فأسرِ بأهلك : فاذهب بهم بقطْعٍ من الليل أي : فاخرج بهم في طائفة من الليل، قيل : آخره، واتَّبع أدبارَهم أي : كن خلفهم في ساقتهم، حتى لا يبقى منهم أحد، أو : أمره بالتأخر عنهم ؛ ليكونوا قدامه، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا خلفه ؛ لخوفه عليهم، أي : ليسرع بهم، ويطلع على أحوالهم. ولا يلتفت منكم أحدٌ خلفه، لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه، أو : ولا ينصرف أحد منكم، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم. وقيل : نهوا عن الالتفاف ليوطنوا أنفسهم على الهجرة. وامضوا حيث تُؤمرون أي : إلى حيث أمركم الله، وهو الشام أو مصر، وقال بعضهم :" ما من نبي هلك إلا لحق بمكة، وجاور بها حتى مات ".
وقوله تعالى : وجاء أهل المدينة يستبشرون : هذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم، قال تعالى في أمثالهم : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون . وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي