ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠ

وقال الشافعي رحمه الله: القرآن لا ينسخ بالسنة لقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وهذا يقتضي أن الآية لا تصير منسوخة إلا بآية أخرى.
وردّ عليه بأن هذه تدل على أنه تعالى يبدل آية بآية أخرى، ولا دلالة فيها على أنه تعالى لا يبدل آية إلا بآية، وأيضا فجبريل عليه السلام قد ينزل بالسنة، كما ينزل بالآية، وأيضا فالسنة قد تكون مثبتة للآية.
٤- القرآن بلسان عربي مبين، فكيف يصح للمشركين الزعم بأن محمدا الرسول صلّى الله عليه وسلّم يتعلمه من حداد أعجمي مقيم في مكة؟ مع أن الإنس والجن عجزوا أن يعارضوا منه سورة واحدة فأكثر.
٥- لا يوفق الله للإيمان هؤلاء المشركين الذين لا يؤمنون بالقرآن، لإصرارهم على الكفر وعنادهم، وإعراضهم عن هدي الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم موجع.
٦- قد صرحت الآية: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ.. بوصف المشركين بالكذب والافتراء جوابا لوصفهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالافتراء. وقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ مبالغة في وصفهم بالكذب، أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم.
المرتدون عن الإسلام والمهاجرون بعد ما فتنوا
[سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠٦ الى ١١١]
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١)

صفحة رقم 238

الإعراب:
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ.. مَنْ بدل مرفوع من الْكاذِبُونَ في قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أو مبتدأ أو شرطية، والخبر أو الجواب: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وأحسن الوجوه أن مَنْ مبتدأ محذوف الخبر. إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ استثناء متصل لأن الكفر يعم القول والنية كالإيمان.
مَنْ شَرَحَ: من: مبتدا مرفوع، وخبره: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.
صَدْراً مفعول شَرَحَ أي ولكن من شرح بالكفر صدره وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره، فهو نكرة يراد بها المعرفة.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ.. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ.. خبر إِنَّ الأولى دل عليه خبر إِنَّ الثانية.
المفردات اللغوية:
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على الافتراء، أو على النطق بكلمة الكفر فتلفظ به وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ لم تتغير عقيدته، وثبت على ما كان عليه، وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب.
وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً له، أي فتحه ووسعه، والمعنى: اعتقده وطابت له نفسه فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.. هذا وعيد شديد إذ لا أعظم من جرمه، والغضب: أشد من اللعن الذي هو الطرد من رحمة الله ذلِكَ الوعيد لهم بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا اختاروها أو آثروها وقدّموها.

صفحة رقم 239

لا جَرَمَ حقا الْخاسِرُونَ إذ ضيعوا أعمارهم، وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد، وصاروا إلى النار المؤبدة عليهم.
هاجَرُوا من مكة إلى المدينة مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا عذّبوا أو اختبروا بالعذاب، وتلفظوا بالكفر، كعمار رضي الله عنه. ومن قرأ: فُتِنُوا معناه كفروا، أو فتنوا الناس عن الإيمان، كالحضرمي أكره مولاه جبرا، حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الجهاد وما أصابهم من المشاق إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد الفتنة والهجرة والجهاد والصبر لَغَفُورٌ لهم لما فعلوا قبل رَحِيمٌ بهم، منعم عليهم، مجازاة على ما صنعوا بعد.
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ اذكر، وهو يوم القيامة تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها تحاج وتجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها، لا يهمها شأن غيرها، فتقول: نفسي نفسي. والنفس الأولى: الجثة والبدن، والنفس الثانية: عينها وذاتها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ تعطى جزاء ما عملت وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لا ينقصون أجورهم شيئا
سبب النزول:
نزول الآية (١٠٦) :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يهاجر إلى المدينة، أخذ المشركون بلالا، وخبّابا، وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيّة، فلما رجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حدّثه فقال: كيف كان قلبك حين قلت: أكان منشرحا بالذي قلت؟ قال: لا، فأنزل الله: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.
وأخرج ابن أبي حاتم أيضا عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية.

صفحة رقم 240

روايات أخرى:
في آية إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ:
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل: «أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله، قال له: ما وراءك؟ قال شر ما تركت، نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان، قال: إن عادوا فعد، فنزلت: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.
وروي: «أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسميّة على الارتداد فأبوا، فربطوا سمية بين بعيرين، ووجئت بحربة في موضع عفتها، وقالوا: إنما أسلمت من أجل الرجال، فقتلوها وقتلوا ياسرا، وهما أول قتيلين في الإسلام، وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل: يا رسول الله، إن عمارا كفر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو يبكي، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح عينيه، وقال: مالك؟ إن عادوا فعد لهم بما قلت»
.
نزول الآية (١١٠) :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ: أخرج ابن سعد في الطبقات عن عمر بن الحكم قال:
كان عمار بن ياسر يعذّب، حتى لا يدري ما يقول، وكان صهيب يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب، حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن عياشا رضي الله عنه (وكان أخا أبي جهل

صفحة رقم 241

من الرضاعة) وأبا جندل بن سهيل، وسلمة بن هشام، وعبد الله بن سلمة الثقفي، فتنهم المشركون، وعذبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم بعد ذلك هاجروا، وجاهدوا، فنزلت فيهم هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن عظّم الله تعالى تهديد الكافرين الذين تقولوا الأقاويل على النبي صلّى الله عليه وسلّم، فوصفوه بأنه مفتر، وأن ما جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، أردف ذلك ببيان من يكفر بلسانه لا بقلبه بسبب الخوف والإكراه، ومن يكفر بلسانه وقلبه معا. ثم ذكر بعده حال من هاجر بعد ما فتن، وهم المستضعفون في مكة.
التفسير والبيان:
من كفر بوجود الله وتوحيده بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، فعليه غضب من الله ولعنته، وله عذاب شديد في الآخرة، لعلمه بالإيمان، ثم عدوله عنه، ولأنه استحب الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدم على الردة، ولم يهد الله قلبه، ولم يثبته على الدين الحق، فطبع على قلبه، فهو من الغافلين عما يراد، ومن الذين لا يعقلون شيئا ينفعهم، وقد ختم على سمعه وبصره، فهو لا ينتفع بها، ولا أغنت عنه شيئا.
ثم استثنى الله تعالى ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه من أكره فقال:
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ أي إلا إذا أكره بسبب الضرب والأذى، وقلبه يأبى ما ينطق به في الظاهر، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله بعد الانزعاج الحاصل بسبب الإكراه، كما فعل عمار بن ياسر حينما عذبه مشركو مكة. وأصل الاطمئنان: سكون بعد انزعاج، والمراد هنا السكون والثبات على الإيمان، ومعنى قوله: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً.. أي فتحه ووسعه لقبول الكفر.

صفحة رقم 242

ثم ذكر الله تعالى سبب سخطه على المرتد، فقال: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا.. أي ذلك الجزاء والغضب من الله والعذاب العظيم من أجل أنهم آثروا الدنيا على الآخرة.
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي.. أي وأن الله لا يوفق المصرّين على الكفر، الذين أمعنوا في إنكار توحيد الله ونبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم.
أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ.. أولئك الذين ارتدوا أو كفروا بعد إيمانهم هم الذين ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فلا يؤمنون ولا يسمعون كلام الله ولا يبصرون البراهين والأدلة إبصار تبصر، وأولئك هم الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ.. أي حقا أو لا بد أنهم هم الهالكون في الآخرة، الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
هؤلاء المرتدون الخاسرون حكم الله عليهم بستة أحكام هي:
١- أنهم استوجبوا غضب الله.
٢- أنهم استحقوا العذاب الأليم.
٣- أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.
٤- أنه تعالى حرمهم من الهداية للطريق القويم.
٥- أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.
٦- أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
ثم ذكر الله تعالى حكم المستضعفين في مكة، فقال: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا.. أي ثم إن ربك يا محمد للذين هاجروا من ديارهم في مكة بعد ما حاول المشركون فتنهم عن دينهم، وجاهدوا المشركين بعدئذ في المعارك، وصبروا

صفحة رقم 243

على جهادهم، بالعون والنصر والتأييد والمغفرة والستر لذنوبهم، والرحمة بهم، فلا يعاقبهم بعد توبتهم وصدق إسلامهم.
فهؤلاء صنف آخر من المؤمنين كانوا مستضعفين بمكة، مهانين في قومهم، فوافقوهم على الفتنة والنطق بالكفر ظاهرا، ثم إنه أمكنهم الخلاص بالهجرة إلى المدينة، تاركين بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا على الأذى، فأخبر تعالى أنه من بعدها أي من بعد تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة، لغفور لهم، رحيم بهم يوم معادهم.
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ.. يَوْمَ منصوب برحيم أو بإضمار فعل:
اذكر، أي إنه غفور رحيم بهم يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي، كقوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس ٨٠/ ٣٧].
ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقولهم: هؤُلاءِ أَضَلُّونا [الأعراف ٧/ ٣٨]، ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام ٦/ ٢٣] ونحو ذلك.
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ.. أي وتعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على جزاء الشر، ولا يظلمون نقيرا، أي شيئا حقيرا أو صغيرا.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآيات على الأحكام التالية:
١- جزاء المرتدين يوم القيامة هو ستة أوصاف ذكرناها. وأما جزاؤهم في

صفحة رقم 244

الدنيا فهو القتل،
لحديث ابن عباس عند الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) :«من بدل دينه فاقتلوه».
٢- الترخيص للمستكره بالنطق بالكفر ظاهرا مع اطمئنان القلب بالإيمان، فقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم عمارا أن يعود إلى مجاراة المشركين في القول إن عادوا إلى إكراهه، لكن عدم المجاراة أفضل.
أ- قال العلماء: إن الأمر في الحديث للإباحة، والصارف له عن الوجوب إليها: ما روي عن خبيب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه أنه لم يعطهم التقية، بل صبر حتى قتل، فكان عند النبي صلّى الله عليه وسلّم خيرا من عمار في إعطائه التقية. ثم إن في الصبر على المكروه إعزازا للدين والإسلام وغيظا للمشركين، فهو بمنزلة من قاتل المشركين حتى قتل، فتأثير الإكراه حينئذ إنما هو إسقاط المأثم فقط، كما
قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الطبراني عن ثوبان، وهو صحيح: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
فألحق المكره بالمخطئ والناسي،
وفي رواية أخرى لابن ماجه عن أبي ذر: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان..» إلخ.
وكذلك بلال الحبشي أبى على المشركين المجاراة في القول، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد، ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول:
لا أسمع، فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك.
ورواية القصة هي: «أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنت أيضا، فخلّاه، وقال

صفحة رقم 245

للآخر: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له» «١».
والخلاصة: أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة.
ب- لما سمح الله عز وجل بالكفر به- وهو أصل الشريعة- عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا أكره الإنسان عليها لم يؤاخذ بما قال أو فعل، ولم يترتب عليه حكم.
ج- قال القرطبي: أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل: أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي، غير محمد بن الحسن، فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما. وهذا قول يرده الكتاب والسنة، فإنه مخالف لهذه الآية:
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ.
د- اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه، فذهب الحنفية إلى أن الطلاق ونحوه يلزمه لأن الطلاق يعتمد الاختيار، والإكراه ينفي الرضا ويحقق الاختيار.
وغير الحنفية ذهبوا إلى عدم لزومه، استدلالا
بالحديث المتقدم: «رفع عن أمتي»
وحمله الحنفية على رفع الحكم الأخروي وهو الإثم.

(١) الكشاف: ٢/ ٢١٩، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٨٨، تفسير القرطبي: ١٠/ ١٨٨ وما بعدها.

صفحة رقم 246

هـ- وأما بيع المكره والمضطر فله حالتان:
الأولى- أن يبيع ماله في حق وجب عليه: فذلك نافذ لازم لا رجوع فيه لأنه يلزمه أداء الحق إلى صاحبه من غير المبيع، فلما لم يفعل ذلك، كان بيعه اختيارا منه، فلزمه.
الثانية- بيع المكره ظلما أو قهرا: فهو بيع غير لازم، وهو أولى بمتاعه، يأخذه بلا ثمن، ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم فإن تلف المتاع رجع بثمنه أو بقيمته بالأكثر من ذلك، على الظالم إذا كان المشتري غير عالم بظلمه.
وللإكراه مراتب:
الأولى- أن يجب الفعل المكره عليه، مثل الإكراه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، هنا يجب الأكل لأن صون الروح عن الهلاك واجب لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة ٢/ ١٩٥].
الثانية- أن يصير ذلك الفعل مباحا لا واجبا، كالإكراه على التلفظ بكلمة الكفر، يباح ولا يجب.
الثالثة- ألا يجب ولا يباح بل يحرم، كالإكراه على قتل إنسان أو قطع عضو آخر، يبقى الفعل على الحرمة الأصلية. أما القصاص فيسقط في رأي، ويجب في رأي آخر «١».
قال القرطبي: أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة «٢».

(١) تفسير الرازي: ٢٠/ ١٢٢
(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ١٨٣

صفحة رقم 247

والخلاصة: ثلاثة أمور لا تباح بحال هي الكفر والقتل والزنى. ويرخص في إجراء كلمة الكفر على اللسان فقط دون استباحة ذلك.
ز- هل يحد الزاني مكرها؟ فيه رأيان: قال بعضهم: عليه الحد لأنه إنما يفعل ذلك باختياره، وقال الأكثرون: لا حد عليه، وهو الصحيح. وإذا استكرهت المرأة على الزنى، فلا حد عليها لقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ولقول الله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور ٢٤/ ٣٣] يريد الفتيات. والعلماء متفقون على أنه لا حد على امرأة مستكرهة.
ح- هل يجب الصداق (المهر) للمستكرهة؟ قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لها صداق مثلها. وقال الحنفية والثوري وأصحاب مالك:
إذا أقيم الحد على الذي زنى بها، بطل الصداق. قال ابن المنذر: القول الأول صحيح.
ط- إذا أكره إنسان على إسلام (تسليم) أهله (زوجته) لما لم يحلّ، أسلمها فيما ذكر القرطبي، ولم يقتل نفسه دونها، ولا احتمل أذية في تخليصها.
وإن أمكنه الدفاع عن عرضه وجب ذلك.
ي- يمين المكره غير لازمة عند مالك والشافعي وأبي ثور وأكثر العلماء لأن نيته مخالفة لقوله. وقال الحنفية: إنه إن حلف ألا يفعل ففعل حنث لأن المكره له أن يورّي في يمينه كلها، فلما لم يورّ، فقد قصد إلى اليمين.
ك- إذا أكره الرجل على أن يحلف وإلا أخذ له مال، كأصحاب المكس (الجمارك) وظلمة السعاة وأهل الاعتداء، فقال مالك: لا تقيّة له في ذلك، وإنما يدرأ المرء بيمينه عن بدنه، لا ماله. وقال ابن الماجشون: لا يحنث، وإن درأ عن ماله، ولم يخف على بدنه.

صفحة رقم 248

ل- قال المحققون من العلماء: إذا تلفظ المكره بالكفر، فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك، كان كافرا لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها، مثل أن يقول: أكفر باللاهي، بزيادة الياء، وكافر بالنبيّ بالتشديد، أي المكان المرتفع من الأرض، أو بالنبيء أي المخبر.
م- حد الإكراه: عند مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور وأكثر العلماء هو الوعيد المخوف، والسجن، والضرب، والإخافة، والإيثاق، والقيد ونحو ذلك.
ونقل عن الحنفية أنهم لم يجعلوا السجن والقيد إكراها على شرب الخمر وأكل الميتة لأنه لا يخاف منهما التلف، وجعلوهما إكراها في إقرار الشخص: لفلان عندي ألف درهم.
٣- المرتدون استوجبوا غضب الله وعذابه لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وحرموا من هداية الله، وطبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وجعلوا من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة.
٤- كتب الله المغفرة والرحمة للذين هاجروا من بعد ما فتنوا أي قبلوا فتنة مشركي مكة، ثم جاهدوا مع المؤمنين، وصبروا على الجهاد، وهؤلاء هم المستضعفون، مثل عمار بن ياسر، وجبر مولى الحضرمي الذي أكرهه سيده، فكفر، ثم أسلم مولاه، وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا، ومثل المذكورين في سبب النزول: عياش وأبي جندل وسلمة بن هشام وعبد الله بن سلمة، ومثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ارتد ولحق بالمشركين، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقتله يوم فتح مكة، فاستجار بعثمان، فأجاره النبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم صار واليا على مصر.
وقد ذكرت قصة عمّار، وأشير للمعذبين المستضعفين بإيجاز.
قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأبو بكر، وخبّاب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية.

صفحة رقم 249

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية