ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

ثم ذكرهم بالنعم، ليقيدوها بالشكر قبل أن تسلب منهم، كما سلبت ممن ذكر قبل، فقال :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
قلت :( الله ) : مبتدأ، و( الذي )، وما بعده : خبر، و( رزقاً لكم ) : مفعول أخرج، و( من الثمرات ) : بيان له، حال، ويجوز العكس، ويجوز أن يراد بالرزق : المصدر، فينصب على العلة أو المصدر ؛ لأن ( أخرج ) فيها معنى " رَزَقَ ".
يقول الحق جل جلاله : اللهُ الذي خلق السماوات والأرض من أجلكم، السماء تُظلكم، والأرض تُقلكم، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمراتِ رزقاً لكم ، تعيشون به وتتفكهون منه. ويشمل الملبوس، كالقطن، والكتان، وشبه ذلك سخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره : بمشيئته وقدرته، إلى حيث توجههم مع أسباب حكمته، تغطية لقدرته، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها، من الجبال والقلاع، وسخّر لكم الأنهار مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب، وسائر منافعها، فجعلها مُعدَّة لانتفاعكم وتصرفكم. وقيل : تسخير هذه الأشياء : تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الله الذي أنزل من سماء الملكوت علوماً وأسراراً، تحيا به القلوب والأرواح، فأخرج به من أرض النفوس، ثمرة اليقين والطمأنينة، رزقاً لأرواحكم. وسخر لكم فلك الفكرة تجري في بحر التوحيد، وفضاء التفريد بأمره. وسخر لكم أنهار العلوم، منها ما هو علم الرسوم لإصلاح الظواهر، ومنها ما هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر. وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان، دائبين، يستضيء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات، وبشمس العرفان إلى أسرار الذات. وسخَّر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه، ونهار البسط لتنتشروا في اقتباس العلوم، وربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في نهار البسط، ( لا تدرون أيهم أقرب نفعاً ). وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم، وصح وصلكم، فيكون أمركم بأمر الله. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصُوها ؛ إذ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد لا حدَّ لهما في هذه الدار وفي تلك الدار، ففي كل نَفَس يمدهم بمَددٍ جديد، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم ! ! إن الإنسان لظلوم كفار، وشكرها : نسبتها لمعطيها، وحمد الله عليها. وفي الحكم :" لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك ؛ فإنَّ ذلك مما يحط من وجود قدرك ".
قال سهل بن عبد رضي الله عنه : ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى، لأن الشكر يستوجب المزيد. وفي أخبار داود عليه السلام أنه قال : إلهي، ابنُ آدمَ ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة، وفوقها نعمة، فمن أين يكافئها ؟ فأوحى الله تعالى إليه : يا داود، إني أُعْطِي الكثير وأرْضَى باليسير، وإنَّ شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمني. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير