قوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ : العامَّةُ على هذه القراءةِ، أي: لا تَتَّبِعْ، مِنْ قفاه يقْفوه إذا تتبَّع أثرَه، قال النابغة:
| ٣٠٦ - ٢- ومثلُ الدُّمى شُمُّ العَرانينِ ساكنٌ | بهنَّ الحياءُ لا يُشِعْنَ التَّقافيا |
| ٣٠٦ - ٣- فلا أَرْمي البريْءَ بغيرِ ذنبٍ | ولا أَقْفو الحواصِنَ إن قُفِيْنا |
العلةِ جزماً لغةُ قوم، وضرورةٌ عندهم غيرهم كقوله:
| ٣٠٦ - ٤-........................ | مِنْ هَجْوِ زبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ |
قوله: «والفُؤادَ» قرأ الجَرَّاح العقيلي بفتح الفاء وواوٍ خالصة. وتوجيهُها: أنه أبدل الهمزةَ واواً بعد الضمة في القراءةِ المشهورة، ثم فتح فاءَ الكلمة بعد البدلِ لأنها لغةٌ في الفؤاد، يقال: فُؤَاد وفَآد، وأنكرها أبو حاتمٍ، أعني القراءةَ، وهو معذورٌ.
والباء في «به» متعلقةٌ بما تَعَلَّق به «لك» ولا تتعلَّق ب «عِلْم» لأنه مصدر، إلا عند مَنْ يتوسَّع في الجارِّ.
قوله: «أولئك» إشارة إلى ما تقدَّم من السمعِ والبصر والفؤادِ كقوله:
٣٠٦ - ٥- صفحة رقم 352
| ذُمَّ المنازلَ بعد منزلةِ اللَّوَى | والعيشَ بعد أولئك الأيامِ |
| - ذمَّ المنازلَ بعد منزلة اللَّوى | والعيشَ بعد أولئكَ الأيامِ |
قوله: كُلُّ أولئك مبتدأٌ، والجملةُ مِنْ» كان «خبرُه، وفي اسمِ» كان «وجهان، أحدُهما: أنه عائدٌ على» كل «باعتبارِ لفظِها، وكذا الضميرُ صفحة رقم 353
في» عنه «، و» عنه «متعلقٌ ب» مَسْؤولاً «، و» مسؤولاً «خبرُها.
والثاني: أنَّ اسمَها ضميرٌ يعود على القافي، وفي «عنه» يعودُ على «كل» وهو من الالتفاتِ؛ إذ لو جَرَى على ما تقدَّم لقيل: كنتَ عنه مسؤولاً. وقال الزمخشريُّ: و «عنه» في موضع الرفع بالفاعلية/، أي: كلُّ واحدٍ كان مسؤولاً عنه، فمسؤول مسندٌ إلى الجارِّ والمجرور كالمغضوبِ في قوله: غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم [الفاتحة: ٧]. انتهى. وفي تسميته مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه فاعلاً خلافُ الاصطلاح.
وقد رَدَّ الشيخ عليه قولَه: بأنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ حكمُه حكمُه، فلا يتقدَّم على رافعِه كأصلِه. وليس لقائلٍ أَنْ يقولَ: يجوزُ على رأيِ الكوفيين فإنَّهم يُجيزون تقديمَ الفاعلِ؛ لأنَّ النحاس حكى الإِجماعَ على عدمِ جوازِ تقديمِ القائمِ مقامَ الفاعل إذا كان جارَّاً ومجروراً، فليس هو نظيرَ قولِه غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم فحينئذٍ يكون القائمُ مقامَ الفاعلِ الضميرَ المستكنَّ العائدَ على «كل» أو على القافي.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط