وبعد أن بيّن لنا الحق سبحانه السعداء وبيّن الأشقياء، وضرب المَثل بالكلمة الطيبة، وضرب المثل بالكلمة الخبيثة، يأتي من بعد ذلك بما يهيج في المؤمن فرحة في نفسه ؛ لأنه آمن بالله الذي صنع كل تلك النعم، ويذكر نعما لا يشترك فيها مع الله أحد أبدا، فيقول :
الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخّر لكم الفُلك١ لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار ٣٢
والسماء والأرض –كما نعلم- هما ظرفا الحياة لنا كلنا، وقد قال الحق سبحانه :
لَخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. ٥٧ ( غافر ).
فإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض ؛ فهذا لفت لنا على الإجمال ؛ لأنه لم يقل لنا ما قاله في مواضع أخرى من القرآن الكريم بأنها من غير عَمَد٢ ؛ وليس فيها فطور، ولم يذكر هنا أنه خلق في الأرض رواسي كي لا تميد٣ بنا الأرض، ولم يذكر كيف قدّر في الأرض أقواتها٤، واكتفى هنا بلمحة عن خلق السماوات والأرض.
وحين يتكلم سبحانه هنا عن خلق السماوات والأرض يأتي بشيء لم يدّعه أحد على كثرة المُدّعين من الملاحدة ؛ وذلك لتكون ألزم في الحجة للخصم، وبذلك كشف لهم حقيقة عدم إيمانهم ؛ وجعلهم يرَون أنهم كفروا نتيجة لَددٍ٥ غير خاضع لمنطق ؛ وهو كفر بلا أسباب.
وحين يحكم الله حُكما لا يوجد له معارض ولا منازع ؛ فهذا يعني أن الحكم قد سلِم له سبحانه. ولم يجترئ أحد من الكافرين على ما قاله الله ؛ وكأن الكافر منهم قد أدار الأمر في رأسه، وعلم أن أحدا لم يدّع لنفسه خلْق السماوات والأرض ؛ ولا يجد مفرا من التسليم بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض.
وقول الحق سبحانه هنا :
والله الذي خلق السماوات والأرض.. ٣٢ ( إبراهيم ).
يوضّح لنا أن كلمة ( الله ) هنا ؛ لأنها مناطُ الصعوبة في التكليف ؛ فالتكليف يقف أماما الشهوات، وقد تغضبون من التكليف، ولكنه يحميكم من بعضكم البعض، ويكفل لكم الأمان والحياة الطيبة.
ولم يأت الحق سبحانه بكلمة ( رب ) هنا لأنها مناط العطاء الذي شاءه للبشر، مؤمنهم وكافرهم.
وكلمة ( الله ) تعني المعبود الذي يُنزل الأوامر والنواهي، وتعني أن هناك مشقات، ولذلك ذكر لهم أنه خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء الماء.
ونحن حين نسمع كلمة ( السماء ) نفهم أنها السماء المقابلة للأرض ؛ ولكن التحقيق يؤكد أن السماء هي كل ما علاك فأظلّك.
والمطر كما نعلم إنما ينزل من الغيم والسحاب. والحق سبحانه هو القائل :
ألم تر أن الله يُزجي٦ سحابا ثم يؤلّف بينه ثم يجعله رُكاماً٧ فترى الودْق٨ يخرج من خلاله.. ٣٤ ( النور ).
وقد عرفنا بالعلم التجريبي أن الطائرة –على سبيل المثال- تطير من فوق السحاب، وعلى ذلك فالمطر لا ينزل من السماء ؛ بل ينزل مما يعلونا من غَيم وسحاب.
أو : أنك حين تنسب النزول من السماء ؛ فهذا يوضح لنا أن كل أمورنا تأتي من أعلى ؛ ولذلك نجد الحديد الذي تحتضنه الجبال وينضج في داخلها، يقول فيه الحق سبحانه :
وأنزلنا الحديد فيه بأس٩ شديد ومنافع للناس.. ٢٥ ( الحديد ).
وهكذا نجد أنه إما أن يكون قد نزل كعناصر مع المطر ؛ أو لأن الأمر بتكوينه قد نزل من السماء.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يتحدث الحق سبحانه عن خلق السماوات والأرض ؛ وكيف أنزل الماء من السماء :
فأخرج به من الثمرات رزقا لكم.. ٣٢ ( إبراهيم ).
والثمرات هي نتاج ما تعطيه الأرض من نباتات قد تأكل بعضا منها ؛ وقد لا تأكل البعض الآخر ؛ فنحن نأكل العنب مثلا، ولكنا لا نأكل فروع شجرة العنب، وكذلك نأكل البرتقال ؛ ولكنا لا نأكل أوراق وفروع شجرة البرتقال.
٢ عَمَد: جمع عمود. وقال الفراء: فيه قولان:
أحدهما: أنه خلقها مرفوعة بلا عمد، ولا يحتاجون مع الرؤية إلى خبر.
والقول الثاني: أنه خلقها بعمد لا ترون تلك العمد. [لسان العرب – مادة: عمد]..
٣ ماد يميد: تحرّك واهتزّ. ومادت الأرض: اضطرت وزلزلت. قال تعالى: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم.. ١٠ [لقمان]. لئلا تميل وتضطرب، فالجبال العالية توازن البحار العميقة. [القاموس القويم ٢/٢٤٦]..
٤ القوت: الطعام يحفظ على البدن حياته. وجمعه أقوات. قال تعالى: (وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام.. ١٠} [فصلت] أي: أقوات جميع سكان الأرض من إنسان وحيوان وكل شيء حي إلى آخر الدهر. [القاموس القويم ٢/١٢٦]..
٥ اللدد: الخصومة الشديدة. وألده يلده: خصمه. [لسان العرب – مادة: لدد]..
٦ زجه يزجه: دفعه بسرعة. وزجا الشيء يزجوه: ساقه برفق. [القاموس القويم ١/٢٨٤]..
٧ قوله: (ثم يجعله ركاما.. ٤٣} [النور]. أي: متجمعا فيه مطر كثير غزير. [القاموس القويم ١/٢٧٦]..
٨ الودق: المطر كله شديده وهيّنه. [لسان العرب – مادة: ودق]..
٩ قال ابن كثير في تفسيره: فيه بأس شديد.. ٢٥ [الحديد] يعني: السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها، و: ومنافع للناس.. ٢٥ [الحديد] أي: في معايشكم كالسكة والفأس والقدوم والمنشار والأزميل والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة.. وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك. [تفسير ابن كثير ٤/٣١٥]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي