ويتتابع الدعاء في قول الحق سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام :
ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ٤١
ونعلم أن طلب الغُفران من المعصوم إيذان بطلاقة قدرة الله في الكون، ذلك أن اختيار الحق سبحانه للرسول –أيّ رسول- لا يُعفي الرسول المختار من الحذَر وطلب المغفرة، وها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إني أستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة )١.
وطلب المغفرة من الله إن لم يكن لذنب –كما في حال الرُّسل المعصومين- فهو من الأدب مع الله ؛ لأن الخالق –سبحانه وتعالى- يستحق منا فوق ما كلّفنا له، فإذا لم نقدر على المندوبات وعلى التطوّعات، فلندع الحق سبحانه أن يغفر لنا.
ومنّا من لا يقدر على الفرائض ؛ فليدعُ الله أن يغفر له ؛ ولذلك يقال :( حسنات الأبرار سيئات المقرّبين )٢.
والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم :
ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويُتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما ٢ ( الفتح ).
ولذلك أقول دائما : إن الحق –جلّ جلال ذاته- يستحق أن يُعبد بفوق ما كلّف به ؛ فإذا اقتصرنا على أداء ما كلّف به سبحانه، فكأننا لم نُؤدّ كامل الشكر، وما بالنا إذا كان مثل هذا الحال هو سلوك الرّسل، خصوصا وأن الحق سبحانه قد زادهم عن خلقه اصطفاء ؛ أفلا يزيدنه شُكرا وطلبا للمغفرة ؟
ونلحظ أن طلب المغفرة هنا قد شمل الوالدين والمؤمنين :
ربنا اغفر لي ولوالديّ٣ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ٤١ ( إبراهيم ).
والإنسان كما نعلم له وجود أصليّ من آدم عليه السلام، وله وجود مباشر من أبويه، وما دام الإنسان قد جاء إلى الدنيا بسبب من والديه، وصار مؤمنا فهو يدعو لهما بالمغفرة، أو : أن الأُسوة كانت منهما ؛ لذلك يدعو لهما بالمغفرة.
والإنسان يدعو للمؤمنين بالمغفرة، لأنهم كانوا صُحبة له وقُدوة، وتواصى معهم وتواصوا معه بالحق والصبر، وكأن إبراهيم –عليه السلام- صاحب الدعاء يدعو للمؤمنين من ذريته، وتلك دعوة وشفاعة منه لمن آمن، ويرجو الحق سبحانه أن يتقبلها.
٢ الأبرار والمقرّبون كلاهما من أهل الجنة، ولكن الأبرار أقل منزلة من المقربين، وقد تحدث الله عن الصنفين فقال عن المقربين: والسابقون السابقون ١٠ أولئك المقرّبون ١١ في جنات النعيم ١٢ ثُلّة من الأولين ١٣ وقليل من الآخرين ١٤ على سُرر موضونة ١٥ متكئين عليها متقابلين ١٦ يطوف عليهم وِلدان مُخلّدون ١٧ (الواقعة) الآيات. أما الأبرار فقد قال عنهم: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ٢٧ في سِدر مخضود ٢٨ وطلْحٍ منضود ٢٩ وظل ممدود ٣٠ (الواقعة) الآيات. فلعظم منزلة المقربين قيل: إن الحسنات التي يعملها الأبرار والتي استحقوا بها النعيم في الجنة هي السيئات في جانب ما يعمله المقربون..
٣ ذكر القرطبي في تفسيره (٥/٣٧١٤) قراءتين أخريين لهذه الكلمة:
(لوالِدي) يعني أباه. وهي قراءة سعيد بن جبير. وذلك قبل أن يثبت عنده أنه عدو لله.
(لولديَّ) يعني ابنيه. وهي قراءة إبراهيم النخعي، ويحيى بن يعمر. ولذلك قيل: إنه أراد ولديه: إسماعيل وإسحاق..
تفسير الشعراوي
الشعراوي