٣٦ - قوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الآية. تقف من قوله: قفوت أثر فلان، أَقْفُو قَفْوًا (١) وقُفُوًّا، إذا اتَّبَعْتَ أثره، وسُمِّيت قافية الشِّعْر قافية؛ لأنها تَقْفو البَيْت، ثم يُثَقَّل قَفَّا بالتشديد، فيصير واقعًا كقوله: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا [الحديد: ٢٧]، هذا معنى القفو في اللغة (٢).
قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية: لا تقل ما ليس لك به علم (٣)، وقال مجاهد: لا تَرْمِ (٤).
وقال قتادة: لا تقل: سمعت، ولم تسمع؛ ورأيت، ولم تَرَ؛ وعلمت، ولم تعلمْ (٥).
وقال الحسن: لا تكذب على فؤادك؛ تقول: علمت ما لم تعلم، ولا على سمعك تقول: سمعت ما لم تسمع، ولا على بصرك تقول: أبصرت ما لم تبصر (٦).
(٢) انظر: (قفو)، (قفا) في: "تهذيب اللغة" ٣/ ٣٠١٣، و"المحيط في اللغة" ٦/ ٣٨، و"الصحاح" ٦/ ٢٤٦٦، و"اللسان" ٦/ ٣٧٠٨.
(٣) أخرجه "الطبري" ١٥/ ٨٦ مختصرًا من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، وورد في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٥٥ بنصه، انظر: "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٥، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٢٩ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه "الطبري" ١٥/ ٨٦ بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس ٤/ ١٥٥، و"تهذيب اللغة" (قفا) ٣/ ٣٠١٥، و"تفسير الثعلبي" ٧/ ١٠٨ ب، انظر: "تفسير البغوي" ٥/ ٩٢، و"اللسان" (قفا) ٦/ ٣٧٠٨.
(٥) أخرجه بنصه "عبد الرزاق" ٢/ ٣٧٨، و"الطبري" ١٥/ ٨٦ من طريقين، وورد بنصه في "تفسير الثعلبي" ٧/ ١٠٨ ب، و"الماوردي" ٣/ ٢٤٣، و"الطوسي" ٦/ ٤٧٧، وأورده السيوطي في "الدر" ٤/ ٣٢٩ وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٦) لم أقف عليه.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: لا تشهد إلا بما رأته عيناك وسمعته أذناك ووعاه قلبك، ونحو هذا القول روي عن ابن الحنفية أنه قال: هذه الآية في شهادة الزور (١)، هذا جملة ما ذكره المفسرون في هذه الآية، وحقيقة تأويله ما قاله الزجاج: لا تقولنَّ في شيء بما لا تعلم، والتأويل لا تُتْبِعَنْ لسانَك من القول ما ليس لك به علم (٢).
وقوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ إلى آخرها. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يسأل الله العباد فيما استعملوها (٣)، وفي هذا زجر عن النظر إلى ما لا يحل، والاستماع إلى ما يحرم، وإرادة ما لا يجوز.
قال صاحب النظم: هذه أحساس هذه الأعضاء التي هي: أذن وعين وقلب؛ فالسمع حس الأذن، والبصر حس العين، والفؤاد حس القلب.
وقوله تعالى: كُلُّ أُولَئِكَ قال أبو إسحاق: كل جمع أَشَرْتَ إليه من الناس وغيرهم من الموات، فلفظه أُولَئِكَ (٤)، ونحو هذا قال الأخفش (٥)، وأنشد لجرير:
| ذُمَّ المنازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى | والْعَيْشَ بَعْدَ أُولئِكَ الأَيامِ (٦) |
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٣٩، باختصار.
(٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي ٢/ ٤٩٧، بنصه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢٣٩، بنصه.
(٥) "معانى القرآن" للأخفش ٢/ ٦١٢، بنحوه.
(٦) "ديوانه" ص ٤٥٢ وفيه: (الأقوام) بدل (الأيام) ولا شاهد في هذه الرواية، وورد بهذه الرواية في: "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦١٢، و"معاني القرآن وإعرابه" =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي