صلاح النفوس و إصلاحها
" ربكم أعلم بما في نفوسكم، إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ".
الشرح والمعنى :
صلاح الشيء : هو كونه على حالة اعتدال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال.
و فساد الشيء هو كونه على حالة اختلال في ذاته أو صفاته، بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على وجه النقصان.
مثال الصلاح والفساد :
اعتبر هذا في البدن، فإن له حالتين : حالة صحة، وحالة مرض.
و الأولى هي حالة صحته باعتدال مزاجه، فتقوم أعضاؤه بوظائفها و ينهض هو بأعماله.
و الثانية هي حالة فساد باختلال مزاجه، فتتعطل أعضاؤه أو تضعف كلها أو بعضها عن القيام بوظائفه، ويقعد هو أو يثقل عن أعماله.
هذا الذي تجده في البدن هو نفسه تجده في النفس : فلها صحة، و لها مرض، حالة صلاح وحالة فساد.
الإصلاح والإفساد :
( والإصلاح ) هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزاء ماطرا عليه من فساد.
( و الإفساد ) هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه.
إصلاح البدن والنفس :
فإصلاح البدن بمعالجته بالحمية١ و الدواء، و إصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة.
وإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، و إفساد النفس بمقارفة المعاصي والذنوب. وهكذا تعتبر النفوس بالأبدان في باب الصلاح والفساد، في كثير من الأحوال، غير أن الاعتناء بالنفوس أهم و ألزم ؛ لأن خطرها أكبر وأعظم.
العناية الشرعية بالنفس :
إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلا آلة لها ومظهر تصرفاتها، وإن صلاح الإنسان و فساده إنما يقاسان بصلاح نفسه و فسادها. و إنما رقيه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه و انحطاطها، وما فلاحه إلا بزكائها، وما خيبته إلا بخبثها. قال تعالى :" قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها٢ ".
و في الصحيح :" ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، و إذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
ما هو القلب ؟
و ليس المقصود من القلب مادته وصورته، و إنما المفصود النفس الإنسانية المرتبطة به٣.
و للنفس ارتباط بالبدن كله، و لكن القلب عضو رئيسي في البدن، و مبعث دورته الدموية، و على قيامه بوظيفته تتوقف صلوحية البدن، لارتباط النفس به، فكان حقيقا لأن يعبر به عن النفس عن طريق المجاز.
و صلاح القلب – بمعنى النفس – بالعقائد الحقة، و الأخلاق الفاضلة، و إنما يكونان بصحة العلم، وصحة الإرادة، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح صلح البدن كله، يجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة. و إذا فسدت النفس من ناحية العقد، أو ناحية الخلق، أو ناحية العلم، أو ناحية الإرادة... فسد البدن، وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد.
مقصود الأديان :
فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس : إما مباشرة و إما بواسطة.
فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق و الخير والعدل و الإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح.
و ما من شيء نهى الله عنه من الباطل و الشر والظلم و السوء إلا وهو عائد عليها بالفساد.
فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب، و إرسال الرسل، و شرع الشرائع.
وهذه الآيات الثمان عشرة قد جمعت من أصول الهداية ما تبلغ به النفوس – إذا تمسكت به – غاية الكمال.
وجه الارتباط
قد أمر تعالى في الآيات المتقدمة بعبادته و الإخلاص له.
و أمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما في الظاهر والباطن.
كما أمر بغير ذلك في الآيات اللاحقة. ووضع هذه الآية أثناء ذلك، وهي متعلقة بالنفس و صلاحها.. لينبه الخلق على أصل الصلاح الذي منه يكون، ومنشؤه الذي منه يبتدئ. فإذا صلحت النفس قامت بالتكاليف التي تضمنتها هذه الآيات الجامعة لأصول الهداية، وهذا هو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها، الذي يكون قبل التدبر خفيا٤.
و نظير هذه الآية في موقعها و دلالتها على ما به يسهل القيام بأعباء التكاليف - قوله تعالى :
" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين " ٥.
فقد جاءت أثناء آيات أحكام أحكام الزوجية آمرة بالمحافظة على الصلوات، تنبيها للعباد على أن المحافظة عليها عل وجهها، تسهل القيام بأعباء تكاليف تلك الآيات، لأنها تزكي النفس بما فيها من ذكر وخشوع و حضور وانقطاع إلى الله تعالى، وتوجه إليه، ومناجاة له.
و هذا كله تعرج به النفس في درجات الكمال.
اللذة في الطاعة
و النفوس الزكية الكاملة تجد في طاعة خالقها لذة و أنسا تهون معهما أعباء التكليف.
ثم إن العباد بنقص الخلقة و غلبة الطبع.. معرضون للتقصير في ظاهرهم وباطنهم في صور أعمالهم و دخائل أنفسهم – وخصوصا في باب الإخلاص – فذكروا بعلم ربهم بما في نفوسهم في قوله تعالى :" ربكم أعلم بما في نفوسكم " ليبالغوا في المراقبة فيتقنوا أعمالهم في صورها و يخلصوا بها له. و هذه المراقبة هي الإحسان الذي هو عبادتك الله كأنك تراه.
و ذكر اسم الرب لأنه المناسب لإثبات صفة العلم، فهو الرب الذي خلق النفوس وصورها ودبرها. و لا يكون ذلك إلا بعلمه بها في جميع تفاصيلها
و كيف يخفى عليه شيء و هو خلقها ؟
" ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير٦ " ؟ !.
و الصالحون في قوله تعالى :" إن تكونوا صالحين "، هم الذين صلحت أنفسهم فصلحت أقوالهم و أفعالهم و أحوالهم.
ميزان الصلاح
و صلاح النفس وهو صفة لها.. خفي كخفائها ؛ و كما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها :
فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة – و هي الجارية على سنن الشرع، و آثار النبي صلى الله عليه و آله وسلم – حكمنا بصلاح نفسه، و أنه من الصالحين ومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه، و أنه ليس منهم.
و لا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس و فسادها إلا هذا الطريق. وقد دلنا الله تعالى عليه في قوله تعالى :
" من أهل الكتب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل و هم يسجدون، يؤمنون بالله، وباليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، و أولئك من الصالحين٧ ".
فذكر الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين. فأفادنا : أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلا بها، ولا يستحقه إلا أهلها.
تفاوت الصلاح
ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال. و يكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. و لكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن ؛ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا، لأن الأعمال قسمان : أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح.
وقد قال النبي صلى الله عليه و آله وسلم :" التقوى ههنا "، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلا الله.
( والأوابون ) في قوله تعالى :" فإنه كان للأوابين غفورا ". هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى.
و الأوبة في كلام العرب هي الرجوع، قال عبيد٨ :
و كل ذي غيبة يؤوب و غائب الموت لا يؤوب
التوبة وشروطها
والتوبة، هي الرجوع عن الذنب و لا يكون إلا بالإقلاع عنه، واعتبر
فيها الشرع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، و تدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة : فتشمل من رجع إلى ربه تائبا من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله و يتضرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب.
فائدة
فنستفيد من الآية الكريمة : سعة باب الرجوع إلى الله تعالى. فإن تاب العبد، فذاك هو الواجب عليه، والمخلص له – بفضل الله – من ذنبه. و إن لم يتب فليدم الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال و التضرع، والتعرض لمظان الإجابة وخصوصا في سجود الصلاة، فقمين – إن شاء الله تعالى – أن يستجاب له.
شر العصاة
وشر العصاة هو الذي ينهمك في المعصية، مصرا عليها، غير مشمئز منها، ولا سائل من ربه – بصدق وعزم – التوبة منها، ويبقى معرضا عنه ربه كما أعرض هو عنه، و يصر على الذنب حتى يموت قلبه. ونعوذ بالله من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له.
دواء النفوس في التوبة
و جاء لفظ " الأوابين " جمعا لأواب، و هو فعال من أمثلة المبالغة فدل على كثرة رجوعهم إلى الله. و أفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى الله : ذلك أن النفوس – بما ركب فيها من شهوة، وبما فطرت عليه من غفلة، وبما عرضت له من شؤون الحياة، و بما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، لا تزال – إلا من عصم الله – في مقارفة ذنب، و مواقعة معصية صغيرة أو كبيرة، من حيث تدري و من حيث لا تدري. و كل ذلك فساد يطرأ عليها، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه، و إبعاد ضرره عنها. وهذا الإصلاح لا يكون إلا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.
و لما كان طروء الفساد متكررا فالإصلاح بما ذكر يكون دائما متكررا.
والمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها. والقيام في ذلك، والجد فيه، والتصميم عليه، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد.
ومن معنى هذه الآية قوله تعالى :" إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " ٩. وهم الذين كلما أذنبوا تابوا، والتوبة طهارة للنفس من درن المعاصي.
( والغفور ) في قوله تعالى " إنه كان للأوابين غفورا ". هو الكثير المغفرة، لأنه على وزن فعول، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة. و المغفرة سترة للذنب وعدم مؤاخذته به.
ولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين، و مغفرته أكبر. و ليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه، فلا يفتأ العبد راجعا راجيا للمغفرة، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع، و لا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفور كثرة الرجوع.
نكتة نحوية
وقد أكد الكلام ( بإن ) لتقوية الرجاء في المغفرة. وجيء بلفظة كان، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق، وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق ؛ فقد كان عباده يذنبون و يتوبون إليه، و يغفر لهم، ولا يزالون كذلك، ولا يزال تبارك و تعالى لهم غفورا.
تطلب التوبة مهما عظمت الذنوب
و إنما احتيج إلى هذا التأكيد كله في تقوية رجاء المذنب في المغفرة، ليبادر الرجوع على كل حال، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة :
أحدهما كثرة ذنوبه التي يشاهدها فتحجبها كثرتها عن رؤية مغفرة الله تعالى، التي هي أكبر و أكثر.
و الآخر رؤيته لطبعه البشري ؛ و طبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال، كما قال شاعرهم – أي البشر لأن الشاعر العربي١٠ عبر عن طبع بشري :
سألنا فأعطيتم، وعدنا فعدتم ومن أكثر التسآل يوما سيحرم
فيقوده القياس – وهو من طباع البشر أيضا – الفاسد : إلى ترك الرجوع و السؤال، من الرب الكريم العظيم النوال.
فهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع و التوبة، فيستمر في حمأة المعصية، و ذلك هو الهلاك المبين. فكان حاله مقتضيا لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات.
و نكتة بلاغية :
٢ سورة الشمس، الآيتان ٩، ١٠..
٣ أو منطقة ما وراء الحس و الشعور كما يعبر علماء النفس.
.
٤ هذا رأي عظيم من الإمام في وجه الارتباط. وبعض المفسرين يقولون أيضا في وجه الارتباط : بأن العباد بما جبلوا عليه من سهو ونقصان، ربما يبدر منهم ما يخالف الشرع و يغضب الوالدين عن خطأ و غلط، لا عن قصد وعمد، إذ كل بني آدم خطاء، وخيرهم المستغفر ؛ وهنا ينظر الله إلى قلوبهم فإن كانت صالحة و بدر منها هذا الخطأ، فإنه يغفر لهم ما بدر منهم، متى رجعوا إليه..
٥ سورة البقرة ٢٣٨.
٦ سورة الملك، الآية ١٤..
٧ سورة آل عمران : الآيتان ١١٣ و ١١٤.
٨ هو عبيد بن الأبرص الأسدي شاعر جاهلي فحل. قال أيضا في هذه البائية :
من يسأل الناس يحرموه و سائل الله لا يخيب
ساعد بأرض إن كنت فيها و لا تقل : إنني غريب.
٩ سورة البقرة، الآية ٢٢٢
.
١٠ هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح الزنى، أحد فحول الجاهلية الأربعة. وهو أعف الشعراء قولا و أكثرهم تهذيبا لشعره، وجرت أبيات كثيرة له مجرى المثل. و كثير من أصوله و فروعه شعراء لا يشق لهم غبار.
.
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي