ﭘﭙﭚﭛﭜ

و( لعمركَ ) : مبتدأ، والخبر محذوف، أي : قسمي، قال ابن عزيز : عَمْرٌ وعُمْرٌ واحد، ولا يقال في القسم إلا مفتوحاً، وإنما فتح في القسم فقط ؛ لكثرة الاستعمال.
قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لَعَمْرُكَ : لحياتك يا محمد، أقسم بحياته عليه الصلاة والسلام لشرف منزلته عنده. قال ابن عباس رضي الله عنهما :" ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته، فقال : لَعَمْرُكَ إنهم لَفِي سَكْرتهم يَعمهون قال القرطبي : وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم : ينعقد به يمينه، وتجب الكفارة بالحنث، واحتج بكون النبي صلى الله عليه وسلم أحد ركني الشهادة. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد : هذا إذ استدل من جوّز الحلف به عليه الصلاة والسلام، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده صلى الله عليه وسلم حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له : احلف لي بما حوى هذا القبر، وبحق ساكن هذا القبر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ه.
قلت : ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير الله، وصفاته، وأسمائه. وقيل : إن قوله تعالى : لعمركَ : هو من قول الملائكة للوط، أو لحياتك يا لوط، إنهم لَفَي سَكْرتهم يَعمهون أي : لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب، يتحيرون. والغلمة : شهوة الوقاع. والعمه : الحيرة، أي : إنهم لفي عماهم يتحيرون، فكيف يسمعون نصح من نصحهم ؟ والضمائر لقوم لوط، وقيل : لقريش، والجملة : اعتراض.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ما بعث الله داعياً يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه بعد الإيمان، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية، وما هلك من هلك من الأمم إلا بالبقاء معها، وعدم الخروج عنها، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها. وكذلك في طريق الخصوصية : ما بعث الله ولياً مربياً إلا وكان أول ما يأمر : بخرق العوايد ؛ لاكتساب الفوائد، فلا طريق لخصوصية الولاية إلا منها. وفي الحكم :" كيف تخرق لك العوائد، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد ". فمن تربى في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل، وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها، فلا بد من الزهد فيها والخروج عنها، وكذلك سائر العوائد النفسانية، والحظوظ الجسمانية، فمن جاور قوماً منهمكين فيها، ولم يجد من يساعده على خرقها، فليهاجر منها، ويقال له : فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع، إلا بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى، وليمض حيث يجد من ينهض معه إلى الله في نقل عوائدها وعوائقها.
وقوله تعالى : وجاء أهل المدينة يستبشرون : هذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم، قال تعالى في أمثالهم : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون . وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير