ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

وإِذا مسَّكم الضرُّ في البحر يعني : خوف الغرق، ضَلَّ ؛ غاب عنكم من تَدْعُون ؛ من تعبدون من الآلهة. أو : من تستغيثون به في حوادثكم، إِلا إِيَّاه وحده، فإنكم حينئذ لا يخطرُ ببالكم سواه، ولا تدعون، لكشفه، إلا إياه، فكيف تعبدون غيره، وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه ؟ فلما نجَّاكم من الغرق إِلى البر أعرضتم عن التوحيد، أو عن شكر النعمة، وكان الإِنسانُ كفورًا بالنعم، جحودًا لها، إلا القليل، وهو كالتعليل للإعراض.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : العباد الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، هم الذين أضافهم إلى نفسه ؛ بأن اصطفاهم لحضرة قدسه، وشغلهم بذكره وأُنسه، لم يركنوا إلى شيء سواه، ولم يلتجئوا إلاَّ إلى حماه. فلا جرم أنه يحفظهم برعايته، ويكلؤهم بسابق عنايته. فظواهرهم قائمة بآداب العبودية، وبواطنهم مستغرقة في شهود عظمة الربوبية. فلمَّا قاموا بخدمة الرحمان، حال بينهم وبين كيد الشيطان، وقال لهم : ربكم الذي يُزجي لكم فلك الفكرة في بحر الوحدة ؛ لتبتغوا الوصول إلى حضرة الأحدية، إنه كان بكم رحيمًا.
ثم إذا غلب عليكم بحر الحقيقة، وغرقتم في تيار الذات، غاب عنكم كل ما سواه، وطلبتم منه الرجوع إلى بر الشريعة، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم عن شهود السِّوى، وجحدتم وجوده، لكن القلوب بيد الرحمان، يُقلبها كيف شاء ؛ فلا يأمن العارف من المكر، ولو بلغ ما بلغ، ولذلك قال : أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ؛ فتغرقون في الحس، وتشتغلون بعبادة الحس، أو يُرسل عليكم حاصباً : وارداً قَهَّارِيًّا، يُخرجكم عن حد الاعتدال، أم أمنتم أن يُعيدكم في بحر الحقيقة، تارة أخرى، بعد الرجوع للبقاء، فيرسل عليكم واردًا قهاريًا يُخرجكم عن حد الاعتدال، ويحطكم عن ذروة الكمال، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير