والإشارة بقوله : ذلك إلى الكفر بعد الإيمان، أو إلى الوعيد بالغضب والعذاب، والباء في بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا للسببية، أي : ذلك بسبب تأثيرهم للحياة الدنيا على الآخرة وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين معطوف على أَنَّهُمْ استحبوا أي : ذلك بأنهم استحبوا، وبأن الله لا يهدي القوم الكافرين إلى الإيمان به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه :( تفرّقوا عني، فمن كانت به قوّة فليتأخر إلى آخر الليل، ومن لم تكن به قوّة فليذهب في أوّل الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرّت بي الأرض فألحقوا بي )، فأصبح بلال المؤذن، وخباب، وعمار، وجارية من قريش كانت أسلمت، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس، ثم يلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه، قال : أحد أحد، وأما خباب، فجعلوا يجرّونه في الشوك ؛ وأما عمار، فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، وأما الجارية فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد، ثم مدّها فأدخل الحربة في قبلها حتى قتلها، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتدّ على عمار الذي كان تكلم به. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت ؟ أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا ؟ ) قال لا، فأنزل الله إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان . وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فتركوه، فلما أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«ما وراءك ؟» قال : شرّ، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال :«كيف تجد قلبك ؟» قال : مطمئناً بالإيمان. قال :«إن عادوا فعد» فنزلت إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان قال : ذاك عمار بن ياسر ولكن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا عبد الله بن أبي سرح. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر عن أبي مالك في قوله : إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان قال : نزلت في عمار بن ياسر، وفي الباب روايات مصرّحة بأنها نزلت في عمار ابن ياسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال : نزلت هذه الآية إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان في عياش بن أبي ربيعة. وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : في سورة النحل فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا الآية قال : وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن مثله. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا فيمن كان يفتي من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان قوم من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فنزلت فيهم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا الآية، فكتبوا إليهم بذلك : إنّ الله قد جعل لكم مخرجاً فأخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن : أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين، فأتوه بهما، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم. قال : أتشهد أني رسول الله ؟ فأهوى إلى أذنيه فقال : إنّي أصمّ، فأمر به فقتل ؛ وقال للآخر : أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال : نعم، قال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم، فأرسله فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له :( أما صاحبك، فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذت بالرخصة ) وهو مرسل.