ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض أي : أبدعهما واخترعهما على غير مثال، وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، والاسم الشريف مبتدأ، وما بعده خبره وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء المراد بالسماء هنا جهة العلو، فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال : إن ابتداء المطر منه، ويدخل فيه السحاب عند من قال : إن ابتداء المطر منها، وتدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح. وتنكير الماء هنا للنوعية أي : نوعاً من أنواع الماء، وهو ماء المطر فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ أي : أخرج بذلك الماء من الثمرات المتنوعة رزقاً لبني آدم يعيشون به، و«من » في من الثمرات للبيان كقولك : أنفقت من الدراهم، وقيل : للتبعيض ؛ لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك فجرت على إرادتكم واستعملتموها في مصالحكم. ولذا قال : لِتَجْرِىَ فِي البحر كما تريدون وعلى ما تطلبون بِأَمْرِهِ أي : بأمر الله ومشيئته، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار أي : ذللها لكم بالركوب عليها، والإجراء لها إلى حيث تريدون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والبخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا قال : هم كفار أهل مكة. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا قال : هما الأفجران من قريش : بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، عن عمر نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن عليّ في الآية نحوه أيضاً. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي الطفيل، أن ابن الكوّاء سأل علياً عن الذين بدلوا نعمة الله كفراً. قال : هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر. قال : فمن الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال : منهم أهل حروراء. وقد روي في تفسير هذه الآية عن عليّ من طرق نحو هذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : هم جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البوار قال : الهلاك.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله : وَجَعَلُوا للَّهِ أَندَادًا قال : أشركوا بالله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار قال : بكل فائدة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينَ قال : دؤوبهما في طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ قال : من كل شيء رغبتم إليه فيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : من كل الذي سألتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب عن سليمان التيمي قال : إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرهم. وأخرجا أيضاً عن بكر بن عبد الله المزني قال : يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلاّ في مطعمه ومشربه، فقد قلّ عمله وحضر عذابه. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال : قال داود عليه السلام :( ربّ أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ، فأوحى إليّ : يا داود تنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك ). وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري. فقال قائل : يا أمير المؤمنين، هذا الظلم، فما بال الكفر ؟ قال : إن الإنسان لظلوم كفار .


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية