وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ الأثقال : جمع ثقل، وهو متاع المسافر من طعام وغيره، وسمي ثقلاً لأنه يثقل الإنسان حمله، وقيل : المراد أبدانهم إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بالغيه إِلاَّ بِشِقّ الأنفس أي : لم تكونوا واصلين إليه لو لم يكن معكم إبل تحمل أثقالكم إلاّ بشق الأنفس لبعده عنكم، وعدم وجود ما يحمل ما لا بدّ لكم منه في السفر، وظاهره يتناول كل بلد بعيدة من غير تعيين ؛ وقيل : المراد بالبلد مكة، وقيل : اليمن ومصر والشام لأنها متاجر العرب، وشق الأنفس : مشقتها. قرأ الجمهور بكسر الشين، وقرأ أبو جعفر بفتحها. قال الجوهري : والشق المشقة، ومنه قوله : لَمْ تَكُونُوا بالغيه إِلاَّ بِشِقّ الأنفس وحكى أبو عبيدة بفتح الشين، وهما بمعنى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدراً من شققت عليه أشق شقاً. والمكسور بمعنى النصف. يقال : أخذت شق الشاة، وشقة الشاة، ويكون المعنى على هذا في الآية : لم تكونوا بالغيه إلاّ بذهاب نصف الأنفس من التعب، وقد امتنّ الله سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم، ثم خصّ الإبل بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم، والاستثناء من أعمّ العام، أي : لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلاّ بشقّ الأنفس.
وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله : يُنَزّلُ الملائكة بالروح قال : بالوحي. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عنه قال : الروح أمر من أمر الله، وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم. وما ينزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح. ثم تلا يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً [ النبأ : ٣٨ ]. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن يُنَزّلُ الملائكة بالروح قال : القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لَكُمْ فِيهَا دِفْء قال : الثياب ومنافع قال : ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، قال : نسل كل دابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ يعني : مكة لَمْ تَكُونُوا بالغيه إِلاَّ بِشِقّ الأنفس قال : لو تكلفتموه، لم تطيقوه إلاّ بجهد شديد.
وقد ورد في حلّ أكل لحوم الخيل أحاديث منها في الصحيحين وغيرهما، من حديث أسماء، قالت :( نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ). وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن جابر قال :( أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية ). وأخرج أبو داود نحوه من حديثه أيضاً، وهما على شرط مسلم. وثبت أيضاً في الصحيحين من حديث جابر، قال :( نهى رسول الله عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل ) وأما ما أخرجه أبو عبيد، وأبو داود، والنسائي من حديث خالد بن الوليد قال :( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير )، ففي إسناده صالح بن يحيى بن أبي المقدام، وفيه مقال. ولو فرضنا أن الحديث صحيح، لم يقو على معارضة أحاديث الحلّ، على أنه يكون أن هذا الحديث المصرّح بالتحريم متقدّم على يوم خيبر، فيكون منسوخاً. وأخرج الخطيب وابن عساكر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قال :«البراذين». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن مما خلق الله أرضاً من لؤلؤة بيضاء ) ثم ساق من أوصافها ما يدلّ على أن الحديث موضوع، ثم قال في آخره :( فذلك قوله ويخلق ما لا تعلمون ). وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل يقول : على الله أن يبين الهدى والضلالة. وَمِنْهَا جَائِرٌ قال : السبل المتفرّقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل قال : على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته وَمِنْهَا جَائِرٌ قال : من السبل ناكب عن الحق. قال : وفي قراءة ابن مسعود " ومنكم جائر ". وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ أنه كان يقرأ هذه الآية " ومنكم جائر ".
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني