكفار في القرآن مثل إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ «١» ووَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.. «٢»
وقالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.. «٣».
فهذه النصوص تتضمن قرائن حاسمة على أن سامعي القرآن وخاصة الطبقة المتزعمة والنبيهة التي كانت تتولى كبر المعارضة وقيادتها كانوا يسمعون كلاما يفهمونه كل الفهم بجميع دقائقه، لا يعلو عن أفهامهم ولا يبعد عن مألوفاتهم ويرونه شبيها بأقوال الناس بل ويصفونه بأنه كذلك..
ونريد كذلك أن ننبه على نقطتين أخريين:

(١) سورة المدثر، الآية: [٢٥].
(٢) سورة الفرقان، الآية: [٥]. [.....]
(٣) سورة الأنفال، الآية: [٣١].

صفحة رقم 154

فأولا: إن ما قلناه من فهم المخاطبين العرب على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم للقرآن لا يقتضي أن يكون متناقضا مع ما هو مقرر بصورة حاسمة من أن لغة القرآن هي لغة قريش فالقرآن وجّه أول ما وجّه إليهم وإلى القبائل والمدن الحجازية كما جاء في آيتين متماثلتين في سورتي الأنعام والشورى وهما:
١- وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها.. الأنعام: [٩٢].
٢- وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها الشورى: [٧].
على أن لغة قريش من جهة أخرى كانت إجمالا في عهد البعثة النبوية لغة العرب جميعهم على اختلاف منازلهم أو على الأقل مفهومة من العرب جميعهم بسبب ما كان من اشتداد التحاك بين قريش وسائر العرب في مواسم الحج التي كان يشترك فيها العرب جميعهم والتي كانت تقام قبل البعثة النبوية بمدة طويلة وبسبب وحدة الأصل من حيث المبدأ. ولعلّ في آية الشورى الآنفة الذكر خاصة دلالة أو قرينة على ذلك حيث وصفت القرآن بالعروبة مع إشارتها إلى مهمة الرسول في إنذاره مكة ومن حولها وقد وصف القرآن بهذا الوصف في آيات مكية عديدة أخرى كما ترى فيما يلي.
١- إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.. يوسف: [٢].
٢- وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا الرعد: [٣٧].
٣- نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء: [١٩٢- ١٩٥].
٤- وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.. الزمر: [٢٧- ٢٨].
٥- كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فصلت: [٣].

صفحة رقم 155

٦- إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الزخرف: [٣].
مما يدعم النقطة التي قررناها. وكذلك مما يدعمها أن القرآن وصف غير العربية بالأعجمية كما ترى فيما يلي:
١- وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النحل: [١٠٣].
٢- وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ فصلت:
[٤٤].
بحيث يستفاد من ذلك أن العربية كانت حينما تطلق تشمل لغة العرب جميعهم، وأنه لم يكن للعرب جميعهم لغة غير اللغة التي نزل بها القرآن وأن لغة قريش التي هي لسان النبي الذي ذكر القرآن أن الله قد يسّر القرآن به أي لغته كانت هي لغة العرب جميعهم.
وثانيا: - إن ما قلناه من أن كل كلمة في القرآن كانت مفهومة من العرب على حقيقة مداها ومعناها لا يقتضي أن يكون مناقضا لما هو طبيعي فرضا وواقعا وبديهة من وجود كلمات فيه لا يفهم مداها ومعناها إلا الفئات الخبيرة النيرة منهم بل ومن وجود كلمات قد لا يكون سمعها أو قد يجهلها بعض أفراد من هذه الفئات نفسها، ومن وجود أفراد قليلين أو كثيرين أو قبائل برمتها تجهل المعنى الحرفي لقليل أو كثير من مفردات القرآن بل ومن بعض تعابيره كذلك. وهذه الظاهرة مشاهدة ملموسة في كل ظرف وقطر ومن كل فئة بما فيها الفئات المتعلمة ومع ذلك فمن المشاهد الملموس أن الناس على اختلاف فئاتهم وثقافاتهم وخاصة أواسطهم لا يعيبهم أن يفهموا ما يقرأونه من رسائل وكتب وصحف ويسمعونه من خطب وإذاعات. وطبيعي أن العرب في عصر النبي وعهد بعثته لم يكونوا ليخرجوا عن نطاق هذه الظاهرة، وإذا روي عن بعض الصحابة جهلهم لمعنى كلمة من الكلمات القرآنية فلا يكون في ذلك غرابة ما بقطع النظر عن صحة الرواية متنا وسندا.

صفحة رقم 156

ومن هذه البيانات تتجلى فائدة الملاحظة التي هي موضوع البحث الأصلي مهما بدت للبعض بديهية، حيث تجعل الناظر في القرآن يندمج في جو لغته وأساليبه واصطلاحاته التي هي لغة عهد نزوله وأساليبه واصطلاحاته ولغة ظروف هذا العهد فينجلي له كثير من الأمور والمعاني على وجهها وحقيقتها، ولا ينجرّ إلى معان ومدى ومفهومات وتزيدات وتكلّفات وتخمينات ومعميات لا تتحملها نصوص القرآن وأساليبه ودلالاته وظروف نزوله ومهمة من أنزل عليه.
- ٤- القرآن أسس ووسائل:
رابعا: إن محتويات القرآن نوعان متميزان وهما الأسس والوسائل، وإن الجوهري فيه هو الأسس لأنها هي التي انطوت فيها أهداف التنزيل القرآني والرسالة النبوية من مبادئ وقواعد وشرائع وأحكام وتلقينات مثل وجوب وجود الله تعالى ووحدته وتنزهه عن كل شائبة وشريك وولد واتصافه بجميع صفات الكمال ومطلق التصرف في الكون واستحقاقه وحده العبادة والخضوع ونبذ كل ما سواه والقيام بالواجبات التعبدية له، ومثل المبادئ والأمر والنواهي والتشريعات والأحكام والتلقينات الكفيلة بصلاح الإنسانية وطمأنينتها والتعاون الأخوي التام بينها أفرادا وجماعات وسلبية وإيجابية وأخلاقية واجتماعية وسياسية وحقوقية وسلوكية واقتصادية والنهي عن كل ما يناقض ذلك.
أما عدا ذلك مما احتواه القرآن من مواضيع مثل القصص والأمثال والوعد والوعيد والترهيب والترغيب والتنديد والجدل والحجاج والأخذ والرد والتذكير والبرهنة والإلزام ولفت النظر إلى نواميس الكون ومشاهد عظمة الله وقدرته ومخلوقاته الخفية والعلنية مثل الجن والإنس وإبليس والشيطان ومشاهد الرؤية فهي وسائل تدعيمية وتأييدية إلى تلك الأسس والأهداف وبسبيلها.
ومع أن جل هذه الوسائل ممّا له صلة ببيئة النبي وعصره من جهة والسيرة النبوية من جهة وبفهمها، وأن منها ما يتصل بالأسس والمبادئ من بعض

صفحة رقم 157

النواحي كنتائج لها مثل الحياة الأخروية ومشاهدها وأهوالها ونعيمها وعذابها والملائكة والجن ومعجزات الأنبياء مما يدخل في الغيبيات الإيمانية من جهة، ومع أنها قد شغلت حيزا كبيرا أو بالأحرى الحيز الأكبر من القرآن فإن من فائدة هذه الملاحظة أن تجعل الناظر في القرآن يقف عند الأهداف والمبادئ ويعتني العناية الكبرى بتجليتها وإبرازها، ولا يحمل الوسائل والتدعيمات ما لا ضرورة لتحميلها إياه ولا يترك لها المجال لتغطي على تلك، وتكون له شغلا شاغلا مستقلا بحيث يستغرق فيها مثل استغراقه في الأسس فضلا عن استغراقه فيها أكثر من استغراقه في هذه مما هو واقع ومشاهد كالانشغال مثلا في ماهية القصص القرآنية والنواميس الكونية، أو ماهية الملائكة والجن أو ماهية مشاهد الحياة الأخروية، وبحيث يغفل عن هدفها الرامي إلى تدعيم الأسس والأهداف مما يؤدي به إلى إهمال التدبر بالجوهري والتورط فيما لا طائل من ورائه والوقوع في الحيرة والبلبلة دون ما ضرورة.
وننبه على أن هذا التقسيم بالمعنى الذي نقرره مستلهم بوجه عام من روح القرآن وأسلوبه وآياته، مما يستطيع أن يلمسه كل من أنعم النظر فيها، حيث يجد أنه لم ترد قصة أو مثل أو موعظة أو حملة تنديد وإنذار أو إشارة تنويه بملكوت الله وعظمته والدعوة إلى التفكير في آلائه أو ذكره للملائكة والجنّ أو تذكير بما كان من دعوة سابقة ومعجزات نبوية خارقة، أو تنبيه إلى الحياة الأخروية ومشاهدها ونتائجها المبهجة أو المزعجة إلا بعد تقرير تلك الأسس والأهداف أو شيء منها والدعوة إليها، أو بيان الحق والخير والصلاح والسعادة فيها، أو حكاية مواقف الكفار منها أو تثبيت النبي والمسلمين فيها وتصبيرهم عليها، وهذا من مميزات الأسلوب القرآني وخصوصياته بالنسبة لسائر الكتب المنزلة، وحيث يجد أن هذه الأسس والأهداف تظل محكمة ثابتة مع ما هو طبيعي من اختلاف مواقف النبي وتنوعها بالنسبة لفئات الناس والعقول والظروف في حين أن ما هو من باب الوسائل والتدعيمات يتنوع ويختلف أسلوبا ومدى وتعبيرا مع اختلاف تلك المواقف وتنوعها وهذا خاصة من شأنه أن يكون مقياسا وضابطا للتفريق بين

صفحة رقم 158

القسمين القرآنيين، بل ومن شأنه أن يحل ما يتوهمه الناظر في القرآن من إشكالات قرآنية في الأسلوب والمدى والتعبير أيضا.
وهو مستلهم بوجه خاص من بعض نصوص صريحة في القرآن- مع ملاحظة ما قد يكون لها من خصوصيات زمنية يأتي في مقدمتها وقد يكون أقواها مدى وأوضحها دلالة آية آل عمران السابعة هذه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا...
وهذه الآية نزلت في سياق الردّ على وفد نصراني تناظر مع النبي عليه السلام في أمر المسيح فسأله الوفد ألا يقول القرآن إن المسيح كلمة الله وروح منه قال بلى قال فهذا حسبنا. فنزلت الآية تندد بالوفد الذي ترك الأصل القرآني المحكم وهو أن الله واحد لا يصح أن يكون له ولد ولا شريك وجنح إلى التأويل الفاسد لبعض النصوص التي أنزلت بقصد التقريب والتمثيل.
وعلى خصوصية الآية من حيث المناسبة فإنها جاءت بأسلوب تقريري عام لتكون شاملة الحكم والمدى، بحيث يصح أن يستلهم منها بقوة أن القرآن قسمان متميزان أحدهما محكم أساسي ثابت لا يحتمل تأويلا ولا تنوعا ولا وجوها افتراضية وتقريبية، وثانيهما متشابهة بسبيل التقريب والتمثيل والإلزام والبرهنة ويحتمل التأويل والتنوع والوجوه الافتراضية.
ولسنا منفردين في هذا التخريج فقد سبق إليه كثير من أعلام العلماء والمفسرين على تنوع أقوالهم واختلاف مدى السعة والضيق فيها «١» وقد روي عن ابن عباس «٢» في صدد الآية أن المحكم هو ناسخ القرآن وحلاله وحرامه وحدوده

(١) «تفسير المنار» ج ٣.
(٢) «الإتقان» للسيوطي.

صفحة رقم 159

وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به وأن المتشابه هو منسوخ القرآن ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به. وقد نوّه للأول بآيات الأنعام: ١٥١- ١٥٣ والإسراء: ٢٣- ٣٨ التي هي مجموعات رائعة من المبادئ والأهداف التوحيدية والأخلاقية والاجتماعية والسلوكية.
وفي سورة محمد آية يصح أن تكون دليلا قرآنيا وهي هذه:
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠).
حيث يلهم نصّها أن معنى «محكمة» هو الفرض الأساسي الحاسم من فروض القرآن وتكاليفه.
وفي القرآن آيات كثيرة جدا يبرز فيها تأييد هذا المعنى كآيات البقرة: [١٢- ٢٦] والأعراف: [٥٧- ٥٨] والكهف: [٥٤- ٥٩] وطه: [١١٣] والعنكبوت:
[٤٠- ٤٩] والروم: [٢٠- ٢٨] والزمر: [٩- ٢٩] والحاقة: [٤- ٥٢] والمعارج: [١١- ٤٤] والمدثر: [٣٠- ٤٧] إلخ.
وهو متسق مع حكمة بعثة الرسل وهي هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور والدعوة التي دعوا إليها وهي الدعوة إلى الله وحده وإلى مكارم الأخلاق والمبادئ التي يقوم عليها صلاح الإنسانية وسعادة الناس في الدارين. أما ما ظهر على أيدي الرسل من معجزات وما صدر عنهم الوحي الرباني من نذر وبشائر ووعد ووعيد وتذكير وتمثيل وقصص ومواعظ فإنه بسبيل تلك الحكمة وإعلائها وتجليتها والإقناع بها والتوجيه إليها كما يبدو واضحا وبديهيا عند ذوي الألباب والرؤية.
ومما يزيد ما نقرره قوة ووضوحا ما يلاحظ من تطور التنزيل القرآني وتطور إطلاق تعبير «القرآن» على أجزاء القرآن وسوره وفصوله. فالقرآن يطلق كما هو معروف على مجموعة السور التي بين دفتي المصحف، غير أن هذا التعبير قد بدىء

صفحة رقم 160

باستعماله منذ مبادئ نزول القرآن، وبدىء بإطلاقه على ما كان ينزل من مجموعاته قبل تمامه، بل قبل أن ينزل منه إلا القليل ثم ظلّ يطلق على ما كان ينزل منه وما يجتمع من مجموعاته إلى أن تمّ تمامه بوفاة النبي عليه السلام كما يفهم من آيات المزمل: [٤] وق: [١] والبروج: [٢١] وص: [٣] والجن: [١] والفرقان:
[٣٢] وطه: [١١٤] والواقعة: [٧٧] والنمل: [١] والإسراء: [٩] ويونس: [٨٢] والحجر: [١] إلى كثير غيرها من السور المكية «١» ثم ظل يطلق في السور المدنية على ما نزل وكان ينزل كما يفهم من آيات البقرة: [٢] وآل عمران: [٣- ٤] والنساء: [٨٢] والحشر: [٢١] ومحمد: [٢٤] وغيرها..
والمعقول والواقع أن الآيات والسور القرآنية التي نزلت قبل غيرها قد احتوت في الأكثر أسس الدعوة ومبادئها وأهدافها واقتصرت أو كادت تقتصر على التبشير بها وإنذار الذين لا يستجيبون إليها ولم تتوسع في الوسائل كما ترى في سور الفاتحة والأعلى والشمس والليل والعصر والإخلاص والتكاثر والتين والقارعة، مما يؤيد أن الأهداف والأسس هي المقصودة الجوهرية في القرآن أولا.
وقد خلت هذه السور وأمثالها أو كادت تخلو من العنف مما هو طبيعي لأن الدعوة وأهدافها ومبادئها هي التي يجب أن تعرض أولا وتنشر دون ما عنف ولا جدال، ثم أخذت الفصول التالية لها تحتوي إلى جانب تقرير المبادئ والأهداف والتوسع فيها حملات عنيفة على الجاحدين والكافرين والصادين وحكاية مواقفهم وإنكارهم لصحة الوحي القرآني كما أخذت تتوسع في الوسائل التدعيمية من قصص وأمثال ووصف نواميس ومشاهد وذكر غيبيات إيمانية إلخ مما هو طبيعي كذلك، لأن الجحود والجدل والإنكار والشك والاستغراب والأذى والصدّ والتحدي والتحريض إنما وقع بعد عرض الدعوة وتقرير الأهداف، ولأن مواقف الجاحدين والمفكرين والشاكين والمستغربين والمترددين والصادين والمكابرين والمتحدين استتبعت التوسع في الوسائل التدعيمية والتأييدية. ولقد احتوت الفصول التالية

(١) هذه السور من السور المكية المبكرة بالنزول قليلا أو كثيرا.
الجزء الأول من التفسير الحديث ١١

صفحة رقم 161

المذكورة جدلا وحجاجا بين النبي والكفار حول «القرآن» وصحة الوحي الرباني مثل آيات القلم: [٩- ١٥] والتكوير: [١٩- ٢٩] والفرقان: [١- ٦ و ٣٢] والشعراء: [١٩٢- ٢٢٦] والإسراء: [٤٥- ٤٧ و ١٠٥- ١١١] ويونس: [١٥- ١٧ و ٣٧- ٤٠] وهود: [١٣- ١٤] والسجدة: [١- ٣] وسبأ: [٣١] وفصلت:
[٤٠- ٤٥] إلخ، والمعقول أن يكون الكفار قد جادلوا في أول الأمر في ما احتوته الأجزاء الأولى من القرآن وكادت تقتصر عليه من الأسس والمبادئ وكفروا بنبوة النبي وصحة الوحي الرباني فأخذت هذه الآيات وأمثالها تحكي أقوالهم وترد عليها ردودا مفحمة، وتضرب لهم الأمثال وتذكرهم بمن سبقهم من الأمم والأنبياء وتتوعدهم وتنذرهم بالآخرة وهولها وعذابها. وتتحداهم وتندد بما هم عليه من ضلال وسخف، وتبشر المستجيبين بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة وتثبتهم وتصبرهم وتسلي النبي وتطمئنه إلخ ثم استمر الأمر على ذلك كله مع تنوع في الأساليب حسب تنوع المواقف وتجددها فالإنذار والتبشير والتنديد والتنويه والوعد والوعيد والقصص والأمثال والإلزام والإفحام والجدال إنما هو كما هو واضح جاء تبعا للأسس والمبادئ والأهداف ودار حولها، بسبيل التدعيم والتأييد اللذين اقتضتهما ظروف السيرة والدعوة ومواقف الناس مسلميهم وكفارهم من تلك الأسس والمبادئ والأهداف التي هي الأصل والجوهر في التنزيل القرآني.
- ٥- القصص القرآنية:
خامسا: إن ما ورد من قصص وأخبار متصلة بالأمم السابقة وأحداثها أولا لم يكن غريبا عن السامعين إجمالا، سماعا أو مشاهدة آثارا أو اقتباسا أو تناقلا، وسواء منه ما هو موجود في أسفار كتب الكتابيين وغيرهم المتداولة مماثلا أو زائدا أو ناقصا أو مباينا لما جاء في القرآن. أم ليس موجودا فيها مما يتصل بالأمم والأنبياء الذين وردت أسماؤهم فيها مثل قصص إبراهيم المتعددة مع قومه وتسخير الجن والريح لسليمان وقارون والعبد الصالح مع موسى ومائدة المسيح، أو

صفحة رقم 162

مما يتصل بغيرهم من الأمم والبلاد العربية وأنبيائهم مما لم يرد أسماؤهم فيها مثل قصص عاد وثمود وسبأ وتبع وشعيب ولقمان وذي القرنين. وثانيا لم يورد للقصة بذاتها وإنما ورد للعظة والتمثيل والتذكير والإلزام والإفحام والتنديد والوعيد.
وفي القرآن شواهد وقرائن ونصوص عديدة مؤيدة للنقطة الأولى مثل ما جاء في آيات سورة الروم: [٩] وسورة غافر: [٢١] وسورة الحج: [٤٥- ٤٦] وسورة الصافات: [١٣٣- ١٣٨] وسورة القصص: [٥٨] وسورة الفرقان: [٤٠] وسورة العنكبوت: [٣٨] وسورة هود: [١٠٠] وسورة إبراهيم: [٤٥].
وفي أسلوب القصص القرآنية الذي لم يكن سردا تاريخيا كما هو الحال في قصص التوراة والذي تخلله الوعظ والإرشاد والتبشير والإنذار بل والذي جاء سبكه وعظا وإرشادا وتبشيرا وإنذارا، ثم في سياق إيراد القصص عقب التذكير والتنديد والتسلية والتطمين والموعظة وحكاية مواقف الكفار وعنادهم وحجاجهم أو بين يدي ذلك، وتكرارها لتنوع المواقف النبوية دعوة وحجاجا وتنديدا وبيانا وعظة سنين طويلة وتجاه فئات مختلفة تأييد للنقطة الثانية، يضاف إلى هذا ما في القرآن من شواهد ونصوص خاصة وكثيرة أيضا مما يؤيدها كما يبدو واضحا لمن يتمعن في آيات الأعراف: [١٠١ و ١٦٣- ١٦٦ و ١٧٥- ١٧٧] والمائدة: [٢٨- ٣٣] والأنفال: [٥٣- ٥٤] والتوبة: [٦٩- ٧٠] ويونس: [١٢- ١٣ و ٧١- ٩٨] وهود: [١٠٠- ١٠٣] ويوسف: [١١١] والرعد: [٣٨- ٤٢] وإبراهيم: [٩- ١٤] ومريم: [٥٤- ٦٣] وطه: [٩٩- ١٠١] والفرقان: [٣٥- ٤٠] والنمل: [٤٥- ٥٨] والقصص: [١- ٦ و ٥٨- ٥٩] والعنكبوت: [٣٧- ٤١] ويس: [١٣- ٣١] وص: [١٢- ١٧]. واللازمة التي اتبعت بكل قصة في سورة الشعراء وهي إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨). وهناك آيتان في سورتي الأنبياء والقصص جديرتان بالتنويه بصورة خاصة لما فيهما من دلالة قوية على أن العرب كانوا يعرفون أخبار الأنبياء ومعجزاتهم وهما هاتان:
١- بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما

صفحة رقم 163

أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ...
الأنبياء: [٥].
٢- فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا «١» أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى.. القصص: [٤٧].
وحكمة النقطة الأولى ظاهرة جلية فيما يتبادر لنا. فالمخاطبون إنما يتأثرون بما احتوته الحادثة أو القصة التي تورد عليهم من موعظة أو مثل أو تذكير وزجر وتنبيه ودعوة إلى الاعتبار والارعواء والتأسي والتدبر في العاقبة إذا كانت مما يعرفونه أو مما يعرفه بعضهم جزئيا أو كليا مفصلا أو مقتضبا. أما إذا لم يكونوا يعرفونه فإنه لا يأتي مستحكم الإلزام والإفحام والتأثير والعبرة، ولا سيما على مخاطبين كافرين بأصل الدعوة التي يراد التذكير بمواقف الغير والسابقين من مثلها وبمصائرهم بسبب هذه المواقف أو جاهلين للحادثة التي يراد استخراج العبرة من سيرها وظروفها وعواقبها.
وهذه الملاحظة مهمة وجوهرية جدا، لأن من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر في القرآن في ماهيات ووقائع ما احتوته القصص التي لم تقصد لذاتها، وأن تغنيه عن التكلف والتجوز في التخريج والتأويل والتوفيق أو الحيرة والتساؤل في صدد تلك الماهيات والوقائع، وأن تجعله يبقي القرآن في نطاق قدسيته من التذكير بالمعروف والإرشاد والموعظة والعبرة ولا يخرج به إلى ساحة البحث العلمي وما يكون من طبيعته من الأخذ والرد والنقاش والجدل والتخطئة والتشكيك على غير طائل ولا ضرورة.
ونريد أن نبحث في ما يمكن أن يرد على موضوع الملاحظة وخاصة نقطتها الأولى.
فلقد ورد في سورة هود بعد قصة نوح خاصة وورد في سورة يوسف بعد إتمام القصة وورد في سورة آل عمران في سياق نشأة مريم آيات جاء فيها تنبيه على

(١) بمعنى هلا.

صفحة رقم 164

أن ذلك من أنباء الغيب كما ترى فيها:
١- تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ هود: [٤٩].
٢- ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ يوسف: [١٠٢].
٣- ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ آل عمران: [٤٤].
وظاهر الآيات ينقض تلك النقطة كما هو المتبادر. غير أننا نلاحظ أن قصتي نوح ويوسف خاصة قد وردتا في التوراة قريبتين جدا مما وردتا في القرآن، وإن التوراة كانت متداولة بين أيدي الكتابيين الذين كان كثير منهم يعيشون في بيئة النبي قبل بعثته وبعدها، كما أن أهل هذه البيئة كانوا على صلة وثيقة بهم وبالبلاد المجاورة الكتابية الدين أي الشام ومصر والحبشة والعراق العربي، وأن القرآن قد أكثر من ذكر التوراة مصدقا حينا ومنوها بما احتوته من نور وهدى وحق حينا ومتحديا بها اليهود حينا، وأن فيه آيات تفيد صراحة أو ضمنا أن أهل بيئة النبي كانوا يسمعون من الكتابيين أشياء كثيرة عن كتبهم كما ترى في الأمثلة التالية:
١- أَتَأْمُرُونَ «١» النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ.. البقرة: [٤٤].
٢- وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا «٢» فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.. البقرة:
[٨٩].
٣- وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ

(١) يعني اليهود.
(٢) يعني العرب.

صفحة رقم 165

بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ البقرة: [٧٦].
٤- أَمْ تُرِيدُونَ «١» أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ البقرة:
[١٠٨].
٥- وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ «٢» مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.. آل عمران: [٧٨].
٦- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ آل عمران: [٩٣].
٧- وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ المائدة: [٤٣- ٤٤].
وإن أهل هذه البيئة كانوا يثقون بما عند الكتابيين من علوم ومعارف، مما ينطوي في ذلك حكمة ما تكرّر في القرآن من الاستشهاد بهم على صحة الرسالة النبوية مما أوردنا آياته في مناسبة سابقة.
والروايات متضافرة على أن اليهود كانوا يتبجحون بالتوراة في سياق الدعوة النبوية وأحداثها. وأنهم نشروها مرة أو أكثر في مجالس النبي، وعلى أنه كان من أهل بيئة النبي العرب من كان يدين بالنصرانية واليهودية ومطلعا على التوراة والإنجيل فضلا عن من يدين بالنصرانية خاصة من العرب الذين يقطنون في أنحاء أخرى من الجزيرة العربية وأطرافها والتوراة كتاب النصارى كما هي كتاب اليهود فضلا عن اختصاص الأولين بالإنجيل كما هو معروف. وفي حديث البخاري عن

(١) يعني المسلمين.
(٢) يعني المسلمين.

صفحة رقم 166

بدء الوحي وقد أوردناه في الفصل الأول صراحة بمعرفة ورقة بن نوفل اللغة العبرانية واطلاعه على التوراة والإنجيل.
فليس مما يصح فرضه أن لا يكون من العرب السامعين للقرآن من يعرف هاتين القصتين. ومثل هذا يقال بالنسبة لقصة مريم التي ورد في بعض الأناجيل شيء قريب مما ورد عنها في القرآن وفي بدء قصة يوسف آية هذا نصها:
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [٧] والسؤال عن أمرهم لا بدّ من أن يكون آتيا من معرفة شيء ما أو سماع شيء ما عنهم من دون ريب.
لذلك فإن في الآيات الثلاث المذكورة إشكالا يدعو إلى الحيرة، ولا يستطاع النفوذ إلى الحكمة الربانية فيه نفوذا تاما. وليس من مناص إزاء الواقع ومداه من أن قصص نوح ويوسف ومريم من القصص المشهورة إلا بتأويل هذه الآيات وتخريجها بما يزيل الإشكال ويتسق مع الواقع. وقد رأينا المفسر الخازن يعلق على آية هود فيقول إن قصة نوح مشهورة وإنه ليس مما يحتمل أن لا تكون معروفة، وإنه يجب صرف الآية على محمل قصد عدم معرفة النبي وقومه بجميع تفصيلاتها. وفي هذا التعليق وجاهة ظاهرة كما أنه لا معدى عنه أو عن ما يقاربه كصرف الغيب إلى معنى البعيد غير المشاهد أو الذي صار في طيات الدهر في صدد القصص التي وردت عقبها خاصة هذه الآيات. وننبه على أن بقية الفصول القصصية في سورتي هود وآل عمران، وكذلك الفصول القصصية المتنوعة الواردة في مختلف السور بما في ذلك قصص نوح ومريم ويوسف لم يرد فيها مثل هذا التعليق والتقييد، وأن قصة نوح ذكرت بتفصيل أو اقتضاب مرات كثيرة في السور التي نزلت قبل سورة هود مثل ص والأعراف والقمر والشعراء، وأن قصة مريم وولادة عيسى ذكرت بتفصيل أيضا في سورة مريم التي نزلت هي الأخرى قبل سورة آل عمران وأشير إليها باقتضاب في سور متعددة أخرى ولم يرد كذلك في سياقها مثل هذا التعليق والتقييد مما يجعل التأويل والتخريج سائغا وصوابا.
ولعل مما يحسن إيراده في صدد قصة نوح مسألة أصنام قوم نوح المذكورة

صفحة رقم 167

في سورة نوح وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر فقد كانت الأصنام من الأصنام المعبودة عند بعض قبائل العرب في عصر النبي وقد تسمّى كثير من الأشخاص المعاصرين للنبي بعبودية بعضها مثل عبد ودّ وعبد يغوث وفي بعض الروايات أن العرب اقتبسوا هذه الأصنام وعبادتها من قوم نوح ولعل هذا ما كان متداولا بينهم قبل البعثة. وعلى كل فإن هذا قرينة على أن العرب لم يكونوا جاهلين قصة نوح ومواقفه من قومه بالكلية.
ومما يصحّ إضافته إلى الآيات القرآنية الكثيرة التي احتوت دلائل وقرائن تفيد أن السامعين كانوا يعرفون أخبار الأمم والأنبياء التي تتلى عليهم من القرآن على سبيل العظة والتذكير أن المفسرين قد أوردوا بيانات كثيرة في سياق كل قصة من القصص القرآنية مسهبة حينا ومقتضبة حينا آخر، ومعزوة إلى علماء السير والأخبار إطلاقا حينا وإلى علماء بأسمائهم مثل ابن عباس ومقاتل ومجاهد والضحاك والكلبي وابن إسحاق ووهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهم حينا، واحتوت تفاصيل وجزئيات حول هذا القصص أو قصصا بسبيلها مهما كان فيها من إغراب ومفارقات فإننا نستبعد أن تكون كلها موضوعة بعد النبي عليه السلام، ونميل إلى القول بل نرجح أنها احتوت أشياء كثيرة مما كان يدور في بيئة النبي قبل البعثة وبعدها حولها، وأنها مما يمكن الاستئناس به في تأييد النقطة الأولى من الملاحظة مما هو متسق مع المنطق وهدف التذكير والوعظ القرآني.
ومما يصح إضافته أيضا صيغة أعلام القصص مثل طالوت وجالوت ويونس وأيوب وفرعون وهامان وقارون وهارون وإبراهيم وآزر وسليمان وداود وإدريس ونوح والمسيح عيسى وموسى وهاروت وماروت إلخ فإن هذه الأعلام قد جاءت في القرآن معربة وعلى أوزان عربية ومن المستبعد أن تكون قد عربت لأول مرة في القرآن، ومن المرجح أن تكون قد عربت وتداولت بأوزانها العربية قبل نزولها وبهذا وحده يصح أن يشملها تعبير إنزال القرآن بلسان عربي مبين لأنها جزء منه وتداولها معربة قبل نزول القرآن يعني كما هو بديهي معرفة العرب شيئا من أخبار أصحابها على الأقل.

صفحة رقم 168

وفي ما تكررت حكايته في القرآن عن الكفار من قولهم إنه أساطير الأولين وأن النبي كان يستكتبها وتملى عليه، وإنه كان أناس آخرون يعينونه عليها، وأنهم لو شاؤوا لقالوا مثلها كما جاء في آيات الأنعام: [٢٥] والأنفال: [٣٠] والفرقان:
[٥] والقلم: [٨ و ١٥] مثلا قرينة قوية كذلك إن لم نقل قرينة حاسمة على أن العرب كانوا يسمعون من قصص القرآن ونذره وبشائره وتذكيراته ما اتصل بهم علمه وكان من المتداول بينهم. ولقد يرد أن الكفار حينما كانوا يرددون على النبي تعبير أساطير الأولين خاصة كانوا في موقف المكابر المستخف ومع التسليم بهذا فإن كلمة أساطير لا تقتضي دائما أن تعتبر مرادفة لكلمة قصص خرافية كما هو من مفهوماتها فإنها قد تفيد أيضا معنى المدونات لأنها مشتقة من «سطر» بمعنى «كتب» كما هو وارد في القرآن ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [القلم: ١] وآية الفرقان الخامسة وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا تلهم أن هذا من المعاني المقصودة للكلمة. ومهما يكن من أمرها فإنها تعني على كل حال أنهم يسمعون أخبارا وقصصا وصلت إلى علمهم عن الأمم السابقة حقيقة كانت أو خرافية.
ومما يرد على ما نخمّن سؤال عن مدى ما بين القصص القرآنية وأسفار التوراة والإنجيل المتداولة من مباينات. فقد قلنا قبل قليل إن في القرآن قصصا مقاربة لما في هذه الأسفار كما أن فيه قصصا مباينة في الأسماء والأحداث أو بزيادة ونقص، وأن فيه قصصا متصلة بأسماء رجال هذه الأسفار من أنبياء وغيرهم دون ورودها فيها. والذي نعتقده أن ما قلناه ينطبق على هذا أيضا، وأن ما ورد في القرآن هو الأكثر اتساقا مع ما كان معروفا ومتداولا عند السامعين إجمالا وهذا هو المتمشي مع الحكمة التي نبهنا عليها في القصص القرآنية ونراه طبيعيا ومتسقا مع الواقع والمألوف وهو تداول الناس أخبارا وأسماء على غير الوجه المدون في الكتب والصحف بل وكون المتداول أحيانا كثيرة هو الأكثر صحة من المدون أيضا. فليس والحالة هذه ما يمنع أن يكون لدى النصارى واليهود في عصر النبي

صفحة رقم 169

وقبله متداولات مدونة وغير مدونة تساق وتورد على هامش ما ورد في أسفار التوراة والإنجيل وبقصد التوضيح والتفسير والتعليق، هذا بقطع النظر عن احتمالات الاختلاف والمباينة بين الأسفار المتداولة اليوم والأسفار المتداولة قديما. وفي كتب تفسير القرآن روايات كثيرة معزوة إلى الصحابة والتابعين احتوت بيانات عن أحداث تاريخية واجتماعية عربية وغير عربية، وعن أحداث متصلة ببيئة النبي وسيرته ولم ترد في القرآن، وإنما وردت إشارة إليها قريبة أو بعيدة، فأوردت على هامش تفسير الآيات القرآنية وبقصد تفسير بعض الوقائع والأحداث والإشارات والمفهومات التي احتوتها والتعليق عليها ولا يمتنع أن تكون صحيحة كليا أو جزئيا.
ولقد تكون قصص إبراهيم خاصة لافتة للنظر أكثر من غيرها في هذا الباب لأن جلّ ما ورد منها في القرآن لم يرد في التوراة. والمدقق في القصص التي لم ترد في التوراة يجد أنها متصلة بالحياة والظروف والتقاليد التي كانت عليها البيئة النبوية، وبمواقف الكفار العرب وعقائدهم أيضا اتصالا وثيقا سواء في أمر إسكان ذرية من إبراهيم في مكة أو في إنشاء الكعبة، أو في أصول الحج وتقاليده، أو موقفه من أبيه وبراءته منه، أو حملته على عبادة الأصنام وموقفه من قومه من أجلها وتكسيره إياها وإلقائه في النار بسبب ذلك، أو محاجّته مع الملك أو نظرته في النجوم وانصرافه عنها، ويجد أنها داعية إلى التأسي لأنه أبو العرب. والذي نعتقده أن هذه القصص كانت متداولة بين العرب ومتناقلة فيهم جيلا عن جيل دون ما حاجة إلى أن تكون مستقاة من اليهود مع احتمال أن يكون اسما إبراهيم وإسماعيل قد اقتبسا من اليهود لأن التوراة هي أول ما جاء يحمل هذين الاسمين مدونين، وأن من تلك الناحية خاصة تجيء قصص إبراهيم ملزمة للعرب، وتورد في القرآن بقوتها التلقينية والتذكيرية المستحكمة النافذة التي وردت بها كما يمكن أن يبدو لمن يتمعن في آيات البقرة: [١٢٤- ١٤١ و ٢٥٨ و ٢٦٠] وآل عمران:
[٦٥- ٦٨ و ٩٤- ٩٧] والأنعام: [٧٤- ٩٠] والتوبة: [١١٣- ١١٤] وإبراهيم:
[٣٥- ٤١] ومريم: [٤٢- ٥٠] والأنبياء: [٥١- ٧٠] والحج: [٢٦- ٣٧ و ٧٨]

صفحة رقم 170

والزخرف: [٢٦- ٢٨] والممتحنة: [٤- ٦]، وهذا هو هدف القصة القرآنية بالذات.
ونظن أنه ليس من شيء يرد من مثل هذا على موضوع القصص الأخرى التي لم يرد أسماء رجالها ومواضيعها في أسفار التوراة والإنجيل ولا سيما أن جل هذه القصص عربي الأمم والأنبياء والبلاد، وأن كونها مما كان متداولا عند العرب لا يصحّ أن يكون موضع شك وجدل، وفي الآيات القرآنية دلالات قوية على هذا خاصة مثل آيات العنكبوت: [٣٦- ٣٨] والأحقاف: [٣٧] والصافات: [١٣٧- ١٣٨] والقصص: [٥٨] والحج: [٤٥- ٤٦].
هذا، ومعلوم أنه يوجد في القرآن قصص أنزلت جوابا على سؤال صريح مثل قصص ذي القرنين ويوسف وأصحاب الكهف والرقيم، كما أن هناك قصصا أوردت مباشرة مثل قصة نشأة موسى وسيرته في مطلع سورة القصص. ولقد يرد أن في هذا نقضا لما قلناه من أن القصص القرآنية لم تورد لذاتها كما أنه قد يكون بالنسبة لبعض هذه القصص نقضا لما قلناه من أن القصص الموحاة مما كان متداولا وليس غريبا على الأسماع بالمرة.
ولقد قلنا قبل في صدد قصة يوسف إن السؤال عنها لا يمكن أن يكون ورد إلا من أناس سمعوها وعرفوها أو سمعوا وعرفوا شيئا عنها. وهذا ينطبق على قصة ذي القرنين كما هو بديهي، ومضامين آيات أصحاب الكهف والرقيم تلهم أنه كان جدل حول قصتهم وعددهم وسني لبثهم، وهذا يعني أن السؤال وجّه على سبيل الاستفسار- وهذا ما روته الروايات- وبالتالي أن السائلين قد سمعوا وعرفوا شيئا عن القصة. ومعرفة السائلين بعض الشيء لا تقتضي بالبداهة أن لا يكون هناك أناس آخرون يعرفون أشياء كثيرة عنها كما لا تقتضي أن يكون أناس يعرفون ثم أرادوا التحقيق أو الاستفسار أو التحدي إلخ.
وفي كتب التفسير بيانات وتفصيلات جزئية كثيرة عن هاتين القصتين أيضا مما يمكن أن يكون فيه- بسبب كونه مستندا إلى روايات متصلة بعهد النبي- دلالة على تداوله في هذا العهد أيضا. أما قصة موسى فلا نظن أنه يرد أنها كانت غريبة

صفحة رقم 171

عن الأسماع وفي القرآن دلالات حاسمة على عكس ذلك أوردنا بعض الآيات عنها.
هذا بالنسبة للنقطة الأولى. أما بالنسبة للنقطة الثانية فإن قصة موسى في سورة القصص قد أعقبها آيات تنديدية وتذكيرية ووعظية معطوفة عليها وكنتيجة لها كما يبدو من الآيات [٣٧- ٥٠].
وهذا ما يدخلها في نطاق القصص الأخرى الواردة في معرض التذكير والتمثيل والإنذار والدعوة والاعتبار. وكذلك قصة يوسف فقد أعقبها آيات مثل تلك وهي الآيات [١٠٣- ١١١] وانتهت بآية فيها قصد العبرة صراحة حيث جاء هذا التعبير لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: ١١١] آخرها.
وقصة أصحاب الكهف والرقيم قد جاءت بعد آيات فيها حملة على الكفار لنسبتهم الولد إلى الله وهي الآيات [٤- ٨]، كما أعقبها آيات فيها استمرار في الحملة وهي الآيات [٢٣- ٣١]، وأسلوبها متسق مع أسلوب سائر القصص أي أنه تضمن المواعظ والتلقينات الأخلاقية والاجتماعية والدينية واستهدف التدعيم والتأييد للدعوة النبوية وأهدافها حتى ليبدو أن هذا هو المقصود بها عند إنعام النظر في سلسلة آياتها [١- ٣١] وخاصة في أمر النبي بعدم المماراة كثيرا في شأنهم وإيكال علم ذلك إلى الله. ومع أن قصة ذي القرنين جاءت جوابا على سؤال صريح فإنّ أسلوبها مثل ذلك الأسلوب وقد أعقبتها آيات تضمنت حملة على الكافرين الجاحدين ومتصلة بآيات القصة اتصالا وثيقا نظما وانسجاما. وهذا وذاك يبدوان بارزين عند إنعام النظر في سلسلة الآيات.
وعلى هذا فإن من الصواب أن يقال إن هذه القصص لا تشذ عن الطابع العام للقصص القرآنية الذي نوهنا به في مطلع البحث.
ومما هو جدير بالتنويه ومتصل بالمعنى الذي نقرره وخاصة بالنسبة للنقطة الأولى من الملاحظة أنّ محتويات القصص القرآنية على تنوعها لم تكن موضع جدل ومماراة لا من مشركي العرب ولا من الكتابيين بدليل أنه لم يرد في القرآن أي

صفحة رقم 172

إشارة تفيد ذلك صراحة أو ضمنا مع أنهم كانوا يحصون على النبي كل شيء ويترصدون لكل ما يتوهمون فيه تناقضا أو شذوذا عما يعرفونه ويعتقدونه ويتداولونه ويتوارثونه ويسارعون إلى إعلان استنكارهم وتكذيبهم، ويستغلونه فرصة للصد والدعاية والتأليب مما حكى القرآن شيئا كثيرا منه.
وقد يؤيد هذا أن العرب جادلوا في الحياة الأخروية أشد جدال وكذبوا وأنكروا أعنف تكذيب وإنكار فحكت ذلك آيات قرآنية كثيرة حتى لقد شغل هذا الجدل والتكذيب والإنكار وما اقتضاه من ردود وتوكيدات متنوعة الأسلوب حيزا كبيرا من القرآن المكي ولقد كان من أسباب هذا الإنكار والتكذيب والجدل أن العرب كانوا يسمعون ما لا علم لهم به سابقا وما لم يسمعوا عنه شيئا مهما من الكتابيين الذين كانوا مصدرا رئيسيا من مصادر معارفهم لأن أسفار هؤلاء لم تكد تحتوي عن الحياة الأخروية شيئا.
وليس ما نقل عن العرب من قولهم عن القرآن إنه أساطير الأولين مما يفيد تكذيبهم للقصص التي يسمعونها ومماراتهم فيها لأن هذا التعبير كما قلنا عنى كما تدل عليه مضامين الآيات القرآنية مدونات الأولين وقصصهم إطلاقا، ولأنهم كانوا يردّدون هذا القول بقصد تكذيب صلة الله ووحيه بالنبي وصحة التنزيل القرآني والدعوة النبوية والحياة الأخروية لا بقصد المماراة في هذه القصص وتكذيبها وإنكارها كما يظهر من التمعن في هذه الآيات التي ورد فيها التعبير:
١- وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ الأنعام: [٢٥].
٢- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ الأنفال: [٣١- ٣٢].

صفحة رقم 173

٣- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ النحل: [٢٤].
٤- وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً الفرقان: [٥- ٦].
٥- فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ القلم: [٥- ١٥].
ولقد أنكر اليهود أمورا واردة في التوراة فتحداهم القرآن بالإتيان بالتوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في إنكارهم كما جاء في آية آل عمران: [٩٣] صراحة وآيات المائدة: [٤٣- ٤٥] ضمنا. ولقد حاجّوا في ما قرره القرآن عن إبراهيم وملته، وقدم الكعبة وصلته بها كما يفهم من آيات البقرة: [١٣٢- ١٤١] وآل عمران: [٦٦- ٩٩] صراحة وضمنا.
فلو رأى العرب فيما يسمعونه من القصص تناقضا أو تباينا أو شذوذا عما يعرفونه منها إجمالا أو تفصيلا، أو لو سمعوا أشياء لا عهد لهم بها بالمرة ولو رأى الكتابيون وخاصة اليهود في ما يسمعونه مباينة لما كان متداولا في أيديهم من الكتب وتفسيرها وشروحها أو لما هو متداول ومتناقل بينهم على هامشها مما يتصل بأسماء أنبيائهم لجادلوا وطعنوا وغمزوا، ولذكر ذلك عنهم القرآن في معرض التكذيب والردّ كما ذكر عنهم جدالهم وحجاجهم وإنكارهم وطعنهم في هذا المعرض في الأمور الأخرى التي توهموا فيها تناقضا أو تغايرا أو جديدا لا عهد لهم به، ولا غتنموه فرصة للغمز والطعن والدعاية والتهويش.
ولقد يرد سؤال عما إذا كان النبي يعرف أيضا القصص القرآنية قبل بعثته أو

صفحة رقم 174

عن غير طريق الوحي، وعما إذا لم يكن فيما نقرره تعارض معا مع نزول الوحي بها. والذي نعتقده أن النبي خلافا لما قاله بعضهم كان يعرف كثيرا مما يدور في بيئته من قصص الأمم والأنبياء السابقين وأخبارهم ومساكنهم وآثارهم سواء منها المذكور في أسفار التوراة والإنجيل أو غيره كما أنه كان يعرف كثيرا من أحوال الأمم والبلاد المجاورة للجزيرة العربية بالإضافة إلى ما كان يعرفه من أحوال سكان الجزيرة أيضا وتقاليدهم وأفكارهم وعاداتهم وأخبار أسلافهم، وأن هذا هو المتسق مع طبيعة الأشياء، وأن النبي قد اتصل قبل بعثته بالكتابيين الموجودين في مكة وتحدث معهم حول كثير من الشؤون الدينية وحول ما ورد في الكتب المنزلة واستمع إلى كثير مما احتوته، ونرجح أن هذه الصلة قد استمرت إلى ما بعد بعثته، وأنها انتهت بإيمان الذين اتصل بهم بنبوته لما رأوا من أعلامها الباهرة فيه. ولعل فيما ورد في بعض آيات القرآن قرينة على ذلك، فقد جاء في سورة الفرقان هذه الآية وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وفي سورة النحل هذه الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) فهذه الأقوال الصادرة عن الكفار التي حكاها القرآن لا بد من أن تكون مستندة إلى مشاهدة اتصال النبي ببعض أشخاص كانوا يعرفون أنهم ذوو علم أو مظنة علم وتعليم ومعاونة، ومنهم غرباء، والمرجح أن الغرباء خاصة منهم كتابيون، فوهموا أنه يستعين بهم أو يعينونه على نظم القرآن وتأليفه فقالوا ما قالوه. والآيات تنفي التعليم والإعانة ولكنها لا تنفي الاتصال. وقد وردت في كتب التفسير روايات تذكر وقوع شيء من هذا الاتصال، وقد جاء في «كشاف» الزمخشري مثلا أنه كان لحويطب بن عبد العزى غلام اسمه عايش أو يعيش وكان صاحب كتب وقيل هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي وقيل عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف في مكة ويقرآن من التوراة والإنجيل، فكان رسول الله إذا مرّ وقف عليهما يسمع ما يقرآن. وحديث بدء الوحي للبخاري صريح بأن النبي اجتمع بورقة بن نوفل الذي تنصر وقرأ العبرانية وكان يقرأ الإنجيل ويكتبه، وفي روايات السيرة أن

صفحة رقم 175

ورقة هذا تولى تزويج النبي وكان عمره خمسا وعشرين سنة بخديجة ابنة عمه، ففي كل هذا ما يستأنس به على صحة ما ذكرناه.
ومن الواضح أن هذا ليس بمخلّ بقدر النبي عليه السلام وعظمته التي إنما كانت تقوم في الحقيقة على ما امتاز به من عظمة الخلق وقوة العقل وصفاء النفس وكبر القلب وعمق الإيمان والاستغراق بالله، ولقد قرر القرآن طبيعة النبي البشرية، وهذا متصل بهذه الطبيعة التي من البديهي جدا أن لا تتناقض مع وقوف النبي على ما كان متداولا في بيئته أو في أي بيئة ونحلة تيسّر له الاتصال بأهلها من أقوال وأفكار وأخبار وعقائد وتقاليد وظروف وأحداث حاضرة وغابرة، بل إن من البديهي جدا أن يكون واقفا على كل ذلك غير غافل عنه، وإن هذا هو المعقول الذي لا يمكن أن يصح في العقل غيره. وإننا لنشعر بالدهشة مما أبداه ويبديه بعض العلماء من حرص على توكيد كون النبي لم يكن له معارف مكتسبة مما لا يتسق مع المنطق والمعقول والبديهي توهما بأن في هذا مأخذا ما على كون ما بلّغه النبي من القرآن إنما أتى من هذه المعارف، ونرى في هذا التوهم خطأ أصليا في تلقي معنى الرسالة النبوية التي هي هداية وإرشاد ودعوة والتي لا يعهد بمهمتها العظمى إلا لمن يكون أهلا لها في عقله وخلقه وقلبه وروحه كما ذكرت آية الأنعام [٢٤] اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ كما أنه آت فيما يتبادر لنا من عدم ملاحظة كون القرآن قسمين متميزين أسسا ووسائل.
ومما يورده هؤلاء حجة آيات العنكبوت هذه:
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [٤٨- ٤٩].
حيث يظنون على ما يبدو أن اكتساب المعارف والاطلاع على ما عند الناس من أخبار وأفكار إنما هو حصر على القارئ الكاتب، وليس هذا صحيحا دائما كما أنه ناشىء عن قياس الغائب بالحاضر وهو قياس مع الفارق. والآيات بسبيل تقرير

صفحة رقم 176

كون الدعوة التي يدعو إليها النبي وما يبلغه في صددها إنما هو وحي رباني ولم يقتبسه من كتاب، ولا ينبغي أن يكون عندهم محلّ للشك في ذلك لأنهم يعرفون أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، ولا يجحد بآيات الله التي تصدر عن الذين يختصهم الله بمهمته وبيناته إلا المكابرون الظالمون على ما يتبادر. وليس في هذا نقض لما قررناه.
والذي نعتقده أنه ليس في ما قررناه أو في كون القصص القرآنية متسقة إجمالا مع ما كان معروفا متداولا تعارض من ناحية ما مع نزول الوحي الرباني بها على قلب النبي عليه السلام- وهو سبب القول أن النبي لم يكتسب معارفه اكتسابا- لأنها لم تنزل لذاتها بقصد القصص والإخبار وإنما أنزلت بالأسلوب والمدى والنحو الذي اقتضت الحكمة نزولها به، في معرض التنديد والموعظة والتذكير والجدل، وكوسيلة من وسائل تدعيم أهداف القرآن وأسس الدعوة النبوية إزاء مواقف المكابرين والمجادلين والجاحدين مما هو موضوع هذا البحث وفوائد الملاحظة التي عقد عليها.
ولقد ورد في القرآن فصول كثيرة جدا مما له صلة ببيئة النبي وحاضر تقاليد أهلها وحياتهم وأمثالهم ومعايشهم وما في أذهانهم من صور متنوعة مما هو معروف مشهود بأسلوب الموعظة والتذكير والتنديد وكوسيلة من وسائل التدعيم والتأييد، وليس من فرق من حيث الجوهر بين هذا وذاك وليس مما يصح في حال أو يمكن أن يرد على بال ولا مما ادعاه أحد أن النبي لم يكن يعرفه عن غير طريق الوحي.
وقد بقيت مسألتان قد تبدوان مشكلتين، أولاهما ما إذا كان ما احتواه القرآن من قصص صحيحا في جزئيات وقائعه وحقائق حدوثه، وثانيتهما ما بين بعض القصص القرآنية المتصلة بنبي أو أمة من بعض الخلاف مثل وصف عصا موسى بالحية في سورة والثعبان في سورة أخرى، ومثل ذكر وقت ما كان يقع على بني إسرائيل من فرعون من قتل الأبناء واستحياء النساء حيث ذكر هذا الوقت في سورة أنه قبل بعثة موسى وفي سورة أنه بعد بعثته. فنحن كمسلمين نقول إن كل ما احتواه القرآن وحي رباني واجب الإيمان وإنا آمنا به كل من عند ربنا، كما أننا نقول بوجوب ملاحظة كون القرآن في قصصه إنما استهدف العظة والتذكير فحسب، الجزء الأول من التفسير الحديث ١٢

صفحة رقم 177

وهما لا يتحققان إلا فيما هو معروف ومسلم به إجمالا من السامع وأن هذا أيضا من الحق الذي انطوى فيه حكمة التنزيل، وبوجوب الوقوف من هذه القصص عند الحدّ الذي استهدفه القرآن وعدم الاستغراق في ماهياتها على غير طائل ولا ضرورة، لأنها ليست مما يتصل بالأهداف والأسس على ما ذكرناه في مطلع البحث وهذا هو الجوهري فيه. وهذا القول يصح على المسألة الثانية مع التنبيه على أن الخلاف ظاهري ويمكن التوفيق فيه وتأويله، وعلى أنه متصل بالماهيات والحقائق التي لم تقصد لذاتها كما كررنا قوله.
ونريد أن ننبه على ظاهرة قرآنية مهمة فيها توكيد لما نقرره واتساق معه، وبالتالي فيها دليل انسجام في الأساليب القرآنية ومراميها مكية كانت أو مدنية.
وذلك أن أسلوب القرآن القصصي وهدفه قد اتسقا مع ما ورد فيه من ذكر الوقائع الجهادية والمواقف القضائية والحجاجية وغيرها من أحداث السيرة النبوية، بحيث إن الناظر في القرآن يجد أن ما ورد فيه من ذلك إنما ورد بقصد العظة والتذكير والتنبيه والحثّ والتحذير والإرشاد والتعليم والتأديب والتشريع، ولم يرد بأسلوب السرد التاريخي وقصده. وهذا ظاهر من كون تلك الوقائع والمواقف لم تحتو كل الصور والمشاهد والتفصيلات والأحداث، وإنما احتوت ما يحقق ذلك القصد منها. ولعل هذا هو الذي يفسر حكمة عدم ورود ذكر أو تفصيل لأمور كثيرة من أحداث السيرة وفيها ما هو مهم من وقائع جهادية كفتح مكة والطائف وغزوات مشارف الشام ومؤتة واليمن إلخ. فالظاهر أنه لم يكن فيها أمور تستوجب ذلك وتتصل بالقصد المذكور فاقتضت الحكمة عدم إنزال شيء في بعضها والاكتفاء بالإشارات العابرة بالنسبة لبعضها الآخر.
- ٦- الملائكة والجن في القرآن:
سادسا: إن ما ورد من أخبار الملائكة والجنّ لم يكن هو الآخر غريبا عن السامعين جزئيا أو كليا، وإنه من وسائل التدعيم للدعوة وأهدافها وليس مقصودا بذاته.

صفحة رقم 178

ففي القرآن آيات عديدة تدل على عقيدة العرب في الملائكة ووجودهم وأنهم موضع أمل ورجاء ومصدر برّ ورحمة. وقد ذكر القرآن أن العرب يعتقدون أنهم بنات الله وذوو حظوة لديه وأنهم اتخذوهم آلهة وشفعاء ليقربوهم إليه زلفى وقد قرر كذلك أنهم كرام بررة متصلون بالله ومختصون بخدماته لا يعصونه في ما يأمر ويقدسونه ويسبحون بحمده على الدوام. وهكذا يبدو أن ما قرره القرآن عن عقائد العرب فيهم متصل بما قرره عن صفاتهم وأعمالهم وصلتهم بالله مع سوء فهم العرب وباطل تأويلهم لهذه الصلة مما كان سبب الحملة عليهم والتنديد بهم في القرآن ولقد حكى القرآن تحدي العرب النبي باستنزال الملائكة ليؤيدوه في دعوته ما دام يقول إنها بوحي الله وهذا التحدي متصل بعقيدتهم فيهم وبتقرير القرآن عنهم كما هو واضح.
كذلك في القرآن آيات عديدة تدل على عقيدة العرب في الجن ووجودهم وأنهم مبعث خوف ومصدر أذى وشر، وأنهم كانوا يعوذون بهم ويشركونهم مع الله في العبادة خوفا منهم وتزلفا إليهم وأنهم يختلطون في عقول الناس، وقد قرر القرآن في صددهم أنهم ذوو أعمال خارقة ومصدر غواية وخبث، وأن إبليس وجنوده والشياطين الذين ذكروا مرادفين لإبليس وجنوده أحيانا كثيرة هم منهم، وأنهم يوسوسون في صدور الناس، ويسترقون السمع من السماء ويلقون بأكاذيبهم إلى الأفاكين الكاذبين. وهكذا يبدو أن ما قرره القرآن عن عقائد العرب فيهم متصل بما قرره عن صفاتهم وأحوالهم كذلك «١».
وفي كتب التفسير بيانات كثيرة في صدد الملائكة والجنّ وإبليس وماهياتهم وأعمالهم جاءت في سياق ما ورد عنهم في القرآن سواء فيما له صلة بعقائد العرب أم بأعمالهم وأخبارهم وأقوالهم مسهبة حينا ومقتضبة حينا آخر ومعزوة إلى علماء ورواة معينين حينا وبدون تعيين حينا آخر. ومهما يكن من أمر هذه البيانات فإن من

(١) في كتاب «عصر النبي وبيئته قبل البعثة». بحثان مستفيضان عن عقائد العرب وتقريرات القرآن عن الملائكة والجن.

صفحة رقم 179

المستبعد أن تكون موضوعة كلّها بعد الإسلام، ونرجح أنها احتوت أشياء مما كان يدور في بيئة النبي عليه السلام حولهم، وأنها مما يمكن أن يستأنس به بأن العرب كانوا يتداولون عنهم أمورا كثيرة بقطع النظر عن صوابها وخطأها وزيادتها ونقصها، ومن الممكن أن يكون منها ما أتاهم عن الكتابيين لأن أسفار التوراة والإنجيل تحتوي أشياء كثيرة عنهم، كما أن من الممكن أن تكون أو يكون منها ما هو قديم لأن عقيدة وجود مخلوقات خفية طيبة وخبيثة من العقائد البشرية القديمة العامة التي تكاد توجد في جميع الأمم على اختلاف درجتها في الحضارة.
ومن المتبادر أن ما ورد عن الجن والشياطين وإبليس من صور قرآنية بغيضة ومن حملات على الكفار في سياقها متصل بما في أذهان العرب عنهم، وبسبيل تقرير كون الانحراف عن الحق والمكابرة فيه والاستغراق في الإثم والخبائث والانصراف عن دعوة الله هو من تلقيناتهم ودسائسهم ومظهرا من مظاهر الانحراف نحوهم وبسبيل التحذير من الاندماغ بهم لما في ذلك من مهانة ومسبّة. ومن هنا يأتي الكلام قويا ملزما ولا ذعا على ما هو ملموس في مختلف الآيات القرآنية، ويقوم البرهان على أن ذلك هو من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة النبوية.
ولعلّ الحكمة الربانية في ما أوحى الله به من استماع نفر من الجنّ مرتين للنبي مرة في سورة الجن تلهم أن المستمعين يقولون بولد وصاحبة لله سبحانه- وهذا متصل من ناحية بعقائد العرب المشركين ومن ناحية بعقائد النصارى- ومرة في سورة الأحقاف تلهم أن المستمعين يؤمنون بكتاب موسى ومهتدون بكتاب هداه تنطوي من جهة ما على قصد التدعيم للرسالة النبوية بالإخبار بإيمان بعض طوائف الجنّ ممن يدين بديانات مختلفة منزلة وغير نازلة بالرسالة المحمدية ولهم ما لهم في أذهان العرب من صور هائلة.
ومن المتبادر كذلك أن ما ورد عن الملائكة من خضوعهم لله وعدم استكبارهم واستنكارهم واستنكافهم عن عبادته، واستغراقهم في تنفيذ أوامره

صفحة رقم 180

ومعرفتهم حدودهم منه، وعدم عصيان أمر له، وعدم إمكان شفاعتهم إلا بإذنه ورضائه، وما يكون من أمرهم في تلقي الكفار بالعنف والشدة وتلقي المؤمنين بالتطمين والبشرى في الآخرة، وما كان من أمرهم من المسارعة إلى السجود لآدم تنفيذا لأوامر الله بينما تمرد إبليس عن ذلك متصل هو الآخر بذلك القصد في بيان واقع الملائكة الذين لهم في أذهان العرب تلك الصور العظيمة الفخمة، وإن الكلام من هذه الناحية يأتي هو الآخر ملزما ومرهبا للكفار، ومطمئنا ومثبتا للمسلمين، ويقوم البرهان على أن ذلك هو من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة النبوية.
ولعل المتمعن في الآيات التي جاء فيها ذكر الملائكة والجن وإبليس والشياطين وأعمالهم وتنوعها من جهة وما هنالك من آيات وجمل قرآنية عديدة فيها تقريرات حاسمة عن إحاطة الله بكل شيء في كل آن، وشمول قدرته لكل شيء، واستغنائه عن كل عون في تصريف ملكوت السماوات والأرض يلهم الناظر في القرآن أيضا أن تلك الآيات مع اتصالها بما في أذهان السامعين من صور قد جاءت بسبيل التقريب والتمثيل للناس الذين اعتادوا أن يروا الوسائل والوسائط في متنوع الأعمال ووجوه الحياة، ويعتبروها مظهرا من مظاهر العظمة والإحاطة ولا يدركوا المجردات إدراكا صحيحا.
فمن هذه الشروح يبدو واضحا كما هو المتبادر أن ما ورد عن الملائكة والجن ليس غريبا عن السامعين وإنه إنما استهدف كما قلنا التدعيم للدعوة النبوية وأهداف التنزيل القرآني أولا وليس هو مقصودا بذاته ثانيا، وإنه قائم على حكمة التدعيم بما هو معروف متداول ثالثا، وإن في ذلك تدليلا على أهمية ملاحظة ذلك في سياق النظر في القرآن تدبرا وفهما وتفسيرا، لأن من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر فيه في الماهيات والكيفيات لذاتها من مثل خلقة الملائكة والجن وكيفية اتصالهم بالله والناس وقيامتهم بأدوارهم على اعتبار أن هذه الماهيات والكيفيات غير مقصودة لذاتها أولا ولا طائل من وراء التنقيب والاستغراق فيها لأنها ليس مما يدخل في نطاق الأسس والأهداف ثانيا كما أنها ليس مما يدخل

صفحة رقم 181

في نطاق المشهودات والملموسات المادية ثالثا ولا سبيل إلى فهمها بالإدراك البشري العادي رابعا، وليست هي إلا حقائق إيمانية غيبية خامسا، ولأن من شأنها كذلك أن تغني الناظر في القرآن عن التكلف والتجوز والتخمين والتوفيق في صدد ما يقوم في سبيل الماهيات والحقائق والكيفيات لذاتها، وأن تجعله يقف منها عند حدّ ما وقفه القرآن، ويبقى القرآن في نطاق قدسيته من الإرشاد والموعظة والهدى ولا يخرج به إلى ساحة البحث التي من طبيعتها الأخذ والرد والنقاش والجدال والجرح والتعديل إلخ.
- ٧- مشاهدات الكون ونواميسه:
سابعا: إن ما ورد في القرآن من مشاهد الكون ونواميسه قد استهدف لفت نظر السامعين إلى عظمة الله وسعة ملكوته وبديع صنعه وإتقانه بقصد تأييد هدف رئيسي من أهداف الدعوة وهو وجوب وجود الله واتصافه بأكمل الصفات وتنزهه عن الشوائب، واستغنائه عن الولد والشريك والنصير والمساعد ووحدته وانفراده في الربوبية واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه والدعاء، ومطلق تصرفه وشمول علمه وإحاطته بكل شيء دق أو عظم، وحكمته السامية في خلق الكون على أسس النواميس التي شاءت قدرته أن تقوم عليها ثم بقصد بثّ هيبة الله في قلوب السامعين وحفزهم على الاستجابة إلى دعوة نبيه والانصياع لأوامره ونواهيه، والتزام حدوده، وبتعبير إجمالي آخر قد استهدف العظة والإرشاد والتنبيه والتلقين والتدعيم والتأييد دون أن ينطوي على قصد تقرير ماهيات الكون وأطوار الخلق والتكوين ونواميس الوجود من الناحية العلمية والفنية.
وحكمة هذا واضحة، فالقرآن خاطب الناس جميعا على تفاوت مداركهم وأذهانهم، وقصد الموعظة والإرشاد والتنبيه والهدى هو القدر المشترك بينهم من جهة وهو الأصل في القرآن والمتسق مع طبيعته ومداه من جهة أخرى، بحيث يمتد لكل دور ومكان وتجاه أعلم العلماء وأبسط البسطاء، كما أن شواهده قائمة

صفحة رقم 182

في آيات القرآن وفصوله وأسلوبه أيضا سواء أكان ذلك في كيفية التعبير والسياق أم في تنوعهما مما هو منبثّ في مختلف السور وخاصة المكية منها لأن هذه هي التي أنزلت في ظروف الدعوة التي تقتضيها.
ولعل في تعبير الأوتاد عن الجبال، والسقف المبني عن السماء، والمصابيح المضيئة التي زينت بها السماء عن النجوم وجريان الشمس ومنازل القمر، والسراج الوهاج للأولى، والمصباح المنير للثاني، وفي ذكر إنزال الماء من السماء، وتسيير السحاب وتصريف الرياح، وإرسال الرعد والبرق والصواعق، وإنبات مختلف الزروع والأشجار، وتسخير الدواب والأنعام، وتيسير البحار والأنهار والفلك، وجعل الأرض بساطا، وتصويرها مركزا للكون والإنسان، قطبا للأرض، حيث سخر له كل ما في السماوات والأرض، وأسبغت عليه نعم الله ظاهرة وباطنة، وسوّاه الله بيده ونفخ فيه من روحه اتساقا واضحا مفهوما مع مشاهد ومدركات مختلف فئات الناس الذين يوجه إليهم الكلام، وبالتالي لعل في ذلك دلالات على ما استهدف من هذه التعابير القرآنية مما ذكرناه آنفا وعلى أنها تنص في نطاق وصف المتشابهات التي يراد بها التقريب والتمثيل.
وفي القرآن تشبيهات وأمثلة وتذكيرات متنوعة المضامين والسياق فيها ذلك الاتساق وهذه الدلالات واضحة جلية إذا ما أنعم النظر فيها.
وإنه ليصح أن يقال بالإضافة إلى ما تقدم وبناء عليه إن المضامين القرآنية في هذه المواضيع متسقة مع ما في أذهان سامعي القرآن عن مظاهر الكون ومشاهده ونواميسه، وتجلي عظمة الله وقدرته فيها. وهذه النقطة متصلة بالمبدأ العام الذي ما فتئنا نقرره من أن القرآن خاطب الناس بما يتسق مع ما في أذهانهم إجمالا من صور ومعارف لما يكون من قوة أثر الخطاب فيهم بمثل هذا الأسلوب.
وملاحظة ذلك جوهرية جدا لأنها تجعل الناظر في القرآن يقف من الفصول الواردة في هذا الباب فيه عند الحدّ الذي استهدفته والذي أشرنا إليه، وتحول بينه وبين التكلف والتجوز والتخمين والتزيد ومحاولة استخراج النظريات العلمية

صفحة رقم 183

والفنية في حقائق الكون ونواميسه وأطواره منها والتمحل والتوفيق والتطبيق مما يخرج بالقرآن عن نطاق قدسيته من الوعظ والإرشاد ولفت النظر وبث الهيبة والاستشعار بعظمة الله والتزام حدوده إلى مجال البحث وتعريضه لطبيعة هذا المجال من الجدل والنقاش والتعارض والأخذ والرد على غير طائل ولا ضرورة ولا اتساق مع هدف القرآن وطبيعته.
وبالإضافة إلى هذا الذي يتسق مع الهدف والمضمون والمدى القرآني فيما هو المتبادر فإن لملاحظة ذلك فائدة عظيمة لذاتها، حيث تجعل المسلم غير مقيد بنظريات كونية معينة يوهم أنها مستندة إلى القرآن ومستخرجة منه- مع ما في هذا دائما من تمحل- وتبقيه حرا طليقا في ساحات العلوم والفنون ونظرياتها وتطوراتها وتطبيقاتها فلا يختلط عليه الأمر ولا يصطدم في السير، ويكون كل ما يجب عليه أن يظل من ذلك أن يظل في حدود الأسس والأهداف والمبادئ والمثل العليا وفي نطاق أركان الإيمان العامة التي قررها القرآن، وحيث يظل قصد القرآن ومداه ومفهومه سليما في جميع الأدوار، يخاطب بآياته وفصوله مختلف الفئات في مختلف الأزمنة فيثير فيهم الإجلال والهيبة والإذعان سواء كانوا علماء أو بسطاء.
وهو قصد القرآن الجوهري من دون ريب.
٨- الحياة الأخروية في القرآن:
ثامنا: إن ما ورد في القرآن عن الحياة الأخروية وأعلامها ومشاهدها وصورها وأهوالها وعذابها ونعيمها وهو ما ينطبق عليه وصف المتشابهات التي يراد بها التقريب والتمثيل قد ورد بأسلوب منسجم مع مفهومات السامعين ومألوفاتهم، ومتناول إدراكهم وحسهم، وخاصة العرب الذين كانوا أول المخاطبين به، وإنه ورد بالأسلوب الذي ورد به على سبيل التقريب، واستهدف فيما استهدفه إثارة الخوف والرهبة في نفوس الضالين حتى يرعووا ويستقيموا، وبث الاغتباط والطمأنينة في نفوس المؤمنين الصالحين حتى يثبتوا في الطريق القويم الذي اهتدوا إليه.

صفحة رقم 184

وحكمة هذا واضحة هي الأخرى، فالقصد القرآني في أصله هو دعوة الناس إلى الله وطريق الحق والخير والهدى، وتحذيرهم من الضلال والانحراف والإثم، وإنذارهم وتبشيرهم بالحياة الأخرى التي يوفى فيها كل منهم بما فعل من خير أو شرّ بما يستحقه. وهذا الأسلوب وسيلة من وسائل تأييد القصد وتدعيمه، لأن ما يراد إثارته في نفوس الناس لا يتم إلا إذا جاء بالأوصاف التي يستطيعون أن يحسوها ويدركوا مداها إحساسا وإدراكا متصلين بتجاربه ومشاهداته ومألوفاته بطبيعة الحال.
فإذا ذكر في سياق مشاهد يوم الحساب ما فيه من صور مجالس القضاء والخصوم والشهود والاتهام والمحاورات الدفاعية والكتب والوثائق المدونة ففي ذلك صور دنيوية مألوفة للسامع يستطيع إدراك مداها والتأثر بها. وإذا ذكر أن الجبال تتفتت وتصبح كالهباء والعهن المنفوش، والأرض تحمل وتدك، والسماء تنفطر وتتشقق، والكواكب تنثر وتتكدر وتنطفىء، والبحار تتفجر، والعشار تتعطل، والوحوش تحشر والولدان يصيرون شيبا، ففي ذلك صور هول لا يمكن للسامع إلا أن يتأثر بها ويدرك مداها، ولا سيما تبدل مشاهد الكون الماثلة عظمتها في الذهن وإذا ذكر في أوصاف النعيم ما ذكر من جنات فيها أنهار جارية وسرر موضوعة، وفرش مرفوعة، ومجالس شراب أنيقة، وظلال وارفة وقطوف دانية، وولدان مخلدون كاللؤلؤ المكنون يطوفون بالأباريق الفضية البراقة الشفافة، والكؤوس الممزوجة بالكافور والزنجبيل، وفواكه كثيرة مما تختاره النفوس، ولحوم طير متنوعة مما تشتهيه، وصحاف الذهب والفضة يتناول فيها أصحاب النعيم طعامهم، وثياب الحرير والإستبرق والسندس يلبسونها، وحلى اللؤلؤ والأساور الذهبية والفضية يتزينون بها وحور عين كالبيض المكنون يستمتعون بها إلخ، فلا يمكن إلا أن يتأثر بها السامعون ويفهموا مداها وتتوق إليها نفوسهم لأنها منتهى ما تصبو إليه النفوس والعرب خاصة من نعيم وهناء وحبور يعرفون صورها في الدنيا معرفة مشاهدة أو استمتاع أو سماع. وإذا ذكر في أوصاف العذاب ما ذكر من نار حامية شديدة شررها كقطع الحطب الضخمة ولهبها كالجبال، لا ماء فيها

صفحة رقم 185

إلا الحار الشديد الحرارة (الحميم) ولا ظل فيها إلا ظل المساكن التي لا تحجب حرارة ويكون الظل فيها كوهج النار، ولا هواء فيها إلا الريح السموم، ولا شراب فيها إلا الغسلين والغساق، ولا طعام فيها إلا الزقوم والضريع، فإن السامعين والعرب خاصة لا يمكن إلا أن يتأثروا بها ويفهموا مداها لأنها منتهى ما تهلع له قلوبهم وتتكره منه نفوسهم من عذاب وبلاء متصل وصفها بالمشاهد والمعاني الدنيوية المألوفة أو المتصورة لديهم.
وإذا كان هناك شيء من الاستثناء مثل أنهار الخمر والعسل واللبن ووصف عرض الجنات بعرض السماوات والأرض فالأسلوب قوي الدلالة على أنه قد جاء في معرض التفخيم والتشبيه مما هو مألوف في كلام السامعين والعرب خاصة وأساليب لغاتهم وخطابهم.
وقد اختصصنا السامع العربي بالذكر لأن كثيرا من الأوصاف والألفاظ مما يحمل الدلالة على الحياة العربية والبيئة العربية بنوع خاص، بل وربما على الحياة والبيئة في الحجاز بنوع أخص. وهذا في ذاته قرينة قوية قائمة على ما نقرره.
ولعل في تنوع الأوصاف والصور والمشاهد القرآنية عن الآخرة وأهوالها ونعيمها وعذابها قرينة أو دليلا على صواب ما نقرره، فالجبال مثلا في جملة قرآنية تسير سير السحاب، وفي أخرى تنسف نسفا، وفي أخرى كثيب مهيل، وفي أخرى كالعهن المنفوش، وفي أخرى كالهباء المنثور، والسماء في جملة قرآنية تفتّح أبوابا وفي أخرى تتشقق، وفي أخرى تكسف، والنجوم في جملة تنتثر وفي أخرى تنطمس، والشمس في جملة تتكور، وفي أخرى تجمع مع القمر، وبينما السماء تتبدل نواميسها ومشاهدها مستقلة عن الأرض في جملة، والأرض تدك في جملة وتحمل الأرض والسماء فتدك دكة واحدة في جملة أخرى، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات في جملة أخرى كذلك، إلخ، والكافرون في جملة يدافعون عن أنفسهم في جملة، ويوردون متنوع الأعذار في جملة، ويجري أنواع الحوار بين بعضهم أو بينهم وبين الملائكة أو بينهم وبين الله في جمل بينما لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ولا يتساءلون في جمل أخرى، وفي

صفحة رقم 186

جملة ينفخ في الصور وفي أخرى ينقر في الناقور، وفي جملة ليس للكافرين طعام إلا من ضريع وفي أخرى إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، وفي أخرى ليس لهم طعام إلا من غسلين، وفي جملة يحشرون وقد كشف عنهم غطاؤهم وأصبح بصرهم حديدا وفي أخرى يحشرون عميا ويسألون الله عن ذلك مع أنهم كانوا في الدنيا مبصرين إلخ. هذا بالإضافة إلى تنوع أوصاف النعيم حيث تأتي في بعض الفصول بسيطة متسقة مع الحياة العادية الدنيوية كما في سورة الغاشية بينما تأتي في أخرى في غاية الأناقة والفخامة مع اتصالها بمعاني ومشاهد الدنيا كما في سورتي الإنسان والواقعة مثلا، وهذا عدا التنوع في الجزئيات حيث تكون الصحاف والأساور في جمل من فضة بينما تكون في أخرى من ذهب، وحيث يذكر في جملة الحلي الذهبية، وفي أخرى الحلي الفضية، وفي أخرى الحلي اللؤلوية، وحيث تشبه الحور العين في جملة بالياقوت والمرجان بينما تشبه في أخرى بالبيض المكنون أي اللؤلؤ إلخ.
ومع تقريره (أن الإيمان باليوم الآخر وحسابه ونعيمه وعذابه واجب وأنه ركن من أركان العقيدة الإسلامية، وأن حكمة الله في ذلك قائمة في قصد توفية الناس أعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وفي تقرير أن الله لم يخلق الكون عبثا).
فإن ملاحظة ما قدمناه جوهرية مثل سابقاتها لأن من شأنها أن تجعل الناظر في القرآن يتجنب الاستغراق في الجدل حول مشاهد الحياة الأخروية وصورها، والتورط والتكلف والتزيد في صدد ما يقوم في سبيل الماهيات والحقائق لذاتها، ويذكر أن هدف القرآن في ما جاء من التعابير والأوصاف هو العظة والتنبيه وإيقاظ الضمائر ليرعوي الضّالّ عن ضلاله ويثبت المهتدي في طريقه بأسلوب يتسق مع متناول إحساس المخاطبين وتجاربهم ومشاهداتهم ومداركهم ومألوفاتهم ويثير فيهم الرهبة من العاقبة، ويتذكر أن ماهية هذه الحياة وحقيقتها مغيبتان لا يستطاع فهم شيء عنهما إلا بالأوصاف الدنيوية، وأن حكمة الله اقتضت وصفهما بهذه الأوصاف على سبيل التقريب والتشبيه.
وإذا كانت الحياة الأخروية ومشاهدها وأوصافها وصورها المتنوعة قد شغلت حيزا كبيرا في القرآن حتى لا تكاد سورة من سوره تخلو من ذكرها أو

صفحة رقم 187

الإشارة إليها بشكل ما فإن مرد ذلك- على كونه من خصوصيات القرآن- إلى أن هذه الحياة من أقوى الدعائم الإنذارية والتبشيرية القرآنية لأهداف القرآن وأسس دعوته وأشدها تأثيرا وإثارة لأنها تمثل عالم ما بعد الموت الذي لا يكاد يخلو إنسان في أي دور من استشعار الرهبة منه من جهة، ومن العقائد الإيمانية الإسلامية من جهة، ولأنها كانت من المواضيع الرئيسية أو بالأحرى أهم موضوع دار حوله الجدل بشدة واستمرار بين النبي ومشركي العرب مما له صلة بظروف الدعوة النبوية من جهة.
- ٩- ذات الله في القرآن:
تاسعا: إن ما ورد في القرآن مما يتصل بذات الله السامية من تعابير اليد والقبضة واليمين والشمال والوجه والاستواء والنزول والمجيء وفوق وتحت وأمام وطي وقبض ونفخ، إنما جاء بالأسلوب والتعابير والتسميات التي جاءت به من قبيل التقريب لأذهان السامعين الذين اعتادوا أن يفهموا منها معاني القوة والإحاطة والشمول والحضور والحركة الدائمة والصفات التي لا تتم هذه المعاني إلا بها.
ولقد ورد في القرآن عبارات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] ووَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] يصح أن تكون ضوابط حاسمة في صدد الذات الإلهية، وتنطوي على قرينة على صحة ما ذكرناه آنفا في مدى تلك التعابير. ولعل هذه الضوابط تشمل كل ما ورد في صدد الذات السامية من أسماء وأفعال وصفات أخرى قد توهم مماثلة لأسماء وصفات وأفعال البشر أيضا، حيث يصح أن يقال إن ورودها في القرآن إنما جاء كذلك على سبيل التقريب والتشبيه. فالله سميع ولكن ليس كمثل سمعه شيء، وبصير وليس كمثل بصره شيء، ومتكلم وليس كمثل تكلمه شيء، وهو حي وعليم ومريد وقوي وحكيم وصبور وقابض وباسط وليس كمثل حياته وعلمه وإرادته وقوته وحكمته وصبره وقبضه وبسطه شيء.

صفحة رقم 188

والمتمعن في الآيات القرآنية التي وردت فيها تلك التعابير وهذه الأسماء والصفات مضمونا أو أسلوبا وسياقا يجدها قد استهدفت من جهة تقرير معاني القوة والإحاطة والشمول والقدرة والوجود الدائم الشامل، ومن جهة أخرى تقرير أحسن الأسماء والصفات الدالة على أكمل الحالات وأتمّ المعاني اللائقة بالذات الإلهية بما تتسع له لغة البشر التي نزل القرآن بها. ولعل التنوع الموجود في التعابير القرآنية مما يقوم قرينة قوية على صحة ما نقرره.
وملاحظة هذا مهمة جدا من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر في القرآن في التكلف والتجوز والتخمين والماهيات من جهة، ودون تورطه في الجدل الكلامي على غير طائل ولا ضرورة من جهة أخرى، وتجعله يقف من هذه التعابير والأسماء والصفات عند الحد الذي وقف عنده القرآن، ويفهم منها الأهداف التي استهدف تقريرها بها دون تزيد ولا تكلّف ولا تمحّل.
على أن الناظر في أساليب القرآن المتنوعة يجدها في هذا الصدد كما هو الشأن في ما يتصل بمشاهد الكون والآخرة وأخبار الأمم السابقة وأنبيائهم والجن والملائكة أسلوب الحكيم الذي لا يدخل في نقاش وجدل وتقريرات كلامية، ويتسق مع طبائع الأشياء من حيث إنه يخاطب أناسا متفاوتين متنوعين في أذهانهم وظروفهم، المهم والجوهري من أمرهم دعوتهم إلى الخير وإصلاحهم وتوجيههم إلى أحسن الوجهات، وتقريب الأمور والمعاني إلى عقولهم بأساليب سائغة منسجمة مع مداركهم، وإعطاء كل موضوع في كل موضع ما يتحمله لتدعيم هذه الدعوة وتأييدها وجعلها مؤثرة نافذة، وفي ذلك من دون ريب تعليم للطريقة الفضلى التي يجب الأخذ بها إزاء التعابير والأساليب القرآنية.
- ١٠- تسلسل الفصول القرآنية وسياقها:
عاشرا: إن أكثر الفصول والمجموعات في السور القرآنية متصلة السياق ترتيبا أو موضوعا أو سبكا أو نزولا، وإن فهم مداها ومعانيها وظروفها الزمنية

صفحة رقم 189

والموضوعية وخصوصياتها وعمومياتها وتلقينها وتوجيهها وأحكامها فهما صحيحا لا يتيسر إلا بملاحظة تسلسل السياق والتناسب، وإن في أخذ القرآن آية آية أو عبارة عبارة أو كلمة كلمة بترا لوحدة السياق في كثير من المواقف والمواضيع، وهو مؤدّ إلى التشويش على صحة التفهم والتدبر والإحاطة أو على حقيقة ومدى الهدف القرآني.
ولتمثيل ذلك وإيضاحه نذكر آية الصافات (٩٦) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ فهذه الآية كثيرا ما تورد في معرض الحجاج والبرهنة في بعض المذاهب الكلامية على أن القرآن ينصّ على أن الله قد خلق أعمال الناس، وبطلان القول الذي يقوله بعض المذاهب الكلامية الأخرى أن الإنسان خالق أفعال نفسه ومسؤول عن تبعتها.
فبقطع النظر عن هذا الموضوع الكلامي الخلاقي فإن الذين يوردون الآية في معرض الحجاج والبرهان قلّما يلحظون أنها ليست تقريرا ربانيا مباشرا في صدد خلق الناس وخلق أعمالهم، وبالتالي في صدد الموضوع الكلامي، وإنما هي جزء من سلسلة تتضمن حكاية قول إبراهيم لقومه في سياق التنديد بهم، لأنهم يعبدون ما ينحتون من الأصنام مع أن الله كما خلقهم خلق المادة التي يعملونها أي ينحتونها أصناما ليعبدوها، وهي السلسلة [٨٣- ١١٣] من السورة. فالآية هي جزء من حكاية أقوال إبراهيم، ولو لوحظ السياق جميعه لما كان هناك محل لاقتطاع هذه الآية وحدها من السلسلة وتلقيها كتقرير رباني مباشر بخلق أعمال الناس، كما أن من الواضح مع ملاحظة جزئية الآية من السلسلة أنها لا تصح أن تورد في معرض البرهان الذي تورد فيه، هذا بقطع النظر عما ورد في السلسلة نفسها من نسبة العبادة والنحت والإلقاء وإرادة الكيد إلخ إلى قوم إبراهيم وتقرير صدور هذه الأعمال عنهم..
ونذكر جملة وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً في آية التوبة [٣٦] فكثير من المفسرين يفسرونها منفردة ويصفونها بأنها آية السيف ويقولون إنها نسخت كل ما جاء في القرآن من عدم قتال غير المعتدين والمقاتلين من المشركين، وبذلك ينسفون آيات محكمة في هذا الصدد، مع أن في الآية فقرة أخرى مرتبطة أشد

صفحة رقم 190

الارتباط بها ومحتوية للتعليل الرائع المعقول المتسق مع طبيعة الأمور للأمر الذي تضمنته بقتال المشركين كافة وهي كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] فلو لوحظ ذلك ولم تجزأ الآية لما كان محل لذلك التفسير والوصف والقول حيث يبدو واضحا أنها في معرض حثّ المسلمين على قتال المشركين المحاربين مجتمعين وإلبا واحدا كما يقاتلونهم كذلك ولزال الإشكال الذي ينشأ عن هذا التفسير ويؤدي إلى نسخ أحكام وآيات محكمة متسقة مع مبادئ القرآن ومثله السامية، ومع طبائع الأمور ووقائع السيرة النبوية المؤيدة بالآيات من جهة والأحاديث من جهة أخرى وتعني حصر القتال في الأعداء المقاتلين أو المعتدين ودون المشركين والكفار المعاهدين الموفين بعهدهم والمحايدين والمسالمين والعاجزين والنساء والأطفال مما يقتضي قتالهم جميعا وفاق ذلك التفسير.
ونذكر آية المجادلة الثالثة كمثل ثالث، وهي التي جاء فيها وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فكثير من المفسرين ينظرون إلى هذه الآية مستقلة عن سابقتها ويحارون في تأويل جملة ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا حتى قال غير واحد منهم إن الجملة من مشكلات القرآن، واضطروا إلى اعتبار «لما» بمعنى «عن ما» وقالوا إن الجملة تعني «ثم يرجعون عن ما قالوا عنه ويرغبون في معاشرة أزواجهم» أو إلى تأويلات أخرى، هذا مع أن هذه الآية متصلة كل الاتصال بسابقتها التي جاء فيها الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة: ٢]. فلو لوحظ ذلك لما كان هناك محل لهذه الحيرة والإشكال والتأويل. فالآية الأولى نددت بالمظاهرين والظهار وعدته عملا منكرا ثم انتهت بمقطع وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فكأنما تقدمت باستنكار الظهار من حيث المبدأ وتقرر أن الله يعفو ويغفر للمظاهرين قبل نزول هذا الاستنكار وبالتالي قبل نزول الآيتين على اعتبار أنه لم يكن مستنكرا ومنهيا عنه ثم أعقبتها الثانية لتقرر الحكم الإسلامي فالذين يعودون إلى ما نهوا عنه واستنكر أي الظهار بعد ذلك

صفحة رقم 191

الاستنكار والوصف تجب عليهم الكفارة قبل معاشرة أزواجهم لأنهم يكونون قد أتوا بعمل عده القرآن منكرا وزورا. وطبيعي أن الحكم الإسلامي صار حكما ملزما لكل مظاهر وأن العفو عن المظاهر ظل خاصا بمن ظاهر قبل نزول الآية الأولى وهي حالة خصوصية الزمن لا تتكرر. ولقد احتوت السورة نفسها نفس الحروف في الآية [٨] التي جاء فيها أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] حيث يأتي المعنى فيها واضحا بأن العودة هي لما نهي عنه وأن الوعيد هو للعائدين إلى التناجي بعد النهي عنه، ولا فرق بين الجملتين كما هو ظاهر.
وهناك أمثلة كثيرة أخرى بالنسبة لآيات واردة في السور الطويلة والمتوسطة مما نبهنا عليه في سياق التفسير. فبينما تكون المجموعة أو الفصل القرآني مفهوما سائغا يبدو عليه الانسجام والترابط التامان سبكا وموضوعا إذا قرىء ونظر فيه ككل اضطرب على الناظر في القرآن فهمه وقامت في ذهنه بلبلة أو مشكلة أو حيرة في مداه ومدلوله إذا أخذه آية آية أو عبارة عبارة.
ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أن هناك روايات كثيرة تورد كأسباب لنزول آيات منفردة أو جزء من آية في حين أن سياق الآية ومفهومها لا يتفقان مع الرواية كسبب للنزول، ويلهمان أن الآية منسجمة الأجزاء، وأنها متصلة اتصالا وثيقا بما قبلها أو بعدها في السياق، وكل ما يمكن فرضه في أمر الرواية في حالة صحتها أن تكون الآية أوردت على سبيل الاستشهاد على حادث ما وقع بعد نزولها، أو يكون الحادث قد وقع قبل نزولها بمدة ما فجاءت الإشارة إليه في السياق العام الذي أتت فيه الآية على سبيل التشريع أو التذكير أو التنديد أو التنبيه أو العظة إلخ، فالتبس الأمر على الراوي وظنّ أن الحادث هو سبب النزول.
فقد روي مثلا عن ابن مسعود قوله: لما أمرنا بالصدقة كنّا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون إن الله لغني عن صدقة ذلك

صفحة رقم 192

وإن ما فعله الآخر ليس إلا رياء فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ التوبة: [٧٩].
فهذه الرواية توهم أن الآية نزلت منفردة بسب هذا الحادث مع أنها متصلة بسياق عام سابق ولا حق بها أشد الاتصال، وأن في السياق قرائن تدلّ على أن الفصل الطويل الذي تقع فيه هذه الآية [٣٨- ٩٩] قد نزل كلّه أو جلّه في أثناء غزوة تبوك وظروفها وسببها.
وهناك رواية أخرى في البخاري عن ابن مسعود أن رجلين من قريش وختنا لهما من ثقيف كانوا في بيت فقال بعضهم لبعض أترون أن الله يسمع حديثنا قال بعضهم يسمع بعضه وقال بعضهم لئن كان يسمع بعضه لقد يسمعه كلّه فنزلت الآية وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.. فصلت: [٢٢].
مع أن الآية متصلة بسياق يحكي فيه محاورة في الآخرة بين الكفار وبين أعضاء أبدانهم التي تشهد عليهم أشد الاتصال وليس هناك تطابق ما بين مفهوم الرواية وعبارة الآية.
والفصول الأولى من سورة النساء من مواريث وأنكحة مترابطة ومنسجمة، والآية الأولى في السورة بمثابة براعة استهلال لما تضمنته من هذه الفصول، وروح آيات الفصول يلهم أنها وحدة تشريعية، في حين أن هناك روايات تكاد تجعل لكل آية مناسبة نزول مستقلة وتوهم أنها نزلت منفردة بسببها. ويقال هذا في فصول سورة الحجرات أيضا. وأمثال ذلك كثير جدا نبهنا عليها في سياق التفسير.
فملاحظة السياق والتناسب والترابط بين الفصول والمجموعات القرآنية ضرورية ومفيدة جدا في فهم مدى القرآن ومواضيعه وأهدافه من جهة وفي لمس ناحية من نواحي الروعة والإعجاز والإتقان فيه، لأنهما يظهران الناظر في القرآن الجزء الأول من التفسير الحديث ١٣

صفحة رقم 193

على ما هو عليه من ترتيب وانسجام وترابط نظما وموضوعا من جهة ثانية، وعلى نقاط الضعف في روايات كثيرة وردت في سياق الآيات القرآنية وخاصة في مكية بعض الآيات في السور المدنية ومدنية بعض الآيات في السور المكية من جهة ثالثة، وتزيلان ما هو عالق في الذهن خطأ من أن الفصول القرآنية فوضى لا ترتيب ولا انسجام بينها من جهة رابعة.
ومن فوائد هذه الملاحظة المهمة إزالة وهم التعارض والتناقض في نصوص القرآن وتقريراته المتكررة بأساليب متنوعة حسب المواقف والمناسبات وخاصة في القصص والمواعظ والإنذار والتبشير والمشاهد الكونية والأخروية، وبنوع أخص في عبارات وجمل الهداية والضلال والكفر والإيمان وتزيين الأعمال والطبع على القلب وتسليط الشياطين والإغواء ومسؤولية الإنسان عن عمله وحكمة الله في عدم خلق الناس أمة واحدة إلخ، ففي تدبر سياق كل مناسبة وكل جملة قرآنية من هذا القبيل يمكن أن يلمح الناظر في القرآن حكمة ورود كل منها بالأسلوب الذي وردت به والمناسبة التي جاء فيها والمعنى الذي أريد منها والهدف الذي استهدفه، وكل هذا قد يكون متنوعا بتنوع المواقف والأساليب والمضامين والسياق، فيطمئن بسلامة المعنى وحكمة النصّ الوارد في السياق الذي ورد فيه، ويزول وهم التعارض والتناقض وما يؤدي إليه من الحيرة أحيانا، ويحمل عليه من التكلف والتجوز والتخريج والجدل على غير ضرورة ولا طائل وعلى غير اتساق مع الهدف القرآني ونطاقه.
فأنت مثلا إذا أخذت جملة يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ في آية فاطر [٨] وجملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ في آية المدثر [٣١] وقعت في حيرة لأن هناك آيات كثيرة جاء في بعضها وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف: [٢٩] وفي بعضها قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها.. يونس: [١٠٨].
ولكنك إذا قرأت سياق آيتي فاطر والمدثر كوحدة [٣- ١٠ فاطر] و [١- ٣١

صفحة رقم 194

المدثر] ظهر لك المعنى سائغا مفهوما، وبدا لك أنهما استهدفتا فيما استهدفتاه التنديد بالكافرين والضالين والحملة عليهم من جهة والتنويه بالمؤمنين الصالحين وتطمينهم وتبشيرهم من جهة وتسلية النبي فيما ألم به من حزن وحسرة على مكابرة الكافرين وعنادهم من جهة، بل ظهر لك أن تلك المعاني التي تقررها آيات الكهف ويونس منطوية في نفس سياق جملتي سورتي فاطر والمدثر حيث احتوى سياق آية فاطر يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [٥- ٨] وحيث احتوى سياق آية المدثر إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨). ويطرد هذا في أمثال كثيرة مثل آية البقرة [١٦] مع سياقها وآية النحل [٩٣] مع سياقها وآية القصص [٥٦] مع سياقها وآيتي يونس [٩٩- ١٠٠] مع سياقها إلخ مما عليه في التفسير عند مناسباته.
وأنت إذا أخذت مثلا جملة إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً في سورة الكهف الآية [٥٨] لحدتها وجدت نفسك أمام مشكلة محيرة لأنها توهم أن الله قد صرف الكفار عن فهم القرآن والتأثر به وحتم عليهم عدم الإجابة والاهتداء، ولكنك إذا تدبرت سياق الآية جميعه [الآيات ٤٥- ٥٩] بل أول الآية التي وردت فيها ظهر لك قصد وصف مكابرة الكفار وعنادهم والتسرية عن النبي إزاء هذه المكابرة والعناد. ويطرد هذا كذلك في أمثال كثيرة كآيات هود: [١١٨] والرعد: [٣١] والبقرة: [٧] ويس:
[٩] وسياقها.
ونقول استطرادا إن هذه الأمثلة قد كانت موضوع أخذ ورد وجدل في كتب التفسير بسبب صلتها بالموضوع الخلافي الكلامي في صدد فعل الإنسان وكسبه

صفحة رقم 195

وإرادته، حيث ذهب فريق إلى ما يفيد أن الإنسان مجبور على أفعاله وأنها محتمة عليه في الأزل لا معدى له عنها ولا اختيار له فيها من كفر وإيمان وفساد وصلاح وشرّ وخير، وأن العقاب والثواب ينالان الناس بمحض مشيئة الله وفضله، ولا صلة ولا أثر لأعمالهم فيها في حقيقة الأمر، وحيث ذهب فريق آخر إلى ما يفيد أن الإنسان خالق أفعال نفسه فيؤمن ويكفر ويفسق ويصلح بإرادته واختياره، وأن الله لا يصح عليه إرادة الكفر والفسق من العبد ولا تقديرها عليه، بل ولا يصح أن يكون مريدا للقبيح وأنه يجب عليه الأصلح لعباده، وأن الإنسان يعاقب ويثاب على أفعاله حقا وعدلا، وحيث توسط فريق فذهب إلى ما يفيد أن الله هو خالق أفعال عباده من كفر وإيمان وعصيان وطاعة ومنكرات وصالحات، وكل بإرادته ومشيئته وقضائه وتقديره في حدود عموم تأثير صفاته الأزلية، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بمعنى خلقه الضلال والهدى، وأنه لا يجب عليه الأصلح، وقرروا مع ذلك للإنسان فعلا اختياريا يثاب عليه إذا كان طاعة وصلاحا ويعاقب عليه إذا كان معصية وفسادا، وقالوا إن معنى أن الله أراد من الكافر كفره ومن الفاسق فسقه ومن المؤمن إيمانه ومن الطائع طاعته إنه أرادها باختيار الناس وكسبهم، وتشاد الجميع حول هذه المواضيع كل يؤيد رأيه ويرد على رأي الآخرين بأساليب جدلية من جهة وعبارات قرآنية من جهة أخرى مقتطعة من آيات أو سياق دون تدبر في بقية الآية أو السياق، ويؤول ما هناك من نصوص تناقض رأيه في ظاهرها ولا تتسق معه على ما هو مبسوط في كتب المتكلمين المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
والموضوع في أصله أي كون الإنسان مخيرا أو مسيرا عويص وموضوع جدلي عام لا ينحصر التشاد حوله في المذاهب الإسلامية الكلامية وله جبهات متنوعة ولا يدخل التبسط فيه في موضوع هذا الكتاب، غير أن المقام يتحمل بعض القول بسبب ما احتواه القرآن من آيات كثيرة جدا اتخذها علماء المذاهب الكلامية الإسلامية مستندا لمذاهبهم المختلفة في هذا الموضوع. ومع أن من المسلم به أن النصوص القرآنية هي سند رئيسي في العقائد والشرائع والأحكام الإسلامية فالذي نعتقده أن الناظر في الآيات القرآنية إذا أخذ المجموعة القرآنية وحدة ولم يغفل

صفحة رقم 196

سياقها وظروف نزولها وهدفها، ولم يقتطع منها الجمل وينظر فيها على حدة كما يفعل أصحاب المذاهب الكلامية في تشادهم ومجادلاتهم فيما بينهم- وهذا هو موضوع هذا المبحث في الأصل- يستطيع أن يتبين أهداف القرآن في العبارات الواردة تبينا يزول معه من نفسه ما قد يقوم من وهم التعارض والتناقض في آياته، والقرآن بريء من التعارض والتناقض بنص صريح فيه جاء في آية النساء: [٨٢] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ويجد حلا لما يبدو من إشكال وتعليلا سائغا لما يوهم ظاهره من معان متعارضة فيه، ويظهر له أن كثيرا مما دار ويدور من جدل ونقاش وحجاج وخلاف لا تتحمله عبارات القرآن ولا تقتضيه، وليس من ورائه طائل ولا ضرورة. وإن هذه العبارات ليست في صدد هذه التقريرات الكلامية، وفي الأمثلة التي أوردناها دلائل كافية، وهي مطردة في سائر فصول القرآن ومجموعاته التي وردت أمثالها فيها، ثم يجد- وهذا مهم جدا- أن النصوص والأهداف القرآنية تجري في مدى هداية الناس ودعوتهم إلى الخير وإصلاحهم وتوجيههم إلى أفضل الوجهات وأنفعها، والتنويه بالمستجيبين المهتدين الصالحين المتقين المحسنين وتبشيرهم وتطمينهم والتحذير من الفساد والإثم والفاحشة وإنكار الله ووحدته وكمال صفاته والتنديد بالضالين الآثمين المكابرين المنافقين الظالمين وإنذارهم، ولا تجري في أي حال في مجرى التقريرات الكلامية التي يدور حولها الخلاف والجدل المذهبي، وهذا هو أسلوب الحكيم الذي يعلمنا إياه القرآن في جميع الأمور، المتسق مع طبائع الأشياء وحقائقها ونعني كون القرآن يخاطب بشرا تعورف على أنهم ذوو قابليات وكسب واختيار، وأن لهم أثرا فيما يصدر عنهم من أعمال وأقوال ومواقف وفقا لما تمليه عليهم عقولهم وميولهم ومداركهم وتقديراتهم ومنافعهم وظروفهم الخاصة والعامة، وأنهم متفاوتون في كل هذا وأنهم ذوو تمييز للخير والشر والحسن والقبيح في نطاق تلك العقول والميول والمدارك والتقديرات والمنافع والظروف والقابليات المتفاوتة، وأن المهم في الأمر هو دعوتهم إلى الهدى والخير وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإنقاذهم من الضلال وإثارة نفوسهم وإيقاظ

صفحة رقم 197

ضمائرهم، وتبشير المستجيبين وإنذار المكابرين وإرشاد الضالين الجاهلين منهم، وإن من الممكن أن تؤثر فيهم الدعوة فيستجيبوا تسليما وإذعانا وإدراكا أو خوفا وطمعا ورغبة ورهبة وإن الانحراف عن هذا النطاق والمدى إلى الجدل في ما وراء ذلك تكلف وتجوز وبعد عن مقاصد القرآن وأهدافه، ومؤدّ إلى البلبلة والحيرة والتشويش على هذه المقاصد والأهداف وعلى الراغبين في تفهم القرآن والناظرين فيه.
- ١١- فهم القرآن من القرآن:
حادي عشر: إن الأوثق والأوكد والوسيلة الفضلى لفهم مدى القرآن ودلالاته وتلقيناته بل وظروف نزوله ومناسباته تفسير بعض القرآن ببعض، وعطف بعضه على بعض، وربط بعضه ببعض كلما كان ذلك ممكنا لغة أو مدلولا أو حادثا أو مناسبة أو سبكا أو حكما أو موقفا أو تقريرا، وسواء ذلك ما يدخل في نطاق الأسس والأهداف أو الوسائل والتدعيمات. وإمكانيات ذلك قائمة على نطاق واسع في مختلف فصول القرآن المكية والمدنية. فإن القرآن يكاد يكون سلسلة تامة يتصل بعضها ببعض أوثق اتصال في ما يمثل من أدوار السيرة النبوية في عهديها كما أن من شأن عباراته وجمله وأحكامه ومشاهده وقصصه ومواعظه وحججه أن يفسر بعضها بعضا وأن يدعم بعضها بعضا.
وفائدة هذه الملاحظة عظيمة كما يتضح عند التدبر، حيث يمكن أن تغني الناظر في القرآن عن الفروض والتكلف والتخمين، وتحول بينه وبين التورط في موهمات التعارض والإشكالات اللغوية وغير اللغوية، وكثيرا ما تساق على تمييز القوي من الضعيف والصحيح من الباطل من الأقوال والروايات الواردة في تفسير كثير من الآيات أو في مناسبات نزولها وأسبابها. وهذا باب واسع الشمول والمدى. ولنضرب مثلا لذلك آية وردت في سورة الأنعام جاء فيها إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩).

صفحة رقم 198

فقد قال غير واحد من المفسرين وعلماء المذاهب أقوالا يستفاد منها أن الآية قد احتوت إخبارا غيبيا بما نجم بعد النبي من خلافات ومنازعات وفرق وشيع وبدع إلخ، في حين أنه جاء في سورة الروم جملة مثلها مسبوقة بجملة فيها صراحة بأنها تعني المشركين كما ترى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢).
فلو لو حظت هاتان الآيتان وربط بينهما وبين آية الأنعام لما كان محلّ لتلك الأقوال التي تبدو فيها رائحة ما نجم من تلك الخلافات والمنازعات والفرق والشيع والبدع بعد وفاة النبي بسنين قليلة، بل لوحظ سياق آية الأنعام على ما نبهنا عليه في المبحث السابق وخاصة الآيتين: ١٥٥- ١٥٦ لظهر أنه احتوى تنديدا بالمشركين ومواقفهم من الدعوة والقرآن ولبدا الاتساق واضحا بين آيات السورتين القرآنيتين ولما كان محل لتلك الأقوال أيضا، ومن الأمثلة التي تساق في صدد المبحث الحالي ما روي عن ابن عباس في الآية وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا الكهف: [٥٠].
وهو قوله إن الجن طائفة من الملائكة وإن التسمية من الاختفاء الذي يشمل الملائكة كما يشمل الجن، هذا في حين أن الآية جمعت بين الملائكة والجنّ على اعتبارهما خلقين مستقلين، وإن هناك آيات قرآنية عديدة حكت قول إبليس إنه مخلوق من النار وأخرى قررت أن الجن قد خلقوا من النار، فملاحظة هذا الاشتراك تظهر عدم صحة الرواية لأن هذا ليس مما يمكن أن يخفى عن ابن عباس الذي يوصف بما يوصف به من سعة العلم وقوة الذكاء والإحاطة بالقرآن، وتساعد على القول الحاسم في جنّية إبليس في النصوص القرآنية.
ويمكن أن تساق الآيات التي نصّت على أن الله يهدي من يشاء ويضلّ من

صفحة رقم 199

يشاء، ولا نريد أن نكرر ما قلناه قبل قليل في هذا الأمر. ولكنا نريد أن ننبه على أن في القرآن آيات من هذا الباب فيها إيضاح من شأنه أن يضع الأمر في نصاب الحق بالنسبة لإطلاق العبارة في آيات أخرى. ففي سورة البقرة: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦). وفي سورة الرعد: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧). وفي سورة إبراهيم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧). فهذه الآيات حينما تلاحظ أثناء تلاوة وتفسير الآيات التي جاءت عبارتها مطلقة وتفسر بها يزول كل ما يدور حول هذا الموضوع الكلامي من أسباب الحجاج والنقاش ويبدو قصد تقرير كون هدى الله إنما يكون لمن استنار قلبه وحسنت نيته ورغب في الإنابة إلى الله، وكون الضلال إنما يكون للظالمين والفاسقين وأردياء النية والخلق، وكون الهدى والضلال منوطين بحسن نوايا الناس وسوئها والرغبة في الإنابة إلى الله والمكابرة فيها، ويسوق الناظر إلى التماس سبب مجيء العبارة مطلقة في الآيات التي جاءت فيها مطلقة في أسلوبها وسياقها على ما ذكرناه قبل.
ويمكن أن تساق آية الشورى هذه كمثل آخر:
ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣).
فإن بعض المفسرين وخاصة مفسري الشيعة فسروا الآية على أنها تفيد إيجاب محبة أقارب النبي الأدنين والبرّ بهم وطاعتهم، في حين أن هناك آيات قرآنية عديدة «١» أمرت النبي بالقول إنه لا يسألهم أجرا دون أي استثناء. فملاحظة ذلك تجعل الناظر في القرآن يحمل ما جاء في آية الشورى من استثناء على محمل آخر يبعد عن القرآن وهم التعارض، وينزه الله ونبيه عن تقاضي الأجر على هداية

(١) آيات يوسف: [١٠٤]، والمؤمنون: [٧٧]، والفرقان: [٥٧]، وسبأ: [٤٧]، وص:
[٨٦]، والقلم: [٤٦].

صفحة رقم 200

الناس وإيجابه بالنسبة لذريته أو أقاربه الأدنين، ولا يتورط في تأويل يؤيد الاستثناء والأجر اللذين يثيران حيرة وإشكالا. هذا بقطع النظر عن ما في ذلك التفسير من تمحل وتجوز لا يتحملهما مضمون الآية، وعن ما هنالك من رواية مأثورة عن ابن عباس في صددها تجعلها متسقة كل الاتساق مع النصوص القرآنية الأخرى وتفيد أن قصد الآية تقرير كون حرص النبي على هداية قومه لا يمكن أن يتهم لأنه لا يطلب عليها أجرا وكون مردّ هذا الحرص هو ما بين النبي وقريش من أوشاج القربى حيث لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينه وبين النبي قرابة. وهناك تأويل آخر جاء في تفسير ابن كثير المشهور وهو أن الآية بمعنى أني لا أريد منكم شيئا إلا أن تحترموا قرابتي لكم وتوادوني من أجلها وتكفوا عن الأذى والصدّ والتعطيل وهو تأويل وجيه ومتسق مع روح القرآن واللغة. وننبه على أننا هنا في صدد فهم نصوص القرآن ولسنا في صدد نفي واجب المسلمين في برّ ومودة الصالحين الأتقياء الذين ليست نسبتهم إلى بضعة الرسول محلّ شكّ وريب من أجل هذه النسبة الشريفة الكريمة.
ومن فوائده ملاحظة ما هو موضوع هذا البحث أنها تساعد على معرفة الناسخ والمنسوخ وصور التطورات المتنوعة في سير الدعوة النبوية والسيرة النبوية والتشريع القرآني. فآيات النساء: [١٥- ١٦] مثلّا تشير إلى جريمة الزنا وتعين نصاب شهود ثبوتها ولكنها لا تعين حدا وتكتفي بالأمر بإمساك النساء في البيوت وأذية الزناة بعبارة مطلقة في حين أن آية سورة النور الثانية تعين حدا للزانين والزانيات مئة جلدة. فملاحظة آيات النساء والنور معا في النظر والتفسير تساعد على معرفة كون آيات النساء قد نزلت قبل آيات النور وأن آيات النور هي المحكمة في جريمة الزنا دون آيات النساء، وأن في نزول آيات النور بعد آيات النساء تطورا في التشريع القرآني. وفي آية النساء [٢٥] جملة تنصّ على أن حد الإماء المحصنات (المتزوجات) إذا زنين هو نصف حدّ الحرائر المحصنات وهي هذه فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ فملاحظة آية النور في تفسير هذه الجملة تساعد على معرفة أن هذه الجملة نزلت

صفحة رقم 201

بعد آيات النور، بعكس الآيات السابقة حيث نزلت آيات النساء قبل آيات النور، وإنها وضعت في محلّها للتناسب الموجود في سلسلة أحكام الأنكحة والأسرة والمواريث الواردة في سورة النساء وتساعد كذلك على معرفة صورة من صور التأليف القرآني، كذلك إذا قرأنا آيتي سورة المنافقون هاتين هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨). ثم قرأنا آيتي التوبة هاتين وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧). استطعنا أن نتبين من ملاحظة آيات السورتين أن المنافقين في المدينة كانوا في أوائل العهد المدني معتدّين بقوتهم ومالهم ومركزهم بينما صاروا في أواخر هذا العهد إلى حالة الخوف والضعف وأن نلمس صورة تطورية من صور السيرة النبوية، وأن نحكم على تهافت الرواية التي ذكرت أن معسكر المنافقين عند الاستعداد لغزوة تبوك كان يعادل في سعته وعدده معسكر المؤمنين المخلصين.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا ومنبثّة في السور والفصول القرآنية مكيها ومدنيها نبهنا عليها في التفسير. وهذه الكثرة تظهر فائدة هذه الملاحظة في حسن فهم القرآن وتفسيره كما هو واضح.
- ١٢-
ولا أدعي بأن هذه الملاحظات جديدة وغير مسبوقة، ففي «الإتقان» للسيوطي لنفسه ولغيره من العلماء والمؤلفين نبذ عديدة في شروط التفسير وأصوله احتوت غير واحدة من هذه الملاحظات، كما أن كثيرا من العلماء والباحثين والمفسرين نبهوا عليها بأساليب متنوعة، ومنهم من فعل ذلك في مقدمات كتبهم التفسيرية أو في ما كتبوه عن القرآن من كتب خاصة بل ومنهم من سار عليها قليلا

صفحة رقم 202

أو كثيرا غير أني لم أر في ما تيسّر لي من الاطلاع عليه من كتب التفسير «١» العديدة القديمة والحديثة أن هذه الملاحظات قد لوحظت جميعها معا في تفسير واحد، وإن صحّ القول إنها لو حظت متفرقة وبسعة أو إيجاز حيث يمكن أن يكون مفسّر لاحظ بعضا وسار عليه وآخر لاحظ بعضا وسار عليه مع أن ملاحظتها جميعا والسير وفقها جوهري جدا فيما أعتقد لفهم القرآن فهما صحيحا وخدمته خدمة فضلى، هذا مع اعترافي بالتقصير إزاء ما أحرزه الذين بحثوا في القرآن وعلومه وألفوا فيه وفسروه قديما وحديثا من علم واطلاع وتمكن وممارسة طويلة وتفرغ أطول وخاصة في علوم الصرف والنحو والبلاغة واللغة وأصول الفقه والحديث والرواية والخلافات المذهبية والكلامية ومع اعترافي بالمجهود الذي بذله كل منهم في خدمة القرآن وتفسيره وما لكثير من كتب التفسير من خصوصيات مفيدة إما من حيث الإسهاب والإيجاز أو من حيث اللغة والبلاغة، والقواعد النحوية والصرفية، أو من حيث التنويه بالمعاني والقضايا وتفريعاتها، أو من حيث الأحكام واستنباطها، أو من حيث إبراز ما في القرآن من إشراق وبعد مدى وقوة تلقين وتوجيه، أو من حيث روايات المناسبات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، أو من حيث التعليق على ما فيه من قصص وإيضاحها، أو من حيث شرح المذاهب الكلامية والفقهية وجدلياتها.

(١) من كتب التفسير التي اطلعت قراءة أو تصفحا على جميع أو بعض أجزائها التفسير المعزو إلى ابن عباس رواية أبي صالح وباب التفسير في البخاري وتفاسير الطبري والنسفي وأبي السعود والطوسي والخازن والرازي والزمخشري والطبرسي والبيضاوي والجوهري وفريد وجدي ورشيد رضا والألوسي وأبي حيان وابن كثير والبغوي والقرطبي والمراغي والعادلي.

صفحة رقم 203

الفصل الرابع نظريات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم
تمهيد
ومع ما ذكرناه في صدد كتب المفسرين فإن الناظر في كثير منها يلحظ ثغرات عديدة تنقص من قيمة تلك الفوائد التي احتوتها والجهود التي بذلت فيها قليلا أو كثيرا، وتجعلها غير شافية للنفس شفاء تاما.
- ١- روايات أسباب النزول:
فأولا: إن هناك روايات كثيرة في أسباب النزول ومناسباته وقد حشرت في كثير من كتب التفسير التي كتبت في مختلف الأدوار لا تثبت على النقد والتمحيص طويلا، سواء بسبب ما فيها من تعدد وتناقض ومغايرة أو من عدم الاتساق مع روح الآيات التي وردت فيها وسياقها بل ونصوصها أحيانا، ومع آيات أخرى متصلة بموضوعها أو موضحة لها أو عاطفة عليها، حتى أن الناقد البصير ليرى في كثير من هذه الروايات أثر ما كان من القرون الإسلامية الثلاثة الأولى من خلافات سياسية ومذهبية وعنصرية وفقهية وكلامية قوي البروز، وحتى ليقع في نفسه أن كثيرا منها منحول أو مدسوس أو محرف عن سوء نية وقصد تشويش وتشويه ودعاية ونكاية وحجاج وتشهير، أو قصد تأييد رأي على رأي، وشيعة على شيعة.
والمتبادر أنه لما كان عهد التدوين الذي راجت فيه الرواية تلقف المدونون من الأفواه الغثّ والسمين والصحيح والفاسد والمعقول وغير المعقول والملفق

صفحة رقم 205

والمنحول والمحرف فدونوه وتناقلوه، وجعله المفسرون القديمون من عمد تفسيرهم، بل كان وظلّ الركن الأقوى والأوسع في التفسير، فكان هذا التساهل من جانب المدونين أولا والمفسرين المتقدمين ثانيا باعثا على تسلسل الدور وانتقال الروايات من عهد إلى عهد من دون تحفظ أو تمحيص إلا قليلا حتى صارت كأنها قضايا مسلّمة أو نصوص نقلية يجب الوقوف عندها والتقيد بها أو التوفيق بينها إلخ، وأدى هذا إلى الوقوع في أخطاء وتشويشات ومفارقات كثيرة، سواء كان في صدد السيرة النبوية وأحداثها أو ظروف ما قبل البعثة، أو المفهومات والدلالات والأحكام القرآنية. ولقد كان هذا في أحيان كثيرة مستندا من مستندات أعداء العرب والإسلام المتعقبين للثغرات فيهم، فتمسكوا بكثير من الروايات الواردة في التفسير مع ما هي عليه من وهن وتهافت فأساؤوا فهم القرآن وخلطوا فيه عن عمد أو غير عمد، شأنهم في ذلك شأنهم في التمسك بكثير من الروايات الواردة عن السيرة النبوية والبيئة النبوية وظروفها وما بعدها من أحداث الحركة الإسلامية وظروفها وتاريخها. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وقد نبهنا عليها في سياق التفسير، وإليك بعضها على سبيل التمثيل والإيضاح:
(١) فقد نقل الخازن «١» في تفسير أوائل سورة التوبة عن محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما أن النبي عليه السلام أمّر أبا بكر على الحج في أول حجّ بعد فتح مكة وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا ليقرأ على الناس صدر براءة ويؤذن بمكة ومنى أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن أبا بكر رجع فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال لا ولكن لا ينبغي أن يبلغ هذا

(١) إن إشارتنا إلى كتب تفسير بعينها في هذا الفصل وغيره لا تعني أن عدا هذه الكتب خال من الثغرات التي ننبه عليها ونمثل لها. فإن أكثر ما اطلعنا عليه من هذه الكتب ينطوي على واحدة أو أكثر من هذه الثغرات، وبعضها ينقل عن بعض حرفيا وبعضها يعزو إلى بعض والقليل منها تعليق على ما يورده أو ينقله أو يعزوه وكثير منها يورد فيها بدون تعليق كأنما يتبناه أو ليس له اعتراض وتعليق عليه.

صفحة رقم 206

إلا رجل من أهلي. هذا بينما ورد في البخاري حديث عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمّره رسول الله عليها في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ويطوف بالبيت عريان. وفي الحديث الثاني تعارض مع الأول كما هو ظاهر، ولقد كان الحديث الأول موضع تأويل متقابل من الشيعة والسنة، فالأولون احتجوا به لصواب مذهبهم لأنه مؤيد لحق علي في القيام مقام النبي بعده، وكون ما تمّ هو مخالف لتلقين النبي، والآخرون قالوا مقابل ذلك إنما بعث النبي عليا في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويراه الناس أنه تحت إمرته ويكون في ذلك تنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله، وأن الأمير على الناس كان أبا بكر ولم يكن عليا وأن في هذا تقديما له عليه، ولم يكلف من هؤلاء وأولئك نفسه عناء البحث في متن الرواية، فإنّ ما احتواه حديث بعث النبي مع أبي بكر أربعين آية من صدر سورة براءة يجعل الحديث موضع نظر وتوقف لأن هذا العدد من صدر السورة احتوى مواضيع متنوعة ومنها ما نزل في شؤون أخرى، ومنها ما هو متصل بسلسلة طويلة من بعده، بل ومنها ما نزل قبل الفتح المكي على ما ذكرته من روايات أخرى يؤيدها أو يقوم قرينة عليها نصوص بعض هذه الآيات، هذا فضلا عن رائحة التشاد الحزبي بين الشيعة والسنة القوية في الحديثين وما يمكن أن تعنيه من وضعهما لتأييد كل رأيه وتجريح رأي خصمه هجوما ودفاعا! (٢) وقد روى السدّي عن الزبير على ما جاء في «كشاف» الزمخشري أنه قال إن آية وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥]، نزلت فينا، وأنه كان يساير النبي يوما فأقبل عليه فضحك له الزبير فقال رسول الله كيف حبك لعلي فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبّه كحبي لولدي أو أشدّ قال فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله. هذا في حين أن الآية شديدة الانسجام مع سابقاتها ولا حقاتها، وأن السياق في صدد تثبيت المسلمين وتذكيرهم وتحذيرهم وعظتهم على أثر التشاد الذي كان بينهم حول غنائم بدر وفي سبيل توطيد طاعة للنبي في نفوسهم، وفي حين أنه لا يبدو قط أي اتساق وصلة بين الرواية والآية

صفحة رقم 207

معنى أو موضوعا أو مدى، فضلا عما يلفت النظر فيها من أثر الفتنة التي نجمت مذ مقتل عثمان ومن عدم احتمال صدورها عن الزبير لأن فيها إدانة له.
ومن هذا الباب روايات كثيرة في أسباب نزول آيات كثيرة تضمنت صرف الآيات إلى بعض الصحابة وتشم فيها رائحة الخلاف السني الشيعي ولا تتسق في حال مع الآيات وظروف نزولها وسياقها، فقد روى بعض الشيعة رواية بأن آية وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) [الزمر: ٣٣] قد نزلت بحق علي، وروى بعض السنيين رواية بأنها نزلت في حق أبي بكر، والسياق يدل على أنها مع ما سبقها ولحق بها عامة متصلة بظروف الدعوة في العهد المكي الذي لم يكن علي في أوائله إلا صبيا، ومن ذلك ما رواه بعض السنيين من أن آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، قد نزلت عند إسلام عمر، ومن أن جملة وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، نزلت في إيجاب مشاورة أبي بكر وعمر، مع أن آية الأنفال مدنية ومتصلة بظروف الجهاد في العهد المدني وجزء من سياق منسجم، وأن جملة آية آل عمران من آية يدل مضمونها نفسه على أنها متصلة بموقف بعض المسلمين والمنافقين في ظروف وقعة أحد فضلا عن أنها جزء من سياق منسجم في ظروف هذه الوقعة، ومن ذلك ما رواه الشيعيون من أن آية وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤]، قد نزلت في الذين ينكرون حقّ علي في الولاية مع أن السياق عام متصل بظروف الدعوة في العهد المكي، وفيه حكاية عن ما يراه الكافرون والمؤمنون من المشاهد الأخروية ترهيبا وترغيبا.
(٣) وجاء في البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب، بينما جاء في البخاري عن أنس أيضا أنه لما تزوج رسول الله زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس ثم

صفحة رقم 208

إنهم قاموا فانطلقت فأخبرت النبي أنهم انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى آخر آية الأحزاب: [٥٣]، وهي الآية التي ذكر فيها الحجاب والتي توصف بأنها آية الحجاب والتي نزلت بناء على مراجعة عمر كما جاء في الرواية الأولى، وجاء كذلك في البخاري عن عائشة أن عمر بن الخطاب كان يقول لرسول الله احجب نساءك فلم يفعل وكان أزواج النبي يخرجن ليلا قبل المناصع «١» فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت فأنزل الله آية الحجاب. وجاء في البخاري أيضا عن عائشة قالت خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة إلى رسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وأن العرق في يده ما وضعه فقال إنه أذن لكن أن تخرجن. فهذه أربعة أحاديث بخارية حول الحجاب، وثلاثة منها في مناسبة نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب، وفيها ما فيها من التغاير في هذه المناسبة وكل هذا في حين أن الحجاب المذكور في الآية يعني الستر على باب البيت كما رواه أنس في أحد أحاديثه السابقة وأمر الناس بأن يطلبوا ما يكون لهم من حاجات من زوجات النبي من ورائه ولا يدخلوا عليهن بسبب ذلك كما أن الآية لم تنزل خاصة في الحجاب حتى تسمى آيته كما يظهر ذلك لمن ينعم النظر فيها.
(٤) وروى الضحاك عن ابن عباس على ما جاء في الخازن أن آية إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً.. إلخ. [المائدة:
٣٣]، نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله عهد وميثاق فنقضوا عهد الله وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب وإن يشأ

(١) محلات الغائط. [.....]
الجزء الأول من التفسير الحديث ١٤

صفحة رقم 209

يقطع الأيدي والأرجل من خلاف بينما روى الكلبي عن ابن عباس أيضا أنها نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي وادع هلالا على أن لا يعينه ولا يعين عليه وأن من مرّ بهلال إلى النبي فهو آمن، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم هلال فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل بالقضاء فيهم بهذه الآية، وهذا وذاك في حين أن رواية عن سعيد بن جبير تقول إن الآية نزلت في قوم من عرينه وعكل أتوا رسول الله وبايعوه على الإسلام وهم كذبة، فاستوخموا المدينة فبعثهم رسول الله إلى إبل الصدقة فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل. فهذه ثلاث روايات في سبب نزول آية كل منها مخالف للأخرى من حيث القصة وكل منها يفيد أن الآية نزلت مستقلة بسبب حادث معين، واثنتان منها على تخالفها مرويتان عن ابن عباس، مع أن الذي ينعم النظر في سياق الآية يجدها غير منفصلة عن السياق السابق الذي يدور الحديث فيه عن اليهود والتنديد بهم ويربط حاضرهم بماضيهم، ثم يجد في الآية التالية لها ما يدل على أن الذين هم موضوع الكلام ليسوا في متناول يد النبي وأن ما نسب إليهم إنما صدر عنهم في ظرف كفرهم، وأنها أمرت بقبول توبتهم أي إسلامهم إذا تابوا قبل أن يقعوا في متناول يد النبي ويجد السياق التالي لها متصلا بالسياق السابق أيضا [الآيات ٣٢- ٣٧ المائدة].
ولقد روى البخاري حديثا عن أنس بن مالك في قصة عرب عكل وعرينه التي ذكرت في الرواية المعزوة إلى سعيد بن جبير جاء فيه أن النبي سمّر أعينهم كواها بأسياخ النار وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا، ولم يرد في هذا الحديث أن الآية نزلت فيهم كما أنها لا تحتوي تسمير العينين ومحال أن يخالف النبي نصّ الآية لو أنها نزلت فيهم.
- ٢- روايات التفسير:
ثانيا: إن هناك أولا تفسيرا كاملا معزوا إلى ابن عباس رواية أبي صالح عن الكلبي احتوى تفسيرات لغوية وكثيرا من أسباب النزول وتأويلات للقصص

صفحة رقم 210

والتعابير والمشاهد والأوصاف القرآنية وتعليقات عليها، وثانيا أقوالا كثيرة جدا في كتب التفسير معزوة إلى ابن عباس منها ما ورد في ذلك التفسير ومنها ما لم يرد، واحتوت هي الأخرى تفسيرات لغوية وأسباب نزول وتأويلات للقصص والتعابير والمشاهد والأوصاف القرآنية وتعليقات عليها. وثالثا أقوالا كثيرة جدا كذلك في كتب التفسير معزوة إلى علماء من التابعين وتابعي التابعين أمثال مجاهد والضحاك وقتادة والحسن البصري وعكرمة وسعيد ومسروق ومحمد القرظي وسفيان بن عيينة وعطاء إلخ فيها كذلك تفسيرات لغوية وأسباب نزول وتعليقات وتأويلات بل وهناك روايات عن كتب تفسير معزوّة إلى بعض هؤلاء مثل مجاهد والضحاك وقتادة وسفيان، وقد وصف السيوطي ما ورد عن ابن عباس من روايات تفسيرية بكلمة «لا تحصى» دلالة على كثرته، وذكر أن عدد مثل هذه الروايات المروية عن الصدر الأول قد بلغ بضعة عشر ألفا، والأرجح أن هذا العدد لا يشمل ما يرويه الشيعة بطرقهم وشروطهم الخاصة التي لا يستقيم كثير منها عند السنيين ولا يحتجون بها والتي ربما بلغ عددها نفس العدد أو زاد، وكثير من الأقوال المنسوبة إلى هذا الصدر ومن يليه يصح عليها ما قلناه في الفقرة السابقة من أنه لا يثبت على النقد والتمحيص للأسباب التي ذكرناها هناك، ومن حيث ما يقع في النفس من تلقفها من الأفواه وتدوينها في عهد رواج الرواية فاختلط حابلها بنابلها وغثّها بسمينها وصحيحها بباطلها، وظهر على كثير منها أثر تلك الخلافات السياسية والحزبية والكلامية والمذهبية والعنصرية، ومن حيث ما يقع في النفس من قصد التشويش والتشويه في بعضها وتعمد النحل والتلفيق في بعض آخر منها، وفي بعضها ما هو أدخل في باب الخرافة منه في باب الحقيقة أو الاحتمال كما أن كثيرا منها لا يصح تصديق صدوره عن صحابة وتابعين وتابعي تابعين وخاصة من علمائهم الأجلاء المشهورين في سلامة المنطق والفهم والذكاء والدراية والورع.
ويؤيد هذا قول الإمام الشافعي بأنه لم يثبت عن ابن عباس مما عزي إليه من روايات التفسير إلا نحو مئة، بينما المنسوب إليه يبلغ بضعة آلاف، ويؤيده كذلك موقف الإمام الحنبلي من هذه الروايات حيث يسلك روايات التفسير المعزوة إلى

صفحة رقم 211

الصحابة والتابعين- وكل ذلك مما يدخل في شمول كتب الحديث- في سلك روايات الملاحم والمغازي من حيث غلبة احتمال تسرب الأخطاء والمبالغات وعدم صحة السند فيقول إنها لا أصل لها.
ومع ذلك فقد صارت هي الأخرى من عمد المفسرين القديمين وكتبهم وانتقلت من دور إلى دور حتى استفاضت في كتب التفسير جميعها تقريبا وغدت نصوصا نقلية يوقف عندها ويتقيد بها بل ويحتج بها بسبب مكانة المصدر الذي نسبت إليه بدءا، ولم تحظ إلا بقليل من النقد والتمحيص، بل وإن ما جرح منها ظل ينتقل من دور إلى دور ويستفيض في كتب التفسير، ويورد في سياق الآيات من جملة الأقوال والتأويلات، ومنها ما لا يذكر جرحه، ولقد جرح بعض علماء القرآن والرواية رواية ابن الكلبي بل سمّاه بعضهم بالكذاب، ولكن كثيرا مما رواه أخذه المفسرون القدماء وتنوقل عنهم دورا بعد دور، منهم ما ذكر راويه ومنهم ما لم يذكر، ودخل كذلك في عداد النصوص المروية التي يوقف عندها ويتقيد ويحتج بها، وهذا شأن كثير من الروايات المجروحة أيضا، فأدى ذلك كله إلى أخطاء وتشويشات وتشويهات ومفارقات ومجادلات كثيرة، وكان وسيلة من وسائل غمز الأغيار والباحثين المستشرقين وطعنهم أيضا كما كان ذلك في روايات الأسباب والمناسبات على ما ذكرناه قبل والأمثلة على ذلك كثيرة جدا نورد بعضها فيما يلي للتمثيل والإيضاح:
(١) ففي تفسير سورة القلم من تفسير ابن عباس المذكور أن النون هو السمكة التي تحمل الأرضين على ظهرها، وهي في الماء وتحتها الثور وتحت الثور صخرة وتحت الصخرة الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله- كأن هذا من العلم الذي عرفه البشر- وأن اسم السمكة ليواش ويقال ليوتي واسم الثور يلهموت ويقال يلهوى ويقال ليوتا، وهي في بحر يقال له عصواص وهو كالصور الصغير في البحر العظيم، وهذا البحر في صخرة جوفاء، وفي هذه الصخرة أربعة آلاف خرق يخرج منها الماء. وقد وردت هذه الأقوال بعينها أو مزيدا عليها أو مبدلة بعض الشيء في كتب عديدة من كتب التفسير منها ما عزي إلى ابن عباس عن أبي صالح

صفحة رقم 212

عن الكلبي ومنها ما لم يذكر راويه ومصدره.
(٢) وقد صرفت كلمة (ربك) في هذا التفسير في جملة فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] إلى هارون.
(٣) ولقد علّق فيه على جملة وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ بأن الله قد صور آدم بين مكة والطائف.
(٤) وقد صرف فيه المقصود من آيتي الأعراف هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) إلى آدم وحواء. وروى فيه أنهما جعلا لله شركاء في ما أتاهما حيث سمى أحد أولادهما عبد الله والآخر عبد الحارث. وقد ورد هذا القول في الخازن عن ابن عباس بغير ذكر الكلبي بهذا النص: كانت حواء تلد لآدم أولادا فيسميهم عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمّياه عبد الحرث- يعني نفسه- فولدت ولدا فسمّياه كذلك فعاش! (٥) وذكر فيه نسب نمرود هكذا: نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن كوش.
(٦) وعلّق فيه على جملة فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الحجر: ١٩] كل شيء يوزن مثل الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس.
(٧) وفسّرت فيه كلمتا تَمَنَّى وأُمْنِيَّتِهِ الواردتان في آية الحج وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [٥٢] بمعنى قرأ وقراءته فكان هذا التفسير من أركان الأقوال والروايات التي قيلت ورويت في قصة الغرانيق وكون الشيطان هو الذي أجرى على لسان النبي الجملتين (تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى) في أثناء تلاوة سورة النجم في صلاة أقامها بالمؤمنين في فناء الكعبة، وكون آيات الحج. هي بسبيل نسخ تلك العبارات

صفحة رقم 213

والتنبيه على أنها من إلقاء الشيطان، مما كان مثار أخذ ورد ومغامز ومطاعن في حين أن عبارات آيات الحج [٥٢- ٥٤] وروحها وسياقها لا يتسق مع ذلك التفسير ولا مع تلك الأقوال قط على ما فصلناه في سياق تفسيرها «١»، فضلا عما هناك من رواية تفيد أن هذه الآيات نزلت على النبي بطريق هجرته إلى المدينة.
(٨) وقد أولت فيه آيات زواج النبي بمطلقة متبنيه الواردة في سورة الأحزاب تأويلا تنزه رسول الله عنه من عشقه لزينب ومخادعته لزيد كان مثار أخذ وردّ ومغامز ومطاعن أيضا في حين أن عبارة الآيات وظروفها تناقض هذا التأويل. كما فصلناه كذلك في سياق تفسيرها «٢».
(٩) ومما نقل عن ابن عباس من غير طريق ابن الكلبي وأشرك معه غيره من الصحابة والتابعين ما نقله الخازن عن قصة هاروت وماروت العجيبة والشائقة معا حيث جاء فيها أنهما كانا أعبد الملائكة وأنهما عيرا الله في خلقه البشر على عصيانهم وأن الله قد تحداهما أن يثبتا إذا ركب فيهما طبائع البشر، وأنهما لما انقلبا بشرا زنيا وشربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للأصنام وأساءا استعمال اسم الله الأعظم إلخ بتفصيل طويل، مما لا يتسق مع منطق من جهة وفيه ما فيه من موقف نحو الله من جهة أخرى. ولقد صارت هذه القصة وسيلة لجدل كلامي في عصمة الملائكة، واحتج القائلون بعدمها بالقصة كحجة نقلية مروية بألفاظ متقاربة عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي والربيع ومجاهد! (١٠) ومن ذلك أن لحملة العرش قرونا وأن ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام ومن ترقوته إلى موضع القرط منه مسيرة خمسمائة عام.
(١١) وروى «الكشاف» عن عكرمة في تأويل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ [الفتح: ٢٩] أن هذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام

(١) اقرأ أيضا كتاب «سيرة الرسول» الجزء الأول ففيه بحث وتمحيص.
(٢) المصدر نفسه.

صفحة رقم 214

وترقيه فأخرج شطأه بأبي بكر وآزره بعمر واستغلظ بعثمان واستوى على سوقه بعلي. وأثر المقالات الخلافية في ترتيب الخلفاء الراشدين ظاهر القول.
(١٢) وروى «الكشاف» معزوا إلى الحسن في صدد خلق الأرض والسماء أن الله خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منها السماوات وأمسك النهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما الأنبياء: [٣٠].
(١٣) وروى الخازن معزوا إلى عبد الله بن عمر أن الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينيه خمسمائة عام.
(١٤) وروى الخازن أيضا معزوا إلى عروة بن الزبير أن من حملة العرش من صورته على صورة الإنسان ومنهم من صورته على صورة النسر ومنهم من صورته على صورة الثور ومنهم من صورته على صورة الأسد.
(١٥) وروى أيضا معزوا إلى نوفل البكالي في وصف السلسلة التي ذكرت في سورة الحاقة ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢)، أن كل ذراع سبعون باعا وكل باع أبعد ما بينك وبين مكة وكان هو في رحبة الكوفة.
(١٦) وروت روايات شيعية عن مقاتل عن أبي عبد الله أنه وجد في كتاب علي بن أبي طالب أن آدم لما هبط إلى الأرض كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون أفق السماء وأنه شكا لله حرارة الشمس فأوحى إلى جبريل أن أغمزه فغمزه فصير طوله سبعين ذراعا بذراعه ثم غمز حواء غمزة فصير طولها خمسة وثلاثين ذراعا بذراعها. وقد رأينا تعليقا على رواية تقصير آدم وحواء لمؤلف شيعي آخر حاول فيه أن يعلل أذى الشمس بأن حرارتها تكون من غير جهة الانعكاس وتكون قامة آدم طويلة بحيث تتجاوز طبقة الزمهرير! ثم أيد صحة طول آدم واحتمال تأذيه من حرارة الشمس بقصة عوج بن عناق فذكر كيف كان يأخذ السمكة من قاع البحر ويشويها في عين الشمس، ولم يكتف المؤلف بهذا فقد أخذ يورد احتمالات ووجوها من طرائفها أن جبريل غمز آدم فجعله سبعين لا سبعين وغمز حواء

صفحة رقم 215

فجعلها خمسين وثلثي الخمس لا خمسة وثلاثين وأن من المحتمل أن يكون الناقل وهم في القراءة.
(١٧) وجاء في تفسير القرطبي معزوا إلى ابن عباس أنه كان يوضع لسليمان ستمائة كرسي ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس ثم يدعو الطير فتظللهم ثم يدعو الريح فتقلهم وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر.
(١٨) وجاء فيه معزوا إلى جابر بن عبد الله إلى النبي عليه السلام أنه كان نقش خاتم سليمان بن داود «لا إله إلّا الله محمد رسول الله».
(١٩) وجاء فيه أيضا معزوا إلى الحسن أن الجياد المذكورة في قصة سليمان في سورة ص إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١)، خرجت من البحر لها أجنحة، ومعزوا إلى الضحاك أنها كانت منقوشة ذات أجنحة، ومعزوا إلى علي أن الشيطان أخرجها مجنحة من مروج البحر وكانت عشرين فرسا.
(٢٠) وفي الخازن عن البغوي عن الثعلبي عن كعب الأحبار أن موسى نظر في التوراة فقال إني أجد أمة هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، ربّ اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد يا موسى. قال ربّ إنّي أجد أمة هم الحمادون المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد. قال ربّ إني أجد في التوراة أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم- وكان الأولون يحرقون كفاراتهم بالنار- وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي. قال هي أمة محمد. ويستمر الكلام فيتناول بضع صور أخرى من هذا القبيل. ونقول بهذه المناسبة إن المفسرين كثيرا ما نقلوا عبارات وجملا على أنها واردة في التوراة والإنجيل ومنها ما يشبه بعض آيات وعبارات القرآن، ويعزون ذلك إلى كعب الأحبار أو عبد الله بن سلام أو ابن عباس أو بعض التابعين ومن جملة ذلك ما رواه البيهقي عن ابن عباس أن سورة

صفحة رقم 216

الكهف تسمى في التوراة الحائلة وسورة يس المعمة كأنما كل سورة في القرآن لها ما يقابلها أو لها ذكر في التوراة.
(٢١) وجاء في الخازن أن سعيد بن جبير قال عن ألواح موسى إنها من ياقوتة حمراء، وإن الكلبي قال إنها من زبرجدة خضراء، وإن ابن جريج قال إنها من زمرد وإن الله أمر جبريل فجاء بها من جنة عدن وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد- أي أخذ الحبر- من نهر النور، وإن الربيع بن أنس قال إن الألواح كانت من زبرجد، وإن وهبا قال: إن الله أمر جبريل فقطعها من صخرة صماء عينها له ثم شقها الله بأصبعه وسمع موسى صريف الأقلام بالكلمات العشر وكان ذلك أول يوم من ذي الحجة، وكان طول الألواح عشرة أذرع على طول موسى واختلفوا في عدد الألواح فروي عن ابن عباس أنها كانت سبعة، وروى عنه رواية أخرى أنها لوحان ورجحه الفراء وقال إنما جمعت على عادة العرب في إطلاق الجمع على الاثنين، وإن وهبا قال إنها عشرة وإن مقاتلا قال إنها تسعة، وإن الربيع بن أنس قال إنها كانت وفر سبعين بعيرا يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى.
(٢٢) وجاء في الخازن عن الربيع عن أنس أن درجات الجنة سبعون ما بين الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة.
(٢٣) وجاء فيه عن ابن مسعود أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وفضاء كل سماء وأرض خمسمائة عام وما بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش. وهناك خبر عن ابن عباس أن المسافة...
فحاول أحد المفسرين التوفيق بين القولين فقال إن الخلاف في قدر المسافة على اختلاف سير الدواب.
(٢٤) وجاء فيه معزوا إلى ابن عمر أن السور الذي ذكر في القرآن فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [الحديد: ١٣]، هو سور

صفحة رقم 217

بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم.
وهذا قليل جدا من كثير جدا مما ورد من هذا الباب معزوا مثل ما تقدم إلى صحابة وتابعين عن الخلق والتكوين والقصص وتأويل الآيات والأحداث المتصلة بالسيرة النبوية وظروف الدعوة.
وهذا غير ما روي من روايات تأويلية وتفسيرية كثيرة جدا في كتب السنة والشيعة معزوة إلى صحابة أو تابعين ممن عرفوا بالعلم والدراية والورع وسلامة المنطق متناقضة من جهة ويبرز فيها أثر الخلافات الحزبية والمذهبية والسياسية بروزا واضحا من جهة أخرى. وفي كل هذا ما هو ظاهر من الإغراب والتخمين بل والتخريف وعدم الاتساق مع مرامي الآيات ومضمونها وظروفها، ودلائل الجهل بحقائق الكتب المنزلة ومحتوياتها وبما هو معروف إذ ذاك من الحقائق العلمية والتاريخية والجغرافية مما يشوش على الراغب في تفهم القرآن ويجعل القرآن عرضة للحجاج والجدل والأخذ والرد، ويشوه أسماء كثير من أصحاب رسول الله وتابعيهم، ويجعل المسلم يقف موقف الحيرة والبلبلة مما نقل عنهم.
- ٣- تعليقات المفسرين على القصص:
ثالثا: إن كثيرا من المفسرين قد ولعوا بالتعليق على ما ورد في القرآن من قصص ولعا كبيرا تجاوزوا فيه حدود الروايات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين على علّات كثير من هذه الروايات، وجالوا في ساحات التخمين والتخرص والتكلف والتزيد والمبالغة جولات مسهبة حينا وموجزة حينا آخر، ومنسوبة إلى رواة من غير تلك الطبقة بالأسماء حينا وبدون أسماء حينا وصادرة عنهم أو موهمة أنها كذلك حينا آخر، حتى ليقع في نفس القارئ من فحوى عباراتهم وأساليب إيرادهم أحيانا أنهم يعنون أن القصص القرآنية أو بعضها على الأقل قد وردت في القرآن لذاتها، وبقصد الإخبار والماهيات والحقائق أكثر من قصد العظة والتذكير، وكثير مما أورده لا يتفق مع دلالات الآيات ولا تتحمله أهدافها ولا تقتضيه عباراتها كما فيه

صفحة رقم 218

مفارقات كثيرة وما هو أدخل في باب الخرافة منها في باب الحقائق. وإليك بعض الأمثلة من ذلك للتمثيل والإيضاح:
(١) فهذه سلسلة مما ورد عن ذي القرنين ويأجوج ومأجوج منقولة عن الخازن وأبي السعود والبيضاوي والكشاف، وأكثرها بتعبير روي وقيل وأحيانا بدون ذلك وقليل منها معزو لقائل معين:
١- إن الله إنما ذكر ذا القرنين لأن حكمته شاءت تخليد اسمه في القرآن على مرّ الدهور لما بلغه من عظمة السلطان وسعة الملك.
٢- إن ذا القرنين دخل الظلمة في طلب عين الحياة، وإن الخضر كان من رجال جيشه فوقع على العين فاغتسل وشرب منها.
٣- إن عمر ذي القرنين ألف وثلاثون سنة.
٤- وقال ابن جريج كان عند العين الحمئة مدينة يقال لها الجاسوس لها اثنا عشر ألف باب وسكانها من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح ولولا ضجيج أهلها لسمع الناس وجيب الشمس حين تغيب.
٥- إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، وكل أمة أربعة آلاف أمة، ولا يموت الرجل منهم حتى يرى من صلبه ألف رجل قد حمل السلاح، وهم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومئة ذراع، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومئة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى، ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومنهم من طوله شبر. وقال كعب إن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.
٦- كان لذي القرنين قرنان فأمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله.

صفحة رقم 219

٧- سخر الله لذي القرنين السحاب فحمل عليه، ومدّ له الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء. وخاطبه قائلا إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل، ومنهم أمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج! فقال بأي قوة أكابدهم وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم، فقال الله إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء، وألبسك الهيبة فلا يرو عنك شيء وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك. فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك.
٨- إنه الإسكندر الذي ملك الدنيا. وقيل ملكها مؤمنان وهما ذو القرنين وسليمان وكافران وهما نمرود وبختنصر.
٩- قيل إنه كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل كان نبيا وقيل كان ملكا من الملائكة. وعن علي أنه ليس بملك ولا نبي ولكنه عبد صالح ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين، وإن فيكم لمثله. وعلق المفسر قائلا إن عليا أراد نفسه.
١٠- إن معاوية قرأ جملة عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: ٨٦] «عين حامية» فقرأها ابن عباس «عين حمئة» فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأها فقال كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم إن معاوية وجّه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب في التوراة قال في ماء وطين فوافق قول ابن عباس.
(٢) وهذه سلسلة أخرى في سياق قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل وسليمان منقولة عن «الكشاف». وقد وردت في كتب تفسير أخرى مقاربة أو نصا

صفحة رقم 220

كما جاءت في «الكشاف» :
١- قيل إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل هل تعرفون من تكلمون قالوا لا قال هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به ثم قالوا يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرئه مني السلام فردّ محمد على موسى السلام، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت.
٢- روي أن معسكر سليمان كان مئة فرسخ في مئة. خمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للإنس. وخمسة وعشرون للطير وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سرية، وقد نسج له الجنّ بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان له منبر يوضع في وسطه، وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الإنس وحول الإنس الجنّ والشياطين، وتظللهم الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليهم الشمس، وترفع الريح البساط فتسير به مسيرة شهر في يوم وأن الله أوحى إليه مرة وهو يسير بين الأرض والسماء أني قد زدت في ملكك فلا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى أنه مرّ بحراث فقال لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه. وكان من أمره أن سمع كلام النملة من ثلاثة أميال. وقد ذكر بعض المفسرين في سياق هدهد سليمان أنه كان مكلفا بالتنقيب عن مواضع المياه للجيوش اللجبة التي تسير مع سليمان لأن الأرض في عيني الهدهد ككرة من زجاج شفاف يرى ظاهرها وباطنها.

صفحة رقم 221

٣- كانت عند شعيب عصي الأنبياء، فأمر موسى أن يدخل ويأخذ له عصا، فوقعت يده على عصاه وكان آدم هبط بها من الجنة ولم يزل الأنبياء يتوارثونها، فضنّ بها على موسى وألقاها بين العصي أولا وثانيا وثالثا إلى السابعة وكانت في كل مرة تقع في يده فوقع في نفس شعيب أن له شأنا فأعطاها له.
٤- أرسل فرعون خلف بني إسرائيل ألف ألف وخمسمائة ألف ملك، ومع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس أن فرعون خرج في ألف ألف حصان سوى الإناث، وهذا سبب استقلاله قوم موسى وقوله عنهم إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ.. [الشعراء: ٥٤]، مع أن عددهم ستمائة ألف وسبعون ألفا.
٥- إن بلقيس كانت من الجن، وإن الجن خشوا أن يتزوجها سليمان فيجتمع في ابنه منها فطنة الإنس والجن فدسوا له عنها وشنعوا له سيقانها فامتحنها بالصرح الممرد، ولما ظهر له كذبهم استنكحها وكان يزورها في الشهر مرة.
٦- حينما كانت العصا تنقلب ثعبانا في يد موسى كان يبدو أنه ثعبان ذكر أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وقد وضع حينما ألقاه بين يدي فرعون لأول مرة لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب من سريره وهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وهرب الناس وصاحوا، وحمل على الناس فانهزموا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا.
٧- كان عدد السحرة سبعين ألفا وقيل ثمانين ألفا وقيل بضعة وثلاثين ألفا.
٨- في الجزء الخامس عشر من تفسير القرطبي المعروف ب «جامع أحكام القرآن» اثنتان وثلاثون صحيفة في تفسير الآيات الواردة في سورة ص عن داود محشوة حشوا عجيبا بالقصص عن داود وسليمان والأقوال التي تدور حول هذه القصص، وفيها من الإغراب ما يثير الدهشة. منها ما جاء في صدد توبة داود معزوا

صفحة رقم 222

إلى عطاء الخراساني أن داود سجد أربعين يوما حتى نبت المرعى حول وجهه وغمر رأسه فنودي أجائع فتطعم وعار فتكسى فنحب نحبة هاج المرعى من حرّ جوفه فغفر له وستر بها ذنبه فقال يا ربّ هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد غفرته فكيف بفلان وكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من بني إسرائيل تركت أولادهم أيتاما ونساءهم أرامل، قال يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب الجنة.. ثم قيل يا داود ارفع رأسك فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض فأتاه جبريل فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع من الشجرة صمغها.
رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن عطاء.. قال الوليد وأخبرني منير بن الزبير قال فلزق مواضع مساجده على الأرض من فروة وجهه ما شاء الله.. وقال وهب إن داود نودي إني قد غفرت لك فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبريل فقال لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك. قال يا ربّ كيف وأنت لا تظلم أحدا فقال الله لجبريل اذهب إلى داود فقل له يذهب إلى قبر أوريا فيتحلل منه فسأسمعه نداءه. فلبس داود المسوح وجلس عند قبر أوريا ونادى يا أوريا فقال لبيك من هذا الذي قطع عليّ لذتي وأيقظني فقال أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حلّ، فإني عرضتك للقتل قال عرضتني للجنة فأنت في حلّ. وفي الخبر وكان داود يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها، وكان إذا جاء يوم نواحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران ألا إن هذا يوم نواح داود فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده فيهبط الناس من الغيران والأودية وترتج الأصوات حول منبره والوحوش والسباع والطير عكّف وبنو إسرائيل حوله فإذا أخذ في العويل والنواح وأثارت الحرقات منابع دموعه صارت الجماعة ضجة واحدة نوحا وبكاء حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم.. وفي هذا الجزء من تفسير القرطبي أربع عشرة صحيفة أخرى محشوة بمثل هذه الأقوال في سياق الآيات الواردة في سورة ص. كذلك عن سليمان تثير الدهشة في إغرابها وتفصيلاتها وخاصة في وصف كرسي سليمان وانتقال موكبه بواسطة الريح

صفحة رقم 223

وشياطينه المسخرة والمصفدة والبنائين والغواصين وخاتم سليمان والجسد الذي ألقي على كرسيه ونسائه، منها ما هو معزوّ إلى رواة ومصادر معينة ومنها ما هو مروي بصيغة المجهول مما يطول الأمر بنقله.
وهذا الذي نقلناه غيض من فيض وقطرة من بحر مما أورده المفسرون في سياق القصص القرآنية. ولقد كان أمرهم أن استغرقوا فيها حتى صاروا يحاولون التوفيق بين مختلف الروايات الواردة فيها والجدل في ذلك بالإضافة إلى محاولات التوفيق والتلفيق والتأليف بين ما جاء فيها وبين ما يبدو من مناقضة العبارات القرآنية لبعض ما فيها، أو لما يجب من حق الله والأنبياء والملائكة ويضاف إلى هذا محاولتهم أخذ بعض الأحداث القصصية كحجة لأحكام فقهية في الإسلام مثل ما فعلوا في قصة أيوب واستنباط جواز الحيلة في التحلل من اليمين لأن القصة احتوت أمرا لأيوب يضرب زوجته بضغث من حشيش بدلا من جلدها بالسوط مئة مرة كما أقسم، ومثل تجويز أن تكون أجرة الراعي صداقا وعدم تعيين البنت التي آجر موسى نفسه مقابل نكاحها في قصة موسى وشعيب.. وهكذا كاد القرآن يخرج من نطاق قدسيته من الموعظة والدعوة والتذكير إلى نطاق بحوث في التاريخ والوقائع المروية وفي نطاق هذه الروايات العجيبة التي أوردت على هامش القصص القرآنية والتي لا يتفق كثير منها مع ما ورد في القرآن منها، ويتعرض بذلك إلى الأخذ والرد والنفي والإثبات والجدل والتصويب والتخطئة، بل ويدخل محتويات بعض قصصه مثل قصص آدم وإبليس ويوسف مع امرأة العزيز ويونس في مغاضبته وإبراهيم في طلبه من الله إراءته كيف يحيي الموتى وموسى في طلبه رؤية الله وفي قتله القبطي، والملائكة في مراجعتهم الله في شأن خلقه آدم في نطاق الجدل بين أصحاب المذاهب الكلامية من نواح متعددة تخطئة وتصويبا وتخريجا وتأويلا، كما يدخل محتويات بعض قصصه مثل حقيقة واسم مؤمن آل فرعون وإيمان امرأة فرعون، وحقيقة الذبيح، والدراهم التي بيع بها يوسف والأذى الذي أوذي به موسى وأسماء أهل الكهف وكلبهم، وأسماء امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون والذي أماته الله هو وحماره ثم بعثه وعفريت سليمان والذي عنده علم الكتاب والذي

صفحة رقم 224

اشترى يوسف وامرأته وفرعون والغلام الذي قتله العبد الصالح وأبويه والغلامين اليتيمين ورهط قوم صالح وعاقر الناقة وابن لقمان والشيطان الذي ألقي على كرسي سليمان وشيطان أيوب ونفر الجن الذين استمعوا القرآن إلخ إلخ في نطاق البحث والنقاش واستنباط حقائق التاريخ لذاتها، وإيراد الأقوال والروايات في هذه الشؤون التي فيها كثير من التكلف والمفارقات والتخمين والإغراب والتخريف، مما هو منبث بكثرة في كثير من كتب التفسير، ومما يجعل المرء يندهش ويحار من روايتها وإيرادها من قبل علماء أعلام وجوازها عليهم، ومما ظل أثره مستمرا متمكنا إلى عصرنا هذا، حيث كان كثير من هذه القصص بالإضافة إلى القصص القرآنية مواضيع كتب خاصة عليها طابع الكتب التاريخية وتحمل اسم «قصص الأنبياء» وحيث يتجادل الباحثون على صفحات المجلات في ذي القرنين وماهيته وما هو معروف عن تاريخ الإسكندر، وفي ما إذا كان بنو إسرائيل قد ورثوا ملك فرعون في مصر وملكوها بعد أن غرق هو وجنوده أجمعون إلخ ويتكلفون بما لا طائل من ورائه.
وكل هذا مؤدّ كما هو ظاهر إلى التشويش على الناظر في القرآن ومراميه في القصص وعلى أهدافه السامية وإلى غدو كتب تفسيره معرضا للكثير من المفارقات والمبالغات والتمحلات والمجادلات والمنحولات والمدسوسات وغدو القرآن بذلك عرضة للغمز والجرح من قبل الأغيار أيضا. كما أن ذلك قد أدى إلى استحواذ القصة القرآنية لذاتها على أفكار السواد الأعظم من المسلمين بل وخاصتهم، وصارت عندهم كذلك موضوعا ذاتيا ومجالا واسعا للأخذ والرد والسؤال والاستفتاء والاستقصاء والحجاج والاحتجاج والتصويب والمناظرة إلخ، مما كاد يضيع معه مواضع العبرة في القصة وقصد القرآن الجوهري منها.
- ٤- تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والجن والملائكة:
رابعا: إن كثيرا من المفسرين قد ولعوا أيضا بالتعليق على ما ورد في القرآن من تعابير وإشارات وتذكيرات وتنبيهات وتقريرات حول مشاهد الكون ونواميسه، الجزء الأول من التفسير الحديث ١٥

صفحة رقم 225

وحول ما ورد كذلك في صدد الملائكة والجن وإبليس وخلقه آدم ولعا تجاوزوا فيه حدود الروايات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وجالوا في ساحات التخمين والتكلّف والتزيد والإغراب، وأوردوا أقوالا منسوبة إلى رواة ومصادر من غير تلك الطبقة بأسماء وبدون أسماء وصادرة أحيانا عنهم أو موهمة أنها كذلك، حتى ليقع في نفس القارئ أنهم يعنون أن ما ورد في القرآن في هذه الشؤون كله أو بعضه قد ورد لذاته وبقصد تقرير الماهيات والحقائق أكثر من قصد الدعوة والتذكير والتدعيم به وفي كثير مما نقلوه وقالوه ما لا يتفق مع دلالات الآيات ولا تتحمله أهدافها ولا تقتضيه عباراتها كما أن فيه مفارقات كثيرة هي أدخل في باب الخرافة منها في باب الحقيقة. وإليك بعض الأمثلة على سبيل الإيضاح، منقولة عن كتب تفسيرية متعددة:
(١) إن سماء الدنيا سوح مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة صفر وقيل نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء وما بين السابعة إلى الحجب صحار من نور.
(٢) إن وجهي الشمس والقمر متجهان إلى السماوات وضوءهما فيهن جميعا وأقفيتهما نحو الأرض.
(٣) إن اللوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه من نور وأصله في حجر ملك.
(٤) إن الأنهار التي أنزلها الله من عين من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها على الأرض وهي سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل هي التي عنيت في الآية وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: ١٨].
(٥) لما خلق الله الأرض وفتقها سبع أرضين بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع وضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل

صفحة رقم 226

قرار قدم الملك على سنامته فاستقرت، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخاره في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس كان مدّ البحر وإذا ردّ نفسه كان جزره، ولم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان: ١٦]، ولم يكن للصخرة مستقر فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم فوضعت الصخرة على ظهره والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة، ولقد تغلغل إبليس إلى الحوت فوسوس إليه فقال أتدري ما على ظهرك يا ليوتا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم لألقيتهم عن ظهرك، فهمّ ليوتا أن يفعل فبعث الله له دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فضجّ الحوت إلى الله منها فأذن لها فخرجت، وإنها لتنظر إليه وينظر إليها إن همّ بشيء من ذلك عادت كما كانت.
(٦) إن القلم من نور وإن طوله ما بين السماء والأرض. وقد نظر الله إليه أول ما خلقه فانشقّ نصفين ثم قال له أخبر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ. والناس إنما يجرون على أمر قد فرغ منه.
(٧) إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل ذلك، وإن الصخرة التي تحت الأرض السابعة والتي منتهى علم الخلائق على أرجائها يحملها أربعة من الملائكة لكل منهم أربعة وجوه وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر. فهم قيام عليها قد أحاطوا بالسماوات والأرض ورؤوسهم تحت العرش.
(٨) إن الناس ينادون يوم القيامة من صخرة القدس لأنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا وإنها في وسط الأرض.
(٩) إن المطر ينزل من السماء كل عام بقدر واحد لا يزيد ولا ينقص.
(١٠) إن في العرش تمثال ما خلق الله في البرّ والبحر وذلك تأويل قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر: ٢١].

صفحة رقم 227

(١١) إن سدرة المنتهى شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كآذان الفيل. ينبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في القرآن ويسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها.
(١٢) إن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مر قومك يزنوا به.
(١٣) إن آدم نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وهي السندان والكلبتان والمطرقة والإبرة والميقعة وقيل إن معه كذلك المرو والمسحاة.
(١٤) اختلف في عدد عوالم الله فقيل إنها ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البرّ، وقيل ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البرّ ومثلها في البحر، وقيل ثمانية عشر ألفا منها عالم الدنيا عالم واحد، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء.
(١٥) لما أراد الله أن يخلق آدم أوحى إلى الأرض إني خالق منك خليقة منهم من يطيعني ومنهم من يعصاني فمن أطاعني أدخلته الجنة ومن عصاني أدخلته النار. قالت الأرض أتخلق مني خلقا يكون للنار. قال نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة. وبعث الله جبريل ليأتيه بقبضة منها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها قالت أعوذ بعزة الله الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا. فرجع جبريل إلى مكان وقال يا ربّ استعاذت بك مني فكرهت أن أقدم عليها فقال الله لميكائيل انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها قالت له مثل ما قالت لجبريل فرجع إلى ربّه فقال ما قالت له. فقال الله لعزرائيل انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها قالت له ما قالت لجبريل وميكائيل فقال وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا فقبض منها قبضة من جميع بقاعها من عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبيثها وصعد بها إلى السماء، فسأله ربّه وهو أعلم بما صنع فأخبره بما قالت له الأرض وبما ردّ عليها فقال الله وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك، ثم جعل الله تلك القبضة نصفها في الجنة ونصفها في النار ثم تركها ما شاء الله ثم أخرجها فعجنها طينا لازبا

صفحة رقم 228

مدة ثم حمأ مسنونا مدة ثم صلصالا «١» ثم جعلها جسدا وألقاه على باب الجنة.
فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته لأنهم لم يكونوا رأوا مثله. وكان إبليس يمرّ به ويقول لأمر ما خلق هذا. فنظر إليه فإذا هو أجوف فقال هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة إن فضل عليكم ماذا تصنعون. قالوا نطيع ربنا ولا نعصاه. فقال إبليس في نفسه لئن فضّل علي لأعصينه، ولئن فضلت عليه لأهلكنه. فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم فنظرت فرأت مدخلا ضيقا فقالت يا ربّ كيف أدخل هذا الجسد قال الله ادخليه كرها وستخرجين منه كرها، فدخلت يافوخه فوصلت إلى عينيه فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه فعطس فلما بلغت لسانه قال الحمد لله ربّ العالمين، وهي أول كلمة قالها فناداه الله رحمك ربك يا أبا محمد، ولهذا خلقتك. ولما بلغت الروح إلى ركبتيه همّ ليقوم فلم يقدر فقال الله خلق الإنسان من عجل. فلما بلغت الساقين والقدمين استوى قائما بشرا سويا لحما ودما وعظاما وعروقا وعصبا وأحشاء وكسي لباسا من ظفر يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم.
(١٦) إن الملائكة الذين ذكروا في آية البقرة [٣٠] هم الذين كانوا في الأرض. وذلك أن الله خلق الأرض والسماء وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا دهرا طويلا، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا واقتتلوا فبعث الله عليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجان ورأسهم إبليس وهم خزان الجنان فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى جزائر البحار وشعاب الجبال، وسكنوا الأرض، وخفف الله عنهم العبادة، وأعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان رئيسهم وأكثرهم علما. فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة. فدخله العجب وقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال له ولجنده إني

(١) يظهر أن القائل أراد أن يوفق بين التعابير القرآنية حيث جاء في أحدها أن الله خلق البشر من طين لازب وفي أحدها من حمأ مسنون وفي أحدها من صلصال.

صفحة رقم 229

جاعل في الأرض خليفة بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة.
(١٧) كان إبليس من حي من الملائكة وقيل من الجن ممن يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هو بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون. وقيل إن إبليس يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين، وإن من أولاده لا قيس ولهاب والهفاف ومرة وزنبور وبتر والأعور ومطوس وداسم، ومنهم من يتولى إفساد الصلاة وآخر يتولى التنجيس وآخر يزين اللغو والأيمان الكاذبة وآخر يغري بالزنا فينفخ في إحليل الرجل وعجيزة المرأة.
وهذا قليل من كثير من هذا الباب مما يكاد يكون من عمد أكثر كتب التفسير القديمة، وفيه ما هو ظاهر من الإغراق والمفارقات ودلائل الجهل بما كان معروفا من الحقائق الكونية حتى ليدهش المرء من جوازه على علماء أعلام ونقلهم إياه بأساليب وسياقات تدل على أنهم مندمجون فيه ومنزلوه منزلة الحقائق أو على الأقل غير شاكين فيه ولا مكذبيه، وأنهم يرمون أو يرمي بعضهم إلى التوفيق بين مختلف الآيات والتعابير القرآنية وإلى شرحها وتعليل مداها، وفي ذلك ما هو واضح من أسباب التشويش على أهداف القرآن وصرف الذهن عن مراميه، وجعل كتب التفسير معرضا لكثير من المفارقات والمبالغات والمنتحلات والمدسوسات.
ومما هو جدير بلفت النظر أن بعض الباحثين والناظرين في القرآن بل ومفسريه من المتأخرين والمعاصرين قد ولعوا بمثل ذلك الولع مع تعديل اقتضته تطورات العلوم والمفاهيم، حيث نراهم يحاولون استنباط النواميس العلمية والفنية واستخراج نظريات الدورات الشمسية والقمرية والأرضية وكروية الأرض ونظام الأفلاك والمطر وأطوار النشوء ونمو الأحياء وانفتاق الأرض والسماء والذرة والكهرباء إلخ إلخ من بعض الآيات القرآنية، أو يحاولون تطبيق النظريات العليمة والفنية المتصلة بنواميس الكون والتكوين والشمس والقمر والسماء والأرض والحياة والكهرباء والبرق والرعد إلخ إلخ على بعض الآيات القرآنية ليدللوا على

صفحة رقم 230

احتواء القرآن أسس هذه النظريات أو نواتها مما أخذ يستفيض في الكتب والمجلات بل والصحف منذ أواخر القرن السابق. و «تفسير الجواهر» للشيخ طنطاوي جوهري الذي صدر في أوائل القرن الحاضر مثال عجيب لهذه المحاولات والتطبيقات.
والثغرة في هذا هو ما يفيده ويوهمه هذا الولع كما ذكرنا هذا في ما تقدم من أن ما ورد في القرآن من الإشارات والتنبيهات والتعابير مقصود لذاته وماهياته، وما يؤدي هذا إليه من صرف هذه الإشارات والتنبيهات والتعابير عن هدفها الوعظي والتدعيمي للدعوة أولا، ومن إخراج محتويات القرآن في نطاق هذا الهدف وقدسيته إلى نطاق الجدل والبحث والنفي والإثبات في حقائق النظريات العلمية والفنية الكونية، وما تتعرض له هذه النظريات من تبدل وتطور وجدل ثانيا، في حين أن تلك المحاورات أو بالأحرى التمحلات قائمة على الظن والتخمين ومنها ما هو متهافت جدا من جهة، وإن أسلوب الآيات القرآنية من جهة أخرى واضح الدلالة على اقتصار ما احتوته على الهدف المذكور، وعدم استهدافه التقريرات العلمية والفنية في ماهية الخلق والتكوين ونواميسهما، حيث هو أسلوب خطابي موجّه إلى مختلف طبقات الناس بقصد إيقاظ ضمائرهم ولفت أنظارهم إلى ما يقع تحت مشاهدتهم من مشاهد الكون العظيمة، وما يرونه من مظاهر نواميسه، وما يتمتعون به من مختلف تلك المشاهد وهذه النواميس في مختلف حياتهم على الوجه الذي يفهمونه منها، وتمتلىء أذهانهم بها، وبقطع النظر عن ماهياتها لذاتها، والتدليل بهذا الأسلوب العام الموجه إلى مختلف الطبقات على وجود الله وعظمته وقدرته وشمول حكمه وتصرفه ووحدته واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة وصحة الدعوة إليه وواجب طاعته في ما يأمر وينهى بواسطة أنبيائه وتنزيله مما يستطيع أن يلمسه كل من أنعم النظر في الآيات والفصول القرآنية.
وما أحسن ما قاله الإمام الغزالي في «تهافت الفلاسفة» من كلام قوي حكيم يتصل بهذا الموضوع حيث قال في صدد تقسيم مذاهب الفلاسفة «والقسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين وليس من ضرورة تصديق الأنبياء

صفحة رقم 231

والرسل منازعتهم فيه كقولهم إن خسوف القمر عبارة عن إمحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث إنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة، والسماء محيطة بها من الجوانب فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، وكقولهم إن كسوف الشمس معناه وقوع جرم القمر بين الناظر والشمس وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة. وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض. ومن ظنّ أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضعف أمره، فإن هذه الأمور تقوم على براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة في من يطلع عليها ويتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائهما إلى الانجلاء قبل وقوعهما، وإذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع. وضرر الشرع بمن ينصره بغير طريقه أكثر ممن يطعن عليه بطريقه وكما قيل عدوّ عاقل خير من صديق جاهل».
ونضيف إلى هذا أن عظمة شأن القرآن هي في روحانيته القوية النافذة وفي قوة هدايته الخالدة وفي ما احتواه من أسس ومبادئ ومثل عليا تستجيب لحاجات الإنسانية المتنوعة على كرّ الدهور ومتنوع الظروف، وإن الواجب الأعظم هو التزام حدود هذه الأسس والمبادئ والمثل وتجليتها وإزالة كل ما يشوش عليها ويعرقل بروزها أو إهماله والانصراف عنه.
- ٥- التشاد المذهبي في سياق التفسير:
خامسا: إن بعض المفسرين قد اتخذوا التفسير وسيلة من وسائل الجدل المذهبي وخاصة في علم الكلام. فقد تجاذبوا وتشادوا حول العبارات القرآنية التي جاءت عن ذات الله وصفاته وأفعاله وأعضائه ونزوله وعروجه واستوائه نفيا وتأويلا وإثباتا وتسليما. وقد تجاذبوا كذلك وتشادوا حول ما جاء عن أعمال الإنسان وسلوكه وإيمانه وكفره وذنوبه وحسناته وثوابه وعقابه واختلاف الناس الطبيعي أو

صفحة رقم 232

الخلقي، فقرر بعضهم قدرة الإنسان على العمل وكسبه إياه وقابليته الذاتية على التمييز بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح واختياره ما يختار منهما واستحقاقه الثواب والعقاب عدلا وحقا نتيجة لذلك وبقصد تنزيه الله عن الظلم والتناقض، في حين أن آخرين رأوا في ذلك تغايرا مع قدرة الله ومطلق تصرفه ونقضا لعلمه الأولي ولكونه المؤثر الحقيقي في كل شيء فقرروا أن أفعال الإنسان مكتوبة عليه في الأزل لا معدى له عنها، وإن الله لا يسأل عما يفعل، وإنه لا يصح أن يقاس ما يجريه بمقياس البشر في الحسن والقبيح والعدل والظلم إلخ، وقد تجاذبوا وتشادوا حول ما ورد من عبارات في توبة التائب وغفران الذنوب بدون قيد فقرر بعضهم أنه لا غفران بدون توبة وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار وأن الله كتب على نفسه قبول التوبة فصار واجبا عليه قبولها، في حين أن آخرين قرروا أن الله لا يجب عليه نحو خلقه شيء وأنه يغفر لمن يشاء ما يشاء دون قيد وشرط، وأن المؤمن لا يخلّد في النار ولو كان صاحب كبيرة. وتجاذبوا وتشادوا في ما يجوز على الله وما لا يجوز وما يجب وما لا يجب في عصمة الأنبياء المطلقة وإمكان صدور الأخطاء منهم ووقوع السحر عليهم، وفي المفاضلة بينهم وبين الملائكة، وفي عصمة الملائكة المطلقة وإمكان صدور الهفوات والأخطاء عنهم، وفي خلق القرآن، وفي صفات الله وكونها ذات الله أو غير ذاته، وفي إمكان رؤية الله أو رؤية الجن والملائكة إلخ من المسائل الكلامية الخلافية الكثيرة.
واستند كل فريق إلى آيات قرآنية تؤيد رأيه في كل مسألة من تلك المسائل، وأول ما استند إليه الفريق الآخر من الآيات التي يتعارض ظاهرها مع رأيه، واستغرق الفريقان في الجدل والتشاد والتجاذب كل يؤيد مذهبه ويندد بالمذهب المخالف حتى خرجا في أحيان كثيرة عن وقار العلم بما وجّهوه إلى بعضهم من الشتيمة والتسفية والغمز والانتقاص بل والتكفير، وحتى يبدو للذي ينعم النظر أن كلا الفريقين يصرف أحيانا الكلام عن وجهه الحق ويتجوز ويتكلف فيه عصبية للحزبية المذهبية إن صحّ التعبير مع أن كلا منهم في الأصل صادق الإيمان والإخلاص مستهدف تنزيه الله وتوقيره.

صفحة رقم 233

وفي تفسير «الكشاف» للزمخشري وهو من أعلام علماء القرن السادس الهجري ويمثل مذهب الاعتزال أو ما يسميه مذهب أهل العدل والتوحيد وفي تعليقات القاضي ابن المنير عليه وهو من علماء القرن السابع ويمثل مذهب الأشاعرة من أهل السنة أمثلة كثيرة على ذلك حتى ليصح أن يقال إن التفسير والتعليق قد استهدفا هذه الوجهة في الدرجة الأولى.
يقول الزمخشري في سياق تفسير جملة الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]، وتخبط الشيطان من زعمات العرب، حيث يزعمون أن الشيطان يتخبط الإنسان فيصرعه، ثم يستطرد فيقول ورأيت لهم- ويقصد أهل السنة- قصصا وأخبارا وعجائب في الجنّ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات، فيعلّق ابن المنير على هذا القول فيقول إنه على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية- يعني المعتزلة- في زعماتهم المردودة بقواطع الشرع فاحذرهم قاتلهم الله.
ويقول الزمخشري في سياق تفسير جملة كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ [الأنعام: ٧١]، إن هذا جاء على ما كانت تزعمه العرب فيعلق ابن المنير قائلا ومن أنكر استيلاء الجنّ على بعض الإناس واستهوائهم حتى يحدث من ذلك الخبط والصرع فهو ممن استهوته الشياطين في مهامه الضلال الفلسفي.
ويقول الزمخشري في سياق تفسير جملة إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [النساء: ١٧]، بوجوب قبول التوبة على الله فيعلق ابن المنير قائلا إنه إطلاق يتقيد عنه لسان العاقل ويقشعرّ منه جلده استبشاعا لسماعه ويتعثر القلم عند تسطيره. على أن من لطف الله أنه لم يجعل حاكي الكفر كافرا وحاكي البدعة لضرورة ردّها مبتدعا.
ويقول الزمخشري في سياق تفسير جملة يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة: ١٧١]، إن غلوهم كغلوّ الأشاعرة في جعلهم لله صفات أفعال فهم كالنصارى، فيردّ عليه قائلا إن التشبيه بهم أولى، فالنصارى غلوا فجعلوا الإله ثلاثة ولكن المعتزلة غلوا فجعلوا كل آدمي خالقا وشريكا لله.

صفحة رقم 234

وفي سياق تفسير معنى استواء الله ووجهه ويده ونزوله وعروجه يورد الزمخشري الأبيات المشهورة:

وجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري مؤكفة
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة «١»
فيورد ابن المنير ردا عليه الأبيات التالية:
وجماعة كفروا برؤية ربّهم حقا ووعد الله ما إن يخلفه
وتلقبوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
ويذكر الزمخشري رواية عن طاووس التابعي جاء فيها أنه طرد رجلا من مجلسه يقول بالقدر فقيل له هذا فقيه فقال إبليس أفقه منه لأنه قال فيما أغويتني وهذا يقول إني أغوي نفسي، ثم يقول إن الرواية من تكاذيب المحيرة الذين بلغ بهم من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين، فيرد ابن المنير فيقول إن كلامه حيدان عن العقيدة الصحيحة، وإن ذنب أهل السنة أنهم يؤمنون بخالق واحد في حين أن القدرية يتهالكون حتى ليشركوا كل شخص مع الله في الخلق.
ويحمل الزمخشري على الأشاعرة في سياق تفسير جملة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ [الحج: ٣]، فيقول وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت هذا دخولا أوليا، بل هم أشد الشياطين ضلالا وأقطعهم لطريق الحق حيث دونوا الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم.
ويندد بخصومه في صدد تفسير جملة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤] فيقول إن أهل الأهواء والبدع يتصامون عن آيات الله فيخبطون خبط عشواء ويطيبون لأنفسهم بما يفترون على ابن عباس في قولهم هذا، وإن انتظار
(١) منحوتة عن جملة «بلا كيف» يعني أن الأشاعرة يقولون إن الله استوى إلى العرش ولكن دون أن يعرف أحد كيفية هذا الاستواء.

صفحة رقم 235

الغفران بدون توبة وانتظار الشفاعة بدون سبب غرور وحمق وجهالة.
وفي إحدى المناسبات يشبه ابن المنير المعتزلة بالمشركين ويقول إنهم يقولون هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا حيث يثبتون خالقا غير الله ولا يأنفون عن إثبات رازق غيره فأنّى يؤفكون.
وفي سبيل الهوى المذهبي يصرف الزمخشري جملة وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ٦٤]، إلى معنى جرحه الله بمخالب قدرته.. ثم ينسى هذا فيقول في سياق آية وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣]، أسمعه الله كلاما وحروفا وأصواتا خلقها في ما حوله.
وبينما يؤول الزمخشري (عرش الله) في سياق آيات عديدة بعظيم قدرته وملكه يقول في سياق آية وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هود: ٧]، إن فيها لدليلا على أن العرش والماء قد خلقا قبل السماوات والأرض، فيعترف بذلك بوجود مادي للعرش يناقض تأويله الأول.
وهذا قليل متنوع المدى من كثير جدا في «الكشاف» وتعليقات ابن المنير عليه يكفي لإيضاح ما قصدنا إليه. وليس معنى اكتفائنا بنقل ما جاء في «الكشاف» والتعليقات أنهما الوحيدان في هذا الباب، فإن المدقق في مختلف كتب التفسير كالخازن والبيضاوي وأبي السعود والرازي وغيرها يجد غمزات شديدة وخفيفة في مناسبة كثير من العبارات القرآنية، وتنبيهات على ما فيها من دلائل ضد مذهب مخالفيهم، أو على ما في استناد هؤلاء المخالفين إليها من وهن كما يجد توجيهات وتأويلات تتسق مع مذهبهم وتؤيده سلبا أو إيجابا وممن ذكرهم صاحب «الإتقان» على نمط الزمخشري في اتخاذ تفاسيرهم وسيلة إلى شرح مذاهبهم وتأييدها والطعن على غيرهم عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ والجبائي وعبد الجبار الرماني.
وهذا عدا ما احتوته الكتب الكلامية والخلافية والنحلية والمذهبية الأخرى من التشاد والتجاذب حول العبارات القرآنية وصرفها من جانب كل فريق إلى مذهبه

صفحة رقم 236

تقريرا أو تأويلا مما هو خارج عن مدى الموضوع الذي نحن بسبيل التنبيه عليه وإن يكن فرعا من أصل.
وليس يعنينا هنا بيان المصيب أو تأييد مذهب على مذهب، وإنما يعنينا الثغرة في الأسلوب، وبيان ما صارت إليه كتب التفسير بسببه من معارض تشاد وتسفيه ومهاترة وتكلف في صدد الجدل الكلامي.
ومع أن من المسلّم به أن النصوص القرآنية في حد ذاتها مستند للعقائد والأحكام والتشريع الإسلامي، إلا أننا نعتقد أن أصحاب المذاهب الكلامية والخلافية قد تكلفوا وتمحلوا في كثير مما تجاذبوا وتشادوا فيه على غير طائل ولا ضرورة، وإنهم حملوا العبارات القرآنية ما لا محل لتحميلها إياه ولا يقتضيه السياق الذي جاءت فيه، وإن هذا قد نشأ بنوع خاص من أخذهم إياها مستقلة لذاتها في حين تكون قد جاءت متصلة بسياق لا تفهم على وجهها إلا معه، وبمناسبة لا تلمح حكمة صيغتها إلا بملاحظتها، أو على سبيل التقريب والتمثيل، أو على سبيل التسلية والتطمين أو التنديد والتسفية أو الحجاج والإلزام أو الحكاية إلخ تبعا لتنوع الأساليب والمناسبات القرآنية ومواقف وأحداث السيرة النبوية مما يمكن أن يتبينه كل من أمعن النظر في المجموعات القرآنية التي وردت فيها العبارات التي تكون موضوع التشاد والتجاذب، وإن العبارات القرآنية إذا ما نظر فيها مع سياقها السابق أو اللاحق أو كليهما زال الموهم فيها واتسقت التقريرات والمعاني القرآنية، وإن محاولات أهل المذاهب الكلامية والخلافية هذه تجعل القرآن يناقض بعضه بعضا مما يجب تنزيهه عنه ومما هو منزه عنه فعلا بنصّ القرآن.
ومما يحسن إيراده هنا ما جاء في تفسير الرازي حيث قال في إحدى المناسبات إن الرافضة يعني الشيعة- قالت إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غيّر وبدّل، والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب المناظرات الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر. وإطلاق الرازي كلمته

صفحة رقم 237

يوهم أن الشيعيين جميعا يقولون هذا، وهو غير صحيح لأن الشيعة والإمامية خاصة تعترف بالقرآن الموجود بين دفتي المصحف اعترافا تاما، وقد نقلنا في مناسبة سابقة كلمة أحد أعلام مفسريهم القدماء الشيخ الطوسي في هذا الصدد، ولا يمنع هذا أن تكون إحدى فرقهم الغالية قد قالت هذا لأن من هذه الفرق من تعمّد هدم الإسلام والتشكيك في القرآن تعمدا. وعلى كل حال فإن كلمة الرازي صدى لما كان من تجاذب وتشادّ حول العبارات القرآنية في سبيل الخلاف المذهبي وتأييد لما نحن في صدده من ضرر ذلك وخطله، واعتباره ثغرة خطيرة في تفسير القرآن.
وما ذكرناه هو ما يتصل بالخلاف المذهبي الكلامي. وهناك تفاسير عديدة احتوت أشياء كثيرة مما يتصل بالخلاف الشيعي السني ومنها ما اتخذ وسيلة إلى تقريرات وتأويلات متصلة بهذا الخلاف، مما يمتّ إلى الثغرة التي نحن بصدد التنبيه عليها، ومما ينسحب عليه الكلام الذي قلناه آنفا بطبيعة الحال. ولقد أشرنا إلى بعض هذه التقريرات والتأويلات في مناسبات متنوعة، ونكتفي هنا بإيراد شيء منها منقول عن «تفسير التبيان» للشيخ الطوسي.
ففي سياق تفسير آية آل عمران المعروفة بآية المباهلة فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)، قال الشيخ دون استناد إلى حديث أو رواية ولما نزلت الآية أخذ النبي بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم دعا النصارى إلى المباهلة. ثم قال واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن أمير المؤمنين- يعني عليا- كان أفضل الصحابة من وجهين أحدهما أن موضوع المباهلة هو تمييز الحق من الباطل وذلك لا يصح أن يكون إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعا على صحة عقيدته وأفضل الناس عند الله، والثاني أنه جعله مثل نفسه بقوله وأنفسنا وأنفسكم والآية تدل على أن الحسن والحسين ابنا النبي بلا خلاف لأنها تقول أبناءنا وتدل على أن تعبير نساء النبي بقوله نساءنا قد صرف إلى فاطمة فقط،

صفحة رقم 238

وإذ جعل النبي أمير المؤمنين مثل نفسه وجب ألا يدانيه أحد في الفضل والإيثار به، ومتى قيل إنه أدخل في المباهلة الحسن والحسين مع كونهما غير بالغين وغير مستحقين للثواب، وإن كانا مستحقين للثواب لم يكونا أفضل الصحابة قال لهم أصحابنا إن الحسن والحسين كانا بالغين مكلفين لأن البلوغ وكمال العقل لا يفتقران إلى شرط مخصوص، وقد تكلم عيسى في المهد بما دلّ على كونه مكلفا عاقلا، وقد ذكر الشيخ في سياق آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:
٣]، أنه روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أن الآية نزلت بعد أن نصب النبي عليا علما للأمة يوم غدير خم منصرفه من حجة الوداع، كما ذكر في سياق آية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة:
٦٧]، أنه روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أن الله لما أوحى إلى النبي أن يستخلف عليا كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله هذه الآية تشجيعا له... والهوى الحزبي ظاهر البروز في ذلك كله.
- ٦- الولع بأسرار القرآن ورموزه ومنطوياته:
سادسا: إن بعض المفسرين والمشتغلين بالقرآن قد ولعوا بتخمين انطواء القرآن على أسرار ورموز، واستغرقوا في استقراء الحروف والكلمات والتراكيب القرآنية بقصد الكشف عن تلك الأسرار والرموز واتسع مجال التفريع والتكلف والإغراب في هذا المجال كثيرا.
ولعل أصل هذا الولع يرجع إلى بعض روايات في الحروف المتقطعة المنفردة التي جاءت في مطالع نحو ربع السور القرآنية مكية ومدنية. فمع أن القسم الأكبر من هذه المطالع قد أعقبه ذكر القرآن والكتاب وتنزيله وإحكامه وحكمته قسما أو بيانا أو تنويها أو تنبيها «١»، ومع أن روحها تلهم أنها جاءت بسبيل التوكيد

(١) هي سورة القلم وق وص والأعراف ويس وطه والشعراء والنمل والقصص ويونس وهود ويوسف والحجر ولقمان وغافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وإبراهيم والسجدة والبقرة وآل عمران والرعد. أما السور التي مطلعها حروف متقطعة منفردة ولم تعقب بالإشارة إلى القرآن فهي سورة مريم والروم والعنكبوت.

صفحة رقم 239

والتنبيه واسترعاء الأسماع إلى القرآن وآياته وعبره وحكمته وإحكامه مما قرره غير واحد من أعلام علماء القرآن من ابن عباس فما بعد ومما تطمئن إليه النفوس ويتسق مع مهمة الذي أنزل عليه القرآن وخطاب القرآن لجميع الفئات وتوكيده أنه واضح مبين لا عوج فيه ولا أمت ولا تعقيد ولا اختلاف فقد روى في سياق البحث في الحروف المذكورة رواية مفادها أن اليهود جاؤوا إلى النبي فسألوه عما أوتيه من عمر الدنيا فقال لهم «ال م» فحسبوها فجاءت (٧١) في الحساب المعروف بالحساب الجمل والذي هو حساب يهودي يقوم على ترتيب الأحرف الهجائية العبرانية (اب ج د هـ وز إلى آخره) فقالوا ثم ماذا فقال لهم (ال م) ثانية ثم (ال م ص) إلى آخر السور فحسبوا حساب الحروف جميعها فبلغ سبعمئة وكسورا من السنين «١» فأقروا بالأمر تسليما بأن النبي قد بعث بين يدي الساعة. ومع أن هذه الرواية ليست موثقة ولا يثبت مضمونها ومداها على نقد وتمحيص من وجوه عديدة فقد تنوقلت واستفاضت في جملة ما تنوقل واستفاض في مختلف كتب التفسير والقرآن.
ومثل هذه الرواية أقوال مروية أخرى معزوة إلى بعض الصحابة والتابعين ومستفيضة في كتب التفسير وليست هي الأخرى موثقة أو من شأنها أن تثبت على نقد وتمحيص ذكر فيها أن هذه الحروف ترمز إلى بعض أسماء الله وأسماء النبي، وأنها تحتوي أسرار القرآن وسرّ اسم الله الأعظم. ومن هذه الروايات روايتان أوردهما الرازي في سياق تفسير أول البقرة إحداهما معزوة إلى أبي بكر جاء فيها أن لكل كتاب سرا وسرّ القرآن في أوائل سوره، وثانيتهما معزوة إلى علي بن أبي طالب جاء فيها أن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي.
وهناك روايات وأقوال شيعية المصدر جاء في بعضها أن الحروف تحتوي رموزا للنبي وعلي والحسن والحسين، وفي بعضها أن كل مطلع من المطالع المتقطعة

(١) حساب الحروف جميعها يتجاوز الثلاثة آلاف والمائتين!.

صفحة رقم 240

يشير إلى دور من أدوار التاريخ المتصلة بالأئمة العلويين، ومن ذلك أن مطلع سورة آل عمران يشير إلى حادث الحسين ومطلع سورة الأعراف يشير إلى دور العباسيين. وقد نقل عن تفسير الطبري أن مطلع سورة الشورى يشير إلى أحداث تاريخية عظيمة في مدينتين من مدن المشرق وملكين من ملوكها، وقد ذكر السيوطي في «الإتقان» أن لمحمد بن حمزة الكرماني كتابا في مجلدين سماه «العجائب والغرائب» وضمنه أقوالا ذكرت في الحروف المتقطعة مثل (ح م ع س ق) مطلع سورة الشورى حيث ترمز الحاء إلى حرب علي ومعاوية والميم إلى الدولة المروانية والعين إلى الدولة العباسية والسين إلى الدولة السفيانية والقاف إلى الدولة المهدوية اللتين تظهران في آخر الزمان.
ثم اتسع القول في مدى هذه الحروف ودلالاتها الفنية والنظمية فتراءى للزمخشري مثلا بعض أسرارها، فهي نصف حروف المعجم، وعدد السور التي تبتدئ بها على قدر حروف المعجم، وهي تحتوي نصف الحروف المهموسة ونصف الحروف المجهورة، وتحتوي كذلك نصف الحروف المستعلية ونصف الحروف المنخفضة ونصف الحروف القلقة. وتراءى لصاحب كتاب البرهان على ما ذكره السيوطي في الإتقان أن كل سورة بدأت بحرف منها فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، وحق لكل سورة منها أن لا يناسبها إلا الحروف الواردة فيها، وذكر على سبيل المثال سورة ق حيث كان ذلك لأن حرف القاف قد تكرر كثيرا في كلمات السورة، وسورة ص حيث كان ذلك لأنها احتوت خصومات عديدة خصومة النبي مع الكفار وخصومة الخصمين أمام داود وخصومة أهل النار وخصومة إبليس، وسورة يونس حيث بدأت بحروف الألف واللام والراء بسبب تكرر هذه الحروف وخاصة الراء فيها إلى آخره، والتكلف شديد البروز وفي هذه الأقوال عند إمعان النظر كما أنها غير مطردة عند التطبيق حيث فيها النقص والزيادة والخلاف «١».

(١) نقول من قبيل الاستطراد إننا اطلعنا على بحث وجيز للأستاذ نصوح الطاهر تضمن تقرير كون الحروف المتقطعة تشير إلى عدد آيات السور. ولم نجد فيما جاء في مقاله الموجز شفاء يساعد على القطع برأي حاسم في صحة النظرية وبطلانها، ثم في صواب شمول الأمثلة لجميع السور ذات الحروف المتقطعة على ما يقول به صاحب النظرية. وقد تراءى لنا من الأمثلة الواردة أن هناك تجوزا وتحكما في حساب الآيات ودمج بعض السور في بعض وترجيحا بغير مرجح لروايات الآيات المدنية في السور المكية والآيات المكية في السور المدنية، ولروايات أخرى في صدد عدد وحجم بعض السور وإسقاط بعض سور مشابهة في مطلعها لسور أخرى كإسقاط سورة الحجر مع أنها تبدأ بجملة «الر» وإسقاط سورة الأحقاف مع أنها تبدأ بجملة «حم» وكل ذلك رغبة في التوفيق والتطبيق بسبب صدفة في حساب آيات أو وحدات وانطباق على حساب الروايات. وقد وعد الأستاذ بنشر البحث تاما شاملا لجميع السور «المبدوءة بالحروف المتقطعة والتي يقول إن نظريته وحسابه قد صح فيها جميعها فلننتظر وفاءه بما وعد حتى نتمكن من القطع في النظرية. وقد كتبنا هذا من قبيل الاستطراد وليس من شأنه أن يؤثر في البحث الذي بحثناه حول ما دار في صدد أسرار القرآن أو ألغازه أو رموزه وآثارها كما هو واضح.
الجزء الأول من التفسير الحديث ١٦

صفحة رقم 241

ثم اتسع القول فقال قائل إنه ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن، وإنه لو ضاع عقال بعير لوجدته في كتاب الله، واستنبط بعضهم عمر النبي ثلاثا وستين سنة من سورة المنافقون لأنها الثالثة والستون من السور وفق ترتيب المصحف وقد جاء فيها آية وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [١١] وقال قائل إن نصوص القرآن ليست على ظاهرها، وإن لها معاني باطنة محجوبة عن غير الواصلين والمعلمين، وقال قائل إن علوم القرآن خمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف علم أو سبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحدّ ومطلع وقال قائل إنه ما من كائن ويكون من أحداث الدنيا منذ بدئها إلى منتهاها إلا احتوت حروف القرآن وكلماته علمها وغيبها، وأنه احتوى جميع علوم الأولين والآخرين، وقال قائل إن لكل آية ستين ألف فهم وروى راو عن علي بن أبي طالب أنه لو أراد أن يوفر حمل سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن- يعني الفاتحة- لفعل، وفصل بعضهم وفود العلوم المستنبطة من القرآن استنادا إلى ما ورد من بعض كلمات لها صلة ما لغة أو معنى بعلم أو فن أو صناعة ما من العلوم والفنون والصناعات المعروفة فقال إن في القرآن أصل علم الهندسة

صفحة رقم 242

مستنبطا من جملة ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: ٣٠]، وأصل علم الجبر والمقابلة مستنبطا من أوائل السور التي فيها ذكر مدد أمم سالفة وأعوامها وأيامها وتواريخها وتاريخ ومدة أيام الدنيا وما مضى وما بقي بعضها ببعض، وأصل علم الطب مستنبطا من ثلاث آيات وهي آية الفرقان وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وآية الإسراء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [٨٢] وآية النحل يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [٦٩]. وأصل علم الهيئة مستنبطا مما ورد من ذكر ملكوت السماوات والأرضين وما بثّ في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات، وأصل علم المواقيت مستنبطا من آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج والمنازل، وأصل علم التنجيم مستنبطا من جملة أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف:
٤]، وأصل علم تعبير الرؤيا مستنبطا من قصة يوسف، وأصل علم الحساب مستنبط مما فيه من ضروب الجمع والقسمة والضرب والأعداد والموافقة والتأليف والمناسبة والتنصيف والمضافة، وأصل كل من علوم النحو والصرف والبيان والبديع والجدل والمنطق والتاريخ والقصص والقضاء والتشريع والفقه والفرائض مستنبطا مما فيه من قواعد صرفية ونحوية ونظم بياني وبديعي وجدلي ومنطقي وقصصي وتاريخ وأحكام وحدود وأنكحة ومواريث إلخ، وأصل صناعات التجارة والحدادة والزجاجة والقصارة والبناء والخياطة والصباغة والفلاحة والنحت والفخارة والكيالة والرمي والصيد والصياغة والملاحة مستنبطا من كلمات وآيات وردت فيها إشارات إلى هذه الصناعات أو ما يتصل بها «١».
ورأى مفسرو الشيعة وباحثوهم في كثير من آيات القرآن وعباراته إشارات ورموزا إلى علي وفاطمة والحسن والحسين مثل جملة مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [الرحمن: ١٩]، حيث ترمز إلى علي وفاطمة وجملة يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) نفس السورة، حيث ترمز إلى الحسن والحسين. وجملة

(١) جميع هذه الأقوال واردة في «الإتقان» للسيوطي.

صفحة رقم 243

أَلْفِ شَهْرٍ (٣) في سورة القدر، حيث ترمز إلى مدة الدولة الأموية. وجملة هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩]، حيث ترمز إلى علي وخصومته لدى ربّه مما وقع عليه من حيف في الخلافة، وجملة يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: ٣]، حيث ترمز إلى المهدي المنتظر، وجملة وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧]، حيث ترمز إلى الحسين، وجملة أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل: ٨٢]، حيث ترمز إلى علي يوم رجعته، وجملة وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: ٤٣]، حيث ترمز إلى علي، وجملة أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ [الشعراء: ٢٠٥]، حيث ترمز إلى الأمويين. وجملة سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: ٨٧]، حيث ترمز إلى الأئمة السبعة. وجملة حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً [الأحقاف: ١٥]، حيث ترمز إلى الحسين وفاطمة. وجملة وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف: ٦١]، حيث ترمز إلى المهدي. وجمل رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء: ٦]، وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا [النمل:
٨٣]، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر:
٥١]، رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر: ٢]. ووَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص:
٥]، حيث ترمز إلى الرجعة والدور الذي يكون فيه الأئمة الفاطميون أصحاب السلطان ويتمكنون فيه من الانتقام من خصومهم وسالبي حقوقهم. حتى إن الناظر في ما كتبه بعضهم ليجد أن كثيرا من محتويات القرآن مصروف إلى الأئمة وذرية فاطمة، ومحمول على تأييد أقوالهم ومذاهبهم وأئمتهم ورجعتهم وخصومهم وفيه من الغرائب والمفارقات العجيبة ما لا يتسع له أي حوصلة.
ولعل مما يتصل بهذا الباب ما أدير من الأقوال حول أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف فقد ورد عدة أحاديث في ذلك منها أن عثمان بن عفان وقف على المنبر فقال أذكر الله رجلا سمع النبي قال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف وكاف إلّا قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا فقال وأنا أشهد معهم، ومنها

صفحة رقم 244

عن ابن عباس أن النبي قال أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف. ومنها حديث نبوي رواه النسائي أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف، وفي حديث مروي عن أبي بكرة زيادة مفادها أنه لما بلغ سبعة أحرف نظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة. ومنها عن أبيّ عن النبي قال أرسل إليّ ربي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت عليه أن هوّن على أمتي فأرسل إليّ أن أقرأه على حرفين فرددت عليه أن هوّن على أمتي فأرسل إليّ أن أقرأه على سبعة أحرف. ومنها حديث آخر عن أبيّ قال لقي رسول الله جبريل فقال يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط قال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ومنها حديث ابن مسعود أن النبي قال كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا كل من عند ربنا.
ومنها حديث جاء في «الموطأ» قال عمر سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف يعني أتم صلاته ثم لبسته بردائه فجئت به رسول الله فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله أرسله ثم قال اقرأ فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله هكذا أنزلت، ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت ثم قال إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرأوا منه ما تيسّر.
فمع أن هذه الأحاديث المروية ومداها وظروفها بوجه الإجمال باستثناء حديث ابن مسعود الذي يتحمل نصّه التوقف والنظر أكثر من غيره لأنه لا يتسق مع سائر الأحاديث الواردة وفيه تقسيم وتصنيف علميين يشبهان تقسيم العلماء

صفحة رقم 245

المتأخرين عن عهد النبي كثيرا تلهم أنها في صدد التيسير والتسهيل في قراءة القرآن نطقا وأداء وعدم الإحراج والإعنات في ذلك وهذا مما قرره غير واحد من العلماء.
فإن البحث حولها اتسع حتى خرج عن هذا النطاق ودخل في نطاق آخر يتصل بما ذكرناه من التخمينات حول أسرار القرآن ومكنوناته وشموله. ولقد عدّ صاحب «الإتقان» خمسة وثلاثين قولا في هذه الأحاديث أقلها متصل بتسهيل القراءة وأكثرها من قبل تلك التخمينات كما ترى في هذه السلسلة:
١- سبعة أوجه للقراءة.
٢- سبعة أوجه يقع فيها تغاير في فتح ورفع وكسر وتقديم وتأخير وتخفيف وتشديد وإدغام.
٣- سبعة أنواع من الآيات: آية في صفات الله وآية تفسيرها في آية أخرى وآية بيانها في السنة الصحيحة وآية في قصة الأنبياء والرسل وآية في خلق الأشياء وآية في وصف الجنة وآية في وصف النار.
٤- سبع جهات من صفات الله.
٥- سبعة أنواع أخرى من الآيات آية في وصف الصانع وآية في إثبات الوحدانية له وآية في إثبات صفاته وآية في إثبات رسله وآية في إثبات كتبه وآية في إثبات الإسلام وآية في إثبات الكفر.
٦- سبع قراءات لسبعة من الصحابة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب.
٧- ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال.
٨- تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجع ولغات مختلفة كلها في واحد.
٩- سبعة ألفاظ عام أريد به الخاص وخاص أريد به العام، وعام أريد به العام وخاص أريد به الخاص ولفظ يستغني تنزيله عن تأويله ولفظ لا يعلم تأويله إلا الراسخون ولفظ لا يعلم تأويله إلا الله.

صفحة رقم 246

١٠- المطلق والمقيد والعام والخاص والنصّ والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وهذا قول الفقهاء.
١١- الحذف والصلة، والتقديم والتأخير، والاستعارة والتكرار، والكناية والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر، والظاهر والغريب وهذا قول علماء اللغة.
١٢- التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب والإقسام وجوابها، والجمع والإفراد والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات وهو قول علماء النحو.
١٣- الزهد والقناعة مع اليقين والجزم والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف، والرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضى، والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة والشوق مع المشاهدة وهذا قول الصوفية.
١٤- أمر ونهي وبشارة وإنذار وأخبار وأمثال.
١٥- علم الإنشاء، وعلم الإيجاد، وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم صفات العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات.
١٦- المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والخصوص والعموم والقصص.
١٧- سبع لغات لغة قريش ولغة اليمن ولغة جرهم ولغة هوازن ولغة قضاعة ولغة تميم ولغة طي.
١٨- سبعة أوجه إعراب للكلمة الواحدة حتى يكون المعنى واحدا وإن اختلف لفظا.
١٩- سبعة أحرف هي أمهات الهجاء وهي الألف والباء والجيم والدال والزاي والسين والعين.
٢٠- إن جبريل كان يكرر كل كلمة سبع مرات على سبعة أوجه.
٢١- تقرير كون القرآن نزل بمعان متسق مفهومها مختلف مسموعها حيث يجوز التغاير إذا لم تبدل كلمة عذاب بكلمة رحمة. وروى القائلون في معرض

صفحة رقم 247

تدليلهم على قولهم إن ابن مسعود كان يقرأ (امهلونا) مكان انْظُرُونا في سورة الحديد [١٣]، وأن أبيّا كان يقرأ (سعوا) بدل مَشَوْا في سورة البقرة [٢٠]، وأن ابن مسعود أجاز للقارىء أن يقرأ (طعام الفاجر) بدل طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) في سورة الدخان لأنه لم يكن يحسن النطق بكلمة الأثيم.
٢٣- التسهيل في التقديم والتأخير مثل جاءت سكرة الحق بالموت بدلا من وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ في سورة ق [١٩].
وواضح أن في كل ما ذكرناه في هذا المبحث ثغرات عديدة من شأنها التشويش على القرآن ومداه وعلى الناظر فيه والراغب في تفهمه، وصرف القلب عن روحانيته وأهدافه الوعظية والإرشادية والتذكيرية والتوجيهية، والاستغراق في هذه الناحية حتى تنقلب جمل القرآن وكلماته وحروفه إلى معادلات جبرية ورياضية وكيمياوية وتنجيمية ومنطقية وكلامية وجدلية إلى آخره مما يخرجه عن قدسيته ولا يتسق مع طبيعة توجيهه إلى مختلف طبقات الناس، وما تقتضيه هذه الطبيعة من عدم انطوائه على أسرار ورموز وغوامض غيبت عن فئة دون فئة، واختصت بها فئة دون فئة، كما لا يتسق مع نصوص القرآن الصريحة بأنه أنزل ليكون موعظة وهدى ورحمة للناس كافة، وبأن الناس جميعهم مدعوون إلى تفهمه وتدبره والتزام حدوده الإيجابية والسلبية، وهذا فضلا عن ما في الأقوال أو كثير منها من التكلف والتزيد والتجوز والتحكم، وعن ما يبدو في بعضها من آثار الخلافات الحزبية والسياسية والنحلية والمذهبية من جهة وعما يبدو في بعضها من جهة ثانية من مقاصد الدسّ على القرآن والإسلام من بعض النحل والفرق التي حرصت أن تبثّ في الأذهان أن التكليفات الشرعية معاني وأهدافا مكنونة تخالف ظاهرها، وأن تثير في النفوس نحو القرآن الشكوك والريب، وفضلا عن ما يبدو من جهة ثالثة من مقاصد التجزئة على التبديل والتغيير في نظم القرآن وكلماته من ناحية ما هناك من روايات الخلافات اللفظية والنظمية، ونكاد نجزم أن كثيرا من هذه الروايات الكثيرة جدا والواردة في مختلف كتب التفسير والقراءات والمعزوة إلى الصحابة، والتي

صفحة رقم 248

تدور في نطاق الألفاظ والنظم تبديلا وتقديما وتأخيرا وزيادة ونقصا ونحوا وصرفا مدسوس أو محرّف، وأنه يمتّ إلى هذه المقاصد الخبيثة على اعتبار أن صحة صدور القرآن عن النبي منوطة بوحدة اللفظ والنظم، وأن تشويه هذه الوحدة كفيل بالتشكيك في صحة صدور القرآن المتداول عن النبي، مع التنبيه على أننا لا نرى ما يمنع أن يكون بين المندمجين في هذه الروايات والتخمينات أناس ذوو نيات حسنة وطويات سليمة ومقاصد بريئة.
- ٧- الولع بالتفريع والاستطراد:
سابعا: إن بعض المفسرين قد ولع ولعا غريبا في التفريع والتقسيم والاستطراد إلى البحوث المتنوعة الآلية والعقلية والكونية والكلامية والطبيعية والفقهية والفلسفية.
والعلم البارز في هذا الباب من قدماء المفسرين الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب» وهذا الولع ليس من نوع الولع بالرموز والأسرار والمغيبات، وهذا ما جعلنا نفرد له نبذة خاصة.
وقبل كل شيء نريد أن ننبه على أن تفسير هذا الإمام من ناحية متناوله العلمي الأسلوبي القديم كنز غني ومعلمة كبرى يصح أن تكون مفخرة من مفاخر المؤلفين الإسلاميين وبما بلغوا إليه من رفيع المستوي في البحث والعلم وسعة الاطلاع وشموله وطول النفس، ولو أنه ألّف كتابه الذي يقع في أكثر من ستة آلاف صحيفة من القطع الكبير ذي الحرف الدقيق كمعلمة مرتبة على حروف الهجاء أو الكلمات أو المواضيع لكان عملا عظيما لا غبار عليه، ولكن الثغرة فيه أنه كتبه في صدد تفسير القرآن في حين أن الناظر فيه يكاد ينسى أنه يقرأ تفسيرا لكثرة التفريع وتعداد المسائل والوجوه وتوالي الاستطرادات التي كثيرا ما لا تكون متصلة بالموضوع القرآني إلا اتصالا لفظيا.

صفحة رقم 249

وفي الصفحات الأولى لهذا التفسير يبدو أن الدافع إليه هو الرغبة في تعداد كثرة المسائل التي تتفرع من كل فصل أو آية أو عبارة في القرآن فيقول المؤلف مثلا إنه قال إن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط منها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض ذوي الهمم القاصرة، ثم يأخذ يجمل في التعداد وفي أنواع المسائل وما تحتويه من وجوه وأمثلة حتى ينتهي به القول إلى أن الاستعاذة وحدها تحتوي عشرة آلاف مسألة، وأن البسملة وحدها تحتوي مثل ذلك، وأن الحمد لله رب العالمين تحتوي مثل ذلك، ثم يجمل فيقول إن سورة الفاتحة تحتوي ألف ألف (ميليون) مسألة أو أكثر وليس عشرة آلاف كما قرر أولا من باب التساهل، فربّ العالمين مثلا على أسلوبه تعني جميع المخلوقات السماوية والأرضية من ملائكة وسماوات وكواكب وأرضين وجنّ وإنس ودواب وطيور وهوام ومعادن ومياه وبحار ونباتات وأشجار وما يتصل بكل ذلك من عادات ونواميس ومعايش إلى آخره، حيث يبدو في هذا من الإغراق العجيب في التجوز والتوسع في سياق تفسير القرآن ما يثير العجب. ولقد بلغ عدد الصفحات الكبيرة التي فسر فيها سورة الفاتحة مئتين وستا وعشرين احتوت أكثر من مئة ألف كلمة أو بمقدار المصحف جميعه مرة ونصفا. فيذكر الكلمة من ناحية تركيبها الهجائي عكسا وطردا وتبديل مواقع حروف وثنائيا وثلاثيا ورباعيا وخماسيا وسداسيا، ثم من ناحية اشتقاقها ومعانيها في كل هذه التركيبات الهجائية والأوزان الصرفية، ثم من ناحية صرفها ونحوها ومداها الفلسفي والمنطقي والكلامي والجدلي والذهني والاستعمالي والحسي والنفسي والتصوري والفقهي، مع استعراض أقوال وافتراض أسئلة وإيراد ردود وأجوبة إلى آخره، فلا يلبث القارئ كما قلنا أن ينسى أنه يقرأ تفسيرا للقرآن وإنما معلمه فيها كل شيء مما حمل بعض العلماء على القول إن فيه كل شيء عدا التفسير.
وبنفس هذا الأسلوب الاستطرادي ذي النفس الطويل يتناول البحث في ماهية كل موضوع، سواء أكان ذلك من مشاهد الكون والخلق والتكوين، أم من مشاهد الآخرة أم من مواضيع الملائكة والجن والشياطين فيستعرض أقوال مختلف الفئات من طبيعيين والهيين وفلاسفة وملاحدة وفرق إسلامية في تلك المشاهد وهذه

صفحة رقم 250

المواضيع وأدلتهم واعتراضات خصوم كل فئة وفرقة وأدلتهم ويناقش ويجادل ويقرر ويصوّب ويخطىء.
وبنفس الأسلوب يدخل في بحوث جدلية كلامية فيورد أقوال مختلف الفئات والفرق وأدلتهم واعتراضاتهم على خصومهم ويناقش ويجادل ويقرر ويصوب ويخطىء أيضا.
ومع ما على كلام المؤلف من طابع الاستقلال بوجه عام وما تدل عليه استطراداته وتعليقاته واستدراكاته ومنقولاته من قوة العقل وسعة الأفق والنظر والمشاركة الواسعة في مختلف العلوم والمواضيع من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وجدل وفقه ورواية وفلسفة وطبيعيات وإلهيات إلى آخره فإن المدقق فيها يجد كثيرا من التكلف والتحكم والاضطراب والتخمين والمفارقة والمبالغة والإغراب في مواضع ومواضيع كثيرة يرى القارئ شيئا منها في بعض الأمثلة التي سننقلها عنه بعد قليل.
وهذا بالإضافة إلى نظره في القرآن جملة جملة وعبارة عبارة وسوقه التعليقات والاستطرادات على هذا الاعتبار في الأعمّ الأغلب، وإلى ما في كتابه في صدد القصص القرآنية من تعليقات فيها ما في كتب غيره من المبالغات والتهافت والمفارقات والإغراب، وإلى ما في كتابه مع طابع الرأي والشخصية من الأحاديث الكثيرة المعزوة إلى الصحابة والتابعين ومن الأحاديث النبوية التي أوردت في سياق التعليقات والاستطرادات ومناسبات النزول فيها شيء كثير لا يستند إلى أسناد موثقة ولا يثبت على النقد والتمحيص.
والكتاب جميعه أمثلة على ما قلناه آخذ بعضها برقاب بعض حتى إن الناظر فيه لا يجد أي صعوبة في تلقف الأمثلة في سياق أي جملة أو عبارة قرآنية. ومع أن نقل نماذج في هذا المقام مؤدّ إلى التطويل بسبب كثرة التداخل والتفريع والاستطراد وطول النفس فإننا رأينا أن نورد بعض المقتطفات الموضوعية مع مثال أسلوبي واحد:

صفحة رقم 251

(١) تساءل المؤلف في سياق جملة أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [البقرة:
١٩]، عن فائدة ذكر السماء مع أن الصيّب لا يكون إلا من السماء وأجاب بقوله إن ذلك لئلا يظن احتمال نزول الصيّب من بعض جوانب السماء دون بعض، فلما ذكرت السماء دلّ على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء جميعها. ثم استطرد فقال إن من الناس من قال إن المطر يحصل من ارتفاع أبخرة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى فذاك هو المطر فأبطل الله ذلك المذهب حيث بيّن أن الصيّب نزل من السماء، وأكّده في آيات أخرى مثل وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [الفرقان: ٤٨]، ووَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النور: ٤٣]، والتكلّف في التساؤل واضح كما أنه ربط في استطراداته نظرية ماهية المطر بنصوص قرآنية وفي هذا تعريض للقرآن للنقاش الجدلي.
(٢) قال في سياق تعبير يا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة: ٢١]، إنه روى عن علقمة والحسن أنهما قالا إن كل شيء في القرآن يبدأ بهذا النداء فإنه مكي وما ابتدأ بنداء المؤمنين فهو مدني. ثم قال إن القاضي قال إن هذا الذي ذكروه إن كان مرجعه النقل فمسلّم به وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين في المدينة على الكثرة دون مكة فهو ضعيف لأنه لا يجوز أن يخاطب المؤمنون مرة بصفتهم ومرة بجنسهم، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار عليها فالخطاب في الجميع ممكن. وغفل هو والقاضي ومن نقل عن علقمة والحسن أو هذان إذا كانا قالا القول الذي نقل عنهما عن واقعية وقطعية مدنية آيات فيها الخطاب بنداء المسلمين مثل آية النساء الأولى والآية [١٧٠] منها ومثل آية الحجرات [١٣] مثلا فأراد القائلون أن يحلوا المسألة بالمنطق أو التسليم بالنقل مهما كان بادي الوهن دون الواقع الراهن.
(٣) قال في سياق جملة الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة: ٢٢]، إنها دليل على أن الأرض ساكنة غير متحركة لا بالاستقامة ولا بالاستدارة فلو كانت

صفحة رقم 252

متحركة بالاستقامة لما كانت فراشا على الإطلاق لأن من ظفر من موضع عال يجب أن لا يصل إلى الأرض لأنها هاوية وذلك الإنسان هاو والأرض أثقل من الإنسان والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والإبطاء لا يلحق الإسراع فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشا.. أما لو كانت حركتها بالاستدارة فلا يمكن انتفاعنا بها لأن حركة الأرض إذا كانت إلى المشرق مثلا والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب الغرب فيجب أن يبقى في مكانه ولا يستطيع أن يصل إلى حيث يريد لأن حركة الأرض أسرع ولما أمكنه الوصول علمنا أن الأرض غير متحركة بالاستدارة أيضا.
(٤) تساءل عن أيّهما أفضل الأرض أم السماء في سياق آية البقرة [٢٢] فأورد أربعة أقوال لمفضلي السماء على الأرض هي: (١) إن السماء متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصى الله فيها أحد (٢) إن آدم لما ارتكب المعصية قيل له اهبط من الجنة وقال الله لا يسكن في جواري من عصاني (٣) إن ذكر السماء على الأغلب قد ورد مقدما والتقديم دليل التفضيل (٤) إن الله قال وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: ٣٢]، وتَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [الفرقان:
٦١]، ولم يذكر الأرض في ذلك، ثم أورد أقوال مفضلي الأرض وهي: (١) إن الله وصف بقاعا من الأرض بالبركة (٢) الله وصف جملة الأرض بالبركة (٣) إن الله خلق الأنبياء من الأرض (٤) إن الله كرّم الأرض بالخلق منها في حين أنه لم يخلق من السماء شيئا (٥) إن الله كرم نبيه فجعل له الأرض كلها مسجدا وجعل له ترابها طهورا.
(٥) ومما قاله في تعليل طلوع القمر وغيابه إن الله جعل في كلا الحالتين مصلحة، ففي غروبه نفع لمن هرب من عدوه فيستره الظلام ويخفيه فلا يلحقه طالب فينجو، وفي طلوعه نفع لمن ضلّ عنه شيء وأخفاه الظلام قبل الطلوع.
(٦) وقال فيما قاله في سياق جملة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.. [البقرة:
٣٠]، روي أن بني آدم عشر الجن وإن الجن عشر حيوانات البرّ وهؤلاء كلهم عشر

صفحة رقم 253

الطيور وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وعلى هذا الترتيب إلى السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق، وعدد سرادقات العرش ستمائة ألف وطول كل واحد وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة من البحر ولا يعلم عددهم إلا الله، ثم هؤلاء في مقابلة ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل والملائكة الذين هم جنود جبرائيل مثل ذلك. ثم استطرد فقال إنه قرأ في بعض الكتب أن النبي حين عرج به رأى الملائكة بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل جبريل أين يذهبون فقال لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سألوا واحدا منهم. مذ كم خلقت فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكبا كل أربعمائة ألف سنة فخلق الله مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف. وروى في سياق الجملة القرآنية المذكورة عن ابن عباس أن النبي بينما كان في ناحية ومعه جبريل إذ انشقّ أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا قال عليه السلام فأشار إليّ جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبدا نبيا فعرج ذلك الملك إلى السماء، فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل، قال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه وبينه وبين الرب سبعون نورا ما منها نور يدنو منه إلا احترق، وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فنظر إليه فإن كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به، قلت على أي شيء أنت يا جبريل قال على الرياح والجنود، قلت على أي شيء ميكائيل

صفحة رقم 254

قال على النبات، قلت على أي شيء ملك الموت، قال على قبض الأنفس، وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيامها..
وهذا مثال أسلوبي منه قال: إن جملة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:
٢١]، تحتوي مسائل (المسألة الأولى) طرز الخطاب وفيها فوائد: (الفائدة الأولى) تحريك السمع (الثانية) توجيه الخطاب (الثالثة) الانتقال من الغيبة إلى الحضور (الرابعة) الأمر بالتكليف. (المسألة الثانية) احتوت شرح كلمة الناس ومداها واشتقاقاتها. (المسألة الثالثة) في النداء فذكر وجوه النداء وموانعه أولا وثانيا وثالثا. (المسألة الرابعة) في حروف النداء. (المسألة الخامسة) في صلة النداء.
(المسألة السادسة) في الأمر الذي احتوته الجملة وفيها أبحاث: (الأول) حرف التعريف ومداه (الثاني) موضع الخطاب (الثالث) شموله وعدم شموله للسامعين (الرابع) مدى الأمر بالعبادة (الخامس) ما إذا كان يتناول الكفار (السادس) إنكار التكليف وأقوال المفكرين فأورد منها خمسة وردّ على كل منها (السابع) استثناءات شمول التكليف. (المسألة السابعة) سبب الدعوة للعبادة ومنها يستطرد إلى الجملة الثانية من الآية الَّذِي خَلَقَكُمْ وهذا الذي ذكرناه رؤوس أقوال فإن المؤلف قد شرح كل مسألة وكل بحث وكل فائدة احتوتها المسألة شرحا وافيا بإيراد الوجوه ووجوه الاعتراض والأقوال والأدلة والردّ عليها إلخ واستغرق الكلام على هذه الجملة وحدها وهي نصف آية خمس صحف كبيرة وهناك جمل كثيرة جدا استغرق الكلام عليها أكثر مما استغرقه الكلام على هذه الجملة، واستفاض الكلام فيها استفاضة أبعد عن الشروح اللغوية والنظمية، وجاء فيها استطرادات ضعيفة الصلة جدا بالجملة ومداها.
ونظن أننا في غنى عن القول إن هذا الأسلوب مشوش على الناظر في القرآن والراغب في تفهم مراميه ومبادئه واستيحاء توجيهاته وأحكامه وتلقيناته الكافلة لسعادة الدارين والتي هي الأصل والجوهر فيه وفي الدعوة التي قامت عليه!

صفحة رقم 255

وهذا فضلا عما فيه من مآخذ التكلف والتخمين والتزيد والإغراب وإيراد الأقوال والروايات المتهافتة والاستغراق في الجدل والماهيات الكونية والغيبية والعقائدية.
وإذا كنا اختصصنا تفسير الرازي بالكلام في هذه الفقرة فإننا لا نعني أنه هو وحده الذي سارع على هذا الأسلوب فهناك تفاسير عديدة وكثيرة التفريع والاستطراد إلى ما لا صلة له بتفسير القرآن إلا ما يمكن أن يكون من صلة بعيدة لغوية أو موضوعية ذكر «الإتقان» منها تفسير الثعلبي. وقد اطلعنا في إحدى مكتبات بورسة على تفسير مخطوط ضخم وعديد المجلدات اسمه العادلي ينحو مؤلفه هذا النحو.
ولعل «تفسير المنار» من التفاسير الحديثة مما يصح أن يسلك في هذا السلك. فقد صدر منه اثنا عشر مجلدا تبلغ صفحاتها نحو ستة آلاف من القطع الكبير والحرف الدقيق لتفسير اثني عشر جزءا من القرآن أي أن الله لو فسح في حياة مؤلفه العظيم وأتمه لبلغت صفحاته خمسة عشر ألفا أي أكثر من ضعف تفسير الرازي، ولعله يكون بذلك أضخم تفسير في القديم والحديث. وقد توسع مؤلفه في البحوث وأكثر من الاستطرادات والتفريعات والتعليقات والتزم في كثير منها أسلوب المناظرة وخاصة بين الإسلام والنصرانية ومبشري النصارى وكتابهم بحيث يكاد القارئ ينسى أنه يقرأ تفسيرا وبحيث يصعب التفرغ لقراءته، فأبعده ذلك فيما نعتقد عن أن يكون التفسير المثالي، مع أن التمحيص والتدقيق في بحوثه غالبان، والتكلّف والتهافت فيها قليلان: وقد نمّ عن فهم عميق لأهداف القرآن ومراميه، بحيث يعدّ بحق أحسن المؤلفات الإسلامية القرآنية الكبيرة وأقومها وأقواها وأشدها حرارة وحيوية. وهو من هذه الناحية معلمة إسلامية قرآنية عظيمة القدر من الخسارة أن يموت مؤلفها قبل إتمامها، وفرق كبير من ناحية التمحيص والتدقيق وقلة التكلّف والتهافت والإغراب بينه وبين تفسير الرازي وغيره من التفاسير الكبيرة القديمة والحديثة.

صفحة رقم 256

ولقد اطلعنا على تفسير حديث نشر معظمه للأستاذ المراغي «١» ومع أن قصد التحرز والتحاشي وعدم الإغراب والسير بأسلوب قريب المتناول على أوساط الأفهام ملموس فيه فإنه يأخذ كثيرا من الروايات والأقوال الضعيفة وغير المتسقة مع الآيات سندا أو كقضايا مسلمة ولا يندمج في جو القرآن ونزوله وبيئته، وليس فيه تلك الحرارة والحيوية اللتين تثيران الاهتمام والشوق فضلا عن تفصيلات كثيرة لا طائل من ورائها أدخلته في عداد كتب التفسير الضخمة التي لا تسمح لكثير من الراغبين بالإحاطة به واستيعابه حيث تبلغ صفحاته نحو سبعة آلاف ونيفا، وكل ذلك لا يجعله تفسيرا مثاليا فيما نعتقد.
- ٨-[بحوث وآراء حول القرآن]
بالإضافة إلى ما شرحناه من الثغرات وأوردناه من التعليقات والمآخذ حول كل مبحث من مباحث هذا الفصل فإن هناك بحوثا وآراء دارت حول القرآن، وكانت فيما يتبادر لنا مظاهر عامة مشتركة بين هذه الثغرات يصح أن تشرح وأن يعلق عليها في هذا المقام.
روايات نزول القرآن جملة واحدة وأثرها:
فأولا: من ذلك الآثار المروية بأن القرآن قد نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا ثم صار ينزل على النبي خلال مدة حياته بعد بعثته. فالذي يبدو لنا أنه كان لهذه الآثار أثر قليل أو كثير في بعض الثغرات التي ذكرناها أو بالأحرى في أكثرها، بحيث صارت عاملا بين حين وآخر وبقصد وغير قصد في إغفال صلة الفصول القرآنية بالسيرة والبيئة النبوية، ومفهوم الأساليب الخطابية العربية ومدارك سامعي القرآن ومألوفاتهم ومتداولاتهم وعاملا كذلك في إسباغ معان خاصة أو مستقلة على

(١) هو غير المرحوم شيخ الأزهر.
الجزء الأول من التفسير الحديث ١٧

صفحة رقم 257

الألفاظ والأساليب القرآنية، واستخراج معان خاصة منها تباعد بيننا وبين نزول القرآن وجو البيئة النبوية التي تتصل بالقرآن ونزوله وأساليبه وألفاظه اتصالا مباشرا ووثيقا على ما شرحناه في مناسبة سابقة.
ومع أن من العلماء من توقف في التسليم بمدى هذه الآثار ورأى فيها تعارضا مع ما في القرآن من ناسخ ومنسوخ وجدل، وقال إن القرآن كان ينزل على قلب النبي من عند الله منجما حسب الحوادث فإن كثيرا منهم أخذوا بها كما يبدو من التدقيق في مختلف الكتب والتفاسير القديمة التي كانت عماد كتب التفسير التالية قليلا أو كثيرا، ومنهم من جمع بين الأخذ بها وبين القول بنزول القرآن حسب الحوادث معا، وجل هذه الآثار إن لم يكن كلّها منسوب إلى ابن عباس مع اختلاف في النصوص والطرق:
١- فقد أخرج الحاكم من إحدى الطرق عن ابن عباس أنه قال: «أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢].
٢- وأخرج الحاكم كذلك بطريق أخرى عن ابن عباس أنه قال «فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي»
.
٣- وأخرج الطبراني من إحدى الطرق عن ابن عباس قال «أنزل القرآن في ليلة القدر إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما».
٤- وأخرج الطبراني كذلك عن ابن عباس من طريق أخرى أنه قال «أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد بجواب كلام العباد وأعمالهم».
٥- وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس «أن القرآن دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة ثم جعل ينزله تنزيلا».

صفحة رقم 258

٦- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال «نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة ونجمه جبريل على النبي عشرين سنة». وقد سيقت هذه الروايات في سياق هذه الآيات:
١- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥].
٢- إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان: ٣].
٣- إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١].
ووردت متقاربة المدى مع بعض التباين في الصيغة في التفسير المنسوب إلى ابن عباس وفي تفاسير عديدة مثل الطبري و «الكشاف» والخازن وأبي السعود والبيضاوي جريا على العادة من اتخاذ المفسرين الروايات الواردة في أغلب الأحيان عمادا للتفسير مهما كان أمرها ورواتها على ما شرحناه في مناسبة سابقة.
ولم يقتصر الأمر على الروايات المعزوة إلى ابن عباس فإن بعض العلماء رووا روايات وقالوا أقوالا أخرى في الموضوع فقال أبو شامة وهو من علماء القرآن باحتمال أن يكون القرآن قد أنزل إلى السماء قبل نبوة النبي. وروي عن عكرمة أنه قال إن آية فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥]، تعني نزول القرآن منجما من السماء الأولى.
وعلّق بعض العلماء والمفسرين على ما تضمنته الروايات تعليقات تطبيقية وتوفيقية على اعتبار أنها قضية مسلمة فقال أبو شامة إن السرّ في إنزاله إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما حسب الوقائع لهبط به الأرض جملة واحدة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين بإنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا.. وقال الحاكم والترمذي أنزل القرآن جملة واحدة إلى

صفحة رقم 259

سماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد، وذلك أن بعثة محمد كانت رحمة فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد وبالقرآن فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حدّ الدنيا ووضعت النبوة في قلب محمد، وجاء جبريل بالرسالة ثم بالوحي، كأنه تعالى أراد أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله.. وقال السخاوي إن في إنزاله إلى السماء جملة واحدة تكريما لبني آدم وتعظيما لشأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم، ولهذا أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيع سورة الأنعام «١»، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السفرة الكرام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له، وفيه تسوية بين نبينا وبين موسى في إنزاله كتابه جملة، والتفضيل لمحمد في إنزاله جملة ومنجما..! وجاء في تفسير الخازن في سياق سورة القدر وبعد إيراد الروايات المذكورة سابقا: قيل إنما أنزله إلى سماء الدنيا لشرف الملائكة بذلك ولأنها كالمشترك بيننا وبين الملائكة فهي لهم سكن ولنا سقف وزينة، وذكر السيوطي في إتقانه أنه ورد في تفسير النيسابوري أن جماعة من العلماء قالوا نزل القرآن جملة ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة فحفظ جبريل وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمرّ بهم جبريل وقد أفاقوا وقالوا ماذا أنزل ربكم قالوا الحق يعني القرآن وهو معنى قوله تعالى حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣]، فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه على السفرة الكتبة يعني الملائكة وهو معنى قوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) [عبس ١٥- ١٦]، وآية سبأ جاءت في سياق مشهد من مشاهد الآخرة وفيه إنذار وتنديد بالكفار وحكي فيه موقف من مواقف الجدل بينهم وبين النبي ولا صلة قط بينه وبين المعنى أو المشهد الذي أورده النيسابوري، وفي هذا مثل آخر لأخذ المفسرين الآيات آية أو جملة من آية وعدم ملاحظتهم السياق الذي جاءت فيه.. ومنهم من ناقش ما إذا كانت جملة

(١) هناك حديث روي عن النبي بذلك.

صفحة رقم 260

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] من جملة القرآن الذي نزل جملة واحدة أم لا لأنها تتضمن إخبارا وتوهم التعارض، ثم خرجوها بأن معنى أنزلناه في الجملة قضيناه وقدرناه «١».
كل هذا في حين أن هذه الأقوال وخاصة المعزوة إلى ابن عباس وهي الأصل فيها ليست مرفوعة إلى النبي، وهي أخبار عن غيب متصل بعلم الله وسرّ ملكوته ووجوده لا يمكن العلم بها إلا عن طريق النبي وهو ما لم يثبت فيما اطلعنا عليه، ونستبعد صدورها عن ابن عباس لما فيها من تخمين في أمر لا يصح أن يلقى الكلام فيه جزافا ومن غير سند نبوي ثابت أو صراحة قرآنية.
وفي الروايات الوثيقة الواردة أن الوحي نزل لأول مرة على النبي بأول آيات القرآن في ليلة من ليالي رمضان وهو معتكف في غار حراء على عادته من الاعتكاف في هذا الشهر، وما احتوته آيات البقرة والدخان والقدر هو فيما نعتقد إشارة إلى هذا الحادث، وقد جاءت كلمة القرآن في أوائل سورة المزمل التي هي من أوائل القرآن نزولا ثم ظلت تتكرر في السور المكية والمدنية وكانت تعني بطبيعة الحال الجزء الذي تم نزوله على قلب النبي، وفي هذا دليل على أن تعبير إِنَّا أَنْزَلْناهُ في آيتي الدخان والقدر وجملة شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ في آية البقرة [١٥٨] لا تقتضي أن تكون قصدت جميع القرآن مما يمكن أن يكون محل إشكال أريد تخريجه على الوجه الذي خرج به.
ولقد أورد السيوطي في إتقانه حديثا نبويا برواية واثلة بن الأسقع جاء فيه أن النبي قال إن التوراة نزلت لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة والزبور لثمان عشرة والقرآن لأربع وعشرين خلت منه، وسيق هذا الحديث في معرض تلك الآيات والروايات والأقوال، ومهما يكن من أمره فليس من شأنه على فرض صحته أن يؤيد تلك الأقوال والروايات لأنه ليس فيه صراحتها، وليس من المستبعد أن يكون أريد به الإشارة إلى أول نزول الكتب السماوية بما فيها القرآن كما هو الواقع

(١) الأقوال التي أوردناها قد ورد جلّها في «الإتقان» للسيوطي.

صفحة رقم 261

المروي في الأحاديث الصحيحة بالنسبة إلى القرآن.
ومن الطريف أن بعض المعلقين استنبط على ما ذكره السيوطي من عدم الرد على الكفار فيما تحدوه من إنزال القرآن جملة واحدة صحة ما قيل من أن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة وقال إنها لو لم تكن نزلت جملة واحدة لكان القرآن ردّ على المتحدين.
وإذا كان بعض العلماء توقف في ما إذا كانت جملة إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] هي من جملة القرآن الذي نزل جملة واحدة أم لا لأنها تتضمن إخبارا وتوهم التعارض فكم بالأحرى الآيات الكثيرة المماثلة ثم الفصول الكثيرة جدا الواردة في مختلف السور والتي تحكي حجاج الكفار وجدلهم في القرآن وتحديه أو تحكي مواقف الكفار من الدعوة النبوية ومن إنذارات القرآن وتبشيراته باليوم الآخر وحسابه وثوابه وعقابه، وهزؤهم بالنبي وتحديه بإحداث المعجزات وإنزال الملائكة إلخ، ثم التي تحكي وقائع السيرة الجهادية والتشريعية، ثم التي تندد بالكفار وتصور عنادهم وتحتم لهم الخلود في النار وتلك التي تذكر إسلام كثير منهم وتوبة الله عليهم وانتقالهم من صف الكفار إلى صف المسلمين ومن مصير الخلود في النار إلى الخلود في الجنة وأمثال ذلك مما كان يقع نتيجة لسير الدعوة وظروفها الطارئة ومما يغلب عليه طابع الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسسه ودعوته. ولا ندري كيف سوغ القائلون لأنفسهم بعد هذا أن يقولوا إن القرآن- وهم يعنون جميع ما بين الدفتين من أسس ووسائل- قد نزل جملة واحدة يوم بعثة النبي أو قبله.
وعلى كل حال فإن ما ساقه القائلون في حكمة إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء عند بدء النبوة أو قبلها وكذلك ما علقوا به من تعليقات هي الأخرى أقوال تخمينية، وفيها من التكلّف والتزيد بل والتهافت ما يستطيع أن يلمسه المدقق الذي ينعم النظر، وأن القول في أصله يظل غير مفهوم الحكمة، وغير متسق مع طبائع الأمور وحقائق الأشياء، ولقد غاب عنهم فيما يتراءى لنا أن القرآن بصفته وحي الله

صفحة رقم 262

قد تحققت فيه جميع معاني التعظيم والتفخيم والتكريم، وإنه ليس في حاجة إلى المزيد بمثل هذه المظاهر كما غاب عنهم أنهم يقررون ماهيات مادية عن السماء الأولى وبيت العزة والحفظة والسفرة والتوزيع على جبريل وتلقي جبريل عنهم، ويصفون مشاهد إبصارية لا يصحّ إلقاء الكلام فيها جزافا، وليس عندهم أي دليل نقلي ثابت وصحيح صادر عن النبي الذي هو وحده صاحب الحق في الإخبار عن الغيبيات.
ومهما يكن من أمر فإن هذه الأقوال تدل على أن كثيرا من الناظرين في القرآن وعلمائه ومفسريه اعتبروا أو يقع الوهم بأنهم اعتبروا القرآن- ومن جملته الفصول الوسائلية والتدعيمية والوقائع الجهادية والأسئلة والأجوبة ومواقف التحدي والجدل والحجاج المتقابلة- مستقلا في أصله عن الأحداث التي نزل بمناسباتها، وكون هذه الأحداث ليست إلا ظروفا عابرة لنزوله حتى مع قولهم إن القرآن قد نزل منجما حسب الحوادث- لأن هذا يبدو غريبا إزاء القول إن القرآن نزل في بدء نبوة النبي أو قبلها جملة واحدة إلى سماء الدنيا- فقالوا ما قالوه وولعوا بما ولعوا به من أسرار القرآن، واستقراء حروفه ورموزه ومغيباته، واستغرقوا في ماهيات ما جاء فيه من مشاهد كونية وقصص تاريخية، وحاولوا أن يستخرجوا حقائق ما كان ويكون من الوقائع والعلوم ونظرياتها، وفي هذا ما فيه من التكلّف والتجاوز والتشويش وتعريض القرآن للمغامز والمطاعن في حين أنه لا طائل من ورائه ولا ضرورة له ولا أسناد وثيقة تدعمه.
- ٩- روايات نزول القرآن بالمعنى وأثرها:
ثانيا: ومن ذلك ما قاله بعض العلماء من نزول القرآن على قلب النبي بالمعنى لا باللفظ. فقد ذكر صاحب «الإتقان» هذا الموضوع في فصل كيفية نزول القرآن على قلب النبي بالمعنى لا باللفظ. فقد ذكر صاحب «الإتقان» هذا الموضوع في محل كيفية نزول القرآن، وقال إن هناك أربعة أقوال: (١) إنه نزل باللفظ

صفحة رقم 263

والمعنى وإن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به. (٢) إن جبريل إنما نزل به بالمعاني خاصة وإن النبي علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب، واستند قائلو هذا القول بظاهر قوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٣- ١٩٤]. (٣) إن القرآن ألقي إلى جبريل بالمعنى وإنه عبر عن المعاني بالألفاظ العربية وبها نزل على النبي، وإن أهل السماء يقرأونه بالعربية. (٤) إن الوحي نزل باللفظ حينا وبالمعنى حينا فما نزل باللفظ فهو القرآن وما نزل بالمعنى فهو السنّة، أي أن الأحاديث النبوية هي أيضا وحي رباني ولكنها نزلت بالمعنى، وعلّل أصحاب هذا القول إنه كان يقصد التخفيف عن الأمة، ولذلك جازت رواية الأحاديث النبوية بالمعنى.
ويلاحظ أن هذه الأقوال تخمينية، ولم يورد قائلوها أسنادا موثقة لها في حين أن الموضوع متصل بسرّ وحي الله وسرّ النبوة كذلك، فهو أمر غيبي إيماني لا يصح قول شيء فيه إلا بنصّ صريح من قرآن أو حديث ثابت عن النبي، وما دام أنه لم يرد شيء من ذلك، وإن النبي قد بلغ القرآن الموحى به إليه بألفاظه العربية التي دوّنت وحفظت عنه بالتواتر اليقيني فليس من محل للقول إن القرآن أوحي إليه بالمعنى كما أنه ليس من ورائه طائل، وإن الحق في هذا هو ما يتسق مع الواقع وحسب وهو أن ما بلغه النبي من ألفاظ القرآن هو ما نزل الوحي به على قلبه، وأنه لا يصح أن يعدل عن هذا إلى غيره بالظنّ والتخمين.
على أن النصوص القرآنية هي في جانب ما نقول أيضا أكثر منها في الجانب الآخر أو في جانب السكوت. فآيات يوسف [٢] والزخرف [٣] والزمر [٢٨] وفصلت [٣ و ٤٤] التي تذكر تنزيل القرآن عربيا وجعله عربيا- وقد نقلناها في مناسبات سابقة- تحتوي قرائن بل دلائل قوية على قصد تقرير كون الألفاظ العربية التي بلغها النبي هي ما نزل الوحي به على قلبه.
ومن الغريب أن القائلين بنزول القرآن بالمعنى استندوا إلى آيتي الشعراء:
[١٩٣- ١٩٤] اللتين نقلناهما وغفلوا عن ما بعدها بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)، كما

صفحة رقم 264

هي العادة من أخذ آية دون آية ودون سياق للتدليل بهما على رأي ما، في حين أن بعدهما أي الآية [١٩٥] يحتوي ما ينقض ذلك بصراحة، ومن الغريب أكثر أن لا يحتج القائلون بنزول القرآن بألفاظه بهذا النصّ القرآني الصريح القاطع.
ومما يجدر التنبيه عليه في هذه المناسبة أن القول بأن الأحاديث النبوية مما كان ينزل به الوحي بالمعنى على إطلاقه لا يتسق مع الواقع والنصوص القرآنية.
فقد احتوت آيات عديدة عتابا للنبي على بعض الحوادث والوقائع والمواقف والأقوال التي صدرت منه بل وعلى بعض الأفكار والخطرات التي دارت في ذهنه في العهد المكي والعهد المدني على السواء مما تشير إليه آيات سورة عبس: [١- ١٠] والإسراء: [٧٣- ٧٥] وهود: [١٢] والأنفال: [٦٧- ٦٨] والتوبة: [٤٣ و ١١٣- ١١٧] والأحزاب: [٣٧] والتحريم: [١- ٢] والنساء: [١٠٥- ١١٢].
فلو كان كل ما قاله النبي وفعله وفكر فيه وحيا على إطلاق القول لما كان محل لمعاتبته. ولقد أثر عن النبي حوادث وأخبار وأحاديث كثيرة ووثيقة في تقرير كونه بشرا قد يخطىء ويصيب في اجتهاداته في أمور الدنيا وسياستها وفي ما يبدو له من ظواهر الأمور التي لا يكون مطلعا على بواطنها وملابساتها، وإنه لا يحلف على شيء فيرى ما هو خير إلا كفّر عن يمينه وأتى الذي هو خير إلخ.
ولقد استند القائلون بالوحي العام الشامل إلى آيتي سورة النجم وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤)، مع أن روح الآيات وسياقها هما في صدد توكيد صحة ما أخبر به النبي عن اتصال وحي الله به بصورة عامة كما هو المتبادر منها، وهو ما تكررت في صدده الآيات واستهدفته، وإن من التجوز تشميل مداها لكل قول صدر عن النبي لتعارض ذلك مع الوقائع والنصوص.
ونريد أن ننبه على نقطة هامة، فنحن لا نعني بما نقرره أن لا يكون النبي في كثير مما قاله وفعله وأمر به ونهى عنه وخاصة مما لم ينزل فيه قرآن ناقض أو معدل أو معاتب ملهما به من الله، ففي القرآن دلائل عديدة على أن كثيرا مما وقع من النبي قبل نزول قرآن به قد وقع بإلهام رباني، وإن القرآن الذي نزل بذلك جاء مؤيدا

صفحة رقم 265

له فيه، كما أن جميع ما ثبت عن النبي من سنن قولية وفعلية، وأوامر ونواه مات عنها دون أن ينقضها هو أو القرآن هو تشريع واجب الاتباع بنص القرآن «١»، وإنما الذي نعنيه التعليق على القول بأن جميع ما صدر عنه من قول وفعل إطلاقا، وبأن جميع السنن النبوية القولية والفعلية وحي من جنس الوحي القرآني مع فارق واحد وهو أن هذا باللفظ وذاك بالمعنى مما لم يرد ما يؤيده من حديث نبوي ثابت أو نص قرآني صريح، ومما لا يجوز الكلام فيه بالظن والتخمين والاجتهاد. وفي القرآن مشاهد كثيرة تدل على أن النبي كان يجتهد في أمر فينزل القرآن مؤيدا له ومثبتا فيه ومنددا بالذين وقفوا منه موقف المخالفة أو التردد أو التمرد، فلو كان ذلك وحيا من جنس الوحي القرآني مع ذلك الفارق لكان يقتضي أن ينصّ عليه حين صدوره عن النبي، أو حين تثبيت النبي فيه قرآنيا بعد صدوره أنه كان وحيا ربانيا وهذا لم يقع.
ولقد استهدف بعض الذين قالوا ذلك تقرير العصمة النبوية. وننبه على أن ما نقرره لا يمسّ هذه العصمة، عدا أنه قائم على براهين محكمة قرآنية وواقعية.
فالعصمة النبوية تتناول ما يبلغه النبي عن الله، وآيتا النجم مصوبتان على هذا المعنى، والمبلغ عن الله بصراحة هو القرآن فقط ثم تتناول امتناع النبي عن اقتراف إثم أو جريمة أو فاحشة أو مخالفة للقرآن قولا وفعلا، ولا تتناول فيما نعتقد الأقوال والأفعال والمواقف الاجتهادية والعادية التي لم تؤيد بقرآن وليس فيها نية الإثم والضرر والشر والمخالفة، والتي قد يكون فيها الخطأ والصواب وخلاف الأولى الذي في علم الله والذي لا ينكشف للنبي إلا بوحي. وفي القرآن مشاهد عديدة تدل على أن النبي كان يجتهد في أمر فيصدر عنه قولا أو فعلا فينزل القرآن معاتبا حينا ومنبها أو مذكرا حينا بما هو الأولى كمشاهد أسرى بدر وتحريم النبي على نفسه زوجاته واستغفاره لأقاربه من المشركين وإذنه للمعتذرين عن الانضمام لحملة تبوك، وزواجه بمطلقة متبنيه وحادث الأعمى وخطرات نفسه في التساهل

(١) اقرأ آيات الحشر: [٧]، والنساء: [٨٠]، وآل عمران: [٣١].

صفحة رقم 266

مع المشركين مما احتوت الإشارات إليه سورة الأنفال والتحريم والتوبة والأحزاب وعبس والإسراء، مما لا يمكن أن يحتمل القول معه أن ذلك كان إلهاما ربانيا في معنى الوحي البتة. ونحن من المؤمنين بالعصمة النبوية ولكن لا على ذلك المعنى الذي يجعل النبي يمتنع عليه أن يصدرمنه أي اجتهاد في خلاف الأولى المغيب عنه علمه أو أي خطأ بريء مما لا يمكن أن ينتفي عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة في القرآن، ومما تنعدم به حكمة الثناء العظيم الذي أثناه الله في القرآن على أخلاقه، وحكمة اختصاصه من دون الناس بالرسالة، ولكن على المعنى الذي يتحقق في الكمال النبوي خلقا وروحا وعقلا والذي لم يصل النبي إلى درجة الاصطفاء الرباني إلا بعد أن وصل إليه، فصار من سموّ الأخلاق وصفاء الروح وعظم القلب ورجاحة العقل إلى ما يرتفع به عن كل ما يشين، ثم على معنى عصمته من أي خطأ في تبليغ ما أوحي إليه والتزامه له بكل دقة وأمانة وصدق واستغراق.
ومهما يكن من أمر، ومع أن كثيرا من العلماء على رأي أن القرآن نزل بألفاظ عربية، وأن ما بلغه النبي من ألفاظه هو ما ألقي إليه من الوحي فالذي يتبادر لنا أن لتلك الأقوال أثرا في الروايات الكثيرة عن خلافيات القراءة وخاصة الخلافيات اللفظية والنظمية من بدل كلمة بكلمة ومن تقديم وتأخير مما أوردنا أمثلة عديدة عنه في مناسبة سابقة، أو أن الذين تداولوا ودونوا هذه الخلافيات دون تمحيص ونقد قد تأثروا بهذه الأقوال، أو أن الذين اخترعوا ودسوا هذه الخلافيات أو بعضها بقصد التشكيك قد استغلوا وروجوا هذه الأقوال، أو أن كل هذا قد وقع معا، كما أنه مما يتبادر لنا أن تكون هذه الأقوال قد أثرت أو تأثرت بأحاديث الأحرف السبعة وتأويلاتها العجيبة التي ذكرنا بعضها سابقا، وخاصة ما ورد في بعض وجوهها من أنها بقصد تقرير أن القرآن قد نزل بمعان متسق مفهومها مختلف مسموعها حيث يجوز التغاير إذا لم تبدل كلمة عذاب بكلمة رحمة.
ولعل ما عزي إلى أبي حنيفة من تجويزه الصلاة بقراءة القرآن بالترجمة الفارسية، وتقريره أن المهم في القرآن هو المعنى متصل بهذه الأقوال. وقد ذكر الزمخشري أن أبا حنيفة استند إلى ما روي عن ابن مسعود من إجازته لقارىء بقراءة

صفحة رقم 267

«طعام الفاجر» بدلا من طَعامُ الْأَثِيمِ [الدخان: ٤٤] على شرط أن تؤدي الترجمة المعاني على كمالها، وعلق الزمخشري على هذا بقوله إن هذا الشرط بمثابة المنع لأن في كلام العرب وخصوصا القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، ولم يكن أبو حنيفة يحسن الفارسية فلم يكن ذلك التقرير منه عن تحقيق وتبصّر، ثم قال إن صاحبي أبي حنيفة أنكرا جواز الصلاة بالقراءة الفارسية، وإن عليّ بن الجعد روى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة هو على رأي صاحبيه في الإنكار.
وننبه على أننا لسنا هنا في معرض منع ترجمة القرآن أو عدم جوازه، بل إننا نرى هذا مفيدا جدا وواجبا لازما في سبيل نشر الدعوة الإسلامية القرآنية العظمى، كما أن عموم الرسالة النبوية، وعموم الخطاب القرآني لجميع الناس من الدلائل على هذا الوجوب، على أن يقوم بها الأكفاء في فهم القرآن ولغته ولغة ترجمته، وعلى أن يكون القصد منها النشر والدعوة والتبشير لا الصلاة بها، حيث نعتقد بصواب رأي أبي يوسف والحسن صاحبي أبي حنيفة في إنكار الصلاة بها وعدم جوازها إلا بالألفاظ القرآنية العربية التي نزل القرآن بها، لأن القرآن قد وصف فيه بأنه قرآن عربي ولا يمكن أن يعتبر قرآنا تصح به صلاة إلا بهذا الوصف.
- ١٠- الخلاف على خلق القرآن وأثره:
ثالثا: ومن ذلك ما دار عليه الخلاف الكلامي المشهور من كون القرآن مخلوقا أو غير مخلوق. ومع أن هذه المسألة فرع من أصل موضوع صفات الله ومعانيها ومداها فإنها اشتهرت أكثر من غيرها لأن الخلاف فيها أدى إلى أحداث تجاوزت الجدل الكلامي بين العلماء إلى الميدان السياسي، وكان من آثارها فتن عمياء أريق فيها الدماء واضطهدت حرية الرأي والعقيدة، وازدرى فيها العلماء واشترك فيها الغوغاء مع الساسة في ساحة واحدة حتى صارت رئيسية، وحتى قال بعضهم إن علم الكلام قد سمّي بهذا الاسم بسبب الخلاف الشديد المشهور على

صفحة رقم 268

صفة الكلام الإلهي المتصلة بمسألة خلق القرآن وعدمه.
وكان الخلاف من حيث الأساس بين المعتزلة الذين سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد وبين أهل السنة الذين التزموا ما كان عليه السلف من قول وما وردت به الأحاديث أو دلت عليه الآيات، أو كانوا في موقف يرون أنفسهم فيه كذلك. على أن هؤلاء افترقوا في القول حيث إن ابن حنبل وأشياعه قالوا غير ما قاله أبو الحسن الأشعري وجماعته مثلا.
ومن أصول الخلاف بين المذهبين صفات الله، فالمعتزلة قالوا إن صفات الله هي ذات الله فهو عالم بذاته قادر بذاته متكلم بذاته إلخ أي بدون علم وقدرة وكلام زائد عن ذاته أو غير ذاته، على اعتبار أن الذهاب إلى كون صفات الله القديمة بقدمه غير ذاته هو تعدد الله القديم الذي يستحيل عليه التعدد، وأهل السنة قالوا إن لصفات الله معنى زائدا عن ذاته فهو عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام، واحترزوا بهذا لمنع تعدد الله القديم بتعدد صفاته لأنهم مثل أولئك معتقدون باستحالة التعدد في حق الله، ثم تكشف الخلاف في هذا الباب حول صفة كلام الله وماهية القرآن باعتباره كلام الله، فقال الأشاعرة إن الله متكلم بكلام أزلي قديم زائد عن ذاته وغير منفك عنها، وإن القرآن معنى قائم بذات الله، وقيدوا أنهم لا يعنون بذلك الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة، ومثلوا على ذلك بالفرق بين ما يدور في خلد الإنسان من كلام دون أن ينطق به فهو شامل في آن واحد لجميع الكلام الذي يدور في الخلد، أما الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة من القرآن فإنها ليست من تلك الصفة القديمة وإنما هي من الحوادث، لأنها تابعة لترتيب يتقدم فيه حرف عن حرف نطقا وكتابة وسمعا وهذا من سمات الأمور الحادثة، وافترق الحنابلة وهم من أهل السنة عن الأشاعرة في تقريرهم أن حروف القرآن المكتوبة المقروءة وأصواتها المسموعة غير منفكة عن صفة كلام الله الأزلي القديم وأنها مثلها قديمة أزلية أيضا أي ليست حادثة ولا مخلوقة. أما المعتزلة- والشيعة الإمامية مثلهم في أكثر المذاهب الكلامية- فقد قالوا إن الله متكلم بذاته بدون كلام زائد عنها، وإنه يخلق الحروف والأصوات في الأعراض

صفحة رقم 269

فتقرأ وتسمع، وإن القرآن باعتبار أنه متصف بما هو صفات المخلوق وسمات الحدوث من تأليف وتنظيم وإنزال وتنزيل وكتابة وسماع وعروبة وحفظ وناسخ ومنسوخ إلخ هو مخلوق ولا يصح أن يكون قديما أزليا، ويقولون إن القرآن اسم لما نقل إلينا عن دفتي المصحف تواترا وهذا يستلزم كونه مكتوبا في المصاحف مقروءا بالألسن مسموعا بالآذان وكل ذلك من سمات الحدوث بالضرورة، فيجيبهم الأشاعرة بأنه كلام الله مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا غير حال فيها بل هو معنى قديم قائم بذات الله يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويحفظ بالنظم المخيل، ويكتب بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف ويكتب بالقلم، وإن المراد بأن القرآن غير مخلوق هو حقيقته الموجودة في الخارج إلخ.
وواضح أن الجماعات المختلفة معترفون بكمال صفات الله، وإن اختلافهم هو حول آثار هذه الصفات الكاملة وتخيلها وتفهمها ومداها، وأن شأنهم في هذا شأنهم في الخلافيات الكلامية الأخرى منهم المعظم لله ومنهم المنزّه له وإنهم متفقون على أن القرآن منزل من الله على نبيه.
ولا يعنينا التبسط في هذه المسألة الخلافية وتاريخها، ونعتقد أنها ذات صلة بالأحداث السياسية والنحلية والطائفية والعنصرية التي حدثت في القرون الإسلامية الأولى، وكان لتسرب الأساليب الكلامية والكتب الفلسفية الأجنبية أثر قوي فيها، وأنها لا تتصل بآثار نبوية وراشدية موثقة ثابتة في ذاتها، فضلا عن ما هناك من آثار نبوية وراشدية تنهى عن التورط في بحوث قد تنتهي إلى الخوض في ماهية الله والقرآن ومحتوياته وإنه يكفي للمسلم أن يظل فيها في حدود التقريرات القرآنية من أن القرآن كلام الله ومن عند الله، ومن أن الله ليس كمثله شيء، وإن ما عدا ذلك متصل بسرّ الوجود وواجب الوجود وسرّ الوحي والنبوة مما لا يستطاع إدراكه بالعقل البشري، وإنه لا طائل من الجدل والخلاف فيه ولا ضرورة له، وإنما الذي يعنينا هنا هو تقرير أن هذه المسألة الخلافية قد تكون أدت بين حين وآخر وبقصد وبغير قصد إلى إغفال صلة الفصول والآيات القرآنية بأحداث السيرة النبوية

صفحة رقم 270

وظروف البيئة النبوية، واعتبار هذه الأحداث والظروف شأنا عابرا. وأن هذا قد أدى إلى ما قيل من أقوال وضمّن من تخمينات حول أسرار القرآن وحروفه ورموزه ومغيباته وماهيات ما جاء فيه من مشاهد الكون ونواميس الخلق وقصص التاريخ والأمثال ومطوياتها مما لا يتسق مع حقائق الأمور وأهداف القرآن الواضحة في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الخير والحق وأسباب السعادة، ومما فيه تشويش على الأهداف وعلى الناظر في القرآن والراغب في تفهمه وتفهم السيرة النبوية والبيئة النبوية والأسس والمبادئ القرآنية، وما كان من سير التشريع القرآني وتطوره.
- ١١- النهي عن التفسير بالرأي وأثره:
رابعا: ومن ذلك ما ورد في النهي عن تفسير القرآن بالرأي. وما قيل من وجوب الوقوف في تفسيره عند حدود الروايات المروية عن النبي والصحابة والتابعين أو علمائهم.
فقد قال بعض العلماء إنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي في ذلك، وقال بعضهم إن التفسير قسمان قسم ورد تفسيره بالنقل وقسم لم يرد، والأول إما أن يكون عن النبي أو الصحابة أو رؤوس التابعين، وإما لم يرد فيه نقل فهو قليل، وقال بعضهم إن ما ورد فيه حديث نبوي لا يعدل عنه فيه إلى غيره، وما لم يرد فيه حديث نبوي وورد فيه قول صحابي فلا يعدل فيه إلى غيره، وما لم يرد فيه قول صحابي وورد فيه قول عالم تابعي أو قول تابعي- على اختلاف في التخصيص والإطلاق- فلا يعدل فيه إلى غيره، وإنه إذا كان هناك أقوال عديدة من مصدر من هذه المصادر الثلاثة فيجتهد في التوفيق والجمع بينها. وقد روي عن الشافعي أنه قال إنه لا يحلّ تفسير المتشابه إلا بسنّة أو خبر أو إجماع «١»، ولم يحدد المتشابه في هذا

(١) الأقوال ملخصة عن «الإتقان» للسيوطي.

صفحة رقم 271

القول مع أن مداه واسع جدا وموضوع خلاف كبير.
ولما كان قد ورد روايات منسوبة إلى المصادر الثلاثة المذكورة كثيرة جدا وصف ما ورد عن ابن عباس منها بوصف لا يحصى، وقيل إن ما روي منها منسوبا إلى النبي والصحابة نحو خمسة عشر ألفا، وتكاد تشمل كل آية في القرآن، بل وإن كثيرا ما ورد في آية واحدة أكثر من رواية وحديث، وقد روي تفسير كامل عن ابن عباس وحده، ونسب إلى تابعين وتابعي تابعين تفاسير عديدة كاملة أو ناقصة فإن من شأن الأقوال الواردة في إيجاب الوقوف في التفسير عند الروايات والأقوال المنسوبة إلى المصادر الثلاثة المشار إليها أن يؤدي إلى أن هذا الموقف يجب أن يشمل جميع آيات القرآن.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد روي حديثان نبويان أخرج أحدهما أبو داود والترمذي والنسائي جاء فيه «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» وأخرج ثانيهما أبو داود جاء فيه «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» وفسّر بعضهم تعبيري «برأيه» و «بغير علم» في الحديثين بغير سند من حديث أو رواية أو خبر..
وقد التزم إمام المفسرين بعد عصر تابعي التابعين أي الطبري هذا المبدأ فألّف تفسيره الكبير في نطاقه، ويكاد يكون قاصرا على الروايات المروية عن المصادر الثلاثة المذكورة. وفعل قبله مثله البخاري في الكتاب الذي عقده في صحيحه على التفسير وبوّبه على ترتيب السور في المصحف مع التزامه شروطه في رواية الأحاديث والأقوال المنسوبة إلى هذه المصادر.
ومع أن من العلماء المتقدمين من خرّج الحديثين النبويين تخريجا من شأنه التوسيع فقال إنهما في صدد النهي عن التفسير بالهوى، وعن القول بقول يعلم قائله أن الحق غيره، وعن الكلام في القرآن بغير علم يساعد صاحبه على الاستنباط وحسن الإدراك من معرفة باللغة والفقه والناسخ والمنسوخ إلخ، وإن منهم من أورد بعض الأحاديث التي تسوغ النظر في القرآن والاجتهاد في الاستنباط منه مثل

صفحة رقم 272

الحديث الذي أخرجه أبو نعيم وجاء فيه «القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه»، وإن منهم من قال إن المسلمين مأمورون بنص القرآن بالنظر فيه وتدبره وتفهم أحكامه وهذا هو متناول التفسير والتأويل، وإن نصوص القرآن تحتم صرف الأحاديث النبوية في حالة صحتها إلى مثل ما صرفت إليه، وأنه ما من آية إلا ويحب الله أن يعلم الناس فيما أنزلت وما أريد منها، ومع أن هذا التوجيه متسق مع طبائع الأشياء، بحيث يكون النهي في الأحاديث إذا صحت قد استهدف النعي على الذين يحاولون صرف نصوص القرآن ودلالاته إلى تأييد بدعة في القول أو رأي فيه انحراف عن جادة الحق وتلقينات القرآن الواضحة ومفهوماته المتواترة، وعلى الذين يلقون الكلام في القرآن على عواهنه ويحملون عباراته غير ما تتحمله ويخوضون في الماهيات الغيبية التي وردت الإشارات إليها بغير سند، ولم يستهدف خطر التدبر في آيات القرآن وأهدافه وتفهم معانيه بالعقل والتفكير والدراية والاستنباط والمقايسة، وخاصة في سبيل تجلية الأهداف السّامية والمثل العليا والأحكام الشرعية التي تنطوي فيه، لأن هذا هو الذي أوجبه القرآن على سامعيه وأنزل على النبي من أجله وجرى السلف الصالح عليه، وهو الذي تدل عليه الروايات الكثيرة جدا المعزوة إلى علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم والوارد كثير منها في كتب الأحاديث الصحيحة أيضا إذ أن كثيرا من هذه الروايات إن لم يكن أكثرها تأويلات وتفسيرات اجتهادية شخصية، ويدل عليه كذلك سير المفسرين الذين جاؤوا بعد هذه الطبقة على هذا النمط متجاوزين أحيانا كثيرة حدود الروايات المعزوة إلى المصادر الثلاثة، ومدونين هم الآخرون تأويلات وتفسيرات اجتهادية شخصية نقول إنه مع ذلك كله فإن الروايات ظلت عماد التفسير الأقوى وركنه الأعظم.
ومما لا ريب فيه أن الفكرة من حيث أصلها وجيهة كل الوجاهة، لأن الصحابة والتابعين وخاصة علماءهم هم أعلم بمفهومات القرآن ودلالاته ومناسبات نزوله ومدى مقاصده على اعتبار أنهم أشد الطبقات اتصالا بظروف نزوله وجو نزوله، ومما لا ريب فيه أن القول أقوى صحة ووجاهة وصوابا وأولوية بالنسبة الجزء الأول من التفسير الحديث ١٨

صفحة رقم 273

للأحاديث النبوية، كما أن للنهي والتشديد ما يبرر هما لأن خطورة شأن القرآن من جميع الاعتبارات توجب حتما الاحتياط والتروي والتدبر وعدم إلقاء الكلام فيه جزافا، وتجعل الانحراف عن هذه الخطة والخطأ الناشئ عن غير علم وروية إثما كبيرا، لما يترتب عليه من آثار تمسّ بأمور الإيمان والعقيدة ومصالح الإنسانية عامة والمسلمين خاصة.
ومما لا ريب فيه أيضا أن هناك أحاديث نبوية وصحابية قوية الأسناد وردت في كتب الصحاح ومتسقة مع روح الآيات القرآنية ومضامينها كما أن هناك أقوالا منسوبة إلى الصحابة والتابعين وخاصة علمائهم وردت في كتب الحديث المعتبرة سائغة ومعقولة المتون كذلك في شرح العبارات القرآنية وتفسيرها وإيضاح مداها، فيجب الأخذ بتلك الأحاديث وهذه الأقوال والوقوف عندها وإدارة الكلام في نطاقها تبيانا وشرحا وتجلية وتطبيقا.
غير أنه مما لا ريب فيه أن الروايات والأقوال لا يصح أن تؤخذ قضايا مسلمة في هذا الصدد كما في غيره إلا بعد التمحيص متنا وسندا وتطبيقا ومقايسة على العبارات والدلالات القرآنية، وإنه قد تسوهل في هذا الباب تساهلا عظيما، وإن كثيرا مما ورد إن لم نقل أكثره مما يحمل على التوقف فيه من حيث أسناده ومتونه، لغلبة احتمال الخطأ والتحريف والتلفيق والدسّ والانتحال والغرض السياسي والطائفي والنحلي فيه وخاصة ما لا يتسق في مداه ومعناه مع روح الآيات والوقائع التي يلهمها القرآن، وإنه يصدق فيه قول ابن حنبل الذي أشرنا إليه في مناسبة سابقة «ثلاثة لا أصل لها التفسير والمغازي والملاحم» بل ولعلّه إنما قيل بسبب هذه العلات.
ومع أن العلماء والمفسرين قالوا بوجوب التمحيص والنقد، وتوقفوا في روايات وأقوال كثيرة وناقشوها وجرحوها، وفي طليعتهم إمام مفسري المأثور الطبري فإن النهي في أصله والقول بالأخذ بالروايات أولا، وكثرة الروايات كثرة عجيبة ثانيا جعل هذه الروايات تستفيض في مختلف كتب التفسير على علاتها،

صفحة رقم 274

وتكون عمادا قويا بل العماد الأقوى فيها، ولم يحظ إلا القليل منها بالنقد والتمحيص والجرح، بل وإن هذا المنقود المجروح لم يبعد من كتب التفسير، ومنها ما لم يشر إلى جرحه، وكان هذا من أسباب وعلل ما وقع في هذه الكتب من تشويش واضطراب وإغراب ومفارقة، وما أدى إليه من تشويش على الناظر في القرآن والراغب في تفهمه، ومن اتخاذه من قبل المغرضين وسيلة إلى الغمز والطعن وسوء التفسير والاستنباط، سواء أكان ذلك في أحداث السيرة النبوية المختلفة أم في ظروف البيئة النبوية، أم في ما احتواه القرآن من قصص ومشاهد كونية وأخروية وأخبار إيمانية غيبية، أم في انسجام الفصول والمجموعات القرآنية وتوجيهاتها وتلقيناتها ومداها الخاص والعام والزمني المستمر.

صفحة رقم 275

خاتمة
ذلك اليقين بالخطة المثلى لفهم القرآن وخدمته التي شرحناها في الفصل الثالث، وهذه الثغرات العديدة التي نبهنا عليها في الفصل الرابع جعلنا نعتقد أن الحاجة ما تزال ماسة إلى تفسير واف بالغرض غير مطول مملّ ولا موجز مخلّ، تجتمع فيه الملاحظات، وتتحاشى فيه الثغرات، ويسار فيه وفق هذا المنهج المتسق مع الخطة التي شرحناها والثغرات التي نبهنا عليها:
(١) تجزئة المجموعات والفصول القرآنية إلى جمل تامة يصح الوقوف عندها من حيث النظم والمعنى والسياق، وقد تكون هذه الجمل آية واحدة أو آيات قليلة أو سلسلة طويلة.
(٢) شرح الكلمات والتعابير الغريبة والجديدة وغير الدارجة كثيرا بإيجاز ودون تعمق لغوي ونحوي وبلاغي إذا لم يكن هناك ضرورة ماسة.
(٣) شرح مدلول الجملة شرحا إجماليا حسب المقتضى والمتبادر بأداء بياني واضح وبسيط، والاكتفاء من ذلك بعرض الهدف والمدلول إذا كانت العبارة واضحة للمتوسطين نظما ولغة.
(٤) إشارة موجزة إلى ما روي في مناسبة الآيات أو في صددها وما قيل في مدلولها وأحكامها وقصصها إذا كان الموضوع يقتضي ذلك، وإيراد ما يقضي إيراده من الروايات والأقوال، والتعليق على ما يقتضي التعليق عليه منها بإيجاز.
(٥) تجلية ما تحتويه الجملة من أحكام أو مبادئ أو تلقينات أو توجيهات تشريعية وأخلاقية واجتماعية وروحية.

صفحة رقم 276

(٦) تجلية ما تحتويه الجملة من صور ومشاهد عن السيرة النبوية والبيئة النبوية، وقد اهتممت لذلك حتى جاء الكلام أحيانا بحثا ودرسا وتقريرا موضوعيا مع أنه ليس من الأسس، لأني رأيت أن هذا يساعد على تفهم ظروف الدعوة النبوية وسيرها وصورها وتطورها، وعلى تجلية جوّ نزول القرآن الذي ينجلي به كثير من المقاصد القرآنية سواء أكانت أسسا أم وسائل، فضلا عن أنه يساعد على تصحيح كثير مما جاء مضطربا أو ناقصا أو محرّفا في الروايات من سور البيئة ومشاهد السيرة النبوية وأحداثها.
(٧) التنبيه على الجمل الوسائلية والتدعيمية، وعلى ما يكون فيها من مقاصد أسلوبية كالتعقيب والتعليل والتطمين والتثبيت والتبصير والترغيب والترهيب والتقريب والتمثيل والتشبيه والتنديد والتنويه والتذكير إلخ، مع إبقاء ذلك ضمن المقصد الذي جاءت من أجله، وعدم الاستغراق والتطويل فيه، والتنبيه بإيجاز على ما ورد في صدده مما يخرج به عن هذا النطاق إذا اقتضى الأمر.
(٨) وصل الجمل القرآنية بعضها ببعض سياقا أو موضوعا كلما كان ذلك مفهوم الدلالة، والتنبيه على هذا لتجلية النظم القرآني والترابط الموضوعي أو السياقي أو الهدفي أو الوسيلي. وقد اهتممت لهذه النقطة اهتماما خاصا لأنها مما يساعد كثيرا على فهم دلالات القرآن وظروف نزوله ومدى متناوله.
(٩) الاستعانة بالألفاظ والتراكيب والجمل القرآنية قبل كل شيء في صدد التفسير والشرح والسياق والدلالات والهدف والتدعيم والصور والمشاهد ما دام ذلك ممكنا وضروريا. ثم بعد هذا بالروايات إذا ما كانت متسقة مع المفهوم والسياق، ثم بأقوال المفسرين إذا كانت كذلك وما دام ذلك ممكنا وضروريا أيضا.
(١٠) العطف على ما جاء في السور السابقة حين تفسير الجمل القرآنية ومقاصدها إذا ما كان ذلك ممكنا وضروريا وكافيا لتفادي التكرار والتطويل.
وإنا لنرجو الله أن يوفقنا إلى إخراج تفسيرنا الحديث الذي نهجنا فيه هذا المنهج فنتمّ به السلسلة القرآنية التي بدأناها بكتاب «عصر النبي عليه السلام وبيئته

صفحة رقم 277

قبل البعثة» مقتبسا من القرآن ثم بكتاب «سيرة الرسول عليه السلام» مقتبسا كذلك منه ثم بكتاب «نظم القرآن ودستوره في شؤون الحياة»، ولا سيما إننا نشعر برغبة ملحة عند كثير من شباب المسلمين في فهم القرآن ومدلولاته وظروفه بتفسير حديث يتسق مع روح العصر، وبأسلوب قريب التناول، غير ضارب بالتفريع والاستطرادات والتزيد في العلوم الآلية، ثم لا سيما إن الرغبة أخذت تزداد عند المسلمين عامة في تخطي القرون الطويلة التي ساد فيها الجهل والغفلة ووقف المسلمون فيها جامدين في نطاق التقليد والترديد والتعقيد، وفي تفهّم أهداف الدعوة الإسلامية وظروفها وتوصياتها في «القرآن المجيد» معجزتها الخالدة.

صفحة رقم 278

(بسم الله الرحمن الرّحيم)

صفحة رقم 279

التفسير الحديث السور مرتبة حسب النزول محمد عزّة دروزة الجزء الأول

صفحة رقم 281

السور المفسّرة في هذا الجزء «١» ١- الفاتحة ٢- العلق ٣- القلم ٤- المزّمل ٥- المدّثر ٦- المسد ٧- التكوير ٨- الأعلى ٩- الليل ١٠- الفجر ١١- الضحى ١٢- الشرح ١٣- العصر

(١) انظر الفهرست المفصل في آخر الجزء. [.....]

صفحة رقم 283

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية