ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

قلت : إلا بشق : فيه لغتان : الكسر والفتح، بمعنى التعب والكلفة، وقيل : المفتوح مصدر شَقَّ الأمرُ عليه، أي : صَعُبَ، والمكسور بمعنى : النصف، كأنه ذهب نصف قُوَّتِهِ بالتعب.
وتحمل أثقالكم : أحمالكم عليها من الأمتعة وغيرها إلى بلدٍ بعيد، لم تكونوا بالغيه عليها، فضلاً عن أن تحملوها على ظهوركم، إلا بِشِقِّ الأنفس ؛ إلا بكلفة ومشقة فديحة، أو : إلا بذهاب شِقها، أي : نصف قوتها من التعب. إن ربكم لرؤوف رحيم ؛ حيث رحمكم بخلقها وذللها للحمل، والركوب عليها، وأنعم عليكم بالكل من لحومها وألبانها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نُصبت للآدمي، وخلقت من أجله، السماوات تُظله، والأرض تُقله، والحيوانات تخدمه وتنفعه، يتصرف فيها ؛ خليفة عن الله في ملكه.
فالواجب عليه شكر هذه النعم، وألا يقف معها، ويشتغل بها عن خدمة خالقها. يقول الحق تعالى، في بعض كلامه بلسان الحال أو المقال :" يا ابنَ آدم، خَلَقْتُ الأَشياءَ مِن أَجْلِكَ، وخَلَقْتُكَ مِنْ أجِلْي، فَلا تَشْتَغِل بما خُلِق لأجلك عَمَّا خُلِقْت لأجْله ". والواجب عليه أيضًا من طريق الخصوص : ألا يقف مع حس أجرامها، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومُظهرها ؛ لئلا يبقى مسجونًا بمحيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني، المحيط بالأواني، والمفني لها، بصحبة شيخ كامل، يُخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المُكوِّن. وبالله التوفيق.
وقوله : وعلى الله قصد السبيل : اعلم أن الحق - جلّ جلاله - بيَّن طريق الوصول إلى نعيمه الحسي والفوز برضوانه، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه، وأرسل الرسل ببيان الطريقين. فوكل ببيان الأولى العلماء، ووكل ببيان الثانية الأولياء. فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح، وهو النعيم الأكبر ؛ قال تعالى : وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ [ التّوبَة : ٧٢ ]. فالرضوان على قسمين : قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدْل الحجاب، وهم أهل الشرائع، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب، وهم أهل الحقائق، وهم المقربون، نفعنا الله بهم، وخرطنا في سلكهم. آمين.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير