ادع الناس يا محمد، إلى سبيل ربك ، أي : إلى الإسلام، بالحكمة والموعظة الحسنة ، يعني : بالقرآن الذي هو محكم المقالات، لا يتطرق إليه الطعن والمعارضة، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهات، وهو الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب وقيل : الموعظة الحسنة هي القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعسف. وجادلهم ، أي : خاصم الناس وناظرهم، بالتي هي أحسن ، أي : بالخصومة التي هي أحسن الخصومات، وهي المناظرة على وجه لا يتطرق إليه طغيان النفس ولا وسواس الشيطان بل يكون خالصا لوجه الله وإعلاء كلمته. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ، يعني : إنما عليك البلاغ والدعوة، وإما حصول الهداية والمجازاة عليها وعلى الضلالة فلا إليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين وهو المجازي لهم والله أعلم.
روى الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناس من القتال يوم أحد، فقال رجل رأيته عند تلك الصخرة وهو يقول : أنا أسد الله وأسد رسوله، اللهم أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني : أبا سفيان وأصحابه، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، فلما رأى جثته بكى، فلما رأى ما مثل به شهق ثم قال : ألا كفن، فقام رجل من الأنصار فرمى بثوبه عليه، ثم قام أخوه فرمى بثوبه عليه، فقال يا جابر هذا الثوب لأبيك وهذا العمى، وقال صلى الله عليه وسلم :( رحمة الله عليك، فإنك كنت كما علمتك فعولا للخيرات وصولا للرحم، لولا أن تحزن صفية وفي لفظ نساؤنا وفي لفظ لو لا حزن ما بعدك عليك وتكون سنة، من بعدك أتركتك حتى تحشر في بطون السباع وحواصل الطير )، ثم قال :( أبشروا جاءني جبرئيل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله )، وقال :( لأن ظفرني الله تعالى على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بسبعين منهم مكانك )، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا : والله لئن ظفرنا الله تعالى يوما بهم من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب )، قال أبو هريرة، كما رواه ابن سعد والبزار وابن المنذر والبيهقي في الدلائل والحاكم، فنزل جبرئيل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم سورة النحل.
التفسير المظهري
المظهري