ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

والثاني- أن يكون الإضلال: عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، والهداية: عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة.
والثالث- أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله، ولم يتعرض له، صار كأنه أضله، والمهتدي لما أعانه بالألطاف، صار كأنه هو الذي هداه.
والخلاصة: إنه لا إجبار على الإيمان والكفر، ولا يخلق العبد كافرا أو لا يخلق الكفر في العبد، وإنما المراد بالإضلال والهداية بيان طريقي الشر والخير، كما قال تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد ٩٠/ ١٠].
مهمة الرسول موسى عليه السلام ونصائحه لقومه
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٥ الى ٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
الإعراب:
أَنْ أَخْرِجْ أَنْ: إما أن يكون لها موضع من الإعراب، وهو النصب، وتقديره:
بأن أخرج قومك، فحذف حرف الجر، فاتصل الفعل به، وإما ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسّرة بمعنى أي، مثل أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا [ص ٣٨/ ٦].
وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ أتى بالواو هنا، ليدل على أن الثاني غير الأول، وحذفت في غير هذا الموضع في سورة البقرة، ليدل على البدل، وأن الثاني بعض الأول، أي أنه في سورة البقرة تفسير لما سبق، وهنا غير تفسير، وإنما التذبيح نوع آخر من العذاب غير الأول.
إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ حذفت الفاء من جواب الشرط للشهرة.
البلاغة:
شَكَرْتُمْ وكَفَرْتُمْ بينهما طباق.
صَبَّارٍ شَكُورٍ صيغة مبالغة فيهما.
شديد.. حميد فيهما سجع.
المفردات اللغوية:
بِآياتِنا الجمهور على أنها الآيات التسع التي أجراها الله على يد موسى عليه السلام، يعني اليد والعصا وسائر معجزاته. وقيل: هي الجراد والقمل والضفادع ونحوها. أَنْ أَخْرِجْ أي بأن أخرج، أو بمعنى أي كأن في الإرسال معنى القول. قَوْمَكَ بني إسرائيل. مِنَ الظُّلُماتِ الكفر والجهالات. إِلَى النُّورِ الإيمان بالله وتوحيده وجميع ما أمروا به وَذَكِّرْهُمْ عظهم، بِأَيَّامِ اللَّهِ وقائعه التي وقعت على الأمم السابقة، وأيام العرب: حروبها. وقيل: بنعمائه وبلائه. صَبَّارٍ كثير الصبر على البلاء والطاعة. شَكُورٍ أي كثير الشكر للنعم.
وَإِذْ قالَ واذكر حين قال موسى. يَسُومُونَكُمْ يذيقونكم العذاب السيء الشديد.
وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ المولودين. وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يبقونهم أحياء للذل والعار لقول بعض الكهنة: إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون. وَفِي ذلِكُمْ الإنجاء أو العذاب. بَلاءٌ إنعام أو ابتلاء واختبار.
وَإِذْ تَأَذَّنَ واذكر حين أعلم وآذن. لَئِنْ شَكَرْتُمْ نعمتي بالتوحيد والطاعة. وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ جحدتم النعمة بالكفر والمعصية، لأعذبنكم، دل عليه إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ.
لَغَنِيٌّ عن خلقه. حَمِيدٌ مستحق للحمد في ذاته، محمود في صنعه بهم، تحمده

صفحة رقم 207

الملائكة وتنطق بنعمه المخلوقات، فما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم، حيث حرمتموها مزيد الإنعام، وعرضتموها للعذاب الشديد.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أنه أرسل محمدا صلّى الله عليه وسلّم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن إرساله نعمة له ولقومه، أتبع ذلك بذكر قصة موسى عليه السلام، ثم بقصص أنبياء آخرين مع أقوامهم، تنبيها على أن المقصود من بعثة الرسل واحد: وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتصبيرا للرسول على أذى قومه، وإرشادا له إلى كيفية معاملتهم ومكالمتهم.
التفسير والبيان:

صفحة رقم 208

كما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بالآيات التسع، وأمرناه قائلين له: أخرج قومك من الظلمات إلى النور، أي أدعهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان.
وعظهم بأيام الله، أي بوقائعه التي مرت على أمم الأنبياء السابقين، وكيف نجا المؤمنون، وهلك الكافرون!! أو ذكّرهم بنعم الله عليهم في إخراجهم من أسر فرعون وقهره، وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم الغمام، وإنزاله عليهم المن والسلوى، وغير ذلك من النعم.
روى الإمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم حديثا مرفوعا عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ قال: بنعم الله تعالى.
وأيام الله في عهد موسى: إما محنة وبلاء: وهي الأيام التي كان فيها

صفحة رقم 209

بنو إسرائيل تحت قهر فرعون واستعباده، وإما نعمة كإنجائهم من عدوهم، وفلق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ.. أي إن في ذلك التذكير لدلائل على وحدانية الله وقدرته، وإن فيما صنعنا ببني إسرائيل حين أنقذناهم من بطش فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة، لكل كثير الصبر على الطاعة والبلاء أو الضراء، شكور في حال النعمة والرفاه والسرور. قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر.
وجاء في صحيح البخاري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرا له، وإن أصابته سرّاء، شكر، فكان خيرا له».
فعلى المسلم أن يكون صابرا شكورا، يصبر عند البلاء والمحنة، ويشكر عند الرخاء والنعمة.
وَإِذْ قالَ مُوسى... واذكر حين قال موسى لقومه: يا قوم، تذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون، وما كانوا يذيقونكم من العذاب والإذلال، ويكلفونكم من الأعمال ما لا تطيقون، وكانوا يذبحون أبناءكم المولودين الصغار، خوفا من ظهور ولد يكون سببا في تدمير ملك فرعون، كما فسرت الرؤيا لفرعون مصر، وكانوا يتركون الإناث أحياء ذليلات مستضعفات، وذلك من أعظم البلاء، فأنقذكم الله من عذابهم، وهذه نعمة عظيمة.
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي وفيما ذكرت لكم اختبار عظيم من ربكم، سواء في حال النقمة، أو في حال النعمة، ليعرف الإنسان أيشكر أم يكفر؟! كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
الأنبياء ٢١/ ٣٥] وقال سبحانه: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف ٧/ ١٦٨].

صفحة رقم 210

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ.. واذكروا يا بني إسرائيل حين آذنكم ربكم وأعلمكم بوعده لكم، وهو قوله: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها.
أخرج البخاري عن أنس حديثا فيه: «ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة».
ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، كقوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [الأعراف ٧/ ١٦٧].
وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ.. أي ولئن جحدتم النعم وسترتموها، فلم تؤدوا حقها من الشكر. إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ أي إن عقابي أليم وقعة، شديد تأثيره وألمه، في الدنيا بزوال تلك النعم، وسلبها عنهم، وفي الآخرة بالعقاب على كفرانهم، والمراد بالكفر هما: الكفران. جاء في الحديث الثابت الذي رواه الحاكم عن ثوبان: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه».
وَقالَ مُوسى.. أي وأعلن موسى مبدأ أساسيا في الدين، حينما لا حظ منهم أمارات الكفر والعناد، وهو أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى الإنسان، أما الله فهو غني عن عباده، فقال: إن تجحدوا نعمة الله عليكم أنتم وجميع من في الأرض من الثقلين: الإنس والجن، فإن الله غني عن شكر عباده.
وهو المحمود، وإن كفر به من كفر، كما قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر ٣٩/ ٧] وقال تعالى: فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن ٦٤/ ٦] وقال سبحانه: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر ٣٩/ ٧].
جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- فيما يرويه عن ربه عز وجل- أنه قال: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على

صفحة رقم 211

أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر».
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
١- إن المقصود من بعثة الأنبياء واحد، وهو أن يسعوا في إخراج الناس من ظلمات الكفر والضلالات إلى أنوار الإيمان والهدايات.
٢- على الناس الاعتبار والاتعاظ بأيام الله تعالى، أي الوقائع العظيمة التي وقعت فيها، وتذكر نعم الله عليهم.
وذلك جمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، فالترغيب والوعد: أن يذكرهم النبي موسى أو غيره ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل، في سائر ما سلف من الأيام. والترهيب والوعيد: أن يذكرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل، ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام، مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا، ويحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب.
٣- إن في ذلك التذكير والتنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا. ففي حال المحنة والبلية يصبر، وفي حال المنحة والعطية يشكر، وهذا تنبيه على أن المؤمن يجب ألا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين: الصبر أو الشكر.
روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال فيما رواه البيهقي عن أنس، وهو ضعيف: «الإيمان نصفان:

صفحة رقم 212

فنصف في الصبر، ونصف في الشكر» ثم تلا هذه الآية: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.
٤- لقد تعرض بنو إسرائيل في زمن فرعون للحالتين: المحنة والنعمة، ولكنهم لم يقدروا النعمة ولم يشكروها، ولم يصبروا عند المحنة، وذلك ملحوظ من نصح موسى عليه السلام لهم حينما رأى أمارات الكفر والعناد فيهم.
٥- إن شكر النعمة سبب لزيادتها، وكفرانها سبب لزوالها، فالآية نص واضح في أن الشكر سبب المزيد، وأن جحود النعمة سبب النقص والزوال، فمن اشتغل بشكر نعم الله، زاده الله من نعمه، ومن كفر بنعمة الله فهو جاهل، والجهل بالله سبب لأعظم أنواع العقاب والعذاب، فالمراد بقوله: وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ الكفران، لا الكفر.
والشكر: هو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم، مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة.
والخلاصة: الاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة، والاشتغال بشكر النعمة يستوجب زيادتها.
٦- إن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود الا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران. أما المعبود المشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران.
والمراد من قول موسى: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ.. بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات، لمنافع عائدة إلى العابد، لا لمنافع عائدة إلى المعبود، بدليل قوله:
فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ أي لا يلحقه بذلك نقص، بل هو الغني، وهو المحمود في جميع الأحوال.

صفحة رقم 213

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية