ومن قال: أُمَّةً أي: مؤمنًا وحده؛ فلأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مِثْلُه في أُمَّة، ومن هذا يقال: فلان أُمَّة وحْدَه، أي هو يقوم مقام أمة (١)، والكلام في وجوه الأمة ومعانيها قد تقدم (٢).
وقوله تعالى: قَانِتًا لِلَّه قال ابن عباس والجميع: مطيعًا لله (٣).
وقوله تعالى: حَنِيفًا قال ابن عباس: يريد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضَحَّى، هذه صفة الحنيفية (٤)، والقنوت والحنيفية مما تقدم القول فيه (٥).
وقوله تعالى: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قال ابن عباس: يريد أخلص لله التوحيد صبيًّا وكبيرًا (٦)، وذكرنا وجه حذف النون مِنْ يكن عند قوله: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ (٧) في سورة هود [١٠٩].
١٢٢ - قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً قال علي بن أبي طلحة
(٢) سورة البقرة [١٢٨].
(٣) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٣٥، و"تنوير المقباس" ص ٢٩٥ و"الدر المنثور" ٤/ ٢٥٣، وعزاه إلى ابن المنذر، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" ٢/ ٣٦٠، بنحوه عن قتادة، وورد بلفظه في "تفسير مقاتل" ١/ ٢٠٩ أ، و"تأويل مشكل القرآن" ص ٤٥٢، و"تفسير الطبري" ١٤/ ١٩٢، عن مجاهد، وهود الهواري ٢/ ٣٩٤، و"الماوردي" ٣/ ٢١٩، عن ابن مسعود، والطوسي ٦/ ٤٣٧، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٥٠، والخازن ٣/ ١٤١.
(٤) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٣٥، بنصه، والخازن ٣/ ١٤١، بلا نسبة.
(٥) سورة البقرة آية: [١٣٥، ٢٣٨].
(٦) انظر: "تفسير الخارن" ٣/ ١٤١، بنحوه بلا نسبة.
(٧) منها أنها حذفت لكثرة استعمال هذا الحرف، وهو قول سيبويه وجُلّ البصريين.
عن ابن عباس: يقول: الذكر الحسن (١)، وقال في رواية عطاء: يريد الصدق والوفاء والعبادة (٢).
وقال الحسن: النبوة (٣). وقال مجاهد: لسان صدق في الآخرين (٤).
وقال الكلبي: الثناء الحسن من بعده (٥).
وقال مقاتل: يعني الصلوات عليه مقرونًا بالصلاة على محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ وهو قول المتشهد: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم (٦)، وهذه الأقوال متقاربة وجملتها تعود إلى تنويه الله بِذِكْره في الدنيا بطاعته لربه، ومسارعته إلى مرضاته، وإخلاصه في عبادته، حتى صار
(٢) انظر: "تفسير الفخر الرازي" ٢٠/ ١٣٦، بنصه بلا نسبة.
(٣) ورد في "تفسير الماوردي" ٣/ ٢١٩، بلفظه، والطوسي ٦/ ٤٣٨، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٥٠٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧، و"القرطبي" ١٠/ ١٩٨، بلا نسبة.
(٤) "تفسير مجاهد" ص ٣٥٤، بنحوه، أخرجه الطبري ١٤/ ١٩٣، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١١١، بنحوه، و"تفسير الماوردي" ٣/ ٢١٩، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" ٤/ ٥٠٤، وأبي حيان ٥/ ٥٤٧، وابن كثير ٢/ ٦٥١، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٥٣ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) ورد بنحوه غير منسوب في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٥٥، وهود الهواري ٢/ ٣٩٤، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، والبغوي ٥/ ٥١، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٩٨، والخازن ٣/ ١٤١، و"تنوير المقباس" ص ٢٩٥.
(٦) الخبر عن مقاتل بن حيان كما صرَّح البغوي وابن الجوزي؛ لذلك لم أجده في تفسير مقاتل بن سليمان، وقد ورد في "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٦ أ، بنحوه، وانظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٥١، وابن الجوزي ٤/ ٥٠٤، والفخر الرازي ٢٠/ ١٣٦، بلا نسبة، والخازن ٣/ ١٤١ بلا نسبة.
إمامًا يُقْتَدَى به، قال قتادة: فليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضون به (١).
وقوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وهو أيضًا كان في الدنيا من الصالحين، فلذلك قال: إن [من] (٢) بمعنى (مع)، وقال أهل المعاني: إنما قال: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، ولم يقل: في أعلى منازل الصالحين بحسب ما تقتضيه حاله من الفضل؛ لمدح من هو منهم، والترغيب في الصلاح ليكون صاحبُه في جَنْبِه إبراهيم، وناهيك بهذا الترغيب في الصلاح، وبهذا المدح لإبراهيم أن يُشَرَّفَ جُمْلة هو فيها، حتى يصير الاستدعاء إليه بأنه فيها (٣).
قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا الآية. هذا يدل على أن دين محمد -صلى الله عليه وسلم- دين إبراهيم، وشريعته كشريعته؛ حيث أُمر باتباعه وأُمرنا باتباعه، وهو الأفضل بسبقه إلى القول بالحق والعمل به من غير تقصير، وفيه قال عبد الله بن عمرو: أُمر باتباعه في مناسك الحج كما علَّم جبريلُ إبراهيمَ عليهما السلام (٤).
(٢) إضافة يقتضيها السياق ليستقيم المعنى، ولعلها سقطت.
(٣) ورد في "تفسير الطوسي" ٦/ ٤٣٨، بنصه تقريبًا.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٣/ ٣١٧، مفصلًا عن عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والثعلبي ٢/ ١٦٦ أ، مفصلًا عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وانظر: "تفسير القرطبي" ١٠/ ١٩٨، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٤/ ٢٥٤، مفصلًا وزاد نسبته إلى عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب موقوفًا.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي