تفسير المفردات : في تقلبهم : أي في أسفارهم وسيرهم في البلاد البعيدة للسعي في أرزاقهم كما قال : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد [ آل عمران : ١٩٦ ]. بمعجزين : أي بفائتين الله تعالى بالهرب والفرار.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر جلت قدرته ما قاله المشركون من أنهم لا حاجة بهم إلى الأنبياء، لأن الحاجة إليهم إنما تدعو لو كانت هناك حياة أخرى يحاسبون فيها، وهم لا يصدقون بها، وليس من المعقول أن تكون – أردف ذلك بشبهة أخرى لهم إذ قالوا : هب الله أرسل رسولا فليس من الجائز أن يكون بشرا فالله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدا من البشر، فلو بعث إلينا رسولا لبعثه ملكا، ثم أجاب عن هذه الشبهة بأن سنة الله أن يبعث رسله من البشر، وإن كنتم في شك من ذلك فاسألوا أهل الكتاب عن ذلك، ثم هددهم أن يخسف بهم الأرض كما خسف بقارون، أو يأتيهم بعذاب من السماء فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط، أو يأخذهم وهم يتقلبون في أسفارهم ومعايشهم، أو يأخذهم طائفة بعد أخرى، ثم أعقب هذا بما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي على أتم نظام وأحكم تقدير.
( ١ ) إما بأن يخسف بهم الأرض ويبيدهم من صفحة الوجود كما فعل بقارون من قبل.
( ٢ ) وإما بأن يأتيهم بعذاب من السماء فجأة من حيث لا يشعرون كما صنع بقوم لوط.
( ٣ ) وإما بأن يأخذهم بعقوبة وهم في أسفارهم يكدحون في الأرض ابتغاء الرزق، وما هم بممتنعين عليه فائتين له بالهرب والفرار كما قال : وأملي لهم إن كيدي متين [ الأعراف : ١٨٣ ] وقال صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ".
( ٤ ) وإما بأن يخيفهم أولا ثم يعذبهم بعد ذلك، بأن يهلك طائفة فتخاف التي تليها حتى يأتي عليهم جميعا، ويكون هذا أشد عليهم إيلاما ووحشة.
وختم الآية بما ختم به، لبيان أنه لم يأخذهم بعذاب معجّل، بل أخذهم بحالات يخاف منها كالرياح الشديدة، والصواعق والزلازل، وفي ذلك امتداد وقت، ومهلة يمكن فيها تلافي التقصير، وهذا من آثار رحمته بعباده.
تفسير المراغي
المراغي