ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

٢٨٩- قال الشافعي : قال الله جل ثناؤه : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شيء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وقال : كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنَّاسَ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمُ إِلَى صِرَاطِ اِلْعَزِيزِ اِلْحَمِيدِ (١) وقال : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢). قال الشافعي : فجماع ما أبان الله عز وجل لخلقه في كتابه مما تعبدهم به لما مضى في حكمه جل ثناؤه، من وجوه :
فمنها : ما أبانه لخلقه نصا، مثل : جُمَلُ فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونصَّ على الزنا والخمور وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبين لهم كيف فرض الوضوء، مع غير ذلك مما بين نصا.
ومنه : ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، مثل : عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه.
ومنه : ما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما ليس لله فيه نصُّ حُكْم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى حكمه، قال الله تعالى : يا أيها اَلذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اَللَّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ (٣) وقال : مَّنْ يُّطِعِ اِلرَّسُولَ فَقَدَ أطاع اَللَّهَ (٤).
وقال : اِنَّ اَلذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اَللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٥) فأعلمهم أن بيعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعتُه، وكذلك أعلمهم أن طاعته طاعتُه، وقال : فَلا وَرَبِّكَ لا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦) مع سائر ما ورد في معنى هذه الآيات.
قال الشافعي : فمن قَبِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبفرض الله قَبِلَ.
ثم قال : ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض الله عليهم، فإنه يقول : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّبِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمُ (٧) وقال : وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ (٨) وقال : عَسى رَبُّكُمُ أَنْ يُّهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (٩).
قال الشافعي : فليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ أو حَرُمَ إلا من جهة العلم، وجهة العلم في الخبر : في الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس.
والقياس : ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب والسنة، لأنهما علم الحق المفترض طلبه، وموافقته تكون من وجهين : أحدهما، أن يكون الله أو رسوله حرَّم الشيء منصوصا أو أحلَّه لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعيْنه كتاب ولا سنة، أحللناه أو حرَّمناه، لأنه في معنى الحلال أو الحرام. ونجد الشيء يشبه الشيء منه والشيء من غيره، ولا نجد شيئا أقرب به شبها من أحدهما فلنلحقه بأولى الأشياء شبها به. ( مناقب الشافعي : ١/٣٦٩-٣٧١. ون الرسالة : ٢١-٢٣. )
ــــــــــــ
٢٩٠- قال الشافعي : وأقام الحجة على خلقه لئلا يكون لله على الناس حجة بعد الرسل وقال : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اَلْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً (١٠) وقال : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (١١)، وفرض عليهم اتباع ما أنزل عليه وسنَّ رسوله لهم فقال : وَمَا كَانَ لِمُومِنٍ وَلا مُومِنَةٍ اِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرا اَن تَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنَ أمرهم وَمَنْ يَّعْصِ اِللَّهَ وَرَسُولَهُ (١٢) فأعلم أن معصيته في ترك أمره وأمر رسوله ولم يجعل لهم إلا اتباعه. وكذلك قال لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال : وَلَـاكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اِللَّهِ (١٣) مع ما أعلم نبيه بما فرض من اتباع كتابه فقال : فَاسْتَمْسِكْ بالذي أُوحِىَ إِلَيْكَ (١٤) وقال : وَأَنُ اَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلا تَتَّبِعَ أهواءهم (١٥) وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم، فقال عز وجل : اِلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا (١٦). ( الأم : ٧/٢٩٤. )

١ - إبراهيم: ١..
٢ - النحل: ٤٤..
٣ - النساء: ٥٩..
٤ - النساء: ٨٠..
٥ - الفتح: ١٠..
٦ - النساء: ٦٥..
٧ - محمد: ٣١..
٨ - آل عمران: ١٥٤..
٩ - الأعراف: ١٢٩..
١٠ - النحل: ٨٩..
١١ - النحل: ٤٤..
١٢ - الأحزاب: ٣٦..
١٣ - الشورى: ٥٢..
١٤ - الزخرف: ٤٣..
١٥ - المائدة: ٤٩..
١٦ - المائدة: ٣..

تفسير الشافعي

عرض الكتاب
المؤلف

الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير