خَيْرًا أنزل خيراً فإن قلت : لم نصب هذا ورفع الأول ؟ قلت : فصلا بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفاً مفعولاً للإنزال، فقالوا خيراً : أي أنزل خيراً، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا : هو أساطير الأوّلين، وليس من الإنزال في شيء. وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا : إن لم تلقه كان خيراً لك، فيقول : أنا شرّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث، فهم الذين قالوا خيراً. وقوله : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ وما بعده بدل من خيراً، حكاية لقوله : لّلَّذِينَ اتقوا أي : قالوا هذا القول، فقدّم عليه تسميته خيراً ثم حكاه. ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوه عليه حَسَنَةٌ مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في الآخرة ما هو خير منها، كقوله فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة [ آل عمران : ١٤٨ ] وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدّم ذكره.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب