ثم تحدث كتاب الله عن موقف المؤمنين وموقف المنافقين من القرآن الكريم، وكيف يستقبل نزوله كل من الفريقين، فقال تعالى : والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، ومن الأحزاب من ينكر بعضه . والمراد أن المؤمنين الصادقين يستقبلون الوحي المنزل من عند الله بفرح وابتهاج، وثقة وتصديق، وأنهم لا يزيدون به إلا إيمانا، ولا يزدادون به إلا تمسكا، ولا يبدون عليه أي اعتراض أو امتعاض، إذ لا يأتيهم إلا بما فيه الصلاح والفلاح دنيا وأخرى، بينما المنافقون يستقبلونه بالإقرار والرضا حينا، وبالإنكار والسخط أحيانا، إذ يعيرون الوحي بمعيار أهوائهم وشهواتهم ودسائسهم، فمتى نزل القرآن بما يقف حجر عثرة في طريق تلك الأهواء والشهوات تمارضوا واعترضوا، ومتى كشف القرآن النقاب عن دسائسهم لووا رؤوسهم وأعرضوا، ولا يزال موقف الفريقين من كتاب الله على هذا الحال إلى الآن وحتى الآن، فالمؤمنون به يرون في مبادئه ومناهجه وشعائره وشرائعه المثل الأعلى، والنظام الأصلح والأفضل، الذي يجب أن يسود العالم، والمنافقون يسلمون بعضه، وينكرون بعضه أو ينكرونه بالمرة، لأنهم يريدون قرآنا يطاوع أغراضهم ويساير أهواءهم وما أولئك بالمؤمنين |النور : ٤٧|.
وقوله تعالى هنا : قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به، إليه أدعوا، وإليه مئاب يشبه قوله تعالى فيما سبق : قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله، على بصيرة أنا ومن اتبعني |يوسف : ١٠٨|، فهو تأكيد لأن دعوة الرسول دعوة خالصة إلى الله، مجردة من كل غرض إليه أدعو، وإليه مئاب . وكلمة مآب من الأوب وهو الرجوع، أي إليه مرجعي ومصيري على غرار قوله تعالى : وإليه ترجعون .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري