ﮀﮁﮂﮃ ﮅﮆ ﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎ ﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘ

(سورة الناس)
(مكية وقيل مدنية حروفها تسعة وسبعون كلمها عشرون آياتها ست)
[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
القراآت:
النَّاسِ وما بعدها ممالة: قتيبة ونصير. والباقون: بالتفخيم.
الوقوف:
النَّاسِ هـ لا النَّاسِ هـ لا النَّاسِ هـ لا الْخَنَّاسِ هـ لا بناء على أن الفصل بين الصفة وموصوفها لا يصلح إلا للضرورة. ولو قيل إن محله النصب أو الرفع على الذم حسن الوقف النَّاسِ هـ لا وَالنَّاسِ هـ.
التفسير:
إنه تعالى رب جميع المحدثات ولكنه خص الناس هاهنا بالذكر للتشريف، ولأن الاستعاذة لأجلهم فكأنه قيل: أعوذ من شر الوسواس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهوالهم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا دهمهم أمر بسيدهم ومخدومهم وولي أمرهم. وقوله مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ عطف ثان لأن الرب قد لا يكون ملكا كما يقال «رب الدار» والملك قد لا يكون إلها. وفي هذا الترتيب لطف آخر وذلك أنه قدم أوائل نعمه إلى أن تم ترتيبه وحصل فيه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملك تفتقر كل الأشياء إليه وهو غني عنهم، ثم علم بالدلائل العقلية والنقلية أن العبادة لازمة له وأن معبوده يستحق العبادة. ويمكن أن يقال: أوّل ما يعرف العبد من ربه هو كونه مربوبا له منعما عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، ثم لا يزال ينتقل من معرفة هذه الصفة إلى صفات جلاله ونعوت كبريائه فيعرف كونه ملكا قيوما، ثم إذا خاض في بحر العرفان وغرق في تياره وله عقله وتاه لبه فيعرف أنه فوق وصف الواصفين فيسميه إلها من وله إذا تحير. وتكرير لفظ «الناس» في السورة للتشريف كأنه عرف ذاته في خاتمة كتابه الكريم بكونه ربا وملكا وإلها لهم، أو لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الكشف والتوضيح. ولو

صفحة رقم 603

قيل: إن الثاني بدل الكل من الأوّل فالأحسن أيضا وضع المظهر مقام المضمر كيلا يكون المقصود مفتقرا إلى ما ليس بمقصود في الظاهر مع رعاية فواصل الآي. وقيل: لا تكرار في السورة لأن المراد بالأوّل الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه لشدّة احتياجهم إلى التربية، وبالثاني الشبان ولفظ «الملك» المنبئ عن السياسة يدل عليه لمزيد افتقارهم إلى الزجر لقوّة دواعي الشهوة والغضب فيهم مع أن العقل الصادق لم يقو بعد ولم يستحكم، وبالثالث الشيوخ ولفظة «آله» المنبئ عن استحقاق العبادة له يدل عليه لفتور الدواعي المذكورة وقتئذ، فتتوجه النفس إلى تحصيل ما يزلفه إلى الله بتدارك ما فات. والمراد بالرابع الصالحون والأبرار فإن الشيطان مولع بإغوائهم. وبالخامس المفسدون والأشرار لأنه بيان الموسوس فإن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام: ١١٢] والخناس هو الذي من شأنه أن يخنس أي يتأخر وقد مر في قوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ [التكوير: ١٥] عن سعيد بن جبير: إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، وإذا غفل وسوس إليه فكما أن شيطان الجن يوسوس تارة ويخنس أخرى فكذلك شيطان الإنس يرى نفسه كالناصح المشفق، فإن زجره السامع انخنس وترك الوسوسة، وإن تلقى كلامه بالقبول بالغ فيه حتى نال منه. وقال قوم: الناس الرابع يراد به الجن والإنس جميعا وهو اسم للقدر المشترك بين النوعين كما
روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم: من أنتم؟ فقالوا: ناس من الجن.
وقد سماهم الله رجالا في قوله وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ٦] والناس الخامس هو المخصوص بالبشر، ومعنى الآية على هذا التقدير أن هذا الوسواس الخناس لا يقتصر على إضلال البشر ولكنه يوسوس للنوعين فيكون قوله مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيانا للناس. وفي هذا القول نوع ضعف لأنه يعد تسليم أن لفظ «الناس» يطلق على القدر المشترك يستلزم الاشتراك المخل بالفهم. وذكر صاحب الكشاف أنه إن جعل قوله مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بيانا للناس فالأولى أن يقال: الناس محذوف اللام كقولك الداع والقاض. قال الله تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ [البقرة: ١٨٦] وحينئذ يكون تقسيمه إلى الجن والإنس صحيحا لأنهما النوعان اللذان ينسيان حق الله تعالى. وقيل مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بدل من الْوَسْواسِ كأنه استعاذ بربه من ذلك الشيطان الواحد، ثم عمم فاستعاذ به من جميع الجنة والناس. وقوله مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ المضاف محذوف أي من شر ذي الوسواس وهو اسم بمعنى الزلزلة. وأما المصدر فوسواس بالكسر ويحسن أن يقال سمي الشيطان به لأنه كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وعمله الذي هو عاكف عليه نظيره إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود: ٤٦] وإنما قال فِي صُدُورِ النَّاسِ ولم يقل «في قلوبهم» لأن الشيطان لا تسلط له على قلب المؤمن الذي

صفحة رقم 604

هو بين أصبعين من أصابع الرحمن واعلم أن المستعاذ به مذكور في السورة الأولى بصفة واحدة وهو أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: الغاسق والنفاثات والحاسد. وأما في السورة الثانية فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة. وفيه إشارة إلى أن حفظ النفس والدين أهم من حفظ البدن بل الثاني مطلوب بالعرض والأوّل مقصود بالذات.
التأويل:
أعوذ بالرب الذي فلق ظلمات بحر العدم بنور التكوين والإبداع من شر عالم الخلق الممزوجة خيراتها بالآفات، ولا سيما عالم الكون والفساد الذي هو جماد ونبات وحيوان والجمادات أبعدها عن الأنوار لخلوها عن جميع القوى الروحانية وهو المراد بقوله وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ وفوقها النباتات الناميات في الأقطار الثلاثة الطول والعرض والعمق وهن العقد الثلاث فلذلك سميت قواها بالنفاثات فيها، وفوقها القوى الحيوانية من الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب المانعة للروح الإنسانية عن الانصباب إلى عالم الأمر كالحاسد يمنع المرء عن كماله ويغيره عن حاله. ثم أراد ذكر مراتب النفس الإنسانية التي هي أشرف درجات الحيوان فقال بِرَبِّ النَّاسِ إشارة إلى العقل الهيولاني المفتقر إلى مزيد تربية وترشيح حتى يخرج من معدنها ويظهر من حكمها. وقوله مَلِكِ النَّاسِ إشارة إلى العقل بالملكة لأنه ملك العلوم البديهية وحصلت له ملكة الانتقال منها إلى العلوم الكسبية لأن النفس في هذه الحالة أحوج إلى الزجر عن العقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة والتأديب في الصغر كالنقش على الحجر. وقوله إِلهِ النَّاسِ إشارة إلى سائر مراتبها من العقل بالفعل والعقل المستفاد، فإن الإنسان إذ ذاك كأنه صار عالما معقولا مضاهيا لما عليه الوجود، فعرف المعبود فتوجه إلى عرفانه والعبادة له. وأيضا اتصف بصفاته وتخلق بأخلاقه كما حكي عن أرسطو أنه قال: أفلاطون: إما إنسان تأله أو إله تأنس. ثم إن العقل والوهم قد يتساعدان على تسليم بعض المقدمّات، ثم إذا آل الأمر إلى النتيجة ساعد العقل عليها دون الوهم فكان الوهم خنس أي رجع عن تسليم المقدّمة فلهذا أمر الله سبحانه بالاستعاذة من شره، وقد ورد مثله في الحديث.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» «١»
وهذا آخر درجات النفس الكاملة الإنسانية فلا جرم وقع ختم الكتاب الكريم والفرقان العظيم

(١) رواه البخاري في كتاب الاعتصام باب ٣. مسلم في كتاب الإيمان حديث ٢١٢- ٢١٤. أبو داود في كتاب السنّة باب ١٨. أحمد في مسنده (٢/ ٢٨٢، ٣١٧) (٣/ ١٠٢).

صفحة رقم 605

عليه. ونحن أيضا نختم التفسير بهذا التحقيق والله وليّ التوفيق والهادي في العلم والعمل إلى سواء الحق والطريق. قال الضعيف مؤلف الكتاب، أحوج خلق الله إلى رحمته ورضاه، الحسن بن محمد بن الحسين المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاده وأخراه: هذا أيها المعروف باعتلاء عرائك المجد، المشغوف باقتناء سبائك الحمد، الكامل شوقه إلى فهم غرائب القرآن والقرآن كله غرائب، الباذل طوقه في درك رغائب الفرقان والفرقان بأسره رغائب، عقائل مسائل جهزتها فطنة من مشايد الشدائد خامدة، وفرائد فوائد نظمتها قريحة من صنوف الصروف جامده، وقد نطفت بها عين خرساء باد شحوبها وتحركت بها لأجلي ولاء طالما عقر حوبها، على أنها مع سواد ما سقط من سنها بيضاء الخلال ومع مرارة مذاق ما بين لحييها حلوة المباني مليحة المقال. والذي قد مج فوها عفوصة ما فيها عذبة على العذبات سلسة على الأسلات يبكي ويضحك، ويملك ويهلك، ويفقر ويثري، ويريش ويبري، ويمنع ويعطي، ولولا الله لذكرت أنه يميت ويحيى. وفي رقتها دقة، ومع طلاوتها حلاوة، فإن شئت فيراعة فيها براعة، وأنبوب فيه من الحكم أسلوب وأيّ أسلوب، وكيف لا وقد اشتملت على مطاوي ما رسمه على فحاوى كتاب الله الكريم، واحتوت مباني ما رقمه على معاني الفرقان العظيم، الذي أخرس شقاشق الفصحاء حين أرادوا معارضته لعجزهم لا للخلل في أدمغتهم، وأوقر مسامع أولي العناد من العباد في البلاد بجهلهم لا لصمم في أصمختهم، صحيفة يلوح عنها أثر الحق، ولطيمة يفوح منها عبق الصدق، بضاعة يحملها أهل النهي في سفر الروح إلى مكانها، وتجارة أرباحها جنات النعيم، وإجارة أعواضها الفوز بلقاء رب العرش العظيم.
وقد تضمن كتابي هذا حاصل التفسير الكبير الجامع لأكثر التفاسير جل كتاب الكشاف الذي رزق له القبول من أساتذة الأطراف والأكناف، واحتوى مع ذلك على النكت المستحسنة الغريبة، والتأويلات المحكمة العجيبة مما لم يوجد في سائر تفاسير الأصحاب، أو وجدت متفرقة الأسباب أو مجموعة طويلة الذيول والأذناب. أما الأحاديث فإما من الكتب المشهورة كجامع الأصول والمصابيح وغيرهما، وإما من كتاب الكشاف والتفسير الكبير ونحوهما إلا الأحاديث الموردة في الكشاف في فضائل السورة فإنا قد أسقطناها لأن النقاد زيفها إلا ما شذ منها. وأما الوقوف فللإمام السجاوندي مع اختصار لبعض تعليلاتها وإثبات للآيات لتوقفها على التوقيف. وأما أسباب النزول فمن كتاب «جامع الأصول والتفسيرين» أو من «تفسير الواحدي». وأما اللغة فمن «صحاح الجوهري» ومن «التفسيرين» كما نقلا. وأما المعاني والبيان وسائر المسائل الأدبية فمن التفسيرين والمفتاح وسائر الكتب

صفحة رقم 606

العربية، وأما الأحكام الشرعية فمنهما ومن الكتب المعتبرة في الفقه ولا سيما «شرح الوجيز» للإمام الرافعي. وأما التآويل فأكثرها للشيخ المحقق المتقى المتقن نجم الملة والدين المعروف بداية قدس نفسه وروّح رمسه. وطرف منها مما دار في خلدي وسمحت به ذات يدي غير جازم بأنه المراد من الآية بل خائف من أن يكون ذلك جرأة مني وخوضا فيما لا يعنيني. وإنما شجعني على ذلك سائر الأمة الذين اشتهروا بالذوق والوجدان وجمعوا بين العرفان والإيمان والإتقان في معنى القرآن الذي هو باب واسع يطمع في تصنيفه كل طامع، فإن أصبت فبها وإن أخطأت فعلى الإمام ماسها والعذر مقبول عند أهل الكرم والنهي والله المستعان لنا ولهم في مظان الخلل والزلل، وعلى رحمته التكلان في محال الخطأ والخطل، فعلى المرء أن يبذل وسعه لإدراك الحق ثم الله معين لإراءة الصواب ومعين لإلهام الصدق.
وكذا الكلام في بيان الرباطات والمناسبات بين السور والآيات، وفي أنواع التكريرات وأصناف المشتبهات فإن للخواطر والظنون فيها مجالا، وللناس الأكياس في استنباط الوجوه والنسب هنالك مقالا، فعليك أيها المتأمل الفطن والمنصف المتدين أن لا تبادر في أمثال هذه المقامات إلى الاعتراض والإنكار، وتقرّ بأن للمؤلف في إعمال القريحة هنالك أجر الافتكار والابتكار، وتعمل فكرتك الصائبة وفطنتك الثاقبة في إبداء وجه جميل لما قرع سمعك، وتتعب خاطرك اليقظان وذهنك العجيب الشان في إبرار محمل لطيف لما ينافي الحال طبعك. ثم إن استبان لك حسن ذلك الوجه فأنصف تفلح، وإن غلب على ظنك قبحه فأصلح أو أسجع فإن لكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة، وضيق البصر وطغيان القلم موضوعان، والخطأ والنسيان عن هذه الأمة مرفوعان، وإني لم أمل في هذا الإملاء إلّا إلى مذهب أهل السنة والجماعة فبينت أصولهم ووجوه استدلالاتهم بها وما ورد عليها من الاعتراضات والأجوبة عنها. وأما في الفروع فذكرت استدلال كل طائفة بالآية على مذهبه من غير تعصب ومراء وجدال وهراء، فاختلاف هذه الأمة رحمة، ونظر كل مجتهد على لطيفة وحكمة، جعل الله سعيهم وسعينا مشكورا، وعملهم وعملنا مبرورا. ولقد وقفت لإتمام هذا الكتاب في مدة خلافة علي رضي الله عنه وكنا نقدر إتمامه في مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة، ولو لم يكن ما اتفق في أثناء التفسير من وجود الأسفار الشاسعة وعدم الأسفار النافعة، ومن غموم لا يعدّ عديدها وهموم لا ينادي وليدها، لكان يمكن إتمامه في مدّة خلافة أبي بكر كما وقع لجار الله العلامة، وكما أنه رأى ذلك ببركة جوار بيت الله الحرام فهذا الضعيف أيضا يرجو أن يرزقني الله تعالى ببركة إتمام هذا الكتاب زيارة هذا المقام ويشرفني بوضع الخد على عتبة مزار نبيه المصطفى محمد النبي الأمي العربي عليه وآله الصلاة والسلام فاسمع واستجب يا قدير ويا علام.

صفحة رقم 607

واعلموا إخواني رحمنا الله وإياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم، أن لكل مجتهد نصيبا قل أو أكثر، ولكل نفس عاملة قسطا نقص أو كمل، وأن الأعمال بالنيات وبها تجلب البركات وترفع الدرجات، وأن المرء بأصغريه وكل عمل ابن آدم سوى الخير كلّ عليه، والذي نفسي بيده وناصيتي بحكمه ومشيئته، عالم بسري ومحيط بنيتي أني لم أقصد في تأليف هذا التفسير مجرد جلب نفع عاجل لأن هذا الغرض عرض زائل ولا يفتخر عاقل بما ليس تحته طائل.
سحابة صيف ليس يرجي دوامها وهل يشرئب إلى الأمور الفانية أو يستلذ بها من وهن من أعضائه عظامها، وكاد يفتر من قواه أكثرها بل تمامها؟ وإنما كان المقصود جمع المتفرق، وضبط المنتشر، وتبيين بعض وجوه الإعجاز الحاصل في كلام رب العالمين، وحل الألفاظ في كتب بعض المفسرين بقدر وسعي وحد علمي، وعلى حسب ما وصل إليه استعدادي وفهمي، والقرآن أجل ما وقف عليه الذهن والخاطر، وأشرف ما صرف إليه الفكر والناظر، وأعمق ما يغاض على درّه ومرجانه، وأعرق ما يكد في تحصيل لحينه. ولو لم تكن العلوم الأدبية بأنواعها، والأصولية بفروعها، والحكمية بجملها وتفاصيلها وسيلة إلى فهم معاني كتاب الله العزيز واستنباط نكتها من معادنها واستخراج خباياها من مكامنها لكنت متاسفا على ما أزجيت من العمر في بحث تلك القواليب، وأملت من الفكر في تأليف ما ألفت في كل أسلوب من أولئك الأساليب، ولكن لكل حالة آلة، ولك أرب سبب، وطالما أغليت المهور للعقائل وجنبت الوسائل للأصائل. قال الشاعر:

أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
وكان من معاصم المقاصد من إنشاء هذا التفسير أن يكون جليسي مدّة حياتي، وأنيسي في وقت مماتي حين لا أنيس للمرء إلا ما أسلف من بره، ولا ينفع الإنسان إلا ما قدّم من خيره. ولعمري إنه للمتبتل المنيب الأوّاه نعم العون على تلاوة كتاب الله العزيز ومحضرة مع القراءة ووجهها إن اشتبه عليه شيء منها، ومع الآي والوقوف إن ذهل عن أماكنها ومظانها. وكذا التفسير بتمامه إن أراد البحث عن الحقائق أو عزب عنه شيء من تلك الدقائق، وكذا التأويل إن كان مائلا إلى بطون الفرقان وسالكا سبيل الذوق والعرفان. وإني أرجو من فضل الله العظيم وأتوسل إليه بوجهه الكريم، ثم بنبيه القرشيّ الأبطحيّ، ووليه

صفحة رقم 608

المعظم العليّ وسائر أهله الغر الكرام وأصحابه الزهر العظام، وبكل من له عنده مكان ولديه قبول وشان، أن يمتعني بتلاوة كتابه في كل حين وأوان من تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان على الوجه الذي ذكرت، ولأجل هذا لقيت في تأليفه من عرق الجبين وكد اليمين ما لقيت. وأن يعم النفع به لسائر إخواني في الدين ورفقائي في طلب اليقين، ثم أن يجعله عدّة في ليلة يرجع عن قبري العشائر والأهلون، وذخيرة يوم لا ينفع مال ولا بنون والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين خصوصا على رسوله المصطفى الأمين محمد وآله وصحبه أجمعين.
تم بعونه تعالى تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري

صفحة رقم 609

الفهرس
تتمة تفسير سورة الزمر الآيات: ٣٢- ٧٥ ٣ تفسير سورة غافر الآيات: ١- ٢٢ ١٩ الآيات: ٢٣- ٥٠ ٣١ الآيات: ٥١- ٨٥ ٣٩ تفسير سورة فصلت الآيات: ١- ٢٤ ٤٦ الآيات: ٢٥- ٥٤ ٥٥ تفسير سورة الشورى الآيات: ١- ٢٣ ٦٥ الآيات: ٢٤- ٥٣ ٧٥ تفسير سورة الزخرف الآيات: ١- ٣٠ ٨٤ الآيات: ٣١- ٥٦ ٩٠ الآيات: ٥٧- ٨٩ ٩٦ تفسير سورة الدخان الآيات: ١- ٥٩ ١٠٠ تفسير سورة الجاثية الآيات: ١- ٣٧ ١٠٨ تفسير سورة الأحقاف الآيات: ١- ٢٠ ١١٥ الآيات: ٢١- ٣٥ ١٢٣

صفحة رقم 611

تفسير سورة محمد الآيات: ١- ١٨ ١٢٧ الآيات: ١٩- ٣٨ ١٣٤ تفسير سورة الفتح الآيات: ١- ٢٩ ١٤٠ تفسير سورة الحجرات الآيات: ١- ١٨ ١٥٥ تفسير سورة ق الآيات: ١- ٤٥ ١٧١ تفسير سورة الذاريات الآيات: ١- ٦٠ ١٨٢ تفسير سورة الطور الآيات: ١- ٤٩ ١٩١ تفسير سورة النجم الآيات: ١- ٦٢ ١٩٦ تفسير سورة القمر الآيات: ١- ٥٥ ٢١٤ تفسير سورة الرحمن الآيات: ١- ٧٨ ٣٢٥ تفسير سورة الواقعة الآيات: ١- ٩٦ ٢٣٦ تفسير سورة الحديد الآيات: ١- ٢٩ ٢٤٨ تفسير سورة المجادلة الآيات: ١- ٢٢ ٢٦٤ تفسير سورة الحشر الآيات: ١- ٢٤ ٢٧٩ تفسير سورة الممتحنة الآيات: ١- ١٣ ٢٨٩

صفحة رقم 612

تفسير سورة الصف الآيات: ١- ١٤ ٢٩٥ تفسير سورة الجمعة الآيات: ١- ١١ ٢٩٩ تفسير سورة المنافقون الآيات: ١- ١١ ٣٠٣ تفسير سورة التغابن الآيات: ١- ١٧ ٣٠٧ تفسير سورة الطلاق الآيات: ١- ١٢ ٣١١ تفسير سورة التحريم الآيات: ١- ١٢ ٣١٨ تفسير سورة الملك الآيات: ١- ٣٠ ٣٢٣ تفسير سورة القلم الآيات: ١- ٥٢ ٣٣٢ تفسير سورة الحاقة الآيات: ١- ٥٢ ٣٤٣ تفسير سورة المعارج الآيات: ١- ٤٤ ٣٥٤ تفسير سورة نوح الآيات: ١- ٢٨ ٣٦١ تفسير سورة الجن الآيات: ١- ٢٨ ٣٦٧ تفسير سورة المزمل الآيات: ١- ٢٠ ٣٧٦ تفسير سورة المدثر الآيات: ١- ٦٥ ٣٨٤

صفحة رقم 613

تفسير سورة القيامة الآيات: ١- ٤٠ ٣٩٨ تفسير سورة الإنسان الآيات: ١- ٣١ ٤٠٨ تفسير سورة المرسلات الآيات: ١- ٥٠ ٤٢٠ تفسير سورة النبأ الآيات: ١- ٤٠ ٤٢٨ تفسير سورة النازعات الآيات: ١- ٤٦ ٤٣٧ تفسير سورة عبس الآيات: ١- ٤٦ ٤٤٥ تفسير سورة التكوير الآيات: ١- ٢٩ ٤٥١ تفسير سورة الانفطار الآيات: ١- ١٩ ٤٥٧ تفسير سورة المطففين الآيات: ١- ٣٦ ٤٦١ تفسير سورة الانشقاق الآيات: ١- ٢٥ ٤٦٨ تفسير سورة البروج الآيات: ١- ٢٢ ٤٧٣ تفسير سورة الطارق الآيات: ١- ١٧ ٤٧٩ تفسير سورة الأعلى الآيات: ١- ١٩ ٤٨٢ تفسير سورة الغاشية الآيات: ١- ٢٦ ٤٨٨

صفحة رقم 614

تفسير سورة الفجر الآيات: ١- ٣٠ ٤٩٣ تفسير سورة البلد الآيات: ١- ٢٠ ٥٠١ تفسير سورة الشمس الآيات: ١- ١٥ ٥٠٦ تفسير سورة الليل الآيات: ١- ١٥ ٥١٠ تفسير سورة الضحى الآيات: ١- ١١ ٥١٤ تفسير سورة الانشراح الآيات: ١- ٨ ٥٢١ تفسير سورة التين الآيات: ١- ٨ ٥٢٤ تفسير سورة العلق الآيات: ١- ١٩ ٥٢٨ تفسير سورة القدر الآيات: ١- ٥ ٥٣٥ تفسير سورة البينة الآيات: ١- ٨ ٥٤٢ تفسير سورة الزلزلة الآيات: ١- ٨ ٥٤٦ تفسير سورة العاديات الآيات: ١- ١١ ٥٤٩ تفسير سورة القارعة الآيات: ١- ١١ ٥٥٢ تفسير سورة التكاثر الآيات: ١- ٨ ٥٥٤

صفحة رقم 615

تفسير سورة العصر الآيات: ١- ٣ ٥٥٨ تفسير سورة الهمزة الآيات: ١- ٩ ٥٦١ تفسير سورة الفيل الآيات: ١- ٥ ٥٦٤ تفسير سورة قريش الآيات: ١- ٤ ٥٦٨ تفسير سورة الماعون الآيات: ١- ٧ ٥٧٢ تفسير سورة الكوثر الآيات: ١- ٣ ٥٧٥ تفسير سورة الكافرون الآيات: ١- ٦ ٥٨١ تفسير سورة النصر الآيات: ١- ٣ ٥٨٤ تفسير سورة المسد الآيات: ١- ٥ ٥٨٨ تفسير سورة الإخلاص الآيات: ١- ٤ ٥٩٣ تفسير سورة الفلق الآيات: ١- ٥ ٥٩٨ تفسير سورة الناس الآيات: ١- ٦ ٦٠٣ خاتمة الكتاب ٦٠٦

صفحة رقم 616

[المجلد الاول]

مقدمة المصنف
بسم الله الرّحمن الرّحيم إلى الله الكريم أرغب في إبداع غرائب القرآن، وبفضله العميم أتأهّب لإيداع رغائب الفرقان، فإليه منتهى الأمل والسؤال، وهذا حين أفتتح فأقول:
الحمد لله الذي جعلنا ممن شرح صدره للإسلام فهو على نور من ربّه وجبلني ذا نفس أبيّة وهمّة عليّة لا تكاد تستأنس إلا بذكر حبه. أعاف سفساف الأمور، وأخاف الموبقات الموجبات للثبور. أميل عن زخرف الدنيا وزبرجها، وأكبح النفس أن تحوم حول مخرجها ومولجها.
هي النفس ما حمّلتها تتحمّل
إن أرسلت استرسلت وإن قدعت انقدعت في الأول. ولله درّ السلف الشرر العيون إلى الأماني الفارغة الفانية، والأضاليل الملهية المنبئة عن السعادات الباقية. تاقت قلوبهم إلى الكرامات الدائمات واشتاقت أرواحهم إلى اللذّات الحقيقيات، وتاهت ضمائرهم في بيداء عظمة الملك والملكوت وتلاشت سرائرهم في دأماء ديمومية العزة والجبروت، فخلصوا من الناسوت ووصلوا إلى اللاهوت، وفنوا بشهوده وبقوا بوجوده ورضى كل منهم بقضاء معبوده، فتجلت لهم الذات واتحدت عندهم المختلفات فطابت لهم الغدوات واعتدلت لهم العشيات، ولم تطمح أعينهم إلا إلى تحصيل لما يقرّب إلى الله زلفى وما جرت ألسنتهم إلا بذكر الحق طوبى لهم وبشرى. أسألك اللهم الاقتداء بأولئك، والتوفيق لشكر ما أسبغت عليّ من عطائك وأتممت من نعمائك، وأعوذ بك أن أزلّ أو أضلّ فيما آتي وأذر، وأن أركن إلى الذين ظلموا فتمسني النار يوم العرض الأكبر. ثبّت أقدام أقلامي على الصدق، ولا تقض أن ينطق فمي بكلام سوى الحق، واجعلني بفضلك ممن لا ينظر إلا إليك ولا يرغب إلا فيما لديك. بريتني من غير سابقة علم مني، وربيتني من غير حق يوجب ذلك عليك،

صفحة رقم 3

فإن افتخرت فيما أنعمت عليّ وقد أمرت وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، وإن استغفرت فمما أسرفت على نفسي وقد قلت وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النساء: ١١٠].
فيا من لا يوجد في جوده شوب غرض ولا علّة، شرفني في الآخرة بالعزّة، واحرسني في دنياي من الذلّة، ولا تؤاخذني بالنقصان الإمكاني ولا تعاقبني بالنسيان الإنساني حتى يكون لك الفضل في الآخرة والأولى، والثناء في المبدأ والمحمدة في العقبى. أدعوك دعاء البائس الفقير المستعين، وأتضرّع إليك تضرّع الذليل المهين المستكين الماثل بين يدي مولاه الآيس بالكلية عمن سواه فاسمع فإنك سميع الدعاء وأجب فإنك قادر على ما تشاء. والصلاة والسلام على عبيدك، المخصوصين بتأييدك، المنزهين عن الأدناس الجسميّة، المطهرين عن الأرجاس النفسية، الفائزين بأشرف مراتب الأنس، الواصلين إلى أعلى مدارج الأنس، الضاربين في أرقى معارج القدس، ولا سيما المصطفى محمد الذي أشرق في سماء النبوة بدرا، وأشرف على بساط الرسالة صدرا، سيد الثقلين وسند الخافقين، إمام المتقين ورسول رب العالمين الكائن نبيا وآدم بين الماء والطين، المعفّر له جباه الأملاك، المشرف بلولاك لما خلقت الأفلاك، صلى الله عليه وعلى آله مفاتيح الجنة وأصحابه مصابيح الدحنة وسلم تسليما كثيرا.
وبعد، فإن المفتقر إلى عفو ربه الكريم الحسن بن محمد القمي المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في أولاه وأخراه يقول: من المعلوم عند ذوي الأفهام أن كلام الملوك ملوك الكلام، وبقدر البون بين الواجب الذات والممكن الذات يوجد التفاوت بين كلام الله تعالى وكلام المخلوقات. ولا سيما إذا وقع في معرض التحدي الذي يظهر النبي هنا لك من المتنبي، وهذا شأن القرآن العظيم والفرقان الكريم الذي أخرس شقاشق المناطق، قضّهم بقضيضهم، وأوقر مسامع المصاقع فيما بين أوجهم وحضيضهم حتى اختاروا المقارعة بالسيوف على المعارضة بالحروف، والمقاتلة بالأسنّة على المقاولة بالألسنة، والملاكمة باللهاذم على المكالمة باللهازم، ومبارزة الأقران على الإتيان بأقصر سورة من القرآن. قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣] وقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]. درج لهم الأمر فأوقع التحدي على القرآن جملة ثم على عشر سور ثم على سورة، فاضطرهم التعجيز إلى إيثار الأصعب على الأسهل فتبين أن الأسهل

صفحة رقم 4

في النظر هو الأصعب في نفس الأمر. وذلك من أذلّ دليل على حقية المنزّل وصدق المنزّل عليه وكيف لا وفيه نبأ الأولين وخبر الآخرين وحكم ما بين الخلائق أجمعين؟!
قال ﷺ في وصفه: «هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله. هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى قالوا: إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن ناظر به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».
ولقد انتصب جمّ غفير وجمع كثير من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين والأئمة المتقنين في كل عصر وحين، للخوض في تيار بحاره والكشف عن أستار أسراره والفحص عن غرائبه والاطلاع على رغائبه نقلا وعقلا وأخذا واجتهادا، فتباينت مطامح همّاتهم، وتباعدت مواقع نياتهم، وتشعبت مسالك أقدامهم وتفنّنت مقاطر أقلامهم فمن بين وجيز وأوجز ومطنب وملغز، ومن مقتصر على حل الألفاظ، ومن ملاحظ مع ذلك حظ المعاني والبيان ونعم اللحاظ، فشكر الله تعالى مساعيهم وصان عن إزراء القادح معاليهم. ومنهم من أعرض عن التفسير وأقبل على التأويل، وهو عندي ركون إلى الأضاليل وسكون على شفا جرف الأباطيل إلا من عصمه الله وإنه لقليل، ومنهم من مرج البحرين وجمع بين الأمرين. فللراغب الطالب أن يأخذ العذب الفرات ويترك الملح الأجاج، ويلقط الدرّ الثمين ويسقط السبج والزجاج.
وإذ وفقني الله تعالى لتحريك القلم في أكثر الفنون المنقولة والمعقولة كما اشتهر بحمد الله تعالى ومنّه فيما بين أهل الزمان. وكان علم التفسير من العلوم بمنزلة الإنسان من العين والعين من الإنسان. وكان قد رزقني الله تعالى من إبان الصبا وعنفوان الشباب حفظ لفظ القرآن وفهم معنى الفرقان. وطالما طالبني بعض أجلّة الإخوان وأعزة الأخدان ممن كنت مشارا إليه عندهم بالبنان في البيان- والله المنان يجازيهم عن حسن ظنونهم ويوفّقنا لإسعاف سؤلهم وإنجاح مطلوبهم- أن أجمع كتابا في علم التفسير مشتملا على المهمات مبنيا على ما وقع إلينا من نقل الأثبات وأقوال الثقات، من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين المتقدمين والمتأخرين- جعل الله تعالى سعيهم مشكورا وعملهم مبرورا- فاستعنت بالمعبود وشرعت في المقصود، معترفا بالعجز والقصور في هذا

صفحة رقم 5

الفن وفي سائر الفنون، لا كمن هو بابنه وبشعره مفتون. كيف وقد قال عز من قائل وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا [النساء: ٤٥] وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: ٨١، ١٣٢، ١٧١ والأحزب ٣، ٤٨] ولما كان التفسير الكبير المنسوب إلى الإمام الأفضل والهمام الأمثل، الحبر النحرير والبحر الغزير، الجامع بين المعقول والمنقول الفائز بالفروع والأصول، أفضل المتأخرين فخر الملة والحق والدين محمد بن عمر بن الحسين الخطيب الرازي تغمده الله برضوانه وأسكنه بحبوحة جنانه، اسمه مطابق لمسماه وفيه من اللطائف والبحوث ما لا يحصى، ومن الزوائد والغثوث ما لا يخفى، فإنه قد بذل مجهوده ونثل موجوده حتى عسر كتبه على الطالبين وأعوز تحصيله على الراغبين، فحاذيت سياق مرامه، وأوردت حاصل كلامه، وقربت مسالك أقدامه، والتقطت عقود نظامه، من غير إخلال بشيء من الفرائد أو إهمال لما يعدّ من اللطائف والفوائد، وضممت إليه ما وجدت في الكشاف وفي سائر التفاسير من اللطائف المهمات، أو رزقني الله تعالى من البضاعة المزجاة، وأثبت القراآت المعتبرات والوقوف المعللات، ثم التفسير المشتمل على المباحث اللفظيات والمعنويات، مع إصلاح ما يجب إصلاحه وإتمام ما ينبغي إتمامه من المسائل الموردة في التفسير الكبير والاعتراضات، ومع حل ما يوجد في الكشاف من المواضع المعضلات سوى الأبيات المعقدات، فإن ذلك يوردها من ظن أن تصحيح القراآت وغرائب القرآن إنما يكون بالأمثال والمستشهدات كلا، فإن القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، فلا علينا أن نقتصر في غرائب القرآن على تفسيرها بالألفاظ المشتهرات وعلى إيراد بعض المتجانسات التي تعرف منها أصول الاشتقاقات. وذكرت طرفا من الإشارات المقنعات والتأويلات الممكنات والحكايات المبكيات والمواعظ الرادعة عن المنهيات الباعثة على أداء الواجبات، والتزمت إيراد لفظ القرآن الكريم أوّلا مع ترجمته على وجه بديع وطريق منيع مشتمل على إبراز المقدّرات وإظهار المضمرات وتأويل المتشابهات وتصريح الكنايات وتحقيق المجازات والاستعارات فإن هذا النوع من الترجمة مما تسكب فيه العبرات وترن «١» المترجمون هنا لك إلى العثرات، وقلما يفطن له الناشئ الواقف على متن اللغة العربية فضلا عن

(١) هكذا في النسخة المطبوعة وفي نسخة أخرى ويزن في نسخة ثالثة وذن ولعل الصواب ويزل وليتحرر اه- مصححة.

صفحة رقم 6

الدخيل القاصر في العلوم الأدبية. واجتهدت كل الاجتهاد في تسهيل سبيل الرشاد، ووضعت الجميع على طرف التمام ليكون الكتاب كالبدر في التمام وكالشمس في إفادة الخاص والعام، من غير تطويل يورث الملام ولا تقصير يوعر مسالك السالك ويبدد نظام الكلام، فخير الكلام ما قل ودل، وحسبك من الزاد ما بلغك المحل. والتكلان في الجميع على الرحمن المستعان والتوفيق مسؤول ممن بيده مفاتيح الفضل والإحسان وخزائن البر والامتنان. وهذا أوان الشروع في تفسير القرآن، ولنقدم أمام ذلك مقدمات.

صفحة رقم 7

المقدمة الأولى
في فضل القراءة والقارئ، وآداب القراءة وجواز اختلاف القراآت، وذكر القراء المشهورين المعتبرين
عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن فاستظهره وأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار» «١»
وعنه: أن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» «٢»
. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: «الحالّ المرتحل»، قال: وما الحالّ المرتحل؟ قال: «يضرب من أول القرآن إلى آخره كلّما حلّ ارتحل» «٣»
. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر في القرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ، له أجران»
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى يتلون كتاب الله عز وجل ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» «٤».
وعن سهل بن معاذ الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ القرآن وعمل به ألبس والداه تاجا يوم القيامة ضوءه أحسن من

(١) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب ١٣. أحمد في مسنده (١/ ١٤٨).
(٢) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب ٢١. أبو داود في كتاب الوتر باب ١٤. الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب ١٥.
ابن ماجه في كتاب المقدمة باب ١٦. أحمد في مسنده (١/ ٥٧، ٥٨).
(٣) رواه الترمذي في كتاب القرآن باب ١١. الدارمي في كتاب فضائل القرآن باب ٣٣.
(٤) رواه مسلم في كتاب الذكر حديث ٣٧، ٣٨. أبو داود في كتاب الوتر باب ١٤.
الترمذي في كتاب القرآن باب ١٠. أحمد في مسنده (٢/ ٢٥٢).

صفحة رقم 8

ضوء الشمس في بيوت الدنيا وكانت فيكم، فما ظنكم بالذي عمل بهذا؟» «١»
وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إنما مثل صاحب القرآن مثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت» «٢».
وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» «٣».
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «يقال لصاحب القرآن أقرأ وراق ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرأ» «٤».
وفي الصحاح كلها عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة، فتربّصت حتى سلّم فلبيته بردائه فقلت: «من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرسله اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه».
إذا تقرر ذلك فنحن نذكر في الكتاب من القراآت السبع المنسوبة إلى القراء السبعة، والأربع المنسوبة إلى الأئمة المختارين، ونرى أن نفصّل هاهنا أساميهم وأسامي رواتهم ليتعين ما نسب في أثناء التفسير إلى كل منهم والله ولي التوفيق.
ذكر القراء السبعة وتسمية نقلتهم من الرواة وطرقهم من الثقات:
١- أبو عمرو زبان بن العلاء البصري. روى عن مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات سنة أربع وخمسين ومائة. ورواته ثلاثة: أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، روى عنه أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري طريق أبي الزعراء، عبد الرحمن بن عبدوس، وأبو الفتح عامر بن صالح الموصلي

(١) أبو داود في كتاب الوتر باب ١٤. أحمد في مسنده (٣/ ٤٤٠).
(٢) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب ٢٣. مسلم في كتاب المسافرين حديث ٢٢٦. النسائي في كتاب الافتتاح باب ٣٧. ابن ماجه في كتاب الأدب باب ٥٢. أحمد في مسنده (٢/ ٧، ٢٣).
(٣) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب ٣٢. مسلم في كتاب المسافرين حديث ٢٣٢. أبو داود في كتاب الوتر باب ٢٠. الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب ١٧.
(٤) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب ١٨. أحمد في مسنده (٢/ ١٩٢، ٤٧١).

صفحة رقم 9

المعروف بأوقية طريق أبي قبيصة حاتم بن إسحق الموصلي، وأبو شعيب صالح بن زياد السوسي طريق أبي الحرث محمد بن أحمد الرقي، وأبو إسحق إبراهيم بن حماد طريق أبي عيسى موسى بن عبد الله الهاشمي. وأبو نعيم شجاع بن أبي نصر الخراساني، روى عنه أبو جعفر محمد بن غالب طريق أبي علي الحسن بن الحسين الصواف. وعباس بن فضل الأنصاري، روى عنه أبو عمرو محمد بن رومي طريق أبي إسحق إبراهيم بن كعب الموصلي وطريق شباب بن خليفة، وهو الأصح، وطريق أبي إسحق أيضا عن أوقية.
٢- ابن كثير هو أبو محمد عبد الله بن كثير المكي. روى عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة عشرين ومائة، ورواته أربعة: أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة البزي، وبينه وبين ابن كثير رجال لأنه يروي عن عكرمة بن سليمان بن كثير عن شبل بن عباد، وإسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين عن ابن كثير. وروى عن البزي أبو ربيعة محمد بن إسحق بن أعين الربعي طريق الزينبي- وهو الهاشمي- وطريق أبي بكر محمد بن الحسن المعروف بالنقاش الموصلي، وأبو محمد الهاشمي- وطريق أبي بكر محمد بن الحسن المعروف بالنقاش الموصلي، وأبو محمد إسحق بن أحمد الخزاعي المكي طريق ابن شنبوذ وطريق الهاشمي وطريق أبي بكر أحمد بن محمد الطوابيقي وطريق أبي القاسم السرنديبي وطريق أبي الحسن علي بن زوابة القزاز وطريق أبي بكر محمد بن عيسى بن بندار الجصاص، وأبو علي الحسين بن محمد الحداد طريق الهاشمي عن البزي. عبد الله بن فليح عن رجاله عن ابن كثير، ورجاله: محمد بن سبعون، وداود بن شبل عن إسماعيل بن عبد الله عن ابن كثير. وروى عن ابن فليج أبو علي الحداد طريق النقاش وطريق الهاشمي وطريق الخزاعي وطريق ابن شنبوذ. أبو الحسن أحمد بن محمد بن عون القواس، وبينه وبين ابن كثير أيضا رجال، لأنه يروي عن أبي الاخريط وهب بن واضح عن إسماعيل بن عبد الله عن عبد الله بن عامر الأموي ومعروف بن مشكان، وشبل بن عباد عن ابن كثير. وروى عن القواس قنبل طريق الزينبي طريق أبي ربيعة طريق أبي نجاح طريق ابن أبي عون القاضي طريق ابن شنبوذ طريق أبي القاسم السرنديبي.
زمعة بن صالح عن ابن كثير طريق عبد الله بن سعوة وطريق شعيب بن مرة.
٣- نافع بن أبي نعيم المدني، قرأ على أبي جعفر القاري وعلى سبعين من التابعين على ابن عباس وأبي هريرة على أبيّ بن كعب على النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة تسع وستين ومائة، ورواته ثلاثة: إسماعيل بن جعفر بن كثير الأنصاري، روى عنه أبو الزعراء وأبو بكر

صفحة رقم 10

الحسن بن علي بن بشار النحوي، وأبو جعفر أحمد بن فرج الضرير. ورش، اسمه عثمان بن سعيد المصري، روى عنه محمد بن عبد الرحيم الأصفهاني طريق أبي الحسن محمد بن أحمد المروزي وطريق أبي القاسم هبة الله بن جعفر بن محمد بن الهيثم، وأبو عبد الله محمد بن إسحق البخاري طريق أبي الأسد أحمد بن إبراهيم الفقيه وطريق أبي بكر محمد بن مرثد التميمي. قالون: واسمه عيسى بن مينا النحوي، روى عنه أبو علي الحسن بن عباس الرازي طريق أبي بكر أحمد بن حماد المقري، وأبو إبراهيم مصعب بن إبراهيم الزهري طريق أبي بكر محمد بن عبد الله بن فليح، وأبو نشيط محمد بن هارون المروزي طريق أبي حسان محمد بن أحمد بن الأشعث الجيزي، وأبو الحسن أحمد بن يزيد الحلواني طريق الحسن بن العباس الرازي وطريق أبي عون القاضي.
٤- عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي، قرأ على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي على عثمان بن عفان رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي رضي الله عنه سنة ثمان عشرة ومائة وله راويان. روى عنه من رجاله أبو محمد عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، ورجاله أيوب بن تميم عن يحيى بن الحرث عن ابن عامر، روى عنه أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد طريق الحسن بن عبد الله المقري، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش الموصلي المفسر طريق الحسن بن عبد الله أيضا، وأبو الحسن محمد بن النضر بن مرّ بن الحر الربعي المعروف بابن الأخرم عن الأخفش عن ابن ذكوان. هشام بن عمار عن رجاله عن ابن عامر، ورجاله أيوب بن تميم وسويد بن عبد العزيز عن يحيى بن الحرث، روى عنه البخاري عن الحلواني عن هشام طريق أبي علي الحسن بن مهران، وأبو الحسين أحمد بن يزيد الحلواني الصفار طريق أبي عبد الله الحسين بن علي بن حماد الأزرق، وأبو إسحق إبراهيم بن يونس الرازي طريق البخاري.
٥- عاصم بن بهدلة الأسدي، قرأ عاصم على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي معلم الحسن والحسين على علي رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائة ورواته أربعة: أبو عمر حفص ابن أبي داود سليمان بن المغيرة البزاز الأسدي وكان شريك أبي حنيفة. روى عنه أبو محمد هبيرة بن محمد التمار طريق الحسنون بن الهيثم طريق أحمد بن علي الخرّاز وأبو حفص عمرو بن الصباح طريق عبد الصمد بن محمد. أبو بكر شعبة بن عياش روى عنه عبد الحميد بن صالح البرجمي طريق جعفر بن غالب اليشكري، وأبو زكريا يحيى بن آدم القرشي طريق أبي حمدون الطيب بن إسماعيل وطريق شعيب بن

صفحة رقم 11

أيوب بن زريق الصريفيني، وأبو يوسف يعقوب بن خليفة بن سعد بن هلال الأعشى وله راويان، روى عنه أبو جعفر محمد بن غالب ومحمد بن حبيب الشموني. حماد بن أبي زياد طريق يحيى بن محمد العليمي الأنصاري رحمه الله تعالى. المفضل بن محمد الضبّي روى عنه جبلة بن مالك النضري طريق أبي زيد عمرو بن شيبة، وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري طريق محمد بن يحيى القطفي رحمه الله تعالى.
٦- حمزة بن حبيب الزيات العجلي: قرأ على سليمان بن مهران الأعمش على يحيى بن وثاب على زر بن حبيش على علي بن أبي طالب وعثمان وابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة ست وخمسين ومائة، ورواته أربعة: أبو إسحق إبراهيم بن زربي طريق أبي المستنير رجاء بن عيسى بن رجاء الجوهري. عبد الرحمن قلوقا طريق أبي المستنير أيضا. أبو محمد عبد الله بن صالح العجلي طريق أبي حمدون الطيب بن إسماعيل وطريق أبي إسحق إبراهيم بن نصر بن عبد العزيز المقري ويروى نصير بن عبد الله المقري وهو الأصح. سليم بن عيسى الحنفي، روى عنه خلاد بن خالد الصيرفي طريق محمد بن شاذان الجوهري وطريق القاسم بن يزيد الوزان، وأبو محمد خلف بن هشام البزاز طريق أبي الحسين إدريس بن عبد الكريم الحداد، وأبو جعفر محمد بن سعدان النحوي طريق محمد بن سليمان وطريق أبي واصل أحمد بن واصل، وأبو عمرو الدوري طريق أبي الزعراء.
٧- علي بن حمزة الكسائي: قرأ على حمزة بن حبيب على يحيى بن وثاب على زر بن حبيش على عثمان وعلي وابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة تسع وثمانين ومائة رضي الله عنه وله ستة رواة: أبو عبد الرحمن قتيبة بن مهران الآزاذاني، روى عنه أبو الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم المقرئ طريق أبي الفضل العباس بن الوليد بن مرداس، وأبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران طريق أحمد بن حدي. أبو المنذر نصر بن يوسف النحوي روى عنه محمد بن إدريس الأشعري المعروف بالديداني طريق أبي عبد الله الحسين بن علي بن حمّاد المعروف بالأزرق وأبو عبد الله محمد بن عيسى الأصفهاني طريق أبي علي الحسن بن العباس الرازي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري طريق بكّار بن أحمد المقري، وأبو جعفر علي بن أبي نصير النحوي طريق الأزرق المذكور. أبو الحرث الليث بن خالد طريق أبي عبد الله محمد بن يحيى الكسائي. حمدويه بن ميمون الزجاج طريق أبي العباس أحمد بن يعقوب السمسار. أبو حمدون الطيب بن إسماعيل طريق أبي علي الحسن بن الحسين الصواف. أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري روى عنه

صفحة رقم 12

أبو بكر الحسن بن علي بن بشار النحوي طريق أبي الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم، وأبو الزعراء طريق أبي بكر بن مجاهد، وأبو الحسن علي بن سليم طريق أبي القاسم هبة الله بن جعفر، وطريق إبراهيم بن أحمد الخرقي، وأبو جعفر أحمد بن فرح الضرير طريق أبي بكر النقاش الموصلي.
ذكر الأئمة المختارين وتسمية رواتهم:
أبو جعفر يزيد بن القعقاع القاري المدني، وقار موضع من المدينة، ورواته اثنان: أبو موسى عيسى بن وردان الحذاء طريق قالون عيسى بن مينا النحوي، وأبو مسلم سليمان بن مسلم الجماز الزهري طريق أبي عبد الرحمن قتيبة بن مهران. أبو محمد يعقوب بن إسحق الحضرمي توفي في ذي الحجة سنة خمس ومائتين، وقرأ على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل على عاصم وأبي عمر، ورواته ثلاثة: روح بن عبد الملك طريق أحمد بن يحيى المعدل، أبو بكر محمد بن المتوكل اللؤلؤي الملقب برويس طريق أبي بكر محمد بن هارون وطريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مقسم الفقيه، أبو أحمد زيد بن أحمد بن إسحق طريق المعدل أيضا وطريق محمد بن هارون. أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار طريق أبي الحسن إدريس بن عبد الكريم، ونقله أبو بكر محمد بن يعقوب بن مقسم العطار، وقرأ خلف على سليم على حمزة. أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني طريق أبي علي الحسن بن تميم وطريق أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد وطريق مسيح بن حاتم، وقرأ سهل على يعقوب وأيوب بن المتوكل.
فهذا هو المعول عليه من القراآت وأما الشواذ فلا نتعرض منها إلا لما فيه نكتة أو غرابة وذلك في أثناء التفسير لا في خلال القراآت. والله أعلم بالصواب.

صفحة رقم 13

المقدمة الثانية
الاستعاذة المندوب إليها في قوله عز من قائل: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨] قرأها أبو عمرو ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وعاصم غير هبيرة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم»، وروى الهاشمي عن ابن كثير: «أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم»، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم: «أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم»، وقرأها أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وعلي الكسائي وخلف: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم». وقد يروى عن حمزة: «أستعيذ بالله» أو «نستعيذ بالله» مخيّرا. وقرأ سهل: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم». ومنشأ هذه الاختلافات أنه قد جاء في سورة النحل فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النحل: ٩٨] الآية وفي حم السجدة فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦]
وروى جبير بن مطعم أن النبي ﷺ حين افتتح الصلاة قال: «الله أكبر كبيرا- ثلاث مرات- والحمد لله كثيرا- ثلاث مرات- وسبحان الله بكرة وأصيلا- ثلاث مرات-» ثم قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه».
وروى البيهقي في كتاب السنن عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل كبّر ثلاثا وقال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم».
وروى الضحاك عن ابن عباس أنّ أول ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: قل يا محمد أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، اقرأ باسم ربك الذي خلق.
ثم في المقدمة مسائل:
الأولى: الأكثرون على أن وقت الاستعاذة قبيل القراءة، إذ المراد من قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ [النحل: ٩٨] : إذا أردت قراءة القرآن كما في قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة: ٦] المراد: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. والأخبار المذكورة أيضا تؤيد ذلك. وعن النخعي وقد يروى عن حمزة وابن سيرين أيضا، أن وقتها بعيد القراءة نظرا إلى

صفحة رقم 14

ظاهر اللفظ، ولأنه قد يدخل المرء إعجاب بسبب القراءة حيث إنها طاعة موجبة للثواب فيناسب أن يستعيذ من ذلك.
الثانية: الأكثرون على أن الاستعاذة مندوبة، لأنّ النبي ﷺ لم يعلّم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة، وزيف بأن الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها. وعن عطاء أن الاستعاذة واجبة في كل قراءة في الصلاة وغيرها، لأن النبي ﷺ واظب عليها. وقال تعالى: فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣ و ١٥٥] «١» ولأن الأمر في «فاستعذ» للوجوب. وإنما تجب عند كل قراءة لأنه قال: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدلّ على التعليل، والحكم يتكرّر بتكرّر العلّة. ولأن الاستعاذة لدفع شر الشيطان، ودفعه واجب، وما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب. وعن ابن سيرين وجوبها في العمر مرة واحدة وعن مالك أنه لا يتعوّذ في المكتوبة إلا في قيام رمضان.
الثالثة: المستحبّ فيها الإسرار في الصلاة وإن كانت جهرية إلحاقا لها بما قبلها من الذكر وهو دعاء الاستفتاح، ولأن الجهر كيفية وجودية، والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية والأصل هو العدم، وأنها تستحبّ في كل ركعة لما مرّ من أنّ الحكم يتكرر بتكرر العلة لكنها آكد في الأولى.
الرابعة: اعلم أن الكلام في معنى قول القائل: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، يتعلق بخمسة أركان: الاستعاذة، والمستعيذ، والمستعاذ له، والمستعاذ منه، وما لأجله الاستعاذة. فههنا أبحاث:
البحث الأول: معنى العوذ الالتجاء أو الالتصاق. قال الجوهري: أطيب اللحم عوّذه وهو ما التصق منه بالعظم. أي التجئ إلى رحمة الله، أو التصق بفضله. والباء في «بالله» للإلصاق، كما أن «من» في «من الشيطان» للابتداء، لأنه ابتدأ بالتبري من الشيطان والتصق برحمة الله تعالى وإعانته. واستعاذة لا تتمّ إلا بأن يعلم العبد كونه عاجزا عن جلب المنافع الدينية والدنيوية ودفع المضارّ العاجلة والآجلة، وأن الله تعالى قادر على إيصال المنافع

(١) إن الضمير في أمر قوله تعالى فَاتَّبِعُوهُ عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفقا لسياق كلام المؤلف. وعلى هذا تكون الآية التي أرادها المؤلف هي ١٥٨ من سورة الأعراف، وهي قوله تعالى:... فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. فاقتضى التنويه.

صفحة رقم 15

ودفع المضار لا قدرة على ذلك لأحد سواه تعالى. ويتولد عن هذا العلم في القلب حالة هي انكسار وخضوع، ويحصل منها في القلب أن يصير العبد مريدا لأن يصونه الله تعالى عن الآفات ويفيض عليه الخيرات، ثم يصير بلسانه طالبا لذلك فيقول: «أعوذ بالله». فالركن الأعظم في الاستعاذة هو أن يعلم العبد أنّ الله تعالى عالم بكل المعلومات، وإلا جاز أن لا يعلم حاله فتقع الاستعاذة عبثا وأن يعلم أنه قادر على جميع الممكنات، وإلّا فربّما كان عاجزا عن تحصيل مراد العبد وأن يعلم أنه جواد معطاء، وإلا لجاز أن يبخل بمقصوده وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله على تحصيل مرامه، وإلا لم يكن صادق الرغبة في الاستعاذة به. والحاصل أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلّة العبودية لم تصح منه الاستعاذة. ومما يدلّ على ذلّة الإنسان وعجزه أن بعض الأكياس ربما يبقى في شبهة واحدة طول عمره ولا تنكشف له إلى أن يجيء بعده من يحلها. ولهذا وقع الاختلاف في الأديان والمذاهب، ولولا إعانة الله تعالى وإرشاده لم تتخلص سفينة فكره من أمواج الضلالات.
وأيضا كل واحد يريد أن يحصل له الدين الحق ولا يرضى لنفسه الجهل والكفر، ولكم من مضلّ مبطل في الدنيا، فلا خلاص من ظلمات الشبهات إلا بإعانة رب الأرض والسموات.
ولا يقع الحد الأوسط للمطالب في الذهن إلّا بهداية من بيده مفاتيح الخيرات. وأيضا البدن يشبه الجحيم وعليها تسعة عشر من الزبانية وهي: الحواس الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة، والقوى الطبيعية السبع، والشهوة، والغضب ومجال تصرّف كلّ منها غير متناه بحسب الشخص والعدد، ويحصل من كل منها أثر في القلب يجرّه من أوج عالم الروحانيات إلى حضيض الجسمانيات فلا خلاص للقلب عن هذه الظلمات إلا بنور الله تعالى. وأيضا كما أنه لا نهاية لمراتب الكمالات فلا نهاية لدرجات الحرص على اللذات الحسيات والخيالات، وكما أنه لا يمكن تحصيل الكمالات التي لا نهاية لها فكذا لا يمكن إزالة مرض الحرص على اللذات فيجب الرجوع إلى واهب السعادات الحقيقات. وفي بعض الكتب الإلهية قال الله تعالى:
«وعزّتي وجلالي لأقطعنّ أمل من يؤمل غيري باليأس، وألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأجنبنه من قربي، ولأبعدنه من وصلي، ولأجعلنه متفكرا حيران يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم، ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني».
ثم الكلام في صحة الاستعاذة كالكلام في سائر الأدعية والعبادات التي جعلها الله تعالى سببا وواسطة لحصول الكمالات العاجلة والآجلة للعبد. وذلك أنه تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: ١٠٧] خالق لما يشاء كما يشاء لا اعتراض لأحد من خلقه عليه وعلى أفعاله وعلى

صفحة رقم 16

النظام الذي اخترعه، الكل منه وبه، وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه، إذا أمرك بالاستعاذة فاستعذ، لأنه جعلها سببا لدفع الوساوس والهواجس. كما أنه إذا جعل الأكل والشرب سببا لدفع الجوع والعطش فإنك تأكل وتشرب ولا تقول ما الفائدة في الأكل والشرب إن كان الإشباع والإرواء من الله تعالى وإن كانا بقدرة الله تعالى. وبهذا التحقيق تسقط الاعتراضات المشهورة للجبرية والمعتزلة لأنها تحوم حول ما أشرنا إليه. ولا ينبئك على سر الاستعاذة مثل
قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
البحث الثاني: المستعيذ ليس شخصا معينا بل كل مخلوق مفتقر إلى الاستعاذة به.
ولهذا قال نوح: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [هود: ٤٧]، فأعطي السلام والبركات في قوله: يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ [هود: ٤٨] وقال يوسف: مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف: ٢٣]، فصرف عنه السوء والفحشاء وقال موسى: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غافر: ٢٧] فأغرق الله تعالى عدوّه وأورثه أرضهم وديارهم وأموالهم وقالت امرأة عمران: إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٦] «١» فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [آل عمران: ٣٧]. وقد أمر نبينا ﷺ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:
١] وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١] فوقي شر النفاثات في العقد وكفي شر الوسواس الخناس.
البحث الثالث: المستعاذ له إنما هو الله أو كلمات الله كما
جاء في الأخبار: «أعوذ بكلمات الله التامة».
أما البحث عن اسم الله فسيجيء في تفسير البسملة. وأما كلمات الله فالمراد بها المبدعات الصادرة عنه تعالى بكلمة كُنْ [البقرة: ٢١٧ آل عمران: ٤٧ و ٥٩ الأنعام: ٧٣ النحل: ٤٠ مريم: ٣٥ يس: ٨٢ غافر: ٦٨] من غير مادة ومدة، فكأن الأرواح البشرية تستعيذ وتستعين بالأرواح العلوية المقدسة في دفع شرور الأرواح الخبيثة. وإنما تحسن الاستعاذة بالكلمات إذا كان قد بقي في نظره التفات إلى ما سوى الله تعالى. وأما إذا تغلغل في بحر التوحيد لم يستعذ إلا بالله ومن الله كما
قال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك منك»، وإذا فني عن نفسه وفني أيضا عن فناء نفسه قال: «أنت كما أثنيت على نفسك».
البحث الرابع: المستعاذ منه الشيطان، وما لأجله الاستعاذة دفع شره. فنقول: أما

(١) تنقص «الواو» في «إني»، فتمام الآية قوله تعالى: وَإِنِّي أُعِيذُها... الآية.
تفسير غرائب القرآن/ مجلد ١/ م ٢

صفحة رقم 17

اشتقاقه فمن ش ط ن، ويقال شطن الدار أي بعدت، والشيطان بعيد عن السداد والرشاد، وقد يسمى كل متمرّد من إنس أو دابة شيطانا. قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام: ١١٢] وركب عمر برذونا فطفق يتبختر فجعل يضربه ولا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه فقال: ما حملتموني إلا على شيطان. هذا أحد قولي سيبويه.
وعلى هذا ف «نونه» أصلية، ووزنه «فيعال»، وقد جعل سيبويه في موضع آخر النون زائدة وجعله فعلان من شاط يشيط إذا بطل. ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه لأنه مبطل لوجوه مصالح نفسه سمّي شيطانا. والرجيم معناه المرجوم كاللعين بمعنى الملعون. ومعنى المرجوم إما الملعون من قبل الله تعالى، وإما لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشيطان بالشهب الثواقب، ثم وصف بذلك كل شرير متمرد. وأما من ضم إلى الاستعاذة قوله: «إن الله هو السميع العليم» فوجه ذلك بعد الاقتداء بما ورد في القرآن أن العبد كأنه يقول: يا من يسمع كل مسموع ويعلم كل سرّ خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها، وأنت القادر على دفعها عني، فادفعها عني بفضلك.
ولنتكلم في الجن والشياطين فنقول: من الناس من أنكرهم لوجوه:
الأول: لو كان موجودا فإن كان جسما كثيفا لوجب أن يراه كلّ من كان سليم الحس، لكنّا لا نراه وإن كان جسما لطيفا لوجب أن يتمزّق ويتفرّق عند هبوب الريح العاصفة، ولزم أيضا أن لا يقدر على الأعمال الشاقة التي ينسبها إليه المثبتون. والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون جوهرا مجردا وبتقدير أن يكون جسما كثيفا فلم لا يجوز أن يصرف الله تعالى عنه أبصار الإنسان لحكمة في ذلك، كما قال عز من قائل: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧]. وعلى تقدير كونه جسما لطيفا فلم لا يجوز أن يكون تركيبه محكما كالأفلاك.
الوجه الثاني: قالوا: الظاهر الغالب أنهم لو كانوا في العالم لخالطوا الناس وشوهدت منهم العداوة والصداقة وليس كذلك، وأهل التعزيم إذا تابوا من صنعتهم يكذبون أنفسهم فيما نسبوه إليهم. ومجال المنع في هذا الوجه لا يخفى لثبوت الاختلاط والعداوة والصداقة منهم بالنسبة إلى كثيرين. قال عز من قائل: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [الأحقاف: ٢٧]، قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ١] وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ: ١٢] امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
[الأنعام: ١٣٠ والرحمن: ٣٣]

صفحة رقم 18

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا» «١» «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «٢» «ما منكم أحد إلا وله شيطان». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فاسلم» «٣».
الوجه الثالث: قالوا: إخبار الأنبياء عنهم لا تفيد إثباتهم، إذ على تقدير ثبوتهم يجوز أن يقال: كل ما أتى به الأنبياء فإنما حصل بإعانة الجن فمن الجائز أن حنين الجذع كان بسبب نفوذ الجن في الجذع، وكلّ فرع أدّى إلى إبطال الأصل فهو باطل. والجواب أن الدليل الدال على صحة نبوة الأنبياء، كما يجيء، يدلّ على صدق أخبارهم. ومن جملة ما أخبروا عنه وجود الجن والشياطين فصحّ وجودهم. واعلم أن كثيرا من الناس أثبتوا موجودات لا متحيزة ولا حالة في المتحيز وزعموا أنها مجردات عن شوائب الجسمانيات وهم الملائكة المقربون الذين لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء: ١٩]، ويليها مرتبة الأرواح المتعلّقة بتدبير الأجسام وأشرفها حملة العرش، ثم الحافّون من حول العرش، ثم ملائكة الكرسي، ثم ملائكة السموات طبقة فطبقة، ثم ملائكة كرة الأثير، ثم ملائكة كرة النسيم، ثم ملائكة كرة الزمهرير، ثم الملائكة المسلطة على البحار، ثم على الجبال ثم مرتبة الأرواح السفلية المتصرفة في هذه الأجسام النباتية والحيوانية. وهذه الأرواح قد تكون مشرقة خيرة وهم من قبيل الملائكة، وقد تكون مظلمة شريرة وهم شياطين الإنس والجن. ولفظ الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار لاستتارهم عن العيون، ومنه المجنون لاستتار عقله، والجنة لكونها ساترة للإنسان. وطوائف المكلفين أربعة: الملائكة والإنس والجن والشياطين. والاختلاف بين الجن والشياطين قيل بالذاتيات كما بين الإنسان والفرس، وقيل بالعوارض، فالجن خيارهم والشياطين أشرارهم.
والمشهور أن الجن لهم قدرة على النفوذ في بواطن البشر، لأنهم لو كانوا مجردين فلا استبعاد في كونهم متصرفين في باطن الإنسان وإن كانوا أجساما لطيفة، فكذلك لا يبعد نفودهم في باطن الآدمي. كيف وقد ورد في القرآن: لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥]،

(١) رواه مالك في الموطأ في كتاب الاستئذان حديث ٣٣.
(٢) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب ٢١. أبو داود في كتاب الصوم باب ٧٨.
ابن ماجه في كتاب الصيام باب ٦٥. الدارمي في كتاب الرقاق باب ٦٦. أحمد في مسنده (٣/ ١٥٦، ٢٨٥).
(٣) رواه مسلم في كتاب المنافقين حديث ٦٩، ٧٠. الترمذي في كتاب الرضاع باب ١٧. النسائي في كتاب النساء باب ٤. الدارمي في كتاب الرقاق باب ٢٥، ٦٦. [.....]

صفحة رقم 19

وفي الحديث: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» «١»
ولا خلاف في أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأما الجن والشياطين فخلاف ذلك.
قال ﷺ في العظم: «إنه زاد إخوانكم من الجن» «٢»
وفي القرآن أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي [الكهف: ٥٠].
وأما كيفية الوسوسة
فيروى أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من بني آدم، فأراه ذلك فإذا رأسه الحية واضع رأسه على قلبه فإذا ذكر الله خنس وأيس، وإذا لم يذكره وضع رأسه على حبة قلبه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» «٣»
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ثم قرأ ﷺ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [البقرة: ٢٦٨]
الآية، فمن الخواطر ما هو أصل العادة، ومنها ما هو أصل الشقاوة. وسبب اشتباه خطأ الخواطر بصوابها أحد أربعة أشياء: إما ضعف اليقين، أو قلة العلم بصفات النفس وأخلاقها، أو متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى، أو محبة الدنيا وجاهها ومالها. فمن عصم من هذه الأربعة يفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ومن ابتلى بها فلا. واتّفق المحقّقون على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق بين الإلهام والوسوسة وفرقوا بين هواجس النفس ووسوسة الشيطان بأن النفس تطالب وتلحّ، فلا تزال كذلك حتى تصل إلى مرادها.
والشيطان إذا دعا إلى زلّة ولم يجب، يوسوس بأخرى إذ مراده الإغواء كيف أمكن.
وحقيقة الوسوسة راجعة إلى أن الإنسان بينما هو ذاهل عن الشيء ذكره الشيطان ذلك فيحدث له ميل، ويترتب الفعل على حصول ذلك الميل فكأن الذي أتى به الشيطان من خارج ليس إلا ذلك التذكير. وإليه الإشارة في القرآن حكاية عن إبليس وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: ٢٢]، ولا يتسلسل هذا التذكير وإنما يقدم

(١) رواه البخاري في كتاب الأحكام باب ٢١. أبو داود في كتاب الصوم باب ٧٨. ابن ماجه في كتاب الصيام باب ٦٥. الدارمي في كتاب الرقاق باب ٦٦. أحمد في مسنده (٣/ ١٥٦، ٢٨٥).
(٢) رواه أحمد في مسنده (١/ ٤٣٦، ٤٥٨). الترمذي في كتاب تفسير سورة ٤٦ باب ٣.
(٣)
رواه أحمد في مسنده (٢/ ٣٥٣) بلفظ: «... يحومون على بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض».

صفحة رقم 20

الشيطان على ذلك لعدم قابلية دفع في فطرته الأولى لحكمة علمها الله تعالى فيه. والمقصود من الاستعاذة لا ينحصر في دفع وسوسة الشيطان إلا أن ذلك معظم المقاصد ولهذا خص بالذكر في القرآن، ولو نوى المستعيذ دفع جميع المضار الدنيوية والأخروية فلا ضير.
نكت في الاستعاذة
الأولى: «أعوذ بالله»، عروج من الخلق إلى الحق ومن الممكن إلى الواجب، لأن «أعوذ» إشارة إلى الحاجة التامة وب «الله» إشارة إلى المعبود القادر على تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات ومن عرف نفسه بالضعف والقصور عرف الله بأنه قادر على كل مقدور. ومن عرف نفسه باختلال الحال عرف ربه بالجلال والكمال، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب.
الثانية: سر الاستعاذة الالتجاء إلى قادر يدفع عنك الآفات، وقراءة القرآن من أعظم الطاعات. ولذلك جاء:
«من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» «١»
، فلهذا خصت الاستعاذة بالقراءة.
الثالثة: عند الفرار من العدوّ الغدّار يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وبعد الاستقرار في حضرة الملك الجبار يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
الرابعة: الاستعاذة تطهر اللسان عما جرى عليه من ذكر غير الله، وإذا حصل الطهور استعد للصلاة الحقيقية وهي ذكر الله فيقول: بسم الله.
الخامسة: العبد مأمور بمحاربة العدوّ الظاهر: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩]، وبمحاربة العدوّ الباطن: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: ٦] فإذا حاربت العدوّ الظاهر كان مددك الملك: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٥] وإذا حاربت العدوّ الباطن كان مددك الملك إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: ٤٢] ومحاربة العدوّ الباطن أولى لأنّ العدوّ الظاهر إن غلب بقي الدين واليقين وكنا مأجورين، وإن غلب العدوّ الباطن كنا مفتونين، ومن قتله العدوّ الظاهر كان شهيدا، ومن قتله العدوّ الباطن كان طريدا، ولا خلاص من شره إلا بأن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».

(١) رواه الترمذي في كتاب تفسير سورة آل عمران باب ٣٥.
رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب ٢٥. الدارمي في كتاب فضائل القرآن باب ٦.

صفحة رقم 21

السادسة:
قال الله تعالى: «يا عبدي قلبك بستاني وجنتي بستانك فلما لم تبخل عليّ ببستانك بل أنزلت معرفتي فيه لم أبخل عليك ببستاني وأنزلك فيه».
وهاهنا لطيفة وهي أن الله تعالى كأنه يقول للعبد أنت الذي أنزلت سلطان المعرفة في حجرة قلبك ومن أراد أن ينزل سلطانا في حجرة نفسه يجب عليه كنس الحجرة وتنظيفها فنظّف حجرة قلبك من تلوّث الوسوسة وقل: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
السابعة: أقسم في حق أبويك أنه لمن الناصحين فدلاهما بغرور، وأقسم فيك لأغوينهم أجمعين. فما ظنك بعاقبة معاملته معك فقل: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
الثامنة: إنما اختص اسم الله للاستعاذة به من بين سائر الأسماء لأن العدوّ كلما كان أشدّ احتيج إلى عدة أكثر، والاسم الجامع لجميع الصفات الكمالية إنما هو الله فكأنّ العبد قال:
أعوذ بالقادر العالم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات من الشيطان الرجيم.
التاسعة: الشيطان اسم والرجيم صفة له. ثم إنه تعالى لم يقتصر على الاسم بل ذكر صفته تنبيها للعبد أن الشيطان بقي في الخدمة ألوفا من السنين ولم يقدر على مضرّتنا، ومع ذلك رجمناه وطردناه. وأنت لو صاحبك الشيطان لحظة واحدة أخلدك في النار فكيف لا تشتغل بطرده فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
العاشرة:
يقول الله تعالى: «عبدي إنه يراك وأنت لا تراه فينفذ كيده فيك»
، فتمسّك بمن يرى الشيطان ولا يراه الشيطان، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
الحادية عشرة: الألف واللام في «الشيطان» للجنس لتفيد الاستعاذة من هذا الجنس مطلقا مرئيا وغير مرئي، ولو جعل للعهد جاز وتدخل ذرّيته فيه تبعا.
الثانية عشرة: الشيطان بعيد وأنت قريب وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] فكما أن الشيطان لا يجعله الله قريبا لقوله تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب ٦٢ والفتح: ٢٣] فاعرف أنه لا يجعلك الله تعالى بعيدا حين جعلك قريبا.
الثالثة عشرة: إن الشيطان رجيم، وإن الله رحمن رحيم، فاحذر من الشيطان الرجيم لتصل إلى الرحمن الرحيم.
الرابعة عشرة: الشيطان عدوّ غائب إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف: ٢٧] والله تعالى حبيب غالب وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [يوسف: ٢١] فإذا قصدك العدوّ الغائب فافزع إلى الحبيب الغالب.

صفحة رقم 22

المقدمة الثالثة في مسائل مهمة
المسألة الأولى: القراآت السبع متواترة لا بمعنى أن سبب تواترها إطباق القراء السبعة عليها، بل بمعنى أن ثبوت التواتر بالنسبة إلى المتفق على قراءته من القرآن كثبوته بالنسبة إلى كل من المختلف في قراءته، ولا مدخل للقارىء في ذلك إلا من حيث أن مباشرته لقراءته أكثر من مباشرته لغيرها حتى نسبت إليه. وإنما قلنا: إن القراآت متواترة لأنه لو لم تكن كذلك لكان بعض القرآن غير متواتر كملك ومالك ونحوهما إذ لا سبيل إلى كون كليهما غير متواتر، فإن أحدهما قرآن بالاتفاق، وتخصيص أحدهما بأنه متواتر دون الآخر تحكّم باطل لاستوائهما في النقل، فلا أولوية فكلاهما متواتر. وإنما يثبت التواتر فيما ليس من قبيل الأداء كالمدّ والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوها.
الثانية: اتفقوا على أنه لا تجوز القراءة في الصلاة بالوجوه الشاذة، لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقا لأنها لو كانت من القرآن لبلغت في الشهرة إلى حدّ التواتر عدلنا عن الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة للاحتمال، فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع.
الثالثة: السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن في
قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، لكل آية منه ظهر وبطن ولكل حدّ مطلع».
عند أكثر العلماء أنها سبع لغات من لغات قريش لا تختلف ولا تتضادّ بل هي متفقة المعنى. وغير جائز عندهم أن يكون في القرآن لغة لا تعرفها قريش لقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] وذلك أن قريشا تجاور البيت، وكانت أحياء العرب تأتي إليهم للحج ويستمعون لغاتهم ويختارون من كل لغة أحسنها، فصفا كلامهم واجتمع لهم مع ذلك العلم بلغة غيرهم. ومما يدلّ على أن السبعة الأحرف هي سبع لغات متفقة المعنى ما روي عن ابن سيرين أن ابن مسعود قال: اقرءوا القرآن على سبعة أحرف وهو كقول أحدكم هلم

صفحة رقم 23

وتعال وأقبل. وقال بعضهم: إنها سبع قبائل من العرب قريش وقيس وتميم وهذيل وأسد وخزاعة وكنانة لمجاورتهم قريشا. وقيل سبع لغات من أي لغة كانت من لغات العرب مختلفة الألفاظ متفقة المعاني
لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه قد وسع لي أن أقرئ كل قوم بلغتهم».
وقيل: معناه أن يقول في صفات الرب تبارك وتعالى مكان قوله غفورا رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا لما
روي أنه ﷺ قال: «اقرءوا القرآن على سبعة أحرف ما لم تختموا مغفرة بعذاب أو عذابا بمغفرة، أو جنة بنار أو نارا بجنة».
وقيل: إن لفظ «السبعة» في الخبر جاء على جهة التمثيل، لأنه لو جاء في كلمة أكثر من سبع قراءات جاز أن يقرأ بها. وعن مالك بن أنس أنه كان يذهب في معنى «السبعة الأحرف» إلى أنه كالجمع والتوحيد في مثل:
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ و «كلمات ربك» [الأنعام: ١١٥ والأعراف: ١٣٧ وهود: ١١٩] وكالتذكير والتأنيث في مثل: وَلا يُقْبَلُ ولا «تقبل» [البقرة: ٤٨] وكوجوه الإعراب في مثل: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ و «غير الله» [فاطر: ٣] وكوجوه التصريف في مثل:
يَعْرِشُونَ و «يعرشون» [الأعراف: ١٣٧] وكاختلاف الأدوات في مثل قوله: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ [البقرة: ١٠٢] بالتشديد ونصب ما بعدها، وبالتخفيف والرفع وكاختلاف اللفظ في الحروف نحو: يَعْلَمُونَ بالتاء والياء [يونس: ١٢٣]، ونُنْشِزُها [البقرة:
٢٥٩] بالراء والزاي وكالتخفيف والتفخيم والإمالة والمدّ والقصر والهمز وتركه والإظهار والإدغام ونحوها. وذهب جماعة إلى حملها على المعاني والأحكام التي ينتظمهما القرآن دون الألفاظ من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وأمر ونهي، ومواعظ وأمثال واحتجاج، وغير ذلك، واستبعده المحققون من قبل أن الأخبار الواردة في مخاصمة الصحابة في القراءة تدلّ على أن اختلافهم كان في اللفظ دون المعنى.
قال بعض العلماء: إني تدبرت الوجوه التي تتخالف بها لغات العرب فوجدتها على سبعة أنحاء لا تزيد ولا تنقص وبجميع ذلك نزل القرآن.
الوجه الأول: إبدال لفظ بلفظ ك «الحوت» ب «السمك» وبالعكس، وكَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [المعارج: ٩ والقارعة: ٥] قرأها ابن مسعود «كالصوف المنفوش». الثاني:
إبدال حرف بحرف ك التَّابُوتُ و «التابوة» [البقرة: ٢٤٨ وطه: ٣٩]. الثالث: تقديم وتأخير إما في الكلمة نحو «سلب زيد ثوبه» و «سلب ثوب زيد»، وإما في الحروف نحو:
أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ [الرعد: ٣١] و «أفلم يأيس». الرابع: زيادة حرف أو نقصانه نحو:
مالِيَهْ [الحاقة: ٢٨] وسُلْطانِيَهْ [الحاقة: ٢٩] وفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ [هود: ١٠٩].
الخامس: اختلاف حركات البناء نحو تَحْسَبَنَّ [آل عمران: ١٦٩ و ١٨٨ وإبراهيم: ٤٢

صفحة رقم 24

و ٤٧ والنور: ٥٧] بفتح السين وكسرها. السادس: اختلاف الإعراب نحو: ما هذا بَشَراً [يوسف: ٣١] وقرأ ابن مسعود «بشر» بالرفع. السابع: التفخيم والإمالة وهذا اختلاف في اللحن والتزيين لا في نفس اللغة، والتفخيم أعلى وأشهر عند فصحاء العرب.
فهذه الوجوه السبعة التي بها اختلفت لغات العرب قد أنزل الله باختلافها القرآن متفرقا فيه ليعلم بذلك أن من زلّ عن ظاهر التلاوة بمثله، أو من تعذّر عليه ترك عادته فخرج إلى نحو مما قد نزل به فليس بملوم ولا معاقب عليه. وكل هذا فيما إذا لم تختلف فيه المعاني فإن قيل: فما قولكم في القراآت التي تختلف بها المعاني؟ قلنا: إنها صحيحة منزلة من عند الله ولكنها خارجة من هذه السبعة الأحرف، وليس يجوز أن يكون فيما أنزل الله من الألفاظ التي تختلف معانيها ما يجري اختلافها مجرى التضاد والتناقض، لكن مجرى التغاير الذي لا تضاد فيه. ثم إنها تتجه على وجوه: فمنها أن يختلف بها الحكم الشرعي على المبادلة بمنزلة قوله: وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة: ٦] بالجر والنصب جميعا، وإحدى القراءتين تقتضي فرض المسح والأخرى فرض الغسل، وقد بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجعل المسح للابس الخف في وقته، والغسل لحاسر الرجل وهذا الضرب هو الذي لا تجوز قراءته إلا إذا تواتر نقله وثبت من الشارع بيانه، وليس يعذر من زل في مثله عما هو المنزل حتى يراجع الصواب ويفزع إلى الاستغفار. وقد يكون ما يختلف الحكم فيه على غير المبادلة لكن على الجمع بين الأمرين بمنزلة وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] من الطهر و «حتى يطّهرن» مشددة الطاء من التطهّر، فإن القراءتين هاهنا تقتضيان حكمين مختلفين يلزم الجمع بينهما، وذلك أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تطهر بانقطاع حيضها وحتى تطهر بالاغتسال. ولا تجوز القراءة في أمثال هذه إلا بالنقل الظاهر. ومن زل في مثله إلى ما يقتضي أمرا وقد علم ثبوته ولم يقرأ به، لم يلزمه فيه حرج كقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء: ٣٢] لو صحّفه أحد فقرأه «الربا» بالراء، والباء من الربا في المال، فإنه منهي عنه كالزنا فإن كان عدوله عن ظاهر التلاوة على سبيل التعمّد فهو ملوم على ذلك. وأما التضاد والتنافي فغير موجود في كتاب الله. والنسخ ليس من هذا القبيل لأن اتحاد الزمان شرط التنافي وعند ورود الناسخ ينتهي المنسوخ، ويتبين أن في علم الله حكم المنسوخ كان مؤجلا إلى ورود الناسخ، والله أعلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لكل آية ظهر وبطن»
أي ظاهر وباطن، فالظاهر ما يعرفه العلماء، والباطن ما يخفى عليهم. فنقول في ذلك كما أمرنا ونكل علمه إلى الله تعالى وقيل: هو أن نؤمن به باطنا كما نؤمن به ظاهرا.
وقوله: «ولكل حد مطلع»
أي لكل طرف من حدود الله التي يوقف

صفحة رقم 25

هنالك ولا يتجاوز عنه من مأمور أو منهي أو مباح، مصعد ومأتي يؤتى منه ويفهم كما هو، أو مقدار من الثواب والعقاب يعاينه في الآخرة ويطلع عليه، كما قال عمر: «لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع» يعني ما يشرف عليه من أمر الله بعد الموت.

صفحة رقم 26

المقدمة الرابعة في كيفية جمع القرآن
روي عن زيد بن ثابت أنه قال: «أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وإذا عنده عمر.
فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ بقراء القرآن يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قال: فقلت: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ فقال لي: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له فرأيت فيه الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت: قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتّهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبّع القرآن فاجمعّه فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف ومن صدور الرجال، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة مدّة إلى أن أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إليّ بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها عليك. فأرسلت إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف. ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم. قال: ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف، وأمر بما سوى ذلك من القرآن أن يحرق أو يخرق. قال زيد بن ثابت: فرأيت أصحاب محمد يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان.
وقال عليّ: لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان.
إلا أن عبد الله بن مسعود كره أن ولي زيد بن ثابت نسخ المصاحف، فقال: يا معشر المسلمين أأعزل عن نسخ كتاب الله ويولاها رجل، والله، لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر، يعني زيدا، فكان أوّل من أمر بجمع القرآن في المصحف أبو بكر مخافة أن يضيع منه شيء غير أنه لم يجمع الناس عليه. وكان الناس يقرءون بقراءات مختلفة على سبيل ما أقرأهم

صفحة رقم 27

رسول الله ﷺ وأصحابه إلى وقت عثمان. ثم إن عثمان جمع الناس على مصحف واحد وحرف واحد، ولذلك نسب المصحف إليه وجعل ذلك إماما.
واعلم أن القرآن كان مجموعا على عهد رسول الله ﷺ فإنه ما أنزلت آية إلا وقد أمر رسول الله ﷺ من كان يكتب له أن يضعها في موضع كذا من سورة كذا، ولا نزلت سورة إلا وقد أمر رسول الله ﷺ الكاتب أن يضعها بجنب سورة كذا.
روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا.
وعن أنس قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد. قيل لأنس: من أبو زيد؟
قال: أحد عمومتي. غير أنهم لم يكونوا قد جمعوها فيما بين الدفتين ولم يلزموا القراء توالي سورها وذلك أن الواحد منهم إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله ﷺ أو كتبها، ثم خرج في سرية فنزلت في وقت مغيبه سورة، فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته ويتتبع ما فاته على حسب ما يتسهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير من هذا الوجه. وقد كان منهم من يعتمد على حفظه فلا يكتب على ما كان من عادة العرب في حفظ أنسابها وأشعار شعرائها من غير كتابة. ومنهم من كان كتبها في مواضع مختلفة من قرطاس وكتف وعسب ثقة منهم بما كانوا يعهدونه من جد المسلمين في حفظ القرآن، فلا يرون بأكثرهم حاجة إلى مصحف ينظر فيه. فلما أن مضى رسول الله ﷺ لسبيله، وجند المهاجرون والأنصار أجنادا فتفرقوا في أقطار الدنيا واستحرّ القتل في بعضهم، كما مر، خيف حينئذ أن يتطرق إليه ضياع فأمروا بجمعه في المصحف.

صفحة رقم 28

المقدمة الخامسة في معاني المصحف والكتاب والقرآن والسورة والآية والكلمة والحرف وغير ذلك
المصحف: مفعل من أصحف أي جمع فيه الصحف، والصحف جمع الصحيفة، والصحيفة قطعة من جلد أو ورق يكتب فيه. وقد يقال: «مصحف» بكسر الميم. وروي أن أبا بكر الصديق استشار الناس بعد جمع القرآن في اسمه فسمّاه مصحفا. والكتاب معناه ضم الحروف الدالة على معنى بعضها إلى بعض لأنه مصدر «كتب» أي جمع. قال الله تعالى:
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة: ٢٢] أي جمع حتى آمنوا بجميع ما يجب عليهم. فالكتاب فعل الكاتب، ولكنه قد يسمّى الشيء باسم الفعل نحو: هذا الدرهم ضرب الأمير، وهذا خلق الله. والقرآن اسم للكتاب المنزل على نبينا محمد، كما أن التوراة اسم للكتاب المنزل على موسى، والإنجيل للمنزل على عيسى، والزبور للمنزل على داود عليه السلام. والقرآن يهمز ولا يهمز فمن همزه، وهو الأكثر، فوزنه «فعلان» مثل قربان.
والتركيب يدلّ على الجمع والضم، ومنه «القرء» للحيض لاجتماع الدم في ذلك الوقت، ومنه قولهم: قرأت الماء في الحوض. فالقرآن نزل شيئا بعد شيء فلما جمع بعضه إلى بعض سمّي «قرآنا». وقيل: سمي «قرآنا» لأنه جمع السورة وضمها. قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[القيامة: ١٧] أي تأليفه وضم بعضه إلى بعض. وقولك: «قرأت» معناه جمعت الحروف بعضها إلى بعض. ومن لم يهمز القرآن، وهو قراءة أهل مكة، فإما على تخفيف الهمزة فأصله كما مر، وإما على أن وزنه «فعال» من «قرنت» والنون لام الكلمة سمي بذلك لأنه قرن السورة وما فيها بعضها إلى بعض. وقيل: إن «القرآن» اسم موضوع على «فعال» من غير اشتقاق كالتوراة والإنجيل. ويسمى القرآن «فرقانا» لأنه يفرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، والحلال والحرام.
وأما السورة من القرآن فإنها تهمز ولا تهمز وهذا أكثر وعليه القراءة. والسورة اسم لآي جمعت وقرنت بعضها إلى بعض حتى تمت وكملت وبلغت في الطول المقدار الذي

صفحة رقم 29

أراد الله تعالى، ثم فصل بينها وبين سورة أخرى ب «بسم الله الرحمن الرحيم». ولا تكون السورة إلا معروف المبتدأ معلوم المنتهى. قيل: اشتقاقها من سورة البناء والمدينة، لأن السور يوضع بعضه فوق بعض حتى ينتهي إلى الارتفاع الذي يراد، فالقرآن أيضا وضع آية إلى جنب آية حتى بلغت السورة في عدد الآي المبلغ الذي أراد الله تعالى. وقيل: سميت سورة لأنها وصفت بالعلو والرفعة، كما أن سور المدينة سمّي سورا لارتفاعه. قال النابغة:

ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
أي شرفا ورفعة. وقيل سميت سورة لإحاطتها بما فيها من الآيات كما أن سور المدينة محيط بمساكنها وأبنيتها. وجمع سورة القرآن سور بفتح الواو مثل «جملة وجمل»، وجمع سورة البناء «سور» بالسكون مثل «صوفة وصوف». ومن همز «سورة» جعلها من أسأرت في الإناء سؤرا أي أفضلت منه بقية، ومنه «سؤر الدواب» إذ كلها قطعة من القرآن على حدة.
وأما الآية فقد قال جمع من العلماء: إنها في القرآن عبارة عن كلام متصل إلى انقطاعه وانقطاع معناه «فصلا فصلا»، ولا يخفى توقف الآية على التوقيف. وقال غيرهم: معناها العلامة، لأنها تدل على نفسها بانفصالها عن الآية المتقدمة عليها والمتأخرة عنها. وقيل معناه «جماعة حروف» من قولهم: «خرج القوم بآيتهم»، أي بجماعتهم ولم يدعوا وراءهم شيئا. وقيل: معناها «العجيبة» لأنها عجيبة لمباينتها كلام المخلوقين من قولهم: «فلان آية من الآيات» واختلف في وزنها، فقال الفراء: وزنها «فعلة» بالفتح وبسكون العين، وأصلها «أية» فاستثقلوا التشديد فأتبعوه الفتحة التي قبله وقال الخليل وأصحابه: وزنها «فعلة» بالفتح والأصل «أيية» قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقال الكسائي: أصلها «آيية» «فاعلة» كضاربة وكان يلزمه للياءين الإدغام على نحو «دابة وخاصة» ويكون مستثقلا فحذفوا إحدى الياءين.
وأما الكلمة، فإن تراكيب ك ل م تفيد القوة والشدة وتقاليب هذه الحروف الثلاثة بحسب الاشتقاق الكبير ستة، واحد مهمل والبواقي معتبرة منها «ك ل م» فمنه الكلام لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه، وأيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى، ومنه الكلم للجرح وفيه شدة ومنها «ك ل م» لأن الكامل أقوى من الناقص ومنها «ل ك م» ومعنى الشدة فلي اللاكم واضح، ومنها «م ك ل» ومنه «بئر مكول» إذا قلّ ماؤها، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروها فيحصل نوع شدة عند ورودها، وأيضا إنها تدل على شدة منابعها ومنها «م ل ك»

صفحة رقم 30

ملكت العجين إذا أنعمت عجنه ومنه «ملك الإنسان» لأنه نوع قوة. ولفظ «الكلمة» قد يستعمل في اللفظة الواحدة وقد يراد بها الكلام الكثير المرتبط بعضه ببعض، ومنه قولهم للقصيدة «كلمة»، ومنه «كلمة الشهادة» و «كلمة الطيبة صدقة». ولأن المجاز خير من الاشتراك فإطلاق الكلمة على الكلام المركب مجاز إما من باب إطلاق الجزء على الكل، وإما من باب المشابهة، لأن الكلام المرتبط يشبه المفرد في الوحدة. وأفعال الله تعالى كلماته إما لأنه حدث بقوله كُنْ أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك.
وعند النحويين الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد. وفائدة القيود تذكر في ذلك العلم والكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد. ومنكر والكلام النفسي اتفقوا على أن الكلام اسم لهذه الألفاظ والكلمات. والأشاعرة يثبتون الكلام النفسي ويقولون:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
وقد تسمى الكلمات والعبارات أحاديث لأن كلّ واحدة منها تحدث عقيب صاحبتها، قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: ٣٤] وجمع الكلمة «كلم» والتاء في الكلمة ليست للوحدة كاللبنة واللبن، والرطبة والرطب، لأن الرطب واللبن مذكر، والكلم مؤنث.
وتصغير رطب «رطيب»، وتصغير «كلم» «كليمات» بالرد إلى كلمة، ثم جمعه بالألف والتاء. وقد يكون الكلام مصدرا بمعنى التكليم كالسلامة بمعنى التسليم، قال تعالى: يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: ٧٥] فسّره ابن عباس بتكليم الله موسى وقت المناجاة وأما الحرف، فهو الواحد من حروف المعجم سمّي «حرفا» لقلته ودقته، ولذلك قيل: «حرف الشيء» لطرفه، لأنه آخره والقليل منه. والحرف أيضا الناقة المهزولة، وقد يقال للسمينة أيضا حرف فهو من الأضداد. والحرف اللغة أيضا،
قال عليه السلام: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» «١».
والحرف أيضا القراءة بكمالها والقصيدة بتمامها. والحرف أيضا أحد أقسام الكلمة، وذلك أن الكلمة إن احتاجت في الدلالة على معناها الإفرادي إلى ضميمة نحو «من وقد» فهو حرف، وإلا فإن كانت في أصل الوضع بهيئتها التصريفية على أحد الأزمنة الثلاثة الماضي والحال والاستقبال فهو فعل نحو «نصر وينصر»، وإلا فهو اسم كالإنسان فإنّ معناه لا يقترن بالزمان أصلا، ومثل «اليوم والساعة والزمان» فإن الزمان كل معناه، ومثل «الصبوح والغبوق» لأن الزمان جزء معناه، ومثل «علم وجهل وضرب» فإن
(١) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب ٥، ٢٧. مسلم في كتاب المسافرين حديث ٢٧. أبو داود في كتاب الوتر باب ٢٢. الترمذي في كتاب القرآن باب ٩.

صفحة رقم 31

معناه يدل على الزمان عقلا لا بحسب الهيئة، ومثل «ضارب ومضروب» فإنه لو سلم أن معناه يدل على الزمان بحسب الهيئة إذ لكل منهما هيئة مخصوصة لكنها ليست في أصل الوضع ولا يخرج من حد الفعل نحو عسى مما لا يدل على زمان لأن تجرده عن الزمان عرض لغرض الإنشاء، ولا الفعل المستقبل لكونه معناه مقترنا بزمانين الحال والاستقبال لأن قولنا بأحد الأزمنة تحديد لأدنى درجات الاقتران ولو سلم أنه يجب الاقتران بأحد الأزمنة فقط فذلك في أصل الوضع ولا مانع من اقترانه بعد ذلك بزمان آخر مجازا.

صفحة رقم 32

المقدمة السادسة في ذكر السبع الطول والمثاني والمئين والطواسيم والحواميم والمفصّل والمسبحات وغير ذلك
فالسبع الطول، مضمومة الطاء مفتوحة الواو وجمع الطولى كالفضلى والفضل، هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والأنفال مع التوبة لأنهما نزلتا جميعا في مغازي رسول الله ﷺ وكانتا تدعيان القرينتين ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة. وقال بعضهم: السابعة من السبع سورة يونس لا الأنفال مع التوبة. وأما المثاني فسبع سور تتلو السبع الطول: أولها سورة يونس وآخرها سورة النحل، لأنها ثنت الطول أي تلتها، واحدها مثنى مثل معنى ومعان. وقد يكون المثاني سور القرآن كلها طوالها وقصارها من قوله تعالى: كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [الزمر: ٣٣] وقوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: ٨٧]. وقيل: المثاني في هذه الآية آيات الفاتحة لأنها نزلت مرتين أو لأنها تثنى في كل صلاة. وأما المئون فهن سبع: أولها سورة بني إسرائيل وآخرها سورة المؤمنون، لأن كل سورة منها نحو من مائة آية، وقيل: المئون ما ولي السبع الطول ثم المثاني بعدها، وقيل: إن ما بعد السبع الطول من المئين إلى الحواميم، وبعد الحواميم المفصل. وأما الطواسيم فإن شئت قلت هكذا، وإن شئت قلت الطواسين قال الراجز:
وبالطواسين التي قد ثلثت
وفي الحديث: «وأعطيت طه والطواسيم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب».
وأما الحواميم فإن شئت قلت هكذا وإن شئت قلت آل حم.
قال ابن عباس: إن لكل شيء لبابا وإن لباب القرآن آل حم
وقال: الحواميم. فكأن من قال «آل حم» نسب السور كلها إلى «حم» وهو من أسماء الله تعالى بدليل
قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون»
وتسمى الحواميم عرائس القرآن
عن عاصم عن زر بن حبيش الأسدي قال: قرأت على عليّ بن أبي طالب القرآن في المسجد الجامع بالكوفة فلما بلغت الحواميم قال: يا زر بن حبيش عرائس القرآن، فلما بلغت رأس العشرين من حم عسق وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

صفحة رقم 33

الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
[الشورى: ٢٢] بكى حتى ارتفع نحيبه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: يا زر أمن على دعائي، ثم قال: اللهم إني أسألك إخبات المخبتين وإخلاص الموقنين ومرافقة الأبرار واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم ووجوب رحمتك وعزائم مغفرتك، والفوز بالجنة والخلاص من النار يا زرّ إذا ختمت القرآن فادع بهؤلاء الدعوات فإن حبيبي رسول الله ﷺ أمرني أن أدعو بهن عند ختم القرآن.
وأما المفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن لكثرة التفصيل فيها بالبسملة. وأما المسبحات، فسورة الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن والأعلى، لأن في فواتحهن ما يدل على التسبيح.
وفي الحديث كان رسول الله ﷺ لا ينام حتى يقرأ المسبحات ويقول:
«إن فيها آية كألف آية». وأفضل المسبحات سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]
فقد كان العلماء يقرءون هذه السورة في التهجد والجمعة ويتعرفون بركتها. وأما المقشقشتان فسورة الكافرون والإخلاص، لأنهما تبرئان من النفاق والشرك. يقال: قشقشه إذا برأه، وقشقش المريض من علته إذا أفاق منها وبرىء. وأما المعوّذتان فالفلق والناس وقد يضم إليهما الإخلاص فيقال المعوذات.

صفحة رقم 34

المقدمة السابعة في ذكر الحروف التي كتب بعضها على خلاف بعض في المصحف وهي في الأصل واحدة.
فأول ذلك «بسم الله» كتب بحذف «الألف» التي قبل «السين». وكتب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١]، وبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ [الحجرات: ١١]، ومنه اسْمُهُ بالألف. والأصل في ذلك كله واحد وهو أن يكتب بالألف، وإنما حذفت من «باسم الله» فقط لأنها ألف وصل ساقطة من اللفظ. كثيرا قد كثر استعمال الناس إياها في صدور الكتب وفواتح السور وعند كل أمر يبدأ به، فأمنوا أن يجهل القارئ معناها. وكتب «فيما» موصولا في كل القرآن إلا في «البقرة» فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [الآية: ٢٣٤]، وفيها [سورة البقرة]. فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [الآية: ٢٤٠] وفي «الأنعام» : فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [الآية: ١٤٥] وفيها [سورة الأنعام] لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ [الآية: ١٦٥] وفي «الأنفال» فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الآية: ٦٨] وفي «الأنبياء» فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ [الآية: ١٠٢] وفي «النور» فِيما أَفَضْتُمْ [الآية: ١٤] وفي الشعراء في ما هاهنا آمنين وفي الروم في ما رزقناكم وفي «الزمر» فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الآية: ٣] وفيها [سورة الزمر] فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الآية: ٤٦] وفي الواقعة فِي ما لا تَعْلَمُونَ
[الآية: ٦١]. فذلكن اثنا عشر حرفا مقطوع «١»، وما سوى ذلك موصول.
وكتب «ممّا» موصولا في كل القرآن إلا ثلاثة مواضع: في «النساء» فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [الآية: ٢٥]، وفي «الروم» مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [الآية: ٢٨]، وفي «المنافقين» مِنْ ما رَزَقْناكُمْ [الآية: ١٠]. وكتب «أنما» موصولا في كل القرآن إلا في

(١) إن ما ذكره المؤلف عن عدد الحرف المقطوع في (في ما) مخالف للخط العثماني. فقد وردت «فيما» موصولة في الآية ٢٣٤ من سورة البقرة، وفي الآية ٦٨ من سورة الأنفال، مما يجعل عدد الحرف المقطوع عشرة. فاقتضى التنويه.

صفحة رقم 35

«الحج» وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ [الآية: ٦٢]، وفي «لقمان» وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ [الآية: ٣٠]، وفيها [سورة الحج] وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ [الآية: ٢٧].
وكتب «إنما» موصولة في كل القرآن إلا في «الأنعام» إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [الآية: ١٣٤].
وكتب «لكي لا» مقطوعة في كل القرآن إلا ثلاثة مواضع: في «الحج» لِكَيْلا يَعْلَمَ [الآية:
٥]، وفي «الأحزاب» لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ [الآية: ٥٠]، وفي «الحديد» لِكَيْلا تَأْسَوْا [الآية: ٢٣]. وكتب «بئس ما» مقطوعا حيث كان إلا ثلاثة مواضع: في «البقرة» بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ [الآية: ٩٣]، وفيها [سورة البقرة] وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [الآية: ١٠٢]، وفي «الأعراف» بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي [الآية: ١٥٠] «١». وكتب «أينما» مقطوعا في جميع القرآن إلا أربعة مواضع: في «البقرة» فَأَيْنَما تُوَلُّوا [الآية: ١١٥]، وفي «النحل» أَيْنَما يُوَجِّهْهُ [الآية: ٧٦]، وفي «الشعراء» أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الآية: ٩٢]، وفي «الأحزاب» أَيْنَ ما ثُقِفُوا [الآية: ٦١].
وكتب «ألّا» موصولا في كل القرآن إلّا عشرة مواضع: في «الأعراف» أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الآية: ١٠٥]، وفيها [سورة الأعراف] أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [الآية: ١٦٩]، وفي «التوبة» أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [الآية: ١١٨]، وفي «هود» أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [الآية: ٢٦]، وفيها [سورة هود] وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [الآية: ١٤]، وفي «الحج» أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الآية: ٢٦]، وفي «يس» أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [الآية:
٦٠]، وفي «الدخان» وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ [الآية: ١٩] وفي «الممتحنة» أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً [الآية: ١٢]، وفي القلم أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ [الآية: ٢٤]، واختلف في «يوسف» أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الآية: ٤٠]. وما سواهن فهو «ألّا» مدغما بغير «نون».
وكتب «إلّا» بإسقاط ال «نون» في كل القرآن من غير استثناء مثل: إِلَّا تَفْعَلُوهُ [الأنفال: ٧٣] وإِلَّا تَغْفِرْ لِي [هود: ٤٧]. وكتب «ألم» موصولا في كل القرآن إلا في «الأنعام» أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ [الآية: ١٣١]، وفي «البلد» أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [الآية: ٧].
وكتب في «هود» فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [الآية: ١٤] موصولا مدغما، وفي «القصص» فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ [الآية: ٥٠] مقطوعا. وكتب «أمّن» موصولا في كل القرآن إلا أربعة مواضع: في سورة «النساء» أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
وفي «التوبة» أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ وفي «الصافات» أَمْ مَنْ خَلَقْنا [الآية: ١١]، وفي «حم السجدة» أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً

(١) وجاء في سورة البقرة الآية ٩٠: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.

صفحة رقم 36

[فصّلت: ٤٠] چ وكتب «إمّا» و «أمّا» موزصولا إلا في «الرعد» وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ [الآية:
٤٠]. وكتب «عمّا» موصولا في «الأعراف» عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ [الآية: ١٦٦]. وكتب «أن لّن» مقطوعا إلا ثلاث مواضع: في «الكهف» لَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
[الآية: ٤٨]. وكتب «كلما» موصولا إلا في خمسة مواضع: في «النساء» كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا [الآية: ٩١]، وفي «الأعراف» كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ [الآية: ٣٨]، وفي «سبحان» كُلَّما خَبَتْ [الإسراء: ٩٧]، وفي «الملك» كُلَّما أُلْقِيَ فِيها [الآية: ٨]، وفي «نوح» كُلَّما دَعَوْتُهُمْ [الآية: ٧]. وكتب «يومهم» موصولا إلا في «المؤمن» يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ [غافر: ١٦]، وفي «الذاريات» يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الآية: ١٣].
وكتبت «الرحمة» في مواضع القرآن بالهاء إلا سبعة مواضع: في «البقرة» أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [الآية: ٢١٨]، وفي «الأعراف» إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ [الآية: ٥٦]، وفي «هود» رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ [الآية: ٧٣]، وفي «مريم» ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ [الآية:
٢]، وفي «الروم» إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ [الآية: ٥٠]، وفي «الزخرف» أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الآية: ٣٢]، فإنها [المواضع السبعة] بالتاء. وكتبت «النعمة» بالهاء إلا أحد عشر موضعا: في «البقرة» وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الآية: ٢٣١]، وفي «آل عمران» وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الآية: ١٠٣]، وفي «المائدة» اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ [الآية: ٧]، وفي «إبراهيم» بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [الآية: ٢٨]، وفيها [سورة إبراهيم] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ [الآية: ٣٤]، وفي «النحل» وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [الآية: ٧٢]، وفيها [سورة النحل] يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ [الآية: ٨٣]، وفيها [سورة النحل] وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ [الآية: ١١٤]، وفي «لقمان» فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ [الآية: ٣١]، وفي «الملائكة» اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ [فاطر: ٣]، وفي «الطور» بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ [الآية: ٢٩].
وكتب «امرأة» بالهاء إلا سبعة مواضع: في «آل عمران» إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ [الآية: ٣٥]، وفي «يوسف» امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها [الآية: ٣٠]، وفيها [سورة يوسف] امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ [الآية: ٥١]، وفي «القصص» وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ [الآية: ٩]، وفي «التحريم» امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ [الآية: ١٠] وامْرَأَتَ فِرْعَوْنَ [الآية: ١١]. وكتب «سنّة» بالهاء في كل القرآن إلا خمسة مواضع: في «الأنفال» مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [الآية: ٣٨]، وفي «فاطر» إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [الآية: ٤٣]، وفي «المؤمن» سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ [غافر:

صفحة رقم 37

٨٥]. وكتب «معصية» بالهاء حيث كانت إلا موضعين: في «المجادلة» وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [الآيتان: ٨ و ٩]. وكتب «لعنة» بالهاء في كل القرآن إلا في «آل عمران» فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ [الآية: ٦١]، وفي «النور» أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ [الآية: ٧]. وكتب «جنة» بالهاء إلا في «الواقعة» وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الآية: ٨٩]. وكتب «شجرة» بالهاء إلا في «الدخان» إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [الآية: ٤٣]. وكتب «قرّة» بالهاء إلا في «القصص» قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [الآية:
٩]. وكتب «بقية» بالهاء إلا في «هود» بَقِيَّتُ اللَّهِ [الآية: ٨٦]. وكتب «من ثمرة» بالهاء إلا في «حم السجدة» مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها [فصلت: ٤٧]. وكتب «كلمة» بالهاء إلا في أربعة مواضع: في «الأنعام» وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [الآية: ١١٥]، وفي «يونس» حرفان كَلِمَةُ رَبِّكَ [الآيتان: ٣٣ و ٩٦]، وفي «المؤمن» حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [غافر: ٦].
وكتب غَيابَتِ الْجُبِّ بالتاء [يوسف: ١٠ و ١٥]، فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بالتاء [فاطر: ٤٠]. وكتب كل ما في القرآن من ذكر «الآية» بالهاء إلا في «العنكبوت» لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ [الآية: ٥٠] فإنها بالتاء. وكتب فِطْرَتَ [الروم: ٣٠] وعِفْرِيتٌ [النمل:
٣٩] واللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩] ولاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: ٣] وذاتَ بَهْجَةٍ [النحل: ٦٠] وهَيْهاتَ [المؤمنون: ٣٦] ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ [التحريم: ١٢] ومَرْضاتِ [البقرة: ٢٠٧ و ٢٦٥، والنساء: ١١٤، والتحريم: ١] كلها بالتاء. وكتب «الملأ» بالألف إلا أربعة مواضع: في «المؤمنون» فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية: ٢٤]، وفي «النمل» يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [الآية: ٢٩] ويا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي [الآية: ٣٢] ويا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي [الآية: ٣٨]، فإنها كتبت بالواو. وكتب في «البقرة» يَبْصُطُ [الآية: ٢٤٥] بالصاد، وما سواه بالسين. وكتب في «البقرة» بَسْطَةً [الآية: ٢٤٧] بالسين، وفي «الأعراف» [الآية: ٦٩] بالصاد. وكتب في «آل عمران» مِنْهُمْ تُقاةً [الآية:
٢٨] بالياء، وحَقَّ تُقاتِهِ [الآية: ١٠٢] بالألف. وكتب في أول «يوسف» و «الزخرف» قُرْآناً عَرَبِيًّا بغير ألف، وسائر القرآن قُرْآناً بألف.
وكتب في الأعراف» [الآية: ١١٢] و «يونس» [الآية: ٧٩] بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ بغير ألف، وفي «الشعراء» سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الآية: ٣٧] بالألف بعد الحاء. وكتب في «الذاريات» ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الآية: ٣٩] بالألف، وما سواه بغير ألف. وكتب في «يونس» لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الآية: ١٤] بنون واحدة. واختلف في قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا في «المؤمن» [غافر: ٥١]. وكتب في «يونس» نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [الآية: ١٠٣] بنونين وحذف الياء، وفي آخر «يوسف» فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ [الآية: ١١٠] بنون واحدة، وفي «الأنبياء»

صفحة رقم 38

وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الآية: ٨٨] بالياء وبنون واحدة. وكتب جميع ما في القرآن من ذكر ال «أيدي» بياء واحدة إلا في «الذاريات» وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الآية: ٤٧] فإنها كتبت بياءين، والأصل كتبه بياء واحدة. وكتب «الن» بغير ألف في كل القرآن إلا في «الجن» فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ [الآية: ٩] فإنه بالألف. وكتب في «حم السجدة» سَماواتٍ [فصلت: ١٢] بالألف، وما سواه كتب «سموت» بغير ألف. وكتب في أول «سبأ» علم الغيب [الآية: ٣] بغير ألف. وكتب في «البقرة» خَطاياكُمْ بحرف واحد بين الطاء والكاف، وفي «الأعراف» خَطاياكُمْ [الآية: ٢٦١] بحرفين بينهما.
وكتب «رأ» بغير ياء في كل القرآن إلا في «النجم» لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [الآية: ١٨] وما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [الآية: ١١]. وكتب في «يونس» وَما تُغْنِي الْآياتُ بالياء على الأصل، وفي «القمر» فَما تُغْنِ النُّذُرُ [الآية: ٥] بغير ياء على اللفظ. وكتب في «البقرة» يُؤْتِي الْحِكْمَةَ [الآية: ٢٦٩] بالياء، وفي «النساء» وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ [الآية: ١٤٦] بغير ياء. وكتب وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: ٢٤] بغير واو، ويَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [الرعد: ٣٩] بالواو والألف. وكتب الداع بغير ياء حيث كان إلا قوله أجيبوا داعي الله وكتب «ثمود» بالألف في حال النصب وهي في أربعة مواضع: في «هود» [الآية: ٦٨]، و «الفرقان» [الآية: ٣٨]، و «العنكبوت» [الآية: ٣٨]، و «النجم» [الآية: ٥١]. وكتب ثَمُودَ النَّاقَةَ [الإسراء: ٥٩] بغير ألف. وكتب في «النمل» وَما أَنْتَ بِهادِي [الآية: ٨١] بالياء، وفي «الروم» بِهادِ [الآية: ٥٣] بغير ياء، والأصل فيهما الياء. وكتب في «الحج» وَلُؤْلُؤاً [الآية: ٢٣] بألف، وفي «فاطر» [الآية: ٣٣] بألف، وفي «فاطر» [الآية: ٣٣] بغير ألف. وكتب في «الأعراف» قالَ ابْنَ أُمَّ [الآية: ١٥٠] بالألف مقطوعا، وفي «طه» ابْنَ أُمَ
بالواو موصولا. وكتب في «الحجر» [الآية: ٧٨] و «ق» [الآية: ١٤] أَصْحابُ الْأَيْكَةِ بالألف، وفي «الشعراء» [الآية: ١٧٦] و «ص» [الآية: ١٣] ليكة بغير ألف.
وكتب في «يوسف» لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ [الآية: ٦٨]، وفي «المؤمن» ذُو الْعَرْشِ [غافر: ١٥]، وفي «السجدة» لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ [فصلت: ٤٣]، وفي «الجمعة» ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الآية: ٤]، وفي «البروج» ذُو الْعَرْشِ [الآية: ١٥].
بغير ألف في هذه المواضع، وما سواها «ذوا» بالألف. وكتب «الرّبوا» بواو بعدها ألف في كل القرآن إلا قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [الروم: ٣٩] فإنه بغير واو. وكتب لَدَى الْبابِ [يوسف: ٢٥] بالألف، ولَدَى الْحَناجِرِ [غافر: ١٨] بالياء. وكتب وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧] ولَأَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] بزيادة ألف، وفي مصاحف الشام وَ

صفحة رقم 39

لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ
[البقرة: ٢٢١] بزيادة ألف أيضا. وكتب أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور: ٣١] وأَيُّهَا السَّاحِرُ [الزخرف: ٤٩] وأَيُّهَ الثَّقَلانِ [الرحمن: ٣١] بغير ألف، وما سواها «يا أيها» و «يا أيتها» بالألف. وكتب في «الأحزاب» الظُّنُونَا [الآية: ١٠] والرَّسُولَا [الآية:
٦٦] والسَّبِيلَا [الآية: ٦٧] بالألف، وفي «الفرقان» أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الآية: ١٧] وفي «الأحزاب» وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الآية: ٤] وهما رأس آية. وكتب في «الإنسان» قَوارِيرَا [الآية: ١٥] بالألف، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الآية: ١٦] بغير ألف.
وكتب في «الأنعام» أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ [الآية: ١٩]، وفي «الأعراف» إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [الآية: ٨١]، وفي «العنكبوت» أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [الآية: ٢٩]، وفي «حم السجدة» أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ [فصلت: ٩] بالياء، وما سواها بغير ياء. وكتب في «الأعراف» إِنَّ لَنا لَأَجْراً [الآية: ١١٣] بغير ياء، وفي «الشعراء» أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً [الآية: ٤١] بالياء. وكتب في «النمل» أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ [الآية: ٦٧] بالياء، وكذلك في «الصافات» أَإِنَّا لَتارِكُوا [الآية: ٣٦]، وما سواهما فهو «أءنا» بغير ياء. وكتب في «الواقعة» أَإِذا [الآية: ٤٧] بالياء، وفي سائر القرآن «أءذا» بغير ياء. وكتب في «هود» فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [الآية: ٨٧] بالألف بعد الواو، ومثله في «الأنعام» يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ [الآية: ٥]، وفيها [سورة الأنعام] أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ [الآية: ٩٤]. وفي «حم عسق» أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [الشورى: ٢١]، وفي «الروم» مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ [الآية: ١٣]، وفي «إبراهيم» فَقالَ الضُّعَفاءُ [الآية: ٢١]، وفي «الشعراء» فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا [الآية: ٦] وفيها [سورة الشعراء] أيضا أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ [الآية: ١٩٧]، وفي «فاطر» مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [الآية: ٢٨]، وفي «الصافات» لَهُوَ الْبَلاءُ [الآية: ١٠٦]. وفي «حم» الأولى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ [غافر: ٥٠]، وفي «الدخان» ما فِيهِ بَلؤُا [الآية: ٣٣] بالواو، وفي «الممتحنة». إِنَّا بُرَآؤُا [الآية: ٤]. وكتب «جزاؤ» بالواو إلا في «الكهف» فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى [الآية:
٨٨].
وكتب إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: ١٧٦]، ويَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ [النحل: ٤٨]، ويَعْبَؤُا بِكُمْ [الفرقان: ٧٧]، وأَتَوَكَّؤُا عَلَيْها [طه: ١٨]، وتَفْتَؤُا تَذْكُرُ [يوسف: ٨٥]، ووَ يَدْرَؤُا عَنْهَا [النور: ٨]، ونَبَؤُا الَّذِينَ [التوبة: ٧٠ إبراهيم: ٩ والتغابن: ٥]، ونَبَأُ الْخَصْمِ [ص: ٢١]، ويُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ [الزخرف: ١٨]، ولا تَظْمَؤُا فِيها [طه: ١١٩]، ويَبْدَؤُا الْخَلْقَ [يونس: ٤ و ٣٤ النمل: ٦٤ والروم: ١١ و ٢٧] وما أشبهها بواو وألف ليقوّوا بها الهمزة المضمومة، أو على لغة من لا يهمز، ولو كتب كلها بالواو وحدها أو بالألف وحدها لجاز وكتب في «الأنعام» مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الآية:

صفحة رقم 40

٣٤] بياء بعد الهمزة، وكذلك في «يونس» تِلْقاءِ نَفْسِي [الآية: ١٥]، وفي «النحل» وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [الآية: ٩٠]، وفي «طه» وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ [الآية: ١٣٠]، وفي «حم عسق» أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١].
وكتب ما في القرآن من كل ذوات الواو بالألف مثل «دعا، عفا، وتلا» إلا دَحاها [النازعات: ٣٠] وتَلاها [الشمس: ٢]، وضُحاها [الشمس: ٦]، وسَجى [الضحى: ٢] وما زَكى [النور: ٢١]، وذوات الياء يكتب بالياء مثل «هدى، ورمى، وقضى» إلا أحرفا هي: وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ [الزخرف: ٨]، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ [الرحمن: ٥٤] وطَغَى الْماءُ [الحاقة: ١١]، وأَقْصَا الْمَدِينَةِ [القصص: ٢٠ ويس: ٢٠]، وأَحْيَا النَّاسَ [المائدة: ٣٢]. وكل ياءين اجتمعتا في كلمة مثل «الدنيا» و «العليا» جعلت الأخيرة ألفا كراهة الجمع بين الياءين إلا في قوله تعالى «يحيي» و «أمات» و «أحيي» في بعض المصاحف. وكتب «الزكوة» و «الحيوة» و «منوة» و «مشكوة» و «بالغدوة» بالواو. وكتب «الصلاة» بالواو إلا في «الأنعام» وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الآية: ٩٢] إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الآية: ١٦٢]، وفي «الأنفال» وَما كانَ صَلاتُهُمْ [الآية: ٣٥]، وفي أول «المؤمنين» فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [الآية: ٢]، وفي «المعارج» عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [الآية: ٢٣]، وفيها [سورة المعارج] عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الآية: ٣٤]، وفي «أرأيت» عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥]. وكتب فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً [النساء: ٥٣]، وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢]، ولَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [العلق:
١٥]، بالألف والوقوف عليها بالألف. وكتب في «البقرة» وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ [الآية: ١٥٠] بالياء، وفي «المائدة» وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ [الآية: ٣] وَاخْشَوْنِ وَلا [الآية: ٤٤] بغير ياء.
وكتب في «يوسف» وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ [الآية: ١٠٨] بالياء، وفي «آل عمران» وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ [الآية: ٢٠] بغير ياء. وكتب في «سبحان الذي» لَئِنْ أَخَّرْتَنِ [الآية: ١٠] بغير ياء وفي المنافقون لَوْلا أَخَّرْتَنِي بالياء. وكتب في يوسف ما نَبْغِي [الآية: ٦٥] بالياء، وفي «الكهف» ما كُنَّا نَبْغِ [الآية: ٦٤] بغير ياء، وفي «هود» يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ [الآية: ١٠٥] بغير ياء، وفي «النحل» يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ [الآية: ١١١] بالياء، وفي «الدخان» يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ [الآية: ١٠] بالياء. وفي «الأنعام» وَقَدْ هَدانِ [الآية: ٨٠] بغير ياء، وإِنَّنِي هَدانِي [الآية: ١٦١] بالياء، وفي «الأعراف» ثُمَّ كِيدُونِ [الآية: ١٩٥] بغير ياء، وفي «هود» فَكِيدُونِي جَمِيعاً [الآية: ٥٥] بالياء. وفي «هود» فَلا تَسْئَلْنِ [الآية: ٤٦] بغير ياء، وفي «الكهف» فَلا تَسْئَلْنِي [الآية: ٧٠] بالياء. وفي

صفحة رقم 41

«الكهف» أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي [الآية: ٣٤] بغير ياء، وفي «القصص» أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [الآية: ٢٢] بالياء. وفي «طه» فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [الآية: ٩٠] بالياء، وفي «الزخرف» وَاتَّبِعُونِ هذا [الآية: ٦١] بغير ياء. وكذلك في «المؤمن» وفي «الأعراف» فَهُوَ الْمُهْتَدِي [غافر: ٣٨ والأعراف: ١٧٨] بالياء، وفي «سبحان الذي» وسورة الكهف فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء: ٩٧ والكهف: ١٧] بغير ياء. وفي «إبراهيم» قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية: ٣١] بالياء، وفي «الزمر» فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [الآية: ١٧] بغير ياء.
وكتب «الذي» و «الذين» بلام واحدة، و «اللذان» و «اللذين» بلامين. وكتب «جزاء» بغير واو، و «هزوا» و «كفوا» بالواو. وكتب بَيْنَ الْمَرْءِ [البقرة: ١٥٢ والأنفال: ٢٤]، وجُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٤]، ويُخْرِجُ الْخَبْءَ [النمل: ٢٥]، ومِلْءُ الْأَرْضِ [آل عمران: ٩١]، ودف [النحل: ٥] بإسقاط الهمزة.
ومن غرائب الهجاء ونوادره ما كتب في «الفرقان» وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الآية: ٢١] بغير ألف، وفي «سبأ» وَالَّذِينَ سَعَوْا [الآية: ٥] بغير ألف، وفي «الحشر» وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ [الآية: ٩] بواوين من غير ألف، وفي «المعصرات» نْتُ تُراباً
[النبأ: ٤٠] بغير ألف، وفي «القلم» بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [الآية: ٦] بياءين، وفي «آل عمران» أَفَإِنْ ماتَ [الآية: ١٤٤] بالياء، وفي «الأنبياء» أَفَإِنْ مِتَّ [الآية: ٣٤] بغير ياء. وكتب اثَّاقَلْتُمْ [التوبة: ٣٨] ونحوه بالألف. وكتب فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢] ليس بين الدال والراء، ولا بين الراء والتاء، ألف في جميع المصاحف. وكتب في «الحاقة» لبيان الحركة كِتابِيَهْ [الآية: ١٩] وحِسابِيَهْ [الآيتان: ٢٠ و ٢٦] ومالِيَهْ [الآية: ٢٨] وسُلْطانِيَهْ [الآية:
٢٩]، وفي «القارعة» ما هِيَهْ [الآية: ١٠] بإثبات الهاء. واختلف في لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩] وفَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] أن الهاء فيها لبيان الحركة أو لغير ذلك.
وكتب في سورة النساء فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ [الآية: ٧٨]، وفي «الكهف» مالِ هذَا الْكِتابِ [الآية: ٤٩]، وفي «الفرقان» مالِ هذَا الرَّسُولِ [الآية: ٧]، وفي «المعارج» فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية: ٣٦] باللام مع «ما» مقطوعة عما بعدها.
واعلم أن هجاء المصحف كثير وقد ذكرنا منها ما هو أنفع للقارىء وأكثر فائدة. وأما الحركات كلها فقد راعيناها إلا ما شاء الله في كتابة متن القرآن من هذا الكتاب كما بلغنا عمن تقدمنا من السلف الصالحين والعلماء المتقين ورووا أنهم وجدوها في الإمام كذلك، وستراها في مواضعها إن شاء الله. وإنما كتبت هذه الحروف بعضها خلاف بعض وفي الأصل واحدة، لأن الكتابة بالوجهين كانت جائزة عندهم فكتبوا بعضها على وجه وبعضها

صفحة رقم 42

على وجه آخر جمعا بين المذهبين، على أنهم كتبوا أكثرها على الأصل. وكل ما كتب في المصحف على أصل لا يقاس عليه غيره من الكلام، لأن القرآن يلزمه لكثرة الاستعمال ما لا يلزم غيره. واتباع المصحف في هجائه واجب ومن طعن في شيء من هجائه فهو كالطاعن في تلاوته لأنه بالهجاء يتلى، والفائدة للقارىء في معرفته أن يكون على يقين أن الذي يقرأ هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ بلا خلل فيه من جهة من الجهات. وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم بدعوة النبي ﷺ ما لم يعلم غيره فما كتب شيئا من ذلك إلا العلة لطيفة وحكمة بليغة، وإن قصر عنها رأينا. ألا ترى أنه لو كتب على صلواتهم وان صلواتك بالألف بعد الواو أو بالألف من غير واو لما دل ذلك إلا على جه واحد وقراءة واحدة؟ وكذلك وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ وكتب وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ بغير ألف قبل الفاء ولا بعدها ليدل على القراءتين والله تعالى أعلم.

صفحة رقم 43

المقدمة الثامنة في أقسام الوقف
الوقف قطع الكلمة اسما أو فعلا أو حرفا عما بعدها ولو فرضا، وله عند أكثر الأئمة خمس مراتب: لازم، ومطلق وجائز، ومجوّز لوجه، ومرخّص ضرورة.
فاللازم من الوقف ما لو وصل طرفاه غيّر المرام وشنّع الكلام، كقوله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] إذ لو وصل بقوله يُخادِعُونَ اللَّهَ [البقرة: ٩] صارت الجملة صفة «للمؤمنين»، فانتفى الخداع عنهم وتقرّر الإيمان خالصا عن الخداع، كما تقول: ما هو بمؤمن مخادع. ومراد الله جلّ ذكره نفي الإيمان وإثبات الخداع. وفي نظائر ذلك كثرة يوصلك المرور بها إلى العثور عليها.
والمطلق ما يحسن الابتداء بما بعده كالاسم المبتدأ به، نحو اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ [الشورى: ١٣] وكالفعل المستأنف مع السين، نحو سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [البقرة:
١٤٢] سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [الطلاق: ٩] وبغير السين، نحو يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور: ٥٥] إلى غير ذلك من النظائر.
والجائز ما يتجاذب فيه طرفا الوصل والوقف، مثل وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء:
٦٠]، لأن واو العطف تقتضي الوصل، وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم فإن التقدير: ويوقنون بالآخرة.
والمجوّز لوجه، مثل أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ [البقرة: ٨٦] لأن الفاء في قوله فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ [البقرة: ٨٦] والتعقيب يتضمن معنى الجواب والجزاء وذلك يوجب الوصل. إلا أن نظم الفعل على الاستئناف يرى للفصل وجها.
والمرخّص ضرورة، ما لا يستغني ما بعده عما قبله، لكن يرخص الوقف ضرورة انقطاع النفس لطول الكلام، ولا يلزمه الوصل بالعود، لأن ما بعده جملة مفهومة، كقوله وَالسَّماءَ بِناءً [البقرة: ٢٢] لأن قوله «وأنزل» لا يستغني عن سياق الكلام فإن فاعله

صفحة رقم 44

ضمير يعود إلى الصريح المذكور قبله. غير أنها جملة مفهومة لكون الضمير مستكنّا، وإن كان لا يبرز إلى النطق. وأما ما لا يجوز الوقف عليه ففي مواجبه ومواقعه كثرة. وسيتلى عليك مواقع الفصل والوصل في جميع القرآن مع علل ذلك مفصّلة إن شاء الله تعالى.
وبعضهم قسم مراتب الوقوف إلى ثلاث: التام، والكافي، والحسن. ولا مشاحة في الاصطلاحات بعد رعاية المعنى. وليكن علامة اللازم «م» وعلامة المطلق «ط» والجائز «ج»، والمجوز «ز» والمرخص «ص»، وما لا وقف عليه فعلامته «لا» وعلامة الآية دائرة صغيرة هكذا «هـ». وإنما التزمنا إيراد هذه الوقوف لدقة مسلكها وبلوغها في الغموض إلى حيث قصروا البلاغة على معرفة الفصل والوصل، إلا أن ذلك بحسب الصياغة وما نحن فيه بطرق الصناعة وكل منهما تابع لارتباط المعنى بالمعنى وانفصاله عنه بالكل أو بالبعض.
وسيتلى عليك تفاصيلها وبالله التوفيق.

صفحة رقم 45

المقدمة التاسعة في تقسيمات يعرف منها اصطلاحات مهمة
اللفظ إما أن يعتبر دلالته على تمام مسمّاه، أو على جزء مسماه، أو على لازمه الذهني. الأول: دلالة مطابقة كدلالة البيت على مجموع الحائط والسقف، والثاني: دلالة تضمّن كدلالة البيت على السقف أو الحائط والثالث: دلالة الالتزام كدلالة السقف على الحائط. والدلالة الأولى وضعية صرفة، والباقيتان بمشاركة من الوضع والعقل.
تقسيم آخر: اللفظ إما أن يقصد بجزء منه دلالة على جزء معناه، وهو المركب، كعبد الله غير علم أو لا يقصد، وهو المفرد، ويشمل ما لا جزء له أصلا، مثل ق علما، وما كان له جزء ولكن لا يدلّ على معنى أصلا، نحو زيد وما كان له جزء دال على معنى لكن لا في ذلك المسمى، نحو: أسد الله علما لشخص إنساني، وما له جزء دالّ على معنى في ذلك المسمى لكنه لم يقصد، مثل عبد الله علما له.
تقسيم آخر: اللفظ المفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما أربعة أقسام:
الأول: اللفظ واحد والمدلول واحد. الثاني: مقابل ذلك أي اللفظ كثير والمعنى كثير.
الثالث: اللفظ واحد والمعنى كثير. الرابع: عكسه المعنى واحد واللفظ كثير.
فالأول: إن اشترك في مفهومه كثيرون مجردا عن سبب من خارج فهو الكلي، ويقال له اسم الجنس وهو أقسام ستة، لأنه إما موجود أو معدوم. والموجود إما واحد أو كثير.
والواحد إما أن يكون مثله ممكنا كالشمس، أو غير ممكن كالإله. والكثير إما متناه كالكواكب، أو غير متناه كالعدد. والمعدوم إما ممكن الوجود في الخارج كجبل من ذهب، أو غير ممكن كشريك الإله. وعلى التقادير، فإن تفاوت وقوعه على أفراده بأن يكون لبعضها أولى أو أوّل أو أشد، كالوجود للخالق والمخلوق فإنّ وقوعه على الخالق أوّل وأولى وأشد، وكالأبيض على الثلج والعاج فإن وقوعه على الثلج أشد. فاللفظ مشكك لأنه يشكك بالنسبة إلى السامع في أنه متواطىء نظرا إلى اشتراك الكل في أصل المعنى، أو

صفحة رقم 46

مشترك نظرا إلى اختلافها في ذلك. وإن لم يكن في وقوعه تفاوت فمتواطئ، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فإنّ كلّها متوافقة في الإنسانية مستوية فيها. وإن لم يشترك في مفهومه كثيرون فهو الجزئي: علم إن استقلّ في الدلالة بحيث لا يحتاج إلى أمر ينضم إليه من قرينة التخاطب والتكلم وتقدم الذكر ولام العهد والإشارة، مضمر، إن احتاج إلى إحدى القرائن الثلاث الأول، ومبهم إن احتاج إلى شيء من الباقيتين. والعلم إما اسم كإبراهيم وموسى وعيسى، وإما أن يكون لقبا اشتهر المسمى به مدحا أو ذمّا كإسرائيل، أو كنية ويختص بما في أوله الأب أو الأم أو البنت أو الابن نحو: أبي لهب، وأم القرى، وابنة عمران، وابن مريم. وقد يكون العلم علما لجنس بأسره بحيث لا يكون بعض أفراده الخارجة أولى بذلك من بعض، لكونه للحقيقة الذهنية ليس فيها معنى الاستغراق ولا الوحدة الخارجية. وإذا أطلق على فرد من أفراده الخارجية، نحو هذا أسامة مقبلا، فليس ذلك بالوضع بل لمطابقة الحقيقة الذهنية لكل فرد خارجي مطابقة كل كلي طبيعي لجزئياته. فهذه تمام أقسام القسم الأول، وهو أن اللفظ واحد والمعنى واحد.
الثاني: من الأربعة متباينة، كالإنسان والفرس.
الثالث: إن كان اللفظ حقيقة للمتعدد من مدلولاته بأن كان موضوعا للجميع فمشترك، وإلا فمنقول إن نقل من الموضوع له إلى معنى آخر لعلاقة واشتهر فيه: عرفي إن كان الناقل هو العرف العام، واصطلاحي إن كان العرف الخاص، وشرعي إن كان الشرع.
وإلا فبالنسبة إلى المنقول عنه حقيقة، وبالنسبة إلى المنقول إليه مجاز إن انتقل من الملزوم إلى اللازم، وكناية إن كان العكس، وإن نقل لا لعلاقة فمرتجل.
الرابع: من الأقسام: مترادفة، كالليث والأسد.
ولا يخفى أن القسمين الأولين والقسم الرابع ثلاثتها نصوص في معناها أما الأول فلاتحاد المعنى الموجب لعدم احتمال الغير وهو معنى النص. وأما المتكثر في اللفظ والمعنى، فلأنه حينئذ يكون لكل معنى لفظ فيتحد المعنى فلا يحتمل اللفظ غير ذلك. وأما الرابع فلاشتراط الاتحاد في المعنى. وأما القسم الثالث، وهو أن اللفظ واحد والمعنى كثير، فينقسم إلى مجمل وظاهر ومؤوّل لأن اللفظ بالنسبة إلى تلك المعاني إن كان متساوي الدلالة فهو المجمل وبإزائه المبين، وإن كانت متفاوتة فالراجح هو الظاهر والمرجوح هو المؤوّل.
فالأول كقول تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، فإن دلالة القرء بالنسبة إلى الطهر والحيض على السواء.

صفحة رقم 47

والثاني نحو أَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: ٧٢] فإن الأمر كما يحتمل الوجوب يحتمل الندب، والصلاة كما يحتمل ذات الأركان يحتمل الدعاء، إلا أن الأمر بالنسبة إلى الوجوب راجح، والصلاة بالنسبة إلى الهيآت المخصوصة راجحة.
والثالث نحو يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] فإن اليد تحتمل القدرة والجارحة لكنها بالنسبة إلى القدرة مرجوحة فالرجحان مشترك بين النص والظاهر ويسمى بالمحكم، وعدم الرجحان مشترك بين المجمل والمؤوّل ويشملهما المتشابه. والنص يمتاز عن الظاهر بأنه لا يحتمل الغير، والظاهر يحتمله احتمالا مرجوحا، والمجمل يتميز بكونه غير مرجوح، والمؤوّل مرجوح، والتأويل اشتقاقه من آل يؤول أي رجح. وفي الاصطلاح، كما تقرر، حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فيشمل التأويل الفاسد والتأويل الصحيح فإن أريد التأويل الصحيح فقط فقد زيد في الرسم بدليل يصيره راجحا أي بحسب ذلك الدليل وإن كان مرجوحا بحسب مفهوم اللفظ وضعا أو عرفا كما قلنا في اليد بمعنى القدرة.
وإذا عرفت الأقسام الأربعة بأسرها فنقول: كلّ منها قد يكون مشتقا إن وجد له أصل يرجع إليه كالموجود والضارب بالإضافة إلى الوجود والضرب فإن معنى الاشتقاق أن تحدّ بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى الآخر. وقد يكون غير مشتق إن فقد له أصل كالوجود والإنسان. وغير المشتق صفة إن دلّ على معنى قائم بالذات كالعلم والكتابة، وغير صفة إن لم يدل كالجسم مثلا.
تنبيه: العلاقة المعتبرة في المجاز إنما تقع بحكم الاستقراء على نيف وعشرين وجها منها الاشتراك في صفة ظاهرة كالأسد على الرجل الشجاع لا على الأبخر لخفاء ذلك. وهذا معظم أنواع المجاز لأنه إطلاق اسم الملزوم على اللازم. وأكثر المجازات بل جميعها يرجع إلى ذلك. ومنها الاشتراك في الشكل كالإنسان للصورة المنقوشة. ومنها كونه آئلا إلى ذلك كالخمر للعصير، أو كائنا عليه كالعبد على من أعتق. ومنها المجاورة مثل جرى الميزاب إذ الجاري في الحقيقة هو الماء لا الميزاب المجاور له. ومنها إطلاق اسم الحال على المحل مثل وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [آل عمران: ١٠٧] أي في الجنة لأنها محل الرحمة. ومنها عكسه
كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفضض الله فاك»
أي أسنانك، إذ الفم محل الأسنان. ومنها إطلاق اسم السبب على المسبب
كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام»
أي صلوها فإنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل بالنداوة استعار ﷺ البلّ للوصل.
ومنها عكس ذلك كقولهم للخمر إثم، ليكون الإثم مسببا عنها. ومنها إطلاق الكل على الجزء، نحو يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [البقرة: ١٩] أي أناملهم. ومنها العكس نحو

صفحة رقم 48

كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] أي ذاته. ومنها اسم المطلق على المقيّد كقوله:

فيا ليت كل اثنين بينهما هوى من الناس قبل اليوم يلتقيان
أي قبل يوم القيامة. ومنها العكس كقول شريح: أصبحت ونصف الخلق عليّ غضبان، يريد المحكوم عليهم وظاهر أنهم ليسوا النصف سواء. ومنها اسم الخاص على العام كقوله سبحانه وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] أي رفقاء له تعالى. ومنها العكس، كقوله سبحانه حكاية عن محمد ﷺ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] لأن الأنبياء قبله كانوا كذلك. ومنها كون المضاف محذوفا نحو وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ومنها كون المضاف إليه محذوفا كقوله: «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا». أي أنا ابن رجل جلا.
ومنها إطلاق اسم آلة الشيء عليه مثل وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ [الشعراء: ٨٤] أي ذكرا حسنا، لأن اللسان آلة الذكر. ومنها إطلاق اسم الشيء على بدله، كما يقال: فلان أكل الدم، أي ديته قال: «يأكلن كل ليلة إكافا». أي ثمن إكاف. ومنها إطلاق النكرة للعموم كقوله عز من قائل عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤] أي كل نفس. ومنها إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر مثل وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] إذ جزاء السيئة حسنة، ومنه قولهم: قاتله الله ما أحسن ما قال، يريدون الدعاء له. ومنها إطلاق المعرّف باللام وإرادة واحد منكر كقوله تعالى ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً [النساء: ١٥٤]، أي بابا من أبوابها وسيجيء. ومنها الحذف نحو يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، أي لئلا تضلوا.
ومنها الزيادة نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١].
واعلم أن المجاز بالحقيقة فرع من فروع التشبيه لأنك إذا قلت: زيد أسد، فكأنك قلت: زيد كالأسد في الجراءة، فيستدعي مشبها ومشبها به ووجه شبه بينهما.
والمشبه والمشبه به قد يكونان حسيين كقولك: خدّه كالورد أو عقليين كالعلم إذا شبه بالحياة أو أحدهما محسوسا والآخر معقولا كالعطر إذا شبه بخلق كريم، أو كالعدل إذا شبه بالقسطاس، والخياليات كالشقيق إذا شبه بأعلام ياقوت منشرة ملزوزة في قرن، والوهميات في قولك: نطقت الحال بشيء هو لها شبيه باللسان، فإنه صورة وهمية محضة.
وكذا الوجدانيات كاللذة والألم والشبع والجوع ملحقة بالعقليات.
ووجه التشبيه إما أن يكون أمرا واحدا أو لا، وحينئذ إما أن لا يكون في حكم الواحد كما إذا شبهت إنسانا بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن وعلو الرتبة، أو يكون. وذلك

صفحة رقم 49

لكونه إما حقيقة ملتئمة من أوصاف، كسقط النار إذا شبه بعين الديك في الهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكروي والمقدار المخصوص، وإما أوصافا مقصودا من مجموعها هيئة واحدة كقوله:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فليس المراد تشبيه النقع بالليل ثم تشبيه السيوف بالكواكب، إنما المراد تشبيه الهيئة الحاصلة من النقع الأسود والسيوف البيض حال كون السيوف متفرقات فيه، بالهيئة الحاصلة من الليل المظلم والكواكب المشرقة في جوانب منه. ويسمى هذا تشبيه المركب بالمركب.
ومتى كان وجه التشبيه وصفا غير حقيقي وكان منتزعا من عدة أمور خصّ باسم التمثيل كما في قوله عز من قائل: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً الآية [البقرة: ١٧] وسيجيء تفسيرها.
ثم إن التشبيه التمثيلي إذا فشا استعماله على سبيل الاستعارة لا غير سميّ مثلا، كقولك لمن تردد في أمر: يقدّم رجلا ويؤخر أخرى. وذلك أن الاستعارة هي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدّعيا دخول المشبه في جنس المشبه به، دالّا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخصّ المشبه به، كما تقول: في الحمام أسد، وأنت تريد به الشجاع مدّعيا أنه من جنس الأسد، فتثبت للشجاع ما يخصّ المشبه به وهو اسم جنسه، أعني الأسد مع سدّ طريق التشبيه بإفراده في الذكر، لأن التشبيه لا بد له من طرفين: مشبه ومشبه به.
فإذا أفردت بالذكر أحدهما فكأنك قد سددت طريق التشبيه.
فإذن الاستعارة نوع من المجاز لأن المستعار له، وهو زيد مثلا في قولك: زيد أسد، يبرز في معرض المستعار منه، وهو الأسد، نظرا إلى الدعوى. وهذا شأن العارية. وإنما جرأهم على الدعوى ما رأوا بينهما من الاشتراك في اللازم وهو الشجاعة. والاستعارة في نحو: عندي أسد، إذا لم تعقب بصفات ملائمة أو تفريع كلام لا تكون مجردة ولا مرشحة لفقد موضوعي التجريد والترشيح. وإنما يلحقها التجريد والترشيح إذا عقبت بذلك. فمتى عقبت بصفات ملائمة للمستعار له سميت مجردة، نحو: ساورت أسدا شاكي السلاح طويل القناة: وإذا عقبت بصفات ملائمة للمستعار منه سميت مرشحة، نحو: ساورت أسدا وافي البراثن هصورا.
وقد بقي من الاصطلاحات قولهم: هذا عام أو خاص أو مطلق أو مقيد. فالعام: ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة. فقولنا «ما دل» ليشمل العموم باللفظ

صفحة رقم 50

والمعنى جميعا، فإن العموم من عوارض المعاني أيضا حقيقة، كقولهم: عمّ المطر والخصب، وكذلك المعنى الكلي كالإنسان لشموله الجزئيات التي تحته. وقولنا «على مسميات» ليخرج المسمى وليدخل في العام المعدوم والمستحيل، إذ لو قلنا «على أشياء» لخرجا بناء على أنهما ليسا بشيء: وقولنا «باعتبار أمرا اشتركت تلك المسميات فيه» ليخرج نحو عشرة وغيرها من أسماء العدد النكرات، فإنها وإن دلّت على مسميات هي آحادها لكن لا باعتبار أمر اشتركت هي فيه بل باعتبار وضع اسم العدد للمجموع. وكذا الكلام في كل ذي أجزاء حسية أو عقلية. وقولنا «مطلقا» ليخرج الرجال المعهودون فإنها بقرينة العهد، و «ضربة» احتراز من نحو رجل فإنه وإن دلّ على مسميات باعتبار كون كل منها ذكرا من بني آدم مطلقا، لكن لا دفعة بل على سبيل البدل. ولهذا يخرج نحو رجال.
إذا تأملت فهذا حدّ العام والخاص بخلافه، وهو ما دلّ لا على مسميات إلى آخره.
فمن صيغ العموم أسماء الشرط والاستفهام مثل «من وما»، والموصلات نحو «الذي والتي»، والجموع المعرّفة تعريف جنس ك «الرجال والمسلمات» والجموع المضافة نحو «عبيدي أحرار»، واسم الجنس المضاف أو المعرف تعريف الجنس مثل «غلامي والغلام»، والنكرة في سياق النفي نحو ما في الدار أحد. والتخصيص قصر العام على بعض مسمياته.
وقد يطلق التخصيص أيضا على قصر اللفظ على بعض ما يتناوله وإن لم يكن ذلك اللفظ عاما. كما يطلق عليه أيضا أنه عام لتعدّده وتكثره وإن لم يكن من صيغ العموم كعشرة والمسلمين للمعهودين، وكضمائر الجمع. ولا يستقيم تخصيص إلا فيما يستقيم توكيده بكل لكونه ذا أجزاء يصح افتراقها حسّا أو حكما، إلا النكرة مثل قوله تعالى تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦] ونحو: جاءني رجال كرماء.
والمخصّص أحد أربعة أشياء: الأول الاستثناء ب «إلّا» ونحوها. والثاني الشرط، وهو ما يتوقّف تأثير المؤثر عليه لا وجوده كالإحصان، فإنه يتوقف عليه اقتضاؤه الرجم لا وجود الزنا. والثالث الصفة، مثل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] والرابع الغاية نحو أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] هذا هو التخصيص بالمتصل. وقد يخص بالمنفصل وذلك إما العقل كقوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦ والزمر: ٦٢] وإما الحس نحو: أوتيت من كل شيء. وإما الدليل السمعي كقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] خصصته الآية الأخرى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] ويُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] خصصه
قوله صلى الله عليه وسلم: «القاتل لا يرث».

صفحة رقم 51

والمطلق هو اللفظ الدال على الماهية، من حيث هي هي. ويلزم منه تمكّن المأمور من الإتيان بفرد منها، أي فرد كان، لأنه لا يمكن الإتيان بالماهية إلا بالإتيان بفرد منها.
وذلك إما في معرض الأمر مثل: أعتق رقبة، أو مصدر الأمر كقوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء: ٩٢] أو الإخبار عن المستقبل مثل سأعتق رقبة. ولا يتصوّر الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، مثل رأيت رجلا، ضرورة تعينه بإسناد الرؤية إليه.
والمقيّد بخلاف المطلق فهو لفظ دال على مدلول غير شائع في جنسه فيدخل فيه الدال على المتعين مطلقا، نحو زيد وهذا الرجل وأنا وأنت، والدال على الشائع لا في جنسه بل في أفراده كالعامّ فهو مقيد لغة لا اصطلاحا. ويطلق المقيد على ما أخرج من شياع بوجه بأن يذكر الدال على الماهية بوصف زائد عليها ك رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢]، فإنها، وإن كانت مطلقة في جنسها من حيث هي رقبة مؤمنة، إلا أنها مقيدة بالنسبة إلى مطلق الرقبة، فهي مطلقة من وجه ومقيدة من وجه. وتقييد المطلق شبيه بتخصيص العام. فيجوز التقييد بالمتصل، استثناء كان أو صفة أو شرطا أو غاية أو بدل بعض، وبالمنفصل، عقلا كان أو نقلا كتابا وسنة.
وتقسيم آخر: التركيب المفيد، أعني الكلام، قسمان: أحدهما الذي يحتمل أن يقال لقائله صدقت أو كذبت من حيث ذات التركيب لا من أمر خارج عن ذات التركيب. ويقال له الخبر. وإذا بلغ رواة الخبر مبلغا أحال العقل تواطؤهم على الكذب فهو متواتر، وإلا فخبر الواحد. والثاني ما لا يحتمل ذلك، ويقال له الطلب. والأول عبارة عن الجمل الأربع: الاسمية والفعلية والشرطية والظرفية. والثاني نوعان: نوع لا يستدعي في مطلوبه إمكان الحصول وهو التمني. ونوع يستدعي في مطلوبه ذلك. ثم إن كان طلب فعل فأمر، وإن كان طلب ترك فنهي. وإن كان طلب فهم فاستفهام. وإن كان طلب إقبال فنداء. فمتى امتنع إجراء هذه الأبواب على الأصل تولد منها ما ناسب المقام كالاستبطاء والإغراء والتعجب والتوبيخ ونحو ذلك.
تقسيم آخر: الحكم خطاب الله أو من أذن له الله متعلقا بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. أما التخيير فيراد به الإباحة. وأما الاقتضاء فإما اقتضاء فعل مع امتناع الترك وهو الوجوب، أو مع جواز الترك وهو الندب وإما اقتضاء ترك مع امتناع الفعل، وهو الحظر والتحريم، أو مع جوازه وهو الكراهة وأما الوضع فيراد به ما جعله الشارع بوضعه دليلا على شيء كدلوك الشمس على وجوب الصلاة، أو سببا لشيء كالزنا لوجوب الحد، أو شرطا كالوضوء لصحة الصلاة.

صفحة رقم 52

وأما الصحة والبطلان أو الحكم بهما فأمر عقلي لا حكم شرعي، لأن صحة العبادات إما كون الفعل مسقطا للقضاء كالفقهاء، وإما موافقة أمر الشرع كالمتكلمين. ولا شك أن العبادات إذا اشتملت على أركانها وشرائطها حكم العقل بصحتها بكل من التفسيرين سواء حكم الشارع بها أو لا. والصحة في المعاملات أيضا حكم عقلي لأنها فيها كون الشيء بحيث يترتّب عليه أثر. وإذا كان البيع مشتملا على الأسباب والشرائط وارتفاع الموانع حكم العقل بترتب أثره عليه سواء حكم الشرع بها أو لم يحكم. وقس البطلان والفساد على ما قلنا. وكل حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر فهو رخصة كحلّ الميتة للمضطر، والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا وإلا فعزيمة.
وإذا عرفت ما ذكرنا من التقسمات لا يخفى عليك المقصود من إيرادها لأن معاني كتاب الله تعالى منها محكم ومتشابه، ومنها مجمل ومبين، ويندرج فيهما المنسوخ والناسخ باعتبار، لأن النسخ بيان انتهاء أمد الحكم الشرعي ومنها عام وخاص، ومنها مطلق ومقيد ومنها أمر ونهي ومنها ظاهر ومؤوّل ومنها حقيقة ومجاز ومنها تشبيه وتمثيل ومنها كناية وتصريح ومنها الكلي والجزئي، ومنها الخبر والطلب بأقسامهما ومنها الأحكم بأصنافها. ولا ريب أن تصوّر هذه الاصطلاحات وتذكرها في علم التفسير أمر مهم والله أعلم.

صفحة رقم 53

المقدمة العاشرة في أن كلام الله تعالى قديم أولا
ذكر قوم من أئمة الأمة أن كلام الله تعالى قديم بعد أن عنوا بكلامه هذه الحروف المنتظمة المسموعة أما أن كلامه تعالى هو هذه الحروف فلقوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]. ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف. وأما أنها قديمة فلأن الكلام صفة الله تعالى، ومن المحال قيام الحادث بالقديم. وأيضا كلّ حادث متغيّر والتغير على ذات الله تعالى وصفاته محال. وزعم قوم أن الكلام المؤلف من الحروف والأصوات يمتنع أن يكون قديما بالبديهة وكيف لا وإنها أصوات تحدث قارئها يئا بعد شيء فلو قلنا: إنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى، وحالّة في بدن هذا الإنسان وهذا معلوم الفساد. وجمع قوم بين المذهبين فقالوا: للشيء وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في العبارة، ووجود في الكتابة. فللقرآن وجود عيني وهو القائم بذات الله تعالى، وأنه قديم لا محالة لا يتطرق إليه شيء من سمات النقص ووجود ذهني كالحافظ للقرآن، ووجود في العبارة وهو على لسان القارئ ووجود كتابي وهو المثبت في المصاحف. ولا ريب أن القرآن من حيثيات هذه الوجودات حادث بل القرآن إنما يطلق على المحفوظ والمتلو والمكتوب بالمجاز من حيث إنها دالة على الكلام القائم بذات الله تعالى.
واعلم أنه لا برهان على أن كل صوت فإنه يقوم بجسم ولا على أن كلّ حرف فإنما يقدر عليه ذو جارحة بل لعلّ في ذلك الشاهد فقط. فالكلام للقديم كمال قديم نطق وسمع وبصر ولا آلة ولا جارحة كما أنّه إدراك وعلم من غير ما قوى وعضو، ومن لم يدركه كما ينبغي لم يدرك إدراكه كما ينبغي فلا يلومنّ إلا نفسه. كلامه كتاب، وكتابه صواب، وقوله فصل، وحكمه عدل، ونوره ظهور، ووجوده شهود، وعيانه بيان، والكفر بما سواه إيمان كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦ و ٢٧].

صفحة رقم 54

المقدمة الحادية عشرة في كيفية استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة
إذا شرعنا مثلا في تفسير قول القائل «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فههنا مباحث لفظية ومباحث معنوية.
أما اللفظية فمنها ما يتعلق بالقراءة، ومنها ما يتعلق باللغة، ومنها ما يتعلق بعلم الاشتقاق، ومنها ما يتعلق بعلم الصرف، ومنها ما يتعلق بالنحو، ومنها ما يتعلق بعلم البديع أعني المحسنات اللفظية.
وأما المعنوية فمنها ما يتعلق بالمعاني، ومنها ما يتعلق بالبيان، ومنها ما يتعلق بالاستدلال، ومنها ما يتعلق بأصول الدين، ومنها ما يتعلق بأصول الفقه، ومنها ما يتعلق بالفقه، ومنها ما يتعلق بعلم الأحوال.
أما القراءة فكما مر. وأما اللغة فإذا قلنا العوذ كذا، واسم الله معناه كذا والشيطان كذا، والرجيم كذا، والباء ومن واللام معانيها هاهنا كذا، فكل واحد منها مسألة. وأما الاشتقاق فإن اعتبرنا الاشتقاق الكبير وقلنا: إن التراكيب الستة الممكنة من ع وذ هل هي مستعملة أو مهملة؟ وكذا كل من تراكيب ال ش ط ن، أو ش ي ط، ومن تراكيب ر ج م، وإذا كانت مستعملة، فأصل المعنى في كل من المستعملات كيف يعتبر فيحصل مسائل كثيرة، وإن اعتبرنا الاشتقاق الصغير فهل للعوذ معنى آخر غير الالتجاء وإن كان فما له الاشتراك بينهما أي شيء هو؟ فيحصل مسائل.
وأما الصرف فكأن نقول: «أعوذ» فعل مضارع متكلم وأصله أعوذ مثل أطلب، نقلت الضمة من الواو إلى ما قبلها تخفيفا. والله أصله الإله كالناس أصله الإناس فعال بمعنى مفعول، نقلت الكسرة من الهمزة إلى اللام وحذفت الهمزة للتخفيف فاجتمعت لامان فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية. وقالوا: يا الله، في النداء خاصة بالقطع لأنها كالعوض من المحذوفة، فكأنك قلت: يا إله. وقيل: أصله لاه، ألحقوا بها الألف واللام وأنشدوا:

صفحة رقم 55

كحلفة من أبي رياح... يسمعها لاهه الكبار
ولو عدّ هذه المسألة من اللغة جاز، لأنها غير قياس. والشيطان فعلان أو فيعال، والرجيم فعيل بمعنى مفعول، وكلاهما للمبالغة. فهذه مسائل.
وأما النحو ف «أعوذ» فعل فاعله ضمير المتكلم المستتر وهو أنا، والمجموع جملة فعلية. وبالله متعلق به. وكذا من الشيطان الرجيم، نحو سرت من البصرة إلى الكوفة.
والرجيم صفة للشيطان معرف مثله، وشيطان منصرف لأنه اسم جنس لا علم. فهذه مسائل.
وأما البديع فأن نقول: إنما اختير الرجيم دون اللعين أو المرجوم مثلا ليوافق الفاصلة الأخرى وهو الرحيم إذا ابتدأ القارئ بعد الاستعاذة بالبسملة، وهو الأكثر، مع أن أول القرآن أيضا البسملة واعتبار الاستعاذة هاهنا أولى ليكون تجنيسا خطيا وترصيعا.
وأما المعاني فأن نقول: إنما اختير المضارع على الماضي ليدل على الاستمرار والدوام. أي: شأني أني أعوذ، كقولك: يشرب الخطيب. وإنما لم يقل: أنا أعوذ وأنا عائذ، وإن كانت الجملة الاسمية تدل على الثبات، لأن المراد أني على تجدد هذا القول مني لحظة فلحظة ثابت مستمر، لا أن عوذي مستمر. ويمكن أن يقال: المراد أني أعوذ في حال القراءة لقوله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النحل: ٩٨] فتعين إيراد لفظ المضارع لأنه مشترك بين الحال والاستقبال. وإنما لم يقل «بالله أعوذ» ليفيد الحصر، كما يقال في «بسم الله أبتدىء» لأن الاستعاذة هاهنا أهم امتثالا للأمر، ولأنه لا يعوذ إلا بالانقطاع عن الغير والتبري عن سوى الحق جل ذكره، فلا حاجة إلى التخصيص ولأنه موافق لما ورد في القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨]. وإنما اختير اسم «الله» لأنه كالعلم والمقام مقام إحضار له في ذهن السامع بعينه ليكون أدلّ على انقطاعه عما سواه. وإنما ذكر «الشيطان» معرفا باللام الجنسي ليدل على هذه الحقيقة التي هي مادة كل شر، ويشمل كل فرد منها ضرورة وجود الحقيقة في أي فرد يفرض. ولو أريد العهد أيضا جاز كما مر. ولو نكرت بأن قلت: «من شيطان رجيم» لم يفد العموم وإن قلت: «من كل شيطان» لأطلت، والمقام مقام اختصار. وإنما وصف ب «الرجيم» لأن المقام مقام تأكيد وذم، ولا ذم أبلغ من البعد عن حضرة من هو منشأ كل كمال ومصدر كل خير.
وأما البيان، فإن قوله «أعوذ» معناه ألتصق. ولا ريب أن الالتصاق بالله محال لأن ذلك من شأن الأجسام. والمراد: ألتصق برحمة الله وفضله. فهو إذن مجاز لغوي. وفي نفس الالتصاق أيضا بعد تقدير الرحمة تجوّز بعيد على ما لا يخفى. ولو أريد بالشيطان شيطان الإنس أيضا ويثبت كون اللفظ موضوعا لشيطان الجن فقد كان استعارة. وإذا قدّرنا

صفحة رقم 56

الاستعاذة من شر الشيطان، كما مر، كان مجازا بالنقصان أيضا.
وأما ما يتعلق بالاستدلال فإما من جهة التصوّر وإما من جهة التصديق. أما الأول فنحو كيفية اقتناص التصوّرات الواقعة في التركيب من مفهوم العوذ ومفهوم اسم الله ومفهوم الشيطان ومفهوم الرجيم وأن كلّا منها كيف يعرّف بالحدّ أو الرسم فإن عرف بالحد فكيف يرتب جنسه وفصله؟ وإن عرّف بالرسم فكيف يركب لوازمه؟ وأما معرفة الجنس والفصل واللوازم أنفسها لكل منها فمن الأمور العامة. وأما الثاني فإن قولنا: «أعوذ» لفظه خبر ومعناه إما دعاء أي اللهم أعذني، وإما إنشاء نحو بعت واشتريت. وإذا كان كذلك فلا يتطرق إليه احتمال الصدق والكذب فلا يحتاج إلى البرهان على أحدهما. واستعمال الخبر في معنى الطلب من مسائل علم المعاني أيضا.
وأما ما يتعلق بأصول الدين فأن تعلم ذات الله تعالى وصفاته من أنه قادر مختار عليم إلى غير ذلك من الصفات التي بها يتمكن المستعاذ به من دفع المضار والشرور عن المستعيذ بحيث لا يمنعه مانع ولا يغلبه منازع، وتصور الشيطان ولوازمه وكيفية وسوسته بنحو مما سبق في المقدمة الثانية.
وأما ما يتعلق بأصول الفقه فأن يعرف أن الاستعاذة الواردة في الكتابة والسنة واجبة أم لا بل مندوبة، وإن كانت واجبة فتتكرر بتكرر القراءة أم لا، وإنها تقتضي الفور أو تحتمل التراخي. وأما ما يتعلق بالفقه فإنها تستحب في الصلاة أم لا، وإن استحبّت فتجوز في المكتوبة أم لا، وإن جازت ففي كل ركعة أم في الأولى وحدها، ويسرّ بها أم يجهر؟
وأما ما يتعلق بعلم الأحوال فكالنكت التي ذيلنا بها المقدمة الثانية وأنها لا تكاد تنحصر. فهكذا يجب أن تستنبط المسائل من كل كلام يراد تفسيره من غير أن يتخطى في شيء من ذلك إلى ما ليس من العلم، كأن تقول في كل قراءة الاستعاذة، والقراآت المشهورة سبع هي كذا وكذا، ورواة كل قراءة من هم وما منشأ كل قراءة؟ وفي اللغة أن واضعها من هو؟ وكيف نشأت اللغات؟ وما معنى الاشتقاق؟ وما فائدته؟ وفي الصرف أنه معرفة أحوال الكلم التي ليست بإعراب. ومن جملة الأحوال صيغة المضارع وما معناها، وما حد الفعل والكلمة؟ إلى غير ذلك من قواعد الصرف بل ما فوق ذلك من مباحث الحرف والصوت بل مقولة الكيف. وفي النحو أن التركيب مشتمل على الاسم والفعل والحرف، والاسم معرب منصرف وغير منصرف، ومبني، وما سبب الإعراب والبناء والصرف ومنع الصرف، وأنواع الإعراب كم هي؟ وكل منها يختص بأي شيء من الفاعل والمفعول

صفحة رقم 57

والمضاف إليه ولم يختص بكل صنف ما يختص، وأصناف الفعل كم هي؟ وأصناف الحرف كم هي، ولا سيما حروف الجر، وما معنى كل منها؟ إلى غير ذلك.
وبالجملة فمن كل علم يؤخذ نكت مخصوصة بهذه المادة يلزمنا إيرادها فقط إذ لو تعدّينا إلى ما فوق ذلك من القواعد والقوانين لزم إيراد كل العلوم أو أكثرها في تفسير كلام واحد، وإنه محال شنيع إذ يلزم تداخل العلوم واضطراب القوانين. وأيضا لو فسر «الشيطان الرجيم» بما يلزمه من أنواع الضلالات والجهالات والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة في الملة الإسلامية وغيرها، أو فسر بما هو مباين عنه كأنواع الآفات وأصناف المخافات حتى يلزم تكثير المسائل، لم يخل عن التعسف والإعنات. ومن ارتكب شيئا من ذلك فقد نطق بالخلف وزاغ عن الجادة وانحرف عن سواء السبيل. نعم لو أورد طرف من الاصطلاحات أو المسائل على سبيل التصوير من غير إشارة إلى مآخذها الأصلية ودلائلها الكلية إلا نادرا، جاز ما لم يتجاوز حد الضرورة ومقدار الواجب، كما أشرنا إليها في المقدمات. وقد بقي مما يمكن أن يعد من المقدمات ذكر ابتداء الوحي وكيفية نزول القرآن شيئا بعد شيء، وبيان كيفية إعجاز القرآن. ونحن قد رأينا الأليق بها إيرادها في مواضعها إذا أفضت النوبة إليها.
فلنشرع الآن في المقصود وهو التفسير المسمى بغرائب القرآن ورغائب الفرقان والله المستعان وعليه التكلان.

صفحة رقم 58

غرائب القرآن ورغائب الفرقان

عرض الكتاب
المؤلف

نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري

تحقيق

زكريا عميرات

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1416
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية