عرج به تلك الليلة إلى السماء على ما يروى في الحديث (١) واجتمعت الرواة أصحاب الأخبار على صحته، فيثبت عروجه إلى السماء بخبر الصادق الذي يجب قبول قوله.
٢ - قوله تعالى: آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ الآية. ذكر الله تعالى في الآية الأولى كرامة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأن أَسرى به، ثم ذكر أنه أكرم موسى أيضًا قبله بالكتاب الذي آتاه فقال: آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ يعني التوراة (٢).
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قال قتادة: جعله الله هدى لهم يخرجهم من الظلمات إلى النور (٣).
وقال الزجاج: أي دللناهم به على الهدى (٤).
وقوله تعالى: أَلَّا تَتَّخِذُوا قرأ أبو عمرو بالياء (٥)؛ لأن المتقدم (٦) ذكرهم على لفظ الغَيبة، والمعنى: هديناهم؛ لأن لا يتخذوا من دوني وكيلاً، ومن قرأ بالتاء (٧) فهو على الانصراف إلى الخطاب بعد الغَيبة، مثل:
(٢) ورد في "تفسير مقاتل" ١/ ٢١٢ أبلفظه، و"السمرقندي" ٢/ ٢٥٩، و"الماوردي" ٣/ ٢٢٧، و"الطوسي" ٦/ ٤٤٧.
(٣) أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٨ بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٢٩٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٢٦ بنصه.
(٥) انظر: "السبعة" ص ٣٧٨، و"علل القراءات" ١/ ٣١٣، و"إعراب القراءات السبع وعللها" ١/ ٣٦٣، و"الحجة للقراء" ٥/ ٨٣، و"المبسوط في القراءات" ٢٢٧، و"الكشف عن وجوه القراءات" ٢/ ٤٢، و"التيسير" ص ١٣٩.
(٦) في جميع النسخ: (التقدم)، والمثبت هو الصحيح والموافق للمصدر.
(٧) وهم الباقون. انظر المصادر السابقة.
الْحَمْدُ لِلَّهِ [الفاتحة: ١] ثم قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ (١) [الفاتحة: ٥].
قال أبو علي الفارسي: يجوز في (أَنْ) في قوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا [ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن تكون (أَنْ) الناصبة للفعل، فيكون المعنى: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لأن لا تتخذوا] (٢).
والآخر: أن تكون معنى (أي) التي للتفسير، وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قراءة العامة؛ كما انصرف منها إلى الخطاب والأمر في قوله: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص: ٦] فكذلك انصرف مِن الغَيبة إلى النهي في قوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا.
والثالث: أن تكون زائدة (٣)، ويحمل أَلَّا تَتَّخِذُوا على القول المُضْمَر، فيكون التقدير: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فقلنا: لا تتخذوا من دوني شريكًا (٤).
قال المبرد: ولا أعرف لهذا وجهًا في العربية (٥)؛ لأنه لا يكون الوكيل الذي يوكله موكله ليخلفه فيما وكله فيه شريكًا، والوكيل هو الذي يفعل ما يفعله المُوَكِّل، والله -عز وجل- يتعالى عن أن يكون دونه من يُدْعى كما يُدْعَى، وَيفْعل كما يفعل، فنهاهم أن يضعوا أحدًا بهذا الموضع؛ إذ لا
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).
(٣) انظر التعليق على القول بالزيادة في القرآن، عند آية [١٠] من سورة إبراهيم.
(٤) "الحجة للقراء" ٥/ ٨٤ تصرف فيه بالتقديم والتأخير والاختصار.
(٥) أي تفسير وكيلًا بـ (شريكًا)، وهو قول مجاهد، أخرجه "الطبري" ١٥/ ١٨١٧، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٢٠، و"تفسير الماوردي" ٣/ ٢٢٧، و"الطوسي" ٦/ ٤٤٧، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٩٤ وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم. وقد ورد قول المبرد في "تفسير الطوسي" ٦/ ٤٤٧، بنحوه.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي