وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمةَ الله عليكم إذ أنجاكم : حين أنجاكم من آلِ فرعونَ : رهطه، يسومونكم : يُولونكم سُوء العذابِ : أقبحه يستعبدونكم ويُكلفونكم مشاق الأعمال، ويُذبِّحُون أبناءكم ويستحْيون نساءكم ، قال البيضاوي : المراد بالعذاب هنا غير المراد به في سورتَيْ البقرة والأعراف ؛ لأنه هناك مفسر بالتذبيح والقتل، ومعطوف عليه هنا، فهو هنا إما جنس العذاب، أو استعبادهم واستعمالهم بالأعمال الشاقة. ه. وفي ذلكم الامتحان بلاء أي : ابتلاء من ربكم عظيم ؛ اختبركم به حتى أنقذكم منه، ليعظم شكركم، أو : في ذلك الإنجاء بلاء، أي : نعمة واختبار عظيم، لينظر كيف تعملون في شكر هذه النعمة.
لكن هذه الأحوال تختلف على العبد باعتبار القوة والضعف ؛ فتارة تجده قوياً يتلقى المهالك بوجه ضاحك، وتارة تصادفه الأقدار ضعيفاً ؛ فلا يبقى معه إلا الصبر وتجرع مرارة البلاء، والعياذ بالله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في كتاب القصد :" رأيت كأني مع النبيين والصديقين، فأردت الكون معهم، ثم قلت : اللهم اسلك بي سبيلهم مع العافية مما ابتليتهم، فإنهم أقوى ونحن أضعف منهم، فقيل لي : قل : وما قدّرت من شيء فأيَّدْنا كما أيدتهم. تَلَذُّ لِيَ الآلامُ ؛ إذْ كُنْتَ مُسْقِمِي وإنْ تَخْتَبِرْنِي فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي