ثم قال تعالى :
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذالِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً * ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً
قلت : قفا الشيء يقفوه : تبعه. والضمير في " عنه " : يجوز أن يعود لمصدر " لا تَقْفُ "، أو لصاحب السمع والبصر. وقيل : إن " مسؤولاً " مسند إلى " عنه " كقوله تعالى :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ [ الفَاتِحَة : ٧ ]، والمعنى : يسأل صاحبه عنه، وهو خطأ ؛ لأن الفاعل وما يَقوم مقامه لا يتقدم. قاله البيضاوي.
قال ابن جزي : الإشارة في " أولئك " : إلى السمع والبصر والفؤاد، وإنما عاملها معاملة العقلاء في الإشارة بأولئك ؛ لأنها حواس لها إدراك، والضمير في " عنه " : يعود على " كل "، ويتعلق " عنه " بمسؤُولاً. ه. وضمير الغائب يعود على المصدر المفهوم من " مسؤولاً ".
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا تَقْفُ ؛ تتبع ما ليس لك به علمٌ ، فلا تقل ما لا تحقيق لك به ؛ من ذم الناس ورميهم بالغيب. فإذا قلت : سمعتُ كذا، أو رأيت كذا، أو تحقق عندي كذا، مما فيه نقص لأحد، فإنك تُسأل يوم القيامة عن سند ذلك وتحقيقه. وهذا معنى قوله : إِنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً . قال البيضاوي : ولا تتبع ما لم يتعلق علمك به ؛ تقليدًا، أو رجمًا بالغيب. واحتج به من منع اتباع الظن، وجوابه : أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند، سواء كان قطعيًا أو ظنيًا ؛ إذ استعماله بهذا المعنى شائع. وقيل : إنه مخصوص بالعقائد. وقيل : بالرمي وشهادة الزور، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم :" من قَفَا مُؤْمنًا بِمَا لَيْسَ فِيهِ، حَبَسَهُ اللهُ فِي رَدْغَةِ الخَبَالِ١، حَتَّى يَأتِيَ بِالمَخْرَجِ " ٢. إِن السمعَ والبصرَ والفؤاد كلُّ أولئك أي : كل هذه الأعضاء الثلاثة كان عنه مسؤولاً ؛ كل واحد منها مسؤول عن نفسه، يعني : عما فعل به صاحبه. ه. مختصرًا.
وقال القشيري في تفسير الآية هنا : ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم أي : جانب محاذاة الظنون، وما لم يُطْلِعْكَ الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ في حكم الوقت، فارجعْ إلى الله، فإِنْ لاحَ لقلبك وَجْهٌ من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حدِّ الالتباس فَكِلْ عِلْمَه إلى الله، وقِفْ حيثما وقفت. ويقال : الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق : أنَّ العلماء يعرفون الشيء أولاً، ثم يعملون بعلمهم، وأصحابُ الحقائق يجْرِي، بحكم التصريف عليهم، شيءٌ، ولا عِلمَ لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يُكْشَف لهم وجههُ، فربما يجري على لسانهم شيءٌ لا يدرون وَجْهَه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهانُ ما قالوه من شواهد العلم ؛ إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت : وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله :" الحقائق ترد في حال التجلي مُجْمَلَةً، وبعد الوعي يكون البيان، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ".
قوله تعالى : ولا تمشِ في الأرض مرحًا ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية : أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مُخل بالمروءة، ولا اختيال مُخل بالتواضع. والله تعالى أعلم.
٢ أخرجه أحمد في المسند ٢/٧٠..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي