تفسير المفردات : والأحزاب : واحدهم حزب. وهو الطائفة المتحزبة : أي المجتمعة لشأن من الشؤون كحرب أو عداوة أو نحو ذلك. والمآب : المرجع.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما أعده للكافرين من العذاب والنكال في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين في جنات تجري من تحتها الأنهار، ثم أردفه ذكر فرح المؤمنين من أهل الكتاب بما أنزل عليه من ربه، وإنكار بعض منهم لذلك، ثم حث الرسول الله صلى الله عليه وسلم على القيام بحق الرسالة وتحذيره من مخالفة أوامره، ثم ختم هذا بذكر الجواب عن شبهات كانوا يوردونها لإبطال نبوته صلى الله عليه وسلم كقولهم : إنه كثير الزوجات، ولو كان رسولا من عند الله لما اشتغل بأمر النساء.
وخلاصة الجواب : إن محمدا ليس ببدع من الرسل، فكثير منهم كان له أزواج وذرية ولم يقدح ذلك في رسالاتهم، وكقولهم : إنه لو كان رسولا من عند الله لم يتوقف فيما يطلب منه من المعجزات، فأجيبوا بأن أمر المعجزات مفوّض إلى الله إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها، ولا اعتراض لأحد عليه، وقولهم : إن ما يخوفنا به من العذاب وظهور النصرة له ولقومه لم يتحقق بعد فليس بنبي ولا صادق فيما يقول : فأجيبوا عن ذلك بقوله : لكل أجل كتاب أي لكل حادث وقتا معينا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فتأخر المواعيد لا يدل على ما تدّعون.
ثم بيّن أن أهل الكتاب انقسموا فئتين : فئة فرحت بنزول القرآن، وفرقة أنكرته وكفرت ببعضه فقال :
والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به كما قال تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به [ البقرة : ١٢١ ] وهم جماعة ممن آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلا من الحبشة واليمن ونجران.
ومن الأحزاب من ينكر بعضه أي ومن جماعتهم الذين تحزّبوا وتألبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ككعب بن الأشرف والسيد والعاقب أسقفي نجران وأشياعهم، من أنكر بعض القرآن وهو ما لم يوافق ما حرفوه من كتابهم وشرائعهم.
ولما ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب في شأنه صلى الله عليه وسلم، بيّن بإيجاز ما يحتاج إليه المرء ليفوز بالسعادتين فقال :
قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به أي قل لهم صادعا بالحق ولا تكترث بمن ينكره إني أمرت فيما أنزل إليّ بأن أعبد الله وحده ولا أشرك به شيئا سواه، وذلك ما لا سبيل إلى إنكاره وأطبقت عليه الشرائع والكتب كما قال : يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا [ آل عمران : ٦٤ ].
وذلك ما دلت الدلائل التي في الآفاق والأنفس على وجوب الإذعان له والاعتراف به :
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد إليه أدعو أي إلى طاعته وإخلاص العبادة له وحده أدعو الناس.
وإليه مآب أي وإليه وحده مرجعي ومصيري ومصيركم للجزاء، ولا خلاف بيننا في هذا، فالعجب لكم أن تنكروا المتفق عليه، وتختلفوا فيما لا محل للخلاف فيه.
وهذه الآية جامعة لشؤون النشأة الأولى والآخرة، فقوله : قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به توحي إلى ما جاء به التكليف. وقوله : إليه أدعو تشير إلى مهامّ الرسالة، وقوله : وإليه مآب تشير إلى البعث والجزاء للحساب يوم القيامة.
تفسير المراغي
المراغي