(ويوم نبعث في كل أمة شهيداً) أي نبياً يشهد (عليهم من أنفسهم من) أي جنسهم إتماماً للحجة وقطعاً للمعذرة، وهو أعدل شاهد عليها، وهذا تكرير لما سبق لقصد التأكيد والتهديد.
وقال الخطيب: كرر سبحانه التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو إن الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم (وجئنا بك) يا محمد؛ وإيثار لفظ المجيء على البعث لكمال العناية بشأنه عليه الصلاة والسلام، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع.
(شهيداً) تشهد (على هؤلاء) أي على هذه الأمم، وقيل على أمتك وقومك، هكذا قال الجلال، وسنده قوله سابقاً (ويوم نبعث من كل أمة شهيداً) الخ ومثله في البيضاوي، وفي الشهاب عليه، وقيل الآية مسوقة لشهادته على الأنبياء فتخلوا عن التكرار، ورد بأن المراد بشهادته على أمته تزكيته وتعديله لهم وقد شهدوا على تبليغ الأنبياء، وهذا لم يعلم مما مر وهو الوارد في الحديث، وقد تقدم مثل هذا في البقرة والنساء.
(ونزلنا عليك) في الدنيا (الكتاب) أي القرآن والجملة مستأنفة (تبياناً لكل شيء) أي بياناً له والتاء للمبالغة فالتبيان أخص من مطلق البيان على قاعدة أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، ونظيره من المصادر التلقاء ولم يأت غيرهما وفي الأسماء كثير نحو التمساح والتمثال.
ومثل هذه الآية قوله سبحانه (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ومعنى كونه تبياناً لكل شيء أن فيه البيان البليغ لكثير من الأحكام والإحالة فيها بقي منها على السنة، وأمرهم باتباع رسوله ﷺ فيما يأتي به من الأحكام وطاعته كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك.
وقد صح عنه ﷺ أنه قال " إني أوتيت القرآن ومثله معه " (١). وعن ابن مسعود قال: تبياناً لكل شيء ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن وعنه قال: من أراد العلم فليؤثر القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين.
قال الكرخي: إما بتبيينه في نفس الكتاب أو بإحالته على السنة لقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) أو بإحالته على الإجماع كما قال تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين) الآية. أو على القياس كما قال (فاعتبروا يا أولي الأبصار) والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس.
فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبياناً لكل شيء فاندفع ما قيل، كيف قال الله ذلك ونحن نجد كثيراً من أحكام الشريعة لم يعلم من القرآن نصاً كعدد ركعات الصلاة ومدة المسح والحيض ومقدار حد الشرب ونصاب السرقة وغير ذلك، ومن ثم اختلفت الأمة في كثير من الأحكام. أهـ.
وفي هذا التقرير بحث ونظر ذكر في محله فليراجعه؛ ولذلك قال الشهاب على قول البيضاوي بالإحالة إلى السنة أو القياس وفيه تأمل. انتهى. وقد احتج بهذه الآية جمع من أهل العلم على منع التقليد.
(وهدى) للعباد من الضلالة (ورحمة) لهم (وبشرى للمسلمين) خاصة دون غيرهم، أو يكون الهدى والرحمة والبشرى خاصة لهم لأنهم المنتفعون بذلك. ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقبه آية جامعة لأصول التكليف كلها تصديقاً لذلك فقال.
_________
(١) صحيح الجامع الصغير ٢٦٤٠ - تخريج المشكاة ١٦٣.
فتح البيان في مقاصد القرآن
أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي
عبد الله بن إبراهيم الأنصاري