ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

العلم و الأخلاق
" و لا تقف ما ليس لك به علم، عن السمع والبصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ".
المناسبة :
العلم الصحيح، والخلق المتين، هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان، وبهما يضطلع بأعباء ما تضمنته الآيات المتقدمة، من أصول التكليف ؛ فهما أعظم مما تقدمهما من حيث توقفه عليهما. فجيء بهما بعده، ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى.
و لما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع.
آية العلم :
المفردات والتراكيب :
( القفو ) : اتباع الأثر، تقول : قفوته أقفوه، إذا اتبعت أثره. والمتبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه ؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه، و لا نهاية سيره.
فالقفو : اتباع عن غير علم، فهو أخص من مطلق الاتباع، ولذلك اختيرت مادته هنا.
و لكونه اتباعا بغير علم، جاء في كلام العرب بمعني قول الباطل. قال جرير : وطال حذاري خيفة البين و النوى و أحدوثة من كاشح متقوف١
( والعلم )، إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حسا ومشاهدة، أو كانت برهانا عقليا : كدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع.
فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن. هذا هو الأصل.
و يطلق العلم أيضا على ما يكاد يقارب الجزم و يضعف فيه احتمال النقيض جدا. كما قال تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام :
" وما شهدنا إلا بما علمنا و ما كنا للغيب حافظين " ٢. فسمى القرآن إدراكهم لما شاهدوا- علما ؛ لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال، و إن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه.
السمع
( والسمع ) : القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن.
البصر
( والبصر ) : القوة التي تدرك بها الأشخاص و الألوان بآلة العين، وقدم السمع على البصر، لأنه به إدراك العلوم، وتعلم النطق فلا يقرأ و لا يكتب إلا من كان ذا سمع و قتا من حياته.
الفؤاد
( والفؤاد ) : القلب، والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما.
و إطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور. وكان تفيد ثببوت خبرها لاسمها، ولكونها على صورة الماضي لا يدل على انقضاء ذلك الارتباط.
ومثل هذا التركيب يفيد في استعمال استحقاق الاسم للخير ؛ فالجوارح مستحقة للسؤال، ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة.
( والمسؤول )، الموجه إليه السؤال ليجيب.
( وألئك ) إشارة إلى هذه الثلاثة. وضمير كان عائد على كل، وضمير ( عنه ) عائد على ما، وضمير مسؤولا عائد على ما عاد عليه ضمير كان.
و التقدير : كل واحد من هذه الثلاثة : السمع، والبصر، والفؤاد، كان مسؤولا عما ليس لك به علم.
العقل ميزة الإنسان و أداة عمله :
فضل الإنسان بعقله
يمتاز الحيوان عن الجماد بالإدراك، و يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل، و عقله هو القوة الروحية التي يكون بها التفكير.
و تفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، و أدرك نسب بعضها للبعض إيجابا و سلبا، وارتباط بعضها ببعض نفيا وثبوتا. و ترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول.
فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشف ما دام مفكرا.
ولما امتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل والتفكير – امتاز عنه بالتنقل والتحول في أطوار حياته، و نظم معيشته بمكتشفاته و مستنبطاته : فمن المشي على الأقدام، إلى التحليق في الجو، مثلا. و بقي سائر الحيوان على الحال التي خلق عليها دون أي انتقال.
فضل المسلمين على المدنية :
و بقدر ما تكثر معلومات الإنسان، ويصح إدراكه لحقائقها و لنسبها، ويستقيم تنظيمه لها – تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول، و قسمي العلوم و الآداب.
و هذا كما كان العرب والمسلمون أيام، بل قرون مدنيتهم : عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم، ونظروا وصححوا و استدركوا واستكشفوا ؛ فأحيوا عصور علم من كانوا قبلهم، و أناروا بالعلم عصرهم، و مهدوا الطريق ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم ؛ فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها و ماضيها ومستقبلها.
استفاد الغرب من العرب :
و كما نرى الغرب في مدنيته اليوم :
ترجم كتب المسلمين فعرف علوم الأمم الخالية التي حفظتها العربية و أدتها بأمانة.
و عرف علوم المسلمين و مكتشفاتهم، فجاء هو أيضا بمكتشفاته العجيبة التي هي ثمرة علوم الإنسانية من أيامها الأولى إلى عهده و ثمرة تفكيره و نظره فيها.
المكتشفات تتوالى بالتفكير :
و قد كانت مكتشفاته أكثر من مكتشفات جميع من تقدمه- كما كانت مكتشفات صدر هذا القرن أكثر من مكتشفات عجز القرن الماضي- لتكاثر المعلومات ؛ فإن المكتشفات تضم إلى المعلومات، فتكثر المعلومات، فيكثر ما يعقبها من المكتشفات على نسبة كثرتها.
و هكذا يكون كل قرن – ما دام التفكير عمالا- أكثر معلومات ومكتشفات من الذي قبله.
فإذا قلت معلوماته قلت اكتشافاته. وهذا كما كان النوع الإنساني في أطواره الأولى.
أثر الاهمال و الجهل :
و إذا كثرت معلوماته و أهمل النظر فيها.. بقي حيث هو جامدا، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل ؛ لأن المعلومات إذا لم تتعاهد بالنظر زالت من المحافظة شيئا فشيئا. وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في أيامها الأخيرة، عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية-بسنة الله – بسقوطها.
و إذا لم يصح إدراكه للحقائق، أو لنسبها، أو لم يستقم تنظيمه لها – كان ما يتوصل إليه بنظره خطأ في خطأ وفسادا في فساد. و لا ينشأ عن هذين إلا الضرر في المحسوس، والضلال في المعقول. و في هذين هلاك الفرد والنوع جزئيا وكليا من قريب أو من بعيد.
و هذا هو طور انحطاط الأمم، الانحطاط التام، وذلك عندما يرتفع منها العلم، و يفشو الجهل، و تنتشر فيها الفوضى بأنواعها، فتتخذ رؤوسا جهالا لأمور دينها و أمور دنياها، فيقودونها بغير علم، فيضلون و يضلون، و يهلكون ويهلكون، و يفسدون و لا يصلحون.
و ما أكثر هذا – على أخذه في الزوال بإذن الله – في أمم الشرق والإسلام اليوم.
العلم وحده الإمام المتبع في الحياة
في الأقوال والأفعال والاعتقادات :
ارتباطات السلوك بالتفكير
سلوك الإنسان في الحياة مرتبط بتفكيره ارتباطا وثيقا : يستقيم باستقامته و يعوج باعوجاجه، ويثمر بإثماره، ويعقم بعقمه، لأن أفعاله ناشئة عن اعتقاداته، و أقواله إعراب عن تلك الاعتقادات، و اعتقاداته ثمرة إدراكه الحاصل عن تفكيره ونظره.
مراتب الإدراك
و هذه الإدراكات الحاصل عن التفكير والنظر ليست على درجة واحدة في القوة والضعف : فمنها ما هو قوي معتبر، ومنها ما هو ضعيف ساقط عن الاعتبار
فالأول : العلم وهو إدراك أمر على وجه لا يحتمل أن يكون ذلك الأمر على وجه من الوجوه سواه، وهو علم الاعتبار.
و يليه الظن، وهو إدراك لأمر على وجه هو أرجح الوجوه المحتملة، وهو معتبر عندما تتبين قوة رجحانه فيما لا يمكن فيه إلا ذاك. و هذه هي الحالة التي يطلق عليه فيها لفظ العلم مجازا.
والثاني : الوهم، وهو إدراك الأمر على وجهين، أو وجوه متساوية في الاحتمال، و كلا هذين لا يعول عليه.
العلم ضابط كل شيء
ولما كان الإنسان – بما فطر عليه من الضعف و الاستعجال – كثيرا ما يبني أقواله و أفعاله و اعتقاداته على شكوكه و أوهامه، و على ظنونه حيث لا يكتفي بالظن، وفي هذا البناء الضرر و الضلال.. بين الله تعالى لعباده في محكم كتابه أنه لا يجوز لهم، و لا يصح منهم البناء لأقوالهم، وأعمالهم، واعتقاداتهم، إلا على إدراك واحد وهو العلم، فقال تعالى :
" ولا تقف ما ليس لك به علم " أي لا تتبع ما لا علم لك به فلا يكن منك اتباع بالقول، أو بالفعل، أو بالقلب، لما لا تعلم ؛ فنهانا عن أن نعتقد إلا عن علم أو نفعل إلا عن علم، أو نقول إلا عن علم.
العلم ضابط ما ترى :
فما كل ما نسمعه و ما كل ما نراه نطوي عليه عقد قلوبنا، بل علينا أن ننظر فيه، ونفكر، فإذا عرفناه عن بينة اعتقدناه، و إلا تركناه حيث هو، في دائرة الشكوك والأوهام، أو الظنون التي لا تعتبر.
و ما تسمع :
و لا كل ما نسمعه أو نراه أو نتخيله نقوله. فكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع، كما جاء في الصحيح.
بل علينا أن نعرضه على محك الفكر ؛ فإن صرنا منه على علم قلناه، مراعين فيه آداب القول الشرعية، ومقتضيات الزمان، والمكان والحال، فقد أمرنا أن نحدث الناس، بما يفهمون – و ما حدث قوم بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان عليهم فتنة – و إلا طرحناه.
و ما تفعل :
ولا كل فعل ظهر لنا نفعله. بل حتى نعلم حكم الله٣ تعالى فيه، لنكون على بنية من خيره وشره، ونفعه وضره فما أمر تعالى إلا بما هو خير وصلاح لعباده، و ما نهى تعالى إلا عما هو شر و فساد لهم، أو مؤد إلى ذلك.
و إذا كان من المباحات نظرنا في نتائجه و عواقبه ووازنا بينهما، فإذا علمنا بعد هذا كله من أمر ذلك الفعل ما يقتضي فعله فعلناه، و إلا تركناه.
و أثر ذلك :
فلا تكون عقائدنا – إذا تمسكنا بهذا الأصل الإسلامي العظيم – إلا حقا.
و لا تكون أقوالنا إلا صدقا.
و لا تكون أفعالنا إلا سدادا.
أس البلاء :
و لعمر الله إنه ما دخل الضلال في عقائد الناس، ولا جرى الباطل والزور على ألسنتهم، ولا كان الفساد والشر في أفعالهم، إلا بإهمالهم، أو تساهلهم في هذا الأصل العظيم.
المعنى :
نهينا عن أن نتبع ما ليس لنا به علم، فالذي نتبعه هو ما لنا به علم ؛ أي لنا به علم يقتضي اتباعه ؛ بأن يكون من عقائد الحق، و أقوال الصدق، وأفعال السداد :
فأما ما كان من عقائد الحق في أمر الدين، أو في أمر الدنيا، فلا حظر في اعتقاد شيء منه.
و أما ما كان من أفعال السداد فكذلك.
ليس كل صدق يقال :
و أما ما كان من أقوال الصدق ففيه تفصيل : إذ ليس كل قول صادق يقال.
فالنقائص الشخصية في الإنسان لا تقال في غيبته : لأنها غيبة محرمة، و لإيجابه بها في حضوره لأنها أداة ؛ إلا إذا أوجبها على وجه النصيحة بشروطها المعتبرة، التي من أولها ألا تكون في الملأ.
و هكذا يحدث في مثل هذه الأصول الكلية عندما يتفقه فيها : أن ينظر فيما جاء من الآيات والأحاديث مما في البيان لها، والتفصيل في مفاهيمها.
تفريع :
الفرع الأول :
من اتبع ما ليس به علم فقد اعتقد الباطل في أمر الدين، أو في حق الناس، أو قال الباطل كذلك فيهما، أو فعل المحظور.. فهو آثم من جهتين :
( ١ ) اتباعه ما ليس له به علم. واعتقاده أو قوله للباطل وفعله للمحظور.
ومن اعتقد حقا من غير علم، أو قال في الناس صدقا عن غير علم، أو فعل غير محظور عن غير علم فإنه – مع ذلك – آثم من جهة واحدة، وهي اتباعه ما ليس له به علم، ومخالفته لمقتضى هذا النهي.
الفرع الثاني :
حكم المقلد
المقلد في العقائد الذي لا دليل عنده أصلا، و إنما يقول : سمعت الناس يقولون فقلت. هذا آثم لاتباعه ما ليس له به علم. فأما إذا كان عنده دليل إجمالي كاستدلاله بوجود المخلوق على وجود خالقه فقد خرج من الإثم، لتحصيل هذا الاستدلال له العلم.
و المقلد في الفروع دون علم بأدلتها متبع لمفتيه فيها، يصدق عليه باعتبار ا

١ جرير، هو أبو حرزه ابن عطيه الخطفي من تميم، توفي سنة ١١٠ ه، وله ديوان كبير.
وحذاري : حذري. والبين والنوى : البعد والفراق. والكاشح المتفوق : المتقول بالباطل.
.

٢ سورة يوسف. الآية ٨٢.
.

٣ أي بعرض كل على كتاب الله و سنة رسوله، ليقولا رأي الحكيم الخبير فيه، لا أن نرى ذلك و نقوله ونفعله، ثم نلتمس له الفتوى من القرآن و السنة قهرا وقسرا.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير