ثم ذكر نوعا من هذا القبيل، الذي أعمى الله بصيرته، فقال :
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً * وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً
قلت : وإن : مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها : ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي : إن الشأن قاربوا أن يفتنوك.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإِن كادُوا أي : كفار العرب، ليَفتنونُك عن الذي أوحينا إِليك ؛ من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، لتفتريَ علينا غيره ؛ لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك. نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم : لا نَدْخُلُ في أَمْركَ حتى تُعْطِينَا خِصَالاً نَفْتَخِرُ بها على العَرَبِ : لا نُعشَّرُ، وَلا نُحشَّرُ، وَلاَ نَحْنِي في صَلاَتِنَا، وكُلُّ رِبًا لنَا فهُو لنَا، وكلُّ رِبًا عَلَيْنَا فهو مَوْضُوعٌ، وأنْ تُمَتِّعنا باللات سَنَةً، وأن تُحَرِّمَ وَادِيَنا كما حرمت مكة، فإذا قالت العَرَبُ : لِمَ فَعَلْتَ ؟ فقُل : الله أَمَرَنِي بذلك. فأبى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم. فالآية، على هذا، مدنية. وقيل : في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لا نُمكنك من استلام الحجر، حتى تلمّ بآلهتنا، وتمسّها بيدك١. وقيل : قالوا : اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة.
وإِذًا لاتخذوكَ خليلاً أي : لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليًا وحبيبًا، ولخرجت من ولايتي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي