تفسير المفردات : وتبيانا : أي : بيانا لأمور الدين، إما نصا فيها، أو بيان الرسول، واستنباط العلماء المجتهدين في كل عصر.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر حال هؤلاء المشركين وأنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها – قفى على ذلك بوعيدهم، فذكر حالهم يوم القيامة، وأنهم يكونون أذلاء لا يؤذن لهم في الكلام لتبرئة أنفسهم ولا يمهلون، بل يؤخذون إلى العذاب بلا تأخير، وإذا رأوا معبوداتهم من الأصنام والأوثان والملائكة والآدميين قالوا هؤلاء معبوداتنا، فكذبتهم تلك المعبودات، واستسلموا لربهم، وانقادوا له، وبطل ما كانوا يفترونه، ثم ذكر ذلك اليوم وهوله وما منح نبيه من الشرف العظيم وأنه أنزل الكتاب، ليبين للناس ما أشكل عليهم من مصالح دينهم ودنياهم، ويهديهم سواء السبيل، وفيه البشرى للمؤمنين بجنات النعيم.
الإيضاح : ثم خاطب سبحانه عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ، أي : واذكر أيها الرسول ذلك اليوم وهوله يوم يبعث الله نبي كل أمة شاهدا عليهم، فيكون أقطع للمعذرة، وأظهر في إتمام الحجة عليهم، وجئنا بك شهيدا على أمتك، بما أجابوك، وبما عملوا فيما أرسلتك به إليهم.
وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النساء، فلما وصل إلى قوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [ النساء : ٤١ ]، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" حسبك ". فقال ابن مسعود : فالتفتّ فإذا عيناه تذرفان.
ثم ذكر ما تفضل به من الوحي على رسوله فقال : ونزلنا الكتاب تبيانا لكل شيء ورحمة وبشرى للمسلمين ، أي : ونزلنا عليك أيها الرسول هذا القرآن تبيانا لكل ما بالناس إليه حاجة من معرفة الحلال والحرام، والثواب والعقاب، وهدى من الضلالة، ورحمة لمن صدق به، وعمل بما فيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرم حرامه، وبشرى لمن أطاع الله وأناب إليه، بجزيل الثواب في الآخرة وعظيم الكرامة.
ووجه ارتباط هذا بما قبله : بيان أن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك، سائلك يوم القيامة عن ذلك كما قال : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ الأعراف : ٦ ]، وقال : فوربك لنسألنهم أجمعين ٩٢ عما كانوا يعملون [ الحجر : ٩٢ -٩٣ ]، وقال : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [ القصص : ٨٥ ]، أي : إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه، وسائلك عن أداء ما فرض عليك.
وتبيان القرآن لأمور الدين إما مباشرة وإما ببيان الرسول، وقد أمرنا سبحانه باتباع هذا البيان في قوله : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ الحشر : ٧ ]، وقوله : لتبين للناس ما نزل إليهم [ النحل : ٤٤ ]، ولقوله صلى الله عليه وسلم :" إني أوتيت القرآن ومثله معه ". وإما ببيان الصحابة والعلماء المجتهدين له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ ". وقد كان كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فاجتهد الأئمة ووطّؤوا طرق البحث في أمور الدين لمن بعدهم، واستنبطوا من الكتاب والسنة مذاهب وآراء في العبادات ومعاملات الناس بعضهم مع بعض، ودونوا تشريعا ينهل منه المسلمون في كل جيل، ويرجع إليه القضاة ليحكموا بين الناس بالعدل، وكان أجل تشريع أخرج للناس، كما اعترف بذلك أرباب الديانات الأخرى، وكذلك من لم يتدين منهم بدين.
تفسير المراغي
المراغي